طير
للدكتور طه حسين
في جوّ مصر الآن طير تحلّق حيناً، وتقع حيناً آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء وإدارات بعض الصحف، وتلمّ بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم. وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر، وليست هذه الطير خفيفة الحركة ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة مخيفة، ثقيلة الظل، عراض الأجنحة. وليست عذبة الصوت، ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم. وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم، وتوقع الشر والتذكر للقنوط؛ فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يسمى سوء الظن.
وهذه الطير تضطرب في جوّ مصر كله فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقاً عنيفاً يكاد يصمّ الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذى لها الذوق، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين – إذا لم تُطرد عن جوّهم – إلى شر كثير..!
صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندن، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ. فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون. ويسكت رئيس الوزراء عن هذا النبأ أياماً، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، وفاتر لا يبدي قليلاً من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس، زعم رئيس الوزراء لـ (المقطم) أن الحديث التليفوني لم يكن؛ فأين يكون الحق إذن؟ وأين يكون الباطل؟ وعند مَن نلتمس الصدق إذن؟ وعلى مَن نلقي تبعة الكذب؟
زعم (المقطم) أن ناحية مسؤولة في مصر تحدثت إلى وزير مصر في لندن بالتليفون، وزعمت (البلاغ) أن وزير مصر المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن. فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فجّ الصوت يتردد بين إدارة المقطم، وإدارة البلاغ، والمفوضية المصرية في لندن، ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق، وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقراً يستقر فيه، ووكراً يأوي إليه؛ وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة وريحه المؤذية حتى يُصرف عن هذا الجو، ويُردّ إلى وكره بعيداً عن الأسماع والأبصار والأنوف..!
وصحيفة أخرى زعمت أول أمس أن رئيس الوزراء تحدث إلى زملائه في مجلسهم يوم الخميس بأنباء سياسية انتهت إليه من هذا الحديث التليفوني الحائر؛ وبعض هذه الأنباء يمس المندوب السامي، وبعضها يمس اللجنة الإنجليزية المصرية، وكلها يدور حول بقاء الوزارة أو سقوطها. فما يتقدم النهار حتى يكذب رئيس الوزراء ما نشرته (الأهرام) تكذيباً قاطعاً، فإذا كان صباح الغد أكدت الأهرام ما قالت، وردّت على رئيس الوزراء تكذيبه، وأعلن مندوب الأهرام في صراحة وجرأة أنه سمع هذه الأنباء من غير واحد من الوزراء.
ثم يتقدم النهار ويأتي المساء ويقبل الليل وينجلي، ويشرق النهار وتظهر في أثناء ذلك الصحف التي تتصل برئيس الوزراء، والتي تعرب عن رئيس الوزراء، فإذا رئيس الوزراء صامت لا يتكلم، ساكن لا يتحرك، هادئ لا حظ له من نشاط. وإذا الصحف التي تتولاه والتي تعرب عنه وتذعن له صامتة مثله لا تقول، ساكنة مثله لا تتحرك، هادئة مثله لا تنشط. ومع ذلك فما أقدر هذه الصحف على الكلام، وما أبرعها حين تخوض بالحق والباطل فيما تريد أن تخوض فيه من الأمور!
هناك إذن طائر آخر قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُردّ إلى وكر يستخفي فيه. وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شراً ولا نكراً، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث ولا على حفظ للغيب ولا على كتمان للسر، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيّها يأوي ولا على أيّها يقع، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُصرف شره عن الناس.
ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعاً كل البشاعة ولا قبيحاً كل القبح، ولكنه مزاج بين الأمرين؛ فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة وحفظ الغيب. وهذا الطائر كان يقظاً كالنائم، نشيطاً كالهادئ، متحركاً كالساكن؛ فلما صاحت تلك الطير المنكرة صيحاتها المتصلة، اندفع من اليقظة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث، ويتلقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا أو يستريحوا حتى يتبينوا وجه الحق فيما قيل وفيما يقال.
يأبى على الناس أن يستريحوا حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني:
أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يُسأل وزير مصر المفوض في لندن: كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق؟ وكيف تحدث بما لم يكن؟
أهو وزير مصر المفوض في لندن؟ فيجب إذن أن يُسأل رئيس الوزراء: كيف استباح لنفسه أن يكذب وزيراً يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي هو إنجلترا، وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟
أم هي الصحف التي قالت على الرجلين جميعاً ما لم يقولا، وأضافت إلى الرجلين جميعاً ما لم يفعلا؟ فيجب أن تُسأل هذه الصحف: كيف استباحت لنفسها أن تعرض رئيس الوزراء ووزيراً من وزراء الدولة المفوضين لما يتحدث به عنهما، أحدهما أو كليهما، من تجاوز الصدق والإعراض عن الحق؟
لا يريد هذا الطائر الذي يسمى سوء الظن أن يستريح، ولا أن يريح الناس حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعاً وضاحاً جلياً فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء، أو قل فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه؛ فإن سكوت الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق هذه الوزارة وصحفها في صمت عميق بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع ولم يبتكر، وإنما حُدِّث فتحدّث، وأُنبئ بشيء فأذاعه بين قرائه. وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف.
يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب. فيريد هذا الطائر أن يتبين وأن يتبين الناس معه أيهم قال غير الحق:
أهم الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسألوا: كيف أضافوا إلى رئيسهم ما لم يقل، وحملوا عليه ما لم يصدر عنه؟ فإن زعموا أن رئيسهم قد تحدث إليهم بما نقلوا عنه، فيجب أن يُسألوا: كيف أباحوا سره، وكشفوا ستره، ولم يحفظوا له غيباً، ولم يفوا له بالكتمان؟
أهو رئيس الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسأل: متى قال غير الحق؟ أحين تحدث إلى بعض زملائه بما نشرته الأهرام، وإذن فلم يخلص حين تحدث إليهم، ولم يظهرهم على جلية الأمر، وإنما غرّهم بالأماني وعللهم بالأوهام!! أم حين كذب ما نشرته الأهرام وهو يعلم أن الأهرام لم تنشر إلا حقاً ولم تقل إلا صدقاً؟ وإذن فيجب أن يُسأل: كيف استباح لنفسه أن يواجه الأمة كلها جهراً بغير الحق، وأن يتعمد هذا وهو يعلم حق العلم أن هذا التعمد شيء لا تبيحه السياسة ولا ترضاه الأخلاق؟
أرأيتَ إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيتَ إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيتَ إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيتَ إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيتَ إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيتَ إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلاً من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ أرأيتَ إلى هذا كله؟ أفكرتَ في هذا كله؟ أقدّرتَ هذا كله في حب الناس للوزارة وثقتهم بها واطمئنانهم إليها؟ أقدّرتَ أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضاً على الأسرار؟ ألستَ توافقني على أن هذه الطير البشعة المنكرة التي تضطرب في جوّ مصر الآن فتملأه فساداً وشراً خليقة أن تُردّ عن هذا الجو ليعود إليه شيء من الخير والصلاح؟
بل إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك لتستقيم السياسة وتصلح الأخلاق، ولكن مَن الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المفسدة عن جوّ مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزارة حين يستقيل، أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق.
كوكب الشرق ٢ – ٥ – ١٩٣٣.
Tag: الصحافة
-
طير
-
مدرسة اللغات
مدرسة اللغات
في وزارة المعارف
يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نُهنأ به، يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها… أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها، تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تُكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.
أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يُحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعًا حسنًا فأصاب من ليس لهم في التعليم حظ قليل ولا كثير. أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك. بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جِدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك وأن بعض العُمَد الأميين في عصر من العصور… إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهي تشتري الثناء ولو كلفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جِدِّيًّا منتجًا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثني عليها. ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتاب الآخرون ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق. والكتاب الآخرون قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن فهم يوعدون ثم تُخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.
تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتُخذ من قرار في هذا الاجتماع وكل هذا قد نُشر بلهجة الواثق المؤكِّد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحي، ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نُشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف. لا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القراء. نعتقد ذلك. نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تُدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الأخير.
على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألاّ نُعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مارييت» و «ماسبيرو» وأمثال «مارييت» و «ماسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يُعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلَّمهم كيف تُدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.
نعم! نريد أن تُنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.
نريد… ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر. وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد، ولكن مُضيها هذا لن يُغير في الأمر شيئًا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عُنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عُنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تُفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة. كلا! إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف وأنها لم تُزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًا وإنما هو مصري مثلك ومثلي هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط ظهرت وأُلف فيها كتاب أو غير كتاب وعُني بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كُتبت بالفرنسية وطُبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا تُكلف وزارة المعارف عشر ما سيُكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتُهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور، فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تُكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة مُحققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يُشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويُدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يُحسن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر. فإن ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.
ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى أنك تريد أن تبني بناءً فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن يُنشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًا. وإذن تُوَفق حقًا إلى صواب.
طه حسين
السياسة ١٦ يوليو ١٩٢٣.