Tag: الشهداء

  • الحديث المعاد | The Repeated Talk

    الحديث المعاد…
    بقلم الدكتور طه حسين
    إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
    أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
    فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
    إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
    وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
    طه حسين
    الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣

  • من حديث الشهداء | From the Tale of the Martyrs

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    "لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه".
    قال أصحابه:
    "وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟".
    قال:
    "أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    "إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء".
    قال قائل:
    "وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟".
    قال نسطاس:
    "والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء".
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    "لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار".
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    "وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار".
    قال رجل من أصحابه:
    "إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟".
    قال قائل منهم:
    "ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً".
    قال الآخرون:
    "ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟".
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    "فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة".
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

  • الشهداء | The Martyrs

    الشهداء
    كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
    وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
    وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
    وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
    ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
    ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
    كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
    ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
    مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
    وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
    رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
    رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
    في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
    شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
    هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
    هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .