Tag: الشخصية الوطنية

  • عيسويات٢

    حديث الوادي
    عيسويات…
    – ٢ –
    ولابد من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسوية الخالدة، فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أن ينقطع، لأن فيها من العبر والعظات، ما ينبغي للمصريين أن يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأن ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع. هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، درس في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أن ينفع نفسه، وأن ينفع وطنه، بما يقبل عليه من درس وتحصيل. حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نابه الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة قارح الأقدام.. كما يقول الشاعر القديم، مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشد الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تُحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أن يستقل بأمره، وأن يستقل أبناؤه بحاجاته وأن يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض. فلم يكد يبلغ وطنه ويستقر فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر، فإذا الحكومة المصرية ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أن ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أن يقنع به الشاب المصري، من أن يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أن يرضى به الشاب المصري، من أن يكون طالبًا مهما يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغِ فيه، ومن أن ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأن يقنع بما يجب أن يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة. ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همُّه، ولم تفل عزيمته، وإنما جد في العمل وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقل ما يرضون، وحملهم على أن يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون. وخيل إليه أنه بعد طول
    العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أن ينهض بها منذ زمن بعيد. وما له لا ينتظر هذا، وقد طلب الأجانب أنفسهم له أن يشغل منصب الأستاذ. ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أن يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق ويطلب أن يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة – حسب التفهيم – ثم يكتب الرد – حسب التفهيم – فإذا التفهيم توافقَ بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف، لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أن ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أن يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإن كان كفؤًا ليس في كفايته شك. والذي يريد أن يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرجوا منه، ولم يشفقوا من شره، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين، لأن ظروف السياسة الحرجة تُريد المصريين على ألا يظلموا المصريين، وتُريد المصريين على أن يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.
    لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة. فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليمية، وإدارية، نتيجتهما الطبيعية أن يصغر المصري أمام المصري، وأن يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال تأمر بأن يكون الموظف المصري، مهما يعظم أمره، مطيعًا للموظف الإنجليزي، مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسية في مصر ما يقرب من نصف قرنٍ، لم تُمحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.
    ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يُحْيي في نفس المصري عزةً، ولا كرامةً، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمحَ آثاره يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء، بالتخويف والإغراء.
    فلا تعجب إذًا حين ترى مصريين يتفقون فيما بينهم على أن يقصوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.
    ولا تظن أن هذه القصة فذةً، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة، تقع للشبان المصريين جميعًا. سل من شئتَ من هؤلاء المصريين، الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصلوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته. سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أُخمِدت، أو كادت تخمد. صب عليها الوزراء، وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز، والشك في قيمة المصريين.
    هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحن إليه الإنجليز، ويتمدحون بمحاسنه. أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخفناهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف. فأي غرابة في أن يحن الإنجليز إلى هذا العهد ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كَوَّنَ لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويكبرونهم كل الإكبار.
    إلى أي حد ينبغي أن يُلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسوية؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر، فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري مهما يكبر ملزمًا فيه أن يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصرية فيه تكون التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب…
    طه حسين
    الوادي، ١٦ يونيو ١٩٣٤.

  • حياة

    حديث المساء: حياة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ يناير ١٩٣٤

    حياة جميلة مُشَرِّفة هذه التي يحياها الشعب المصري السعيد منذ أعوام، كلها خير ورخاء، وكلها سعادة وإقبال، وكلها عزة وكرامة، قد شبع الناس فيها وارتووا حتى أسرفوا على أنفسهم، وأصبحوا عرضة للتخمة وما يشبه التخمة من الأدواء، ليس فيهم جائع ولا ظمآن، ليس فيهم معدم ولا محروم، كلهم مترف أو كالمترف، وكلهم غني أو كالغني.

    وقد أمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم ومنافعهم؛ فهم لا يخافون شيئًا، وهم لا يرجون شيئًا، لا يخافون لأنهم أصبحوا فوق الخوف، ولا يرجون لأن آمالهم كلها محققة، وأمانيهم كلها ميسرة؛ يكفي أن يريد أحدهم فإذا هو ظافر بما يريد، ويكفي أن يأمل أحدهم فيمد يده، فإذا هو يأخذه أمله أخذًا، ويضمه إليه ضمًّا، وكلهم عزيزٌ في نفسه لا يقبل الضيم، ولا يتعرض لقبول الضيم، حرٌّ في وطنه، كريمٌ على الناس.

    قد أسرف في العزة حتى بلغ الكبرياء، وأسرف في الحرية والكرامة حتى خيفت بوادره، وحسبت البلاد الأجنبية له كل حساب، وأشفقت أن يدفعه فضل القوة والبأس إلى أن يخرج من داره مُغيرًا على ما حوله من البلاد، مُعرِّضًا السلم لخطر عظيم.

    هذه هي الحياة التي يحياها الشعب المصري السعيد في هذه الأيام، والغريب أن النعمة قد غمرته، وألحت عليه حتى أنسته أنه مُنعَّم، وأن السعادة قد أغرقته حتى أنسته أنه سعيد، وحتى انتهى الأمر به إلى البطر والأشر، فإذا هو ساخط لا يرضى، ومبتئس لا يبتهج، ومشغول لا يعرف فراغ البال، وإذا صحفه تلح في الشكوى، وتمعن في الحزن، وتتبرم بالأيام، وإذا هو غير راضٍ عن شيء، ولا مطمئن إلى شيء؛ يضيق بالوزارة ولم يخلق الله بعدُ وزارة مثلها، ويضيق بالبرلمان ولم يخلق الله بعدُ برلمانًا مثله، ويخيل إليه أن الأجانب يعتدون عليه ويزدرونه، ويطغون عليه في بلاده، ولا يرعون له حرمة الضيافة وحقوق الجوار.

    كل ذلك لأنه مريض بالبطر والأشر، قد أطغته النعم الطاغية، وأفسدته السعادة الغالية؛ فاختلط عليه الأمر، فهو لا يدري ماذا يصنع ولا كيف يقول.

    وما رأيك في شعب أتيحت له وزارة لم تكد تتولى مناصب الحكم فيه حتى انصرفت إلى أموره انصرافًا تامًّا تدبرها أحسن تدبير، وتقوم عليها خير قيام لا يشغلها كبير الأمور عن صغيرها، ولا يصرفها صغير الأمور عن كبيرها، تعنى بالشعب في الليل، وتعنى بالشعب في النهار، تعنى به في اليقظة، وتعنى به في النوم، على حين تشغل الوزارات في البلاد الأخرى بنفسها عن الشعب، وتلهو الوزارات في البلاد الأخرى بالسخف عن مصالح الشعب؟

    ولقد حدثونا أن وزارة من الوزارات في بلد من البلاد الأجنبية — لا أذكر اسمه الآن — أنفقت أكثر من شهرين لا تُعنى بشيء، ولا تهتمُّ لشيء، ولا تفكر في شيء، إلا في رجل يسمى صدقي باشا، كان رئيسًا للوزارة، ثم أبعد عن الوزارة، وهمَّ بمحاربة الذين خلفوه على الحكم، فانصرف إليه خلفاؤه ينصبون له الحرب، ويسدون عليه الطرق، ويأخذون عليه المسالك: يحاربونه في حزبه حتى يخرجوه من الحزب، ويحاربونه في البرلمان حتى يزهدوه في البرلمان، ويشغلهم هذا كله عن شعبهم البائس المحروم، فلا يدفعون عنه بؤسًا، ولا يردون عنه حرمانًا.

    والشعب يشكو فلا يسمع له أحد، ومنافعه تضيع فلا يحفل بها أحد. حدثونا عن هذا البلد الأجنبي الذي انصرفت وزارته كلها لحرب رجل واحد، وأهملت وزارته كلها شئون شعب كامل، فلم نكد نقارن بين هذا البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، وكفر النعمة، وإنكار الجميل، وحدثونا عن بلد آخر تقوم الوزارة فيه مقام القوي العزيز، وهي أضعف الوزارات وأقلها حظًّا من البأس؛ لأنها — فيما قالت بعض الصحف — تسل على رءوس النواب في بلادها سيف الحل، تنذرهم به كلما هموا أن يبدوا لها صفحة، أو يظهروا عليها خلافًا.

    وهي لا تنذرهم بذلك في البرلمان، أو في ديوان من دواوين الحكومة؛ لأنها إن فعلت ذلك خالفت الدستور الذي يضمن للنواب حريتهم كاملة، ويجعلهم فوق التهديد والوعيد، وإنما تنذرهم بذلك في اجتماعات تعقد في أندية الأحزاب ودور الوزراء، وفي أحاديث تُلقى إلى بعض الناس، وينطلق بها بعض السعاة، فتذاع وتشاع وتملأ الأسماع. وهي مع ذلك ليست حقًّا؛ لأنها صدرت ولم تصدر، وقيلت ولم تقل، وهددت ولم تهدد، والنواب في ذلك البلد يستمعون لهذه الأحاديث، ويرتاعون لهذه النذر، فتسمع كثرتهم، وتقر وتذعن كثرتهم وتؤمن.

    وقد زعموا أن قلة منهم أنكرت ذلك وضاقت به، فهمت باستجواب الوزارة فلقيت — ويا شر ما لقيت! — لقيت ضجيجًا وعجيجًا، ولقيت تأنيبًا وتقريعًا، ولقيت قرارًا من مجلس النواب بأنها خالفت الدستور بهذا الاستجواب، وعادت إلى دورها مخذولة مدحورة. كانت تريد حماية الدستور، فظهر أنها اعتدت على هذا الدستور، كانت تريد إحراج الوزراء، فاضطرها الوزراء إلى الحرج المنكر القبيح.

    حدثونا عن هذا البلد الأجنبي، فلم نكد نقارن بينه وبين مصر هذه التي لا يرقى الاعتداء فيها إلى الدستور ولا إلى القانون، ولا يجرؤ الوزراء فيها على أن يذكروا النواب إلا بالخير، ولا أن يفكروا في النواب إلا مع الإجلال والإكبار، ولا يكاد النواب فيها يهمون حتى يفعلوا، ولا يكاد النواب فيها يفعلون حتى يؤمن الوزراء لهم ويذعنوا. لم نكد نقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، ومن كفر النعمة، وإنكار الجميل، وحتى رحمنا النواب والوزراء من هذا الظلم الذي ينالهم في كل يوم، وأشفقنا عليهم من العمل لشعب لا يقدر العاملين.

    وحدثونا عن بلد أجنبي آخر كثر فيه الأجانب وأسرفوا على أهله في كل شيء، أسرفوا عليهم في الاستغلال، وأسرفوا عليهم في الاستذلال، وأسرفوا عليهم في الغطرسة، وأسرفوا عليهم في الازدراء، وانتهوا بهم من إسراف إلى إسراف حتى أخذوا يتحكمون فيما يقول خطباؤهم، وما يكتب كتابهم.

    خطب عظيم من عظمائهم خطبة ذات يوم لم تُرضِ الأجانب، فذهب وزراؤهم المفوضون ينكرون ويلاحظون، وطلبوا إلى رئيس وزرائهم أن يحتاط؛ لأن تلك الخطبة قوبلت بتصفيق شديد، ويوشك هذا التصفيق أن يغري الصحف بمجاراة الخطيب، والخير كل الخير في ألا يقول الخطباء مثل ما قال الخطيب مما لا يحب الأجانب أن يقال، فإذا طغى على الخطيب لسانه فقال ما لا يحب الأجانب؛ فالخير كل الخير أن لا يصفق له السامعون، فإذا طغت على السامعين أيديهم فاندفعت إلى التصفيق، فالخير كل الخير أن لا تكون الصحف صدًى لرضا الراضين وإعجاب المعجبين.

    فلم نكد نسمع هذا الحديث ونقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين شكهم في الأجانب، وضيقهم بلطف الأجانب، وتجنيهم على الأجانب، وإثقالهم على رئيس الوزراء في ألا يقبل من الأجانب إلا الخضوع الذي لا يشبهه خضوع، والتسليم الذي لا يقاربه تسليم، وحتى رحمنا الأجانب الذين يعيشون في مصر؛ لأن المصريين يسومونهم ألوان الخسف، ويذيقونهم فنون العذاب، فلا يلقون منهم إلا رضًا وابتسامًا، ولا يسمعون منهم إلا حمدًا وثناء، ولا يجدون منهم إلا إجلالًا وإكبارًا.

    لا يفكر أحدهم في أن يسعى إلى رئيس الوزراء، فضلًا عن أن يبلغه ملاحظة، أو يرفع إليه احتجاجًا، أو يزعم له أن حكومته قد أتت من الأمر ما لا يليق، ولو قد همَّ أحد من الوزراء الأجانب في مصر بهذا أو ببعض هذا لما طاب له المقام على ضفاف النيل، ولاضطر إلى أن يرحل مع أبناء جنسه عن أرض الفراعنة، أو يقدم الاعتذار من تدخله فيما لا ينبغي له أن يتدخل فيه.

    والناس يحدثوننا في كل يوم عما تلقاه الشعوب من ألوان الذل، وما تأتيه الوزارات من أنواع الظلم، وما يجنيه الأجانب من ضروب التحكم، فنسمع الأحاديث ونقيس ما يقع في تلك البلاد إلى ما يقع في هذه البلاد؛ فلا يزيدنا ذلك إلا أسفًا وحزنًا؛ لأن المصريين في حاجة حقًّا إلى أن يتعلموا شكر النعمة، والاعتراف بالجميل، ونظن أن أحق الناس باللوم، وأعظمهم حظًّا من التقصير إنما هو وزير التقاليد؛ لأنه لا يعنى بالتعليم كما ينبغي، ولو قد فطن لما يجب عليه، وقدر تبعاته حق قدرها؛ لأنشأ في كل معهد وفي كل مدرسة دروسًا تعلم المصريين كيف يشكرون النعمة، ويعرفون الجميل، ويقدرون الإحسان للمحسنين، ولكلف أساتذة الجامعة أن يعنوا في محاضراتهم العامة بتقويم هذا العوج في أخلاق المصريين.

    ولعل وزير الداخلية ملوم أيضًا، فقد يحسن أن يراقب الصحف، وأن يردها إلى الرشد كلما جارت هذا الشعب البطر الأشر فمست الوزراء أو النواب بشيء من النقد، فوزير الداخلية يعلم حق العلم أن وزراءنا ونوابنا لا ينبغي أن يرقى إليهم النقد؛ لأنهم لا يأتون — ولا يمكن أن يأتوا — ما يعرضهم للنقد اللين أو للنقد الشديد.

    ما أجدر المصريين أن يفكروا في حياتهم! وما أجدر وزراء المصريين أن يعلموهم كيف يكون التفكير في حياتهم! فلو عرف المصريون كيف يقارنون بين أنفسهم وبين غيرهم من الشعوب لاستيقنوا أنهم يحيون الآن حياة فذة في التاريخ تحسدهم عليها الأمم، وتنفسها عليهم الشعوب.

  • الألقاب والثياب

    الألقاب والثياب
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢١ أغسطس ١٩١٢

    ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!

    أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.

    أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!

    ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …

    يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!

    ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.

    اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.

    إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟