Tag: الشيوعية

  • بغداد | Baghdad

    بغداد

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٧ أبريل ١٩٥٩

    كانت تُسمى فيما مضى من الزمان مدينة السلام، وكانت تُسمى أيضًا دار السلام، وكانت تُسمى في كثير من الأحيان مدينة الإسلام. وكان هذا كله حين استقر فيها الخلفاء العباسيون الذين مدُّوا ظل الخلافة على الشرق العربي كله، والذين أنزلوا العلم والأدب والفن والفلسفة من قلوبهم أثبتَ المنازل وأرسخها، والذين وقفوا صفوة جهودهم على ترقية الحضارة وتقويتها، والذين لم يفرغوا قط — أو لم يكادوا يفرغون — من تدبير الحرب والقيام على الإعداد لها، ويدبرونها مرة من بعيد ويقودونها مرة من قريب؛ يفعلون ذلك لحماية الحضارة وحياطة الدين وتأمين الناس على أنفسهم وأموالهم وأعمالهم، من غارات الأجنبي على الحدود، ومن ثورات المبتدعين في الدين والخارجين على النظام والمفسدين في الأرض؛ الذين استجابوا لأهوائهم وانقادوا لشهواتهم واندفعوا في مغامراتهم، لا يحفلون بشيء ولا يرهبون شيئًا ولا يرجون لأحد ولا لشيء وقارًا.

    مدينة السلام والإسلام وعلى رغم هذه الحروب المتصلة والثورات التي لم تكن تخمد إلا لتشب؛ فقد كانت مدينة بغداد مدينة السلام دائمًا ومدينة الإسلام دائمًا، لم يضطرب فيها الأمن ولم يختل فيها النظام ولم تبلغها الحرب، بل لم تدنُ الحرب منها. كانت آمنة كل الأمن، يفرغ العاملون فيها للعمل، ويفرغ العلماء فيها للعلم، تنشر المعرفة في أرجاء العالم القديم كما لم تنشرها مدينة إسلامية قبلها أو بعدها، ولم يكن لهذا كله مصدر إلا لأنها كانت في تلك الأيام مدينة الأمن والإسلام والسلام جميعًا. كذلك كانت فيما مضى، فأين هي الآن من الأمن والإسلام والسلام؟ وأين الأمن والإسلام والسلام منها …؟ جواب هذا السؤال في هذه الأيام يملأ القلوب حزنًا، ويملأ النفوس ألمًا؛ فهي أبعد ما تكون من الأمن، وأقصى ما تكون من الإسلام، وأنأى ما تكون عن السلام. لا يستطيع إنسان أن يسعى فيها أثناء النهار المبصر إلا والوجل رفيقه في كل خطوة يخطوها، والفزع صاحبه حين يستقيم له الطريق وحين ينحرف به، فهو خائف إن رأى مقبلًا عليه، وهو خائف إن أحس ماشيًا من خلفه، لا يسمع نبأة ولا يحس حركة إلا أشفق أن تكون نذيرًا لشر يرقبه أو هولًا قد أُرصد له، يريد أو يود لو استقر في داره؛ ولكنه لا يلبث أن يحقق في نفسه أن الاستقرار في الدار والخروج منها سواء؛ لأن الهول الذي يُصب على الناس قد تجاوز كل طور، فهو لا يرعى حرمة ولا يُقدر حقًّا، قد رخصت عنده حياة الإنسان، وأُهدرت عنده حقوقه، ومضى في سبيله لا يلوي على شيء، لا يبقي على شيء أيضًا. وكذلك ودَّع الأمن هذه المدينة إلى أجل قد يطول وقد يقصر، ولكنه ودَّعها وترك فيها فتنة مظلمة، ثم لم يلبث أن ودع العراق كله وترك الناس يموج بعضهم بعضًا، وأقاموا أمرهم كله على الخوف والمكر والخداع. فارق الأمن بغداد وفارقها السلام أيضًا، وأقامت الحرب فيها، ولكنها الحرب المنكرة التي تثور بين أبناء الوطن الواحد، وتقطع ما بينهم من أسباب الإخاء والمودة، وتجعل بأسهم بينهم شديدًا؛ قوم منهم يحاربون لأنهم باعوا أنفسهم للأجنبي، وأصبحوا له أتباعًا وخُدامًا، ولم يكتفوا بأن يبيعوا وطنهم لهذا الأجنبي وأن يردوه إلى الرق بعد أن عرف الحرية واطمأن إليها، وفتح لنفسه في ظلها آمالًا لا تحد في العزة والكرامة وفي السؤدد والرخاء، وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يريدون أن يُردوا إلى الرق ولا أن يفرِّطوا في الحرية بعد أن ذاقوها واستحبوا مذاقها، ولا أن تغلق من دونهم آمالهم العراض بعد أن فتحت لهم أبوابها.
    ***
    وكذلك فارق الأمن والسلام بغداد، بل فارق الأمن والسلام العراق، وأصبح أهله أعداء بعد أن كانوا بنعمة اللَّه إخوانًا، وأبى الإسلام وأبت العروبة أن يفارقا وطنًا أصلًا من أوطانهما، قد استقرَّا فيه وازدهرَا منذ عهد بعيد جدًّا قبل أن يوجد الاستعمار والمستعمرون، وقبل أن توجد الشيوعية وأصحاب الشيوعية. وأقام الإسلام والعروبة في العراق، ولكن على قلق وإشفاق واستبسال في المقاومة، وفقدت بغداد كل حال هذه القيم العليا التي كان اسمها يضاف إليها. قيم الأمن والسلام والإسلام والعروبة … وكانت بغداد بل كان العراق قد اختلفت عليها محن كثيرة، وتتابعت عليهما خطوب وأهوال لا تكاد تُحصى، وأظلهما الظلم والجهل قرونًا طوالًا، وخُيل إليهما منذ حين أن قد آن للظلم أن تنجلي ظلمته، وآن للجهل أن تنقشع سحبه المتراكبة المتراكمة، وأن تعود الحضارة والعلم منهما إلى مستقرهما القديم. ولكن كيد الاستعمار شديد، وكيد الشيوعية أشد … فلم تكد الغمرات تنجلين حتى عادت أدراجها، فملأن بغداد والعراق شرًّا ونكرًا، وكان العلم قد حاول أن يعود إلى العراق وأن يستقر فيه أثناء العصر الحديث، كما استقر فيه أثناء العصور الأولى، ولكنه يُنفى الآن من أرض العراق بفضل الاستعمار والشيوعية، كما نُفي قديمًا من أرض العراق بفضل التتار وغيرهم من عشاق الجهل وأحباء التخريب الذين استعمروه قبل أن يستعمره الغرب الأوروبي، وقبل أن تطمع فيه الشيوعية وتطمح إليه. وكان العراق يُمتحن في عصوره العربية القديمة بكثير من الفتن التي كانت تنشر فيه الخوف والهلع، وتشيع في أهله الشر والنكر، ولكنه كان دائمًا يقاوم هذه الفتن، على كل حال، أن تبلغ بغداد ولا أن تُشيع فيها خوفًا ولا ذعرًا.
    ***
    في العراق ظهر الخوارج الذين كانوا يقرءون القرآن لا يكاد يتجاوز تراقيهم، كان ذلك يُروى عن النبي ﷺ، في حديث معروف، والذين كانوا يحتكرون الإسلام لأنفسهم وينكرونه على غيرهم، والذين كانوا يستحلون سفك الدماء ونهب الأموال، والذين نغَّصوا على ولاة العراق وأمرائه أيامهم وأرَّقوا لياليهم، ولكن فتنتهم تلك على طولها وكثرة شرها ونكرها، لم تسيطر على العراق في يوم من الأيام ولم تمنعه من أن يكون أهم المراكز الإسلامية للثقافة والعلم على اختلاف فروعهما. وفي العراق ظهرت ثورة الزنج التي أفسدت أمور البصرة وأزعجت عاصمة الخلافة، ولكنها لم تستطع أن تسيطر على العراق ولا أن تزعزع مكانته في الثقافة والعلم والحضارة. ومن العراق انبعثت ثورة القرامطة التي أزعجت العراق والشام وكادت تبلغ مصر، والتي آمنت بشيء يشبه الشيوعية من وجوه كثيرة، ولكنها لم تُظهر الإلحاد ولم تُمعن فيه، وخمدت نارها آخر الأمر دون أن تتمكن من السيطرة على العراق. وفتن كثيرة أخرى امتُحن بها العراق في عصوره العربية الأولى، ولكنه كان دائمًا ينتصر عليها ويمنعها من أن تسيطر عليه. فالعراق يُمتحن بالفتن منذ أقدم العصور العربية، ولكنه منتصر على الفتن دائمًا، في أهله مناعة وقدرة على المقاومة وثبات على عروبته ودينه. وما أشك في أن الفتنة التي تفسد عليه أمره الآن ستنجلي غمرتها في وقت يقصر أو يطول، وأكبر الظن أنه لن يطول.
    ***
    والأمر كله محتاج إلى الصبر والثبات والمقاومة والامتناع على الطامعين والطامحين، والذين يتحرقون ظمأ إلى السيطرة عليه وإلى استغلال أرضه واستذلال أهله، والأمر محتاج أيضًا إلى أن يشعر أهل العراق بتضامن إخوانهم العرب معهم وتأييد ما يبذلون من جهد وما يقدمون من تضحية؛ ليظلوا كما كانوا دائمًا جديرين بتاريخهم، وليظل وطنهم كما كان مركزًا من مراكز العروبة وموطنًا من مواطن الثقافة والحضارة والعلم. والعالم العربي كله مدين بالتضامن مع العراق والتأييد لمقاومته لهذا التراث العربي الخطير الذي قدمه العراق إلى العرب في عصوره القديمة. وما أعلم أن العرب يحبون جحود الجميل، وما أعلم أن العرب يُقصرون في أداء الواجب حين يُطلب إليهم أداؤه، وكل شيء يطالبهم الآن بأن يؤدوا واجب التضامن والتأييد لإخوانهم في العراق وبألا يريحوا ولا يستريحوا، حتى يخرج العراق ظافرًا من هذه المحنة المنكرة، وحتى ينتصر على الاستعمار الغربي والشيوعية، وحتى تعود بغداد إلى ما كانت بسبيله من الجد والكد في استرداد مجدها القديم، وفي أن تعود كما كانت مدينة السلام ودار السلام ومدينة الإسلام.

  • بعض وجهات التفكير الحديث | Some Perspectives on Modern Thought

    بعض وجهات التفكير الحديث

    طه حسين

    مجلة الهلال

    فبراير ١٩٣٧

    … أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.

    وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.

    وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.

    ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.

    فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.

    ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.

    كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.

    وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.

    فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.

    ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:

    فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.

    والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.

    وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.

    ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.

    وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!

    هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.

    ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.

    وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.

    والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.

    ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.

    وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!

    تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.

    وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.

    أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.

    وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.

    على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.

    فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.

    إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.

    اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.

    أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.

    إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.

    ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.

    ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.

    وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.

    وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.

    أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.

    أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.

    ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.

    وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.

    ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.

  • إذلال | Humiliation

    إذلال
    يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكرة لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث. والسياسة مصدر هذه المحنة. فقد أبت إلا أن تتسلط فتجور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتخضع لأهوائها وشهواتها كل شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانا، والتي جعل الله بها للناس كرامة تحفظ، وحرمة تُرعى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، وملكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.
    وقد عرفت الأمم في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل وازدراء كرامته وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.
    أما في ألمانيا فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبطوا الأسفار حتى إذا ما انتهوا إلى ميدان أو ميادين؛ جمعوا لهذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها ثم أضرموا فيها النار فحرقوها تحريقا، وهم في أثناء ذلك فرحون مبتهجون. وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السكر، وتملأ قلوبهم هياما بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيمة.
    يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين، وتقرّه حكومة منظمة تعد نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.
    نعم، وتنفض المجامع العلمية والأدبية والفنية فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب فإن لم يُقصوا عمدًا، سلطت عليهم ظروف قاسية تضطرهم إلى أن يُقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها؛ أقيم مكانهم قوم آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يقدمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء حتى بالعلم والفن والأدب.
    نعم، وفي أثناء هذا كله تُحْظَر كتب مطبوعة على القراء، فلا يجوز أن تباع ولا أن تُشترى، وتعلن أسماء طائفة من المؤلفين قد محي حقهم في التحدث إلى الناس محوا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرؤوهم ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تعرضها للبيع.
    نعم، ولا يتحرج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان ويقول في هذه الخطبة: «لقد آن الوقت الذي تطهر فيه ألمانيا قاذورات العقل».
    تبارك الله، لقد آمن الناس منذ قرون وقرون أن جذوة العقل هي التي طهرت الإنسانية من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمان ينتج القاذورات، ويجب أن تطهر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا، هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة. سخط على الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية مصدره السياسة. سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة.
    ويل للناس من السياسة، لقد طغت عليهم وبغت فيهم حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.
    ومن قبل ذلك أُذل العقل في روسيا، فشُرد العلماء والكتاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا، وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى ما وصلت إليه في روسيا أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحسن والرقي، ولا من الأمن والدعة بحيث يُغبطون عليها أو يُهنَّؤون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علم وأدب وفن لسلطان الفاشية وإلا أصابه الإذلال وتعرض لضروب من الشدة وصنوف من الحرمان!
    يجب أن يُقسم الأساتذة والمعلمون يمين الولاء للنظام الجديد في حياتهم السياسية وحدها بل في التعليم أيضا، يجب أن ينزل العقل عن شخصيته وأن يكون مرنًا رخوًا، وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة أن يتشكل بها، فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير ففُصلت من الجامعات والمدارس وتفرقت في أقطار الأرض، تفِرُّ بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.
    ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر كتبًا لرجل من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوام طوال، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طلبت إليه، وإذا حياته بين المشقة والعناء بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.
    ولا بد لمصر من أن يُمتحن فيها العقل كما يُمتحن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل لا في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها مهما تختلف عصوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية وإنكار لها، وتبرّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها، قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقوم لا يجدون أمامهم عمالا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره. وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!
    ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها لولا أن هذه البلاد تضرب الناس أمثالا خطيرة، وتغري الناس بما أُغريت به هي بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.
    ليس لأحد أن يتحكم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة؟ أو وقف على شعب دون شعب؟ من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟ كلا ليس العقل ملكًا للألمانيين وحدهم، إنما هو ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا، والتعرض له بالإذلال والتمزيق طغيان على الناس جميعا، فمن حق الناس جميعا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسي.
    ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن، والتي تفتن العقل وتضطهده وتتجاوز في فتنته واضطهاده كل حد، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تحرم ألمانيا حب الأمم الشرقية التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناء شديدًا.
    يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظ من كل ما يقع في أوروبا!
    ظهرت الثورة الديمقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا فجدّت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟ إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا، لا يُعزَى الناس عنه إلا أنه موقوت، يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.
    لقد غيرت نظم الجامعة وقوانينها، وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكر بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه. وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد، وتظهر فيها آثاره السيئة، فيا له من شر، ويا له من نكر، ويا له من ذل لا تبيض له الوجوه!
    هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام فتُقصى عنه كثرة الجامعيين، ويقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شؤون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شر ما يقضي، حتى إذا فرغ من أمره دعا الكثرة الجامعية فجاءت طائعة، واشتركت فيما لا غناء فيه.
    عُرض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا أن يُرقّى جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة فأبى لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًا فاستثناه، لا بالترقية العلمية ولكن بالمال. رقاه درجة الأستاذية ومنحه علاوتين بالاستثناء، كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.
    هلمَّ أيها الجامعيون، تنافسوا في الدرجات وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء، فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!
    ومحنة أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصى عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون.
    ما هكذا يحترم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تهيأ مصر لاحتمال التبعات، ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين. هؤلاء علماء ألمانيا يستذلون، وهؤلاء علماء إيطاليا يستذلون، فلِمَ لا يستذل علماء مصر؟ هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمدت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضى حكومتهم المصرية.
    صنع الله لهذا البلد الشقي، فقد أبى حظه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!
    أما أنا فأقدم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقت إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد أن تطمع في مزيد من السلطان! وأقدم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا، وأي ضيم شر مما هم فيه؟!
    كوكب الشرق ١٨\٥\١٩٣٣