Tag: الصحة العامة

  • تفوق … | Superiority …

    تفوق …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٣ نوفمبر ١٩٤٧

    أمَّا أننا متفوقون على شعوب الأرض كافة؛ فذلك شيء ليس فيه شك، ولا يمكن أن يُجادل فيه إلَّا الذين يحبون المكابرة ويكلفون بالمراء. وتفوقنا على شعوب الأرض مختلف الأشكال والألوان، منه القديم الذي ظهر في فجر الحضارة، ومنه الحديث الذي لم يظهر إلَّا في هذه الأيام، ومنه المقيم الذي يصاحبنا في حياتنا كلها على طولها، وعلى اختلاف العصور والأزمان. فنحن متفوقون في العصر القديم؛ لأننا سبقنا الإنسانية كلها إلى إنشاء الحضارة، فبنينا الأهرام تقاوم الزمان، وأقمنا أبا الهول شاهدًا على الأحداث متحديًا للخطوب، واستكشفنا العلوم والفنون والإنسانية غارقة في بحار من الجهل ليس لها قرار.

    فمصر أم الحضارة ما في ذلك شك، وهي من أجل ذلك أم الإنسانية كلها، الإنسانية المتحضرة بالطبع. فأمَّا الإنسانية المتبربرة فليست من مصر، وليست مصر منها، ويجب عليها أن تلتمس أمًّا حيث تشاء. وأمَّا التفوق الحديث الذي نشأ في هذه الأيام الأخيرة، فقد كسبناه في مقاومة الوباء كما يقول الأطباء؛ فمصر هي البلد الوحيد الذي حُقِن أهله جميعًا — إن صدقت أنباء وزارة الصحة — بما يقيهم وباء الكوليرا، وهي بذلك تفوقت على الشرق والغرب، وعلى الشمال والجنوب، تفوقت على البلاد التي اتخذها وباء الكوليرا وطنًا مختارًا كالهند والصين؛ لأن أهل هذه البلاد أكثر من أن تحقنهم وزارات الصحة، وتفوقت على البلاد التي لا يحبها وباء الكوليرا، ولا يريد أن يستقر فيها؛ لأن جوها لا يلائمه ولا يواتيه.

    فأهل أوروبا لم يُحقنوا؛ لأنهم ليسوا في حاجة إلى أن يُحقنوا، وهذا يكفل لنا التفوق عليهم دائمًا، فكل مصري متفوق على كل أوروبي؛ لأن المصري قد حُقن، ولأن الأوروبي لم يُحقن، ولا ينتظر أن يُحقن إلَّا إذا بُدِّلت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء. وكذلك أُتيح لنا تفوق قديم لا يعرف أوله وإن عرف آخره، وتفوقٌ حديث لا يعرف آخره وإن عُرف أوله. وليس هذا كل ما كُتِب لنا من تفوق، فنحن متفوقون في أشياء أخرى لعلها أن تكون أجلَّ شأنًا وأعظم خطرًا من إنشاء الحضارة، ومن الاحتقان بما يقاوم الوباء.

    نحن متفوقون بإقامة الأعداء الثلاثة الذين أصبحوا الأصدقاء الثلاثة، والذين كنَّا نريد أن نحاربهم فأصبحنا حراصًا على أن نسالمهم، والذين أتحدث عنهم كما يتحدث الناس عن العقلاء، وإن لم يكونوا من العقل في شيء؛ وهم: الجهل والفقر والمرض، فقد أصبح هؤلاء السادة أصدقاء لنا؛ لطول ما ألفونا وألفناهم، وعاشرونا وعاشرناهم، وأصبحوا عاقلين راشدين يوجهوننا في تدبير أمورنا وإدارة شئوننا توجيهًا رائعًا بارعًا حقًّا. فنحن أجهل الأمم المتحضرة، لا يشك في ذلك إلَّا المدخولون، وتستطيع أن تقرأ كتب الإحصاء ومجلاته؛ فلن تجد بلدًا متحضرًا راقيًا يشاركنا فيما نمتاز به من الجهل، أو يقاربنا فيما نمتاز به من كثرة الجاهلين.

    ونحن كذلك أفقر الأمم، ونحن أشدُّها مرضًا، وأشدُّها تعرضًا للمرض، وأشدُّها استبقاءً للمرض حين يلم بها أو يستقر فيها. كل هذه خصال نمتاز بها من الأمم، ونتفوق بها على الشعوب، والناس يلتمسون وسائل التفوق والامتياز حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها. فإذا استطاعت أمة أن تمتاز بالعلم فذلك شأنها هي وما تريد من ذلك. فأمَّا نحن فقد أردنا وأرادت لنا الظروف أن نمتاز بالجهل، وقلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى الفقر، وقل مثل ذلك بالقياس إلى المرض، وإلى كثيرٍ من الخصائص التي ننفرد بها ولا يشاركنا فيها غيرنا من الناس.

    وليس المهم هو أن يكون ما نمتاز به خيرًا أو شرًّا، ونافعًا أو مضرًّا، وإنما المهم هو أن نمتاز بشيءٍ لا يشاركنا فيه غيرنا، وإلَّا فأي فخرٌ لنا في أن نكون الشعب الوحيد بين شعوب الأرض الذي حقن أهله جميعًا بما يقاوم وباء الكوليرا. أمَّا أنا فأفضِّل أن نكون من الشعوب المتواضعة التي لا تُحقن كلها ولا يُحقن بعضها؛ لأنها ليست في حاجة إلى أن تُحقن.

    على أننا لا نمتاز بهذه الخصال وحدها، وإنما نمتاز بخصال أخرى ليست أهون منها شأنًا، نمتاز بالنسيان، والنسيان السريع المسرف في السرعة، فلولا أننا نسينا وباء الكوليرا الذي ألمَّ بنا في أول هذا القرن لما تعرضنا لوباء الكوليرا الذي يعود إلينا قبل أن ينتصف هذا القرن. ووزارة الصحة تحتاط فيما يُقال حتى لا يعود الوباء مع الربيع أو مع الصيف، ولكني أراهن من شاء على أن مصر ستنسى هذا الوباء حتى قبل أن يمضي عام أو عامان، بل نحن نتفوق في شيء أشدَّ خطرًا من النسيان؛ وهو السأم، فقد قيل لنا حين عظم شر الوباء أن المنكوبين في حاجة إلى المعونة، وأن من الخير أن يتبرع الموسرون بمعونة المعسرين؛ فقد لا تجد الدولة في خزائنها ما يُمكِّنها من مقاومة الوباء ومعونة ضحاياه.

    وقد أقبل الموسرون على التبرع متثاقلين متباطئين، ولكن وزارة الصحة جعلت تنشر بلاغاتها الرسمية، وجعلت هذه البلاغات تدل على أن الوباء قد أخذ يخف، وإذا الموسرون ينسون حاجة المعسرين إلى المعونة، وإذا أكثرهم يسأمون الإنفاق قبل أن ينفقوا شيئًا، وإذا نحن ننسى الكوليرا أو نكاد ننساها، لا يذكرنا بها إلَّا ما تنشره وزارة الصحة من البلاغات.

    والشيء الذي تستطيع أن تؤكده وأنت واثق بأنك مصيب غير مخطئ هو أن المثقفين من المصريين قد عنوا في هذا الأسبوع بقصة التعديل الوزاري أكثر مما عنوا بقصة الوباء. ولا تقل: إن التعديل الوزاري لن يقدِّم ولن يؤخِّر، ولن ينفع مصر ولن يضرها، وإن الوباء ينكب الناس في أنفسهم وأموالهم ومرافقهم؛ فقد يكون هذا حقًّا، ولكن الحق ليس هو المهم، وإنما المهم هو أننا متفوقون في الإسراع إلى النسيان، وفي الإسراع إلى السأم، وفي العناية بالسخيف من الأمر، وفي الإهمال للخطير من الأمر. كما أننا متفوقون في إنشاء الحضارة، وفي تلقي الكوليرا مرتين في أقل من نصف قرن، وفي حقن الشعب كله لمقاومة الكوليرا، وفي الجهل والفقر والمرض، وفي حب الكلام الفارغ الذي لا يفيد، وبُغض العمل المنتج الذي ينفع الناس.

    وأغرب شيء نتفوق به على الأمم جميعًا هو حبُّنا للمتناقضات، فنحن لا نكتفي بتفوقنا وامتيازنا، ولكننا مع ذلك نريد أن نشبه الأمم المتحضرة الراقية التي نمتاز منها ونتفوق عليها، ونحن من أجل ذلك نأخذ بأسباب الحضارة الحديثة في السياسة والإدارة، وفي الاقتصاد والتعليم، وفي كل شيء؛ فنحن نتفوق ونمتاز من جهة، ونحن نتهالك ونقلد من جهة أخرى، ونحن نبالغ في التهالك والتقليد حتى لقد قرأت في بعض الصحف منذ وقت قريب اقتراحًا بأن يكون لنا جندي مجهول كما أن للأمم الأوروبية والأمريكية جنودًا مجهولين. وما أشك في أننا نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جنودًا مجهولين لا جنديًّا واحدًا، نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جاهلًا مجهولًا، وفقيرًا مجهولًا، ومريضًا مجهولًا، وما شئت من هذه الرموز التي تصور هذه الخصال الرائعة التي نتفوق بها على الناس جميعًا، أو نشارك فيها الناس جميعًا.

    وفي مصر مثلٌ عاميُّ بارعٌ حقًّا، ما أرى إلَّا أنه يلائمنا أشد الملائمة، ويطابق حياتنا أحسن المطابقة، وهو قول العامة: إن أصحاب العقول في راحة، إلَّا أن نكون قد تفوقنا على غيرنا من أمم الأرض كلها بهذه الخصلة التي تكفل لأصحابها السعادة كل السعادة، وهي قلة العقول. وهل تظن أن المتنبي أخطأ حين قال:

    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم

  • ضريبة | A Levy

    ضريبة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣ نوفمبر ١٩٤٧

    هذا حديث سيرضى عنه فريق من الناس، وسيسخط عليه منهم فريق آخر، وسيمر به أكثرهم معرضين عنه، غير حافلين ولا ملتفتين إليه، لا لأن هذا الحديث في نفسه خليق أن يُعرض عنه المعرضون، ويَسخر منه الساخرون، بل لأن المصريين تعودوا أن يروا قادتهم وسادتهم والقائمين بالحكم فيهم يُعرضون عن الجدِّ إعراضًا، ولا يحفلون من الأمر إلَّا بما لا يكاد ينفع ولا يفيد.

    وأنا مع ذلك أملي هذا الحديث، لا يعنيني أن يرضى عنه هذا، أو يسخط عليه ذاك، أو يعرض عنه المعرضون، وإنما يعنيني أن تُقال كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وليس على قائلها بأس أو جناح إن ضاعت كلمة الحق هذه بعد أن تُقال؛ فقد رُوي أن الذي يعرف الحق ولا يقوله شيطان أخرس. ومع أني لا أطمع في أن أكون من الملائكة؛ فلست أحب أن أكون من الشياطين الخرس أو الناطقين، وإنما أريد أن أكون إنسانًا يعرف الحق فيعلنه ويدعو إليه، وأتمنى أن يكون المصريون من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لا تصرفهم عن ذلك الأثرة، ولا تصدهم عنه قسوة القلوب.

    والحق الذي لا ينكره أحد من المصريين أن وطنهم يُمتحن في هذه الأيام امتحانًا قاسيًا عسيرًا، يوشك إن لم يحسنوا الثبات له والنفوذ منه أن يعرضهم لخطر لا يشبهه خطر، وبلاء لا يعدله بلاء؛ فوطنهم موبوء، يفتك الوباء بالمئات من أبنائه في كل يوم، ثم لا يقف الأمر عند الموت الذي يتخطف أبناء الوطن في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ولا عند المرض الذي يضطرهم إلى البطالة والعجز، ثم إلى الإمعان في البؤس والشقاء، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد أثرًا من الموت والمرض … إلى إفساد حياة الشعب كلها من ناحية الصحة والاقتصاد جميعًا.

    فالذين يلم بهم المرض ولا يختطفهم الموت سيحتاجون إلى وقت طويل، وجهد ثقيل، وعناية متصلة؛ ليستأنفوا نشاطهم فيما كانوا يضطربون فيه من أمور الحياة، والذين يتخطفهم الموت عشرات ومئات في كل يوم لن يُردُّوا إلى حياتهم الدنيا هذه ليعملوا ويكدُّوا، ولأولئك وهؤلاء أسر كانوا يعولونها، ولا بدَّ لهذه الأُسَر من أن تعيش، وأولئك وهؤلاء لم يكونوا يعولون أسرهم فحسب، ولكنهم كانوا يعولون الوطن كله؛ لأنهم كانوا يشاركون على قدر ما كانوا يملكون من جهد في إنتاج الثروة الوطنية التي تُتيح للفقير أن يعيش، وللغني أن يترف، وللحكومة أن تنهض بما تنهض به من الحكم وتدبير الأمور.

    فهؤلاء الموتى الذين لن يعودوا إلى العمل، وهؤلاء المرضى الذين لن يعملوا إلَّا بعد الجهد والمعونة والعناية، كانوا يعولون الفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا، ولا بدَّ للفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا من أن يُعوِّضوا ما فقدوا من جهد الموتى، ومن أن يستردوا ما فاتهم من جهد المرضى؛ ليحفظوا على الوطن ثروته، فيحفظوا عليه بذلك مرافقه كلها.

    ولهؤلاء الموتى والمرضى أُسر لم ترث عنهم إلَّا الحزن والبؤس والحرمان، والوطن في حاجة إلى أن تجد هذه الأسر ما يعزيها عن الحزن، ويحميها من البؤس، ويغنيها من الحرمان، لا لأن في ذلك برًّا وإحسانًا ورفقًا بالضعفاء والبائسين، بل لأن ذلك حماية للثروة الوطنية؛ فهذه الأسر عناصر من هذه الثروة تمثل أيديًا عاملة يجب أن تمضي في عملها بقوة مضاعفة ونشاط عظيم.

    وإذن فحاجة الوطن إلى مقاومة الوباء ومعونة الذين أعجزهم الوباء عن العمل، أو اضطرهم إلى انتظار المعونة ليس عملًا من أعمال البر، ولا لونًا من ألوان الإحسان، وإنما هو واجب من الواجبات الأساسية التي لا تستقيم أمور الوطن إلَّا بها.

    فليس التقصير في أداء هذه الواجبات إعراضًا عن النافلة أو تهاونًا فيما يمكن التهاون فيه، وإنما هذا التقصير إثمٌ في ذات الوطن، وجريمة من الجرائم الكبرى التي لا تُشبَّه إلَّا بما يرتكب أثناء الحرب مما يتعود الناس أن يسمُّوه جرائم الخيانة العظمى.

    وما أحب أن يرتاع الناس لهذه اللهجة العنيفة التي أتحدث إليهم بها، وإنما أحب لهم أن يصطنعوا الشجاعة، وأن يواجهوا الحقائق كما هي، ويسمُّوا الأشياء بأسمائها.

    فليس الوباء الذي يتخطف أبناء الوطن مئات في كل يوم بأهون شأنًا من العدوِّ المُغير الذي يصب الحرب فيصرع ما يصرع من الموتى والجرحى في كل يوم، ويصيب بذلك الوطن في صميم حياته، وإذا كان التقصير في وقت الحرب خيانة للوطن من غير شك؛ فالتقصير في وقت الوباء خيانة للوطن من غير شكٍّ أيضًا.

    والحرب لا تُدفع بالإحسان، ولا تُردُّ بالصدقة، ولا تُقاوم بالتبرع، وإنما تُدفع بالتجنيد المادي والمعنوي لقوى الوطن كلها، وقد تقصر خزانة الدولة أيام السلم عن حاجة الوطن في أيام الحرب؛ فتصبح ثروة الوطن كلها مادة لتموين الدفاع الوطني. وقد رأى المصريون من ذلك الأعاجيب في أثناء الحرب الأخيرة حين عبأت الدول المحاربة الثروة الوطنية كلها لجهود الحرب. لم تحفل في سبيل ذلك بغنى الأغنياء ولا بفقر الفقراء، ولا بحاجة المحتاجين، ولا بترف المترفين. وإذن فقد يخيَّل إليَّ أن من الحق على الدولة المصرية أن تواجه الوباء كما تواجه الحرب، لا كما تواجه آفة من الآفات التي تطرأ وتزول دون أن تمسَّ صميم الحياة الوطنية في الصحة والاقتصاد جميعًا.

    وأيسر ما يجب على الدولة أن تصنع من ذلك هو أن تدخر لمقاومة الوباء وإزالة آثاره وإعانة ضحاياه كل ما يحتاج إليه ذلك من المال، لا من طريق السؤال والاستعطاف والتماس الصدقة وطلب الإحسان، بل من طريق الضرائب التي تفرض حتى تأخذ المقاومة حاجتها من مال الذين يملكون المال. ولست أعرف شيئًا أبغض ولا أشنع ولا أمس بالكرامة الإنسانية من هذا التنافس بين الناس في البخل والجود، وفي المنح والمنع، وفي البذل والتقتير. هذا الغني وعد ولم يفِ، وهذا الغني أعطى أكثر من ذاك، وهذا الغني وضع أصابعه في آذانه فلم يستمع لدعاء الداعين، وهذا الغني أعطى أقل مما تحتمل ثروته، وهذا الفقير قتر على نفسه وأهله في الرزق ليساهم في معونة المحرومين.

    ونتيجة هذا كله تنافس بغيض ينتهي إلى التحاسد والتحاقد، ونتيجة هذا كله أن كثرة الشعب المصري تقف موقف الذليل المحروم من قلة تقف موقف المتفضل المتطول، وكل هذا لا يلائم كرامة الأغنياء ولا كرامة الفقراء؛ لأنه لا يلائم كرامة الوطن المصري الذي خُلِق ليكون كريمًا.

    وليس لذلك من دواء يلائم العدل والحق والكرامة إلَّا أن تعتمد الدولة على الله، وتفرض ضريبة الوباء التي يؤديها المصريون جميعًا على قدر ما يملكون، وعلى قدر ما يكسبون. فأمَّا مقدار هذه الضريبة وتنظيمها المفصل فليس لي أن أتحدث فيه، وإنما أترك أمره للفنيين. والذي أحب أن ألقيه في روع المصريين هو أن مقاومة الوباء وإزالة آثاره واجب وطني كواجب الدفاع الوطني حين تلم الحرب، وأن هذه المقاومة لا ينبغي أن تعتمد على قسمة أبناء الوطن إلى فريقين: فريق يستجدي ويمد الأيدي، وفريق يعطي ويمنع بمقدار ما فطر عليه من بخل وجود.

    هذه ذلة لا تلائم كرامة الإنسان، ولا تلائم كرامة مصر، فليرغب المصريون بأنفسهم عن الذلة؛ فرب ذلة خيرٌ منها الموت.

  • نذير! | A Warning!

    نذير!

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢ نوفمبر ١٩٤٧

    صنع الله للشعب المصري، فقد أخذته الكوارث من كل وجه، وجاءته النوائب من كل صوب؛ حتى أصبح لا يدري كيف يتَّقيها ولا كيف يثبُت لها ولا كيف يخلص منها. كان إلى أمس القريب شقيًّا بهذه الآفات التي تصيب الشعوب حين لا تأخذ بحظها الموفور من الحضارة، فيفتك بها البؤس على اختلاف مظاهره البشعة من فقر وجهل ومرض. وكان من أجل ذلك يشقى في سياسته وحريته واقتصاده أبشع الشقاء وأشنعه. وكانت الأمم المتحضرة تتخذه مثلًا يُضرب لسوء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي جميعًا. ولكن الأيام لم تَقنَع بما صُبَّ عليه من هذا البلاء العظيم المتصل، فصَبَّت عليه في هذه الأشهر الأخيرة ألوانًا أخرى من الشرِّ، وامتحنته ضروبًا أخرى من الامتحان. خذلان في السياسة، وإخفاق في الاقتصاد يوشِك أن يَبلُغ الإفلاس، وفتنة في الحرية توشِك أن تبلغ الاستعباد. ثم لم تكتفِ الأيام بهذا كله فسلطت عليه الوباء، يشيع في مدنه وقراه، ويلتهم أبناءه التهامًا، لا بالعشرات بل بالمئات في كل يوم وبالألوف في كل أسبوع؛ حتى أصبحت حياته كلها معرَّضة للخطر المنكر الذي لا يشبهه خطر، والذي لا يَعرِف الآن كيف يدفعه أو يرفعه أو يجِد لنفسه منه مخرجًا.

    ثم لا تكتفي الأيام بهذا كله، وإنما تَصُب عليه نكرًا آخر لعله أن يكون أشد من آلامه جميعًا إيذاءً للنفوس وتمزيقًا للقلوب وتفطيرًا للأكباد. فالشعب فيما يظهر هو المسئول عن كل هذه الآلام التي تُصَبُّ عليه، وعن كل هذه الآثام التي تُساق إليه، وعن كل هذه المنكرات التي تُفسِد عليه حياته إفسادًا، وتجعله بين الشعوب الحية مضرِب المثل فيما يجب أن يتقي من الشر ويتجنب من العدوى. فلبنان يقطع المواصلات بينه وبين الشعب المصري مخافةَ أن تصيبه العدوى ويلم به الوباء. والعراق يصنع صنيع لبنان أو ما يشبه هذا الصنيع. واليونان تصنع صنيع العراق ولبنان أو ما يشبه صنيعهما. والدول الكبرى تضيق ما بينها وبين مصر من أسباب الاتصال، وتحتاط في إرسال أبنائها إلى مصر، وفي تلقي أبناء مصر في بلادها مخافة أن يصيبها الوباء.

    وما من شك في أن هذه الدول كلها معذورة في كل ما تفعل. فحياة الناس أقوم من أن يضحَّى بها في سبيل المجاملات الدولية. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعب المصري قد أصبح شعبًا أجرب، لا ينبغي أن تتصل الأسباب بينه وبين الشعوب الأخرى؛ مخافة أن ينتقل إليها الجرب أو تنتقل إليها الكوليرا التي هي شرٌّ من الجرب وأسوأ منه عاقبةً وأبغض منه أثرًا.

    وقد أصبحت مصر الجميلة التي كانت تروق الشعوب وتشوقها سجنًا يُحصر فيه أبناؤها جميعها، فلا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن، ولا يطرأ عليهم أحدٌ إلا بإذن. ثم قُسِّم هذا السجن الكبير إلى سجون صغار، لا يجوز لأهلها أن يتواصَلُوا أو أن يلتقوا إلا بعد كثير من التحرُّج والتشدُّد، وفي كثير من الإشفاق والخوف. والظاهر أن الشعب المصري هو المسئول عن هذا كله. فلولا جهله وإمعانُه في الجهل لما ألمَّت به المحن ولا نزلت بساحته الخطوب. هؤلاء الذين يَفِرُّونَ بمرضهم من الطبيب، ويفلتون من الحصار المضروب حول مدنهم وقُرَاهُم، وينقلون الوباء إلى غيرهم من المواطنين؛ مسئولون بالطبع عن هذا الفرار وعن آثاره المنكَرة، فلو لم يكونوا جُهَّالًا مُمْعِنِين في الجهل لما فرُّوا من الطب ولما أشاعوا الوباء في الأصحاء.

    وأنت تستطيع أن تقرأ أحاديث الوزراء والمشرفين على شئون الصحة، فسترى أن نصيب الشعب من التبِعة أعظم جدًّا من نصيب الحكومة ومن نصيب الأطباء، حتى حين يُقصِّر رجال الشرطة أو الجيش في أداء واجبهم؛ ففي هذه الظروف لا يقع اللوم على الحكومة ولا على قادة الشرطة والجيش، وإنما يقع على هذا الشعب الجاهل الذي أفسد الجهلُ خُلُقَه وضميره، وألغى من نفسه كل شعور بالواجب وكل تقدير للتبِعة، وحبب إليه أن يُحصِّل المال من أي طريق، وألَّا يتردد في تمكين الهاربين من الهرب ما دام ذلك يغل عليه كثيرًا أو قليلًا من المال.

    فالشعب هو المسئول أولًا، والشعب هو المسئول آخرًا، والشعب هو الآثم قبل كل شيء وبعد كل شيء. وهذا العذاب الذي يصب على الشعب إنما يصب عليه جزاء لما اقترف من سيئات وما قارف من آثام. لقد أحب الجهل فليذُقْ عاقبة الجهل. ولقد آثر الفقر فليستمتع بمغبة الفقر. ولقد رضِيَ المرض فلينعم بفنون المرض التي تفتنَّ في إرساله إلى الموت، تبطئ بذلك حينًا وتسرع به أحيانًا. والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. فليس على هذا الشعب المصري إلا أن يَظَلَّ في شقائه وبلائه ووبائه، أو يغير ما هو فيه من جهل وفقر ومرض؛ ليُكشف عنه الضر، ويُذاد عنه الشقاء والبلاء والوباء.

    نعم، كذلك يتحدث المثقفون وأشباه المثقفين، وكذلك يتحدث الساسة وأشباه الساسة. وأولئك وهؤلاء يعتقدون أنهم أشقياء بهذا الشعب الجاهل الغافل الفقير المريض. وبأنهم يائسون يبذلون ما يملكون من جهد، ويحتملون أكثر ممَّا يطيقون من المشقة والعناء لحماية هذا الشعب من نفسه، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون ولا بعض ما يريدون؛ لأن الله قد امتحنهم بهذه المحنة المنكرة البغيضة، وهي أن يسوسوا شعبًا جاهلًا فقيرًا مريضًا، لا يريد أن يخلص من جهله وفقره ومرضه، كأن بينه وبينه هذه الآفات أسبابًا من المَوَدَّةِ والحب ليس إلى قطعها من سبيل.

    فالمثقَّفُون وأشباه المثقفين والساسة وأشباه الساسة والسادة وأشباه السادة؛ جديرون بالرحمة خليقون بالرثاء لأن الله ابتلاهم بهذا الشعب الذي لا سبيل إلى إصلاحه … لا يحب الإصلاح ولا يبتغيه.

    نعم، بهذه الأحاديث الآثمة تجري الألسنة، وإلى هذه الأحاديث الآثمة تُصغي الآذان، وفي هذه الأحاديث الآثمة تجد القلوب والضمائر والنفوس كثيرًا من الراحة والرَّوْح والعزاء. والغريب أن شيئًا من الحياء ولو قليلًا لا يصِل إلى نفوس هؤلاء المثقفين وأشباه المثقفين، ولا إلى قلوب الساسة وأشباه الساسة، وإلى ضمائر السادة وأشباه السادة. فالحياء فيما يظهر ليس من الخصال التي تُتاح للممتازين وأشباه الممتازين، وإنما هو من الخصال التي تُتاح للدهماء، وأين الخاصة من الدهماء.

    ويُخيَّل إليَّ أن مصر البائسة قد شبعت من البؤس حتى أصابتها التخمة التي ليس وراءها إلا ما نرى من هذا الوباء الذي أخذ يريحها من آلامها وآثامها، ويريح صرعاه من آلام وطنهم وآثامه. ويخيل إليَّ كذلك أن قد آنَ لمصر أن تأخذ أمرهم بالجِدِّ والحزم، وأن تراجع نفسها وضميرها عمَّا قدَّمتْ، وأن تسأل نفسها وضميرها عمَّا أعدت لمستقبل أيامها. أمستعدة هي للانتحار؟ فليس عليها إذن إلا أن تمضي فيما مضت فيه إلى الآن، فقد بلغ الكتاب أجلَه، وأخذ المنتحر يعالج سكرات الموت. فليس تهافُت أبناء مصر في الموت الآن كما تتهافت الفراش في النار إلا أول الانتحار العام. أم حريصة هي على أن تحيا وعلى أن تحيا حياة لها حظٌّ من قوة وصحة وعافية، فسبيلها إلى هذه الحياة هي أن تغيِّر ما في نفسها ليغيِّر الله ما بها.

    وقد آنَ للمثقَّفِين وأشباه المثقفين وللساسة وأشباه الساسة وللسادة وأشباه السادة أن يجِدُّوا منذ الآن؛ فإن الهزل قد أشرف بهم وبوطنهم على الموت والفَنَاء. ولست أستعمل هاتين الكلمتين استعمالًا مجازيًّا كما كُنَّا كلنا نصنع إلى وقت قريب، وإنما أدلُّ بهما على معناهما الحقيقي الذي نشهده في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. فالمصريون يموتون مئات في اليوم وألوفًا في الأسبوع وعشرات من الألوف في الشهر، ولم يستطِع المثقَّفُون والساسة والسادة أن يقِفوا الوباء إلى الآن.

    فليسأل المثقفون والساسة والسادة أنفسَهم عن جهل الشعب وفقره ومرضه؛ فالشعب لم يلتمِسْ لنفسه الفقر والجهل والمرض، وإنما تركه سادته وقادته وساسته يتورط في هذه الآفات. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أنهم قد نعِموا بالكلام الفارغ أعوامًا وأعوامًا، وأن لهم أن يعملوا ولا يتكلموا. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أن الاستقلال والدستور والحكم كلها وسائل لا غايات، وهي وسائل إلى تمكين الشعب من أن يحيا حياةً سعيدة فيها شيء من النعمة والعزة والرخاء. ولتعلم الأحزاب السياسية كلها أن ظروف الحياة قد تغيَّرت، وأن الواجب يُحَتِّم عليها أن تسلك طريقًا غير الطرق التي سلكتها إلى الآن، وأن تأخذ نفسها قبل كل شيء حين تحكم وحين تعمل، بعيدة عن الحكم بإنقاذ الشعب من الجهل والفقر والمرض. بإنقاذه إنقاذًا محقَّقًا لا بكلام تجري به الألسنة وتنشره الصحف ويُخدع به المغرورون، كل حزب يتولَّى الحكم أو يريد أن يتولى الحكم، ثم لا يجعل من أغراضه الأولى تعميم التعليم في جميع طبقات الشعب بغير أجر قليل أو كثير؛ فهو حزب آثم لا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يطمع فيه ولا أن يُعان عليه. وكل حزب يتولى الحكم أو يريد أن يتولاه يجب أن يجعل من أغراضه الأساسية محاربة البؤس بالعمل لا بالقول ومحاربة المرض بالعمل لا بالقول، فإن لم يفعل فلا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يُعان على الوصول إليه.

    إن الصحف الأجنبية تتحدث الآن في جميع أقطار الأرض بأن هذا الوباء سيلفت المصريين إلى الإصلاح الاجتماعي الذي أهملوه، فيجب أن نلقي هذا الدرس على أنفسنا قبل أن تلقيه علينا الأمم الأخرى. فصحة مصر لا تعني وحدها ولكنها تعني العالم كله لمكان مصر بين الشرق والغرب.

    فليفكر المثقفون والساسة والقادة والسادة، وليستقبلوا أمرهم في حزم وفي كثير من الإسراع والجد؛ فإنهم إن أبطَئوا أو تهاونوا لم يُتَحْ لهم التفكير، وهم خليقون أن ينظروا ذات يوم، فإذا العالم الخارجي يفرض على مصر سلطانه لينقذها من الوباء مخلِّصًا في ذلك أو متكلِّفًا. أليس العالم الخارجي قد فرض سلطانه على مصر لينقذها فيما زعم من الألمان والإيطاليين … فما يمنعه إن قصَّرنا أن يتدخل لينقذ مصر ولينقذ نفسه من الوباء الذي ليس هو أقل شرًّا ونكرًا من هتلرية الألمان وفاشية الإيطاليين!

  • وعود … | Promises …

    وعود …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.

    وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.

    ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.

    وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.

    وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.

    وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.

    وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.

    ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.

    وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.

    ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.

    ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.

    فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.

    ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.

    وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.

    فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.

    فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.

    كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.

    وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.

    ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.

    فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.

    ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.

    يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.

  • رجاء | A Plea

    رجاء
    لا أحب التشاؤم، ولا أحب الاستماع إلى المتشائمين، بل أنا أكره أشد الكره هذه الأحاديث التي تلقي على الحياة المصرية في هذه الأيام لونًا قاتمًا حزينًا، أو تريد أن تتنبأ للحياة المصرية في الأيام المقبلة القريبة أو البعيدة بلون قاتم حزين. وكثيرًا ما أغلو في ذلك حتى أتهم نفسي في هذا التفاؤل، وأضطرها إلى موقف وسط بين الرضا والسخط، وبين حسن الظن وسوء الظن. فلست أشك في أن حياتنا المصرية لم تصل من السوء إلى مثل ما وصلت إليه في هذه الأيام. ولست أشك في أن الحياة السياسية الشاذة التي نحياها هي المؤثر الأول في هذه الحال السيئة التي نشقى بها، ولكني أعتقد أن هذه الحياة السياسية السيئة طارئ مهما يطل ومهما يثقل، فلا بد من أن يزول غدًا أو بعد غد.
    وأعتقد أن في الأمة المصرية قدرة على المقاومة والصبر، وعلى الثبات والاحتمال، ستعصمها من الاندفاع في هذا الفساد المنكر الذي لا يرجى له صلاح، والذي يتحدث به المتشائمون. فأنا إذن أقاوم الغلو في التفاؤل، وأقاوم الإغراق في التشاؤم، وأرجو أن يُكشف عن مصر هذا الضر الذي تلقاه، وتزال عنها هذه الغمة التي تشقى بها، ولكن علامات تظهر في جو مصر الاجتماعي مهما تفعل فلن نستطيع ولا ينبغي لنا أن نهملها أو نقصر في التفكير فيها والتنبيه إليها، فقد يظهر أنها نذر تنبئ بشر مستطير.
    زعموا أن رجلًا أخذته الشرطة عند مسجد من المساجد، وهو يحاول أن يعرض طفلة للبيع. فلما سُئل تبين المحققون أنه إنما كان يعرض هذه الطفلة للبيع متفقًا على ذلك مع أمها. فقد رأينا إذن في القرن العشرين، وفي مدينة القاهرة، وعند مسجد من مساجد الله رجلًا قد اتفق مع أمًّا من الأمهات على أن يبيع ابنتها بثمن بخس، بدراهم معدودة أو دنانير معدودة. ولكنه بخس على كل حال إذا قُدرت قيمة هذا الثمن مهما يكن بالقياس إلى عواطف الأمومة التي لم تمنع أمًّا من أن تبيع ابنتها بالمال.
    وزعموا أن الأمن قد وصل من الفساد والاضطراب، وأن السلطان قد وصل من العجز والضعف إلى حيث أصبح الناس يقضون لأنفسهم بأنفسهم ويثأرون لأنفسهم بأيديهم، ولا يكاد يختصم اثنان في أمر من الأمور حتى يدخل بينهما المسدس أو البندقية أو السكين، وبحيث أصبح الناس لا يأمنون أن يجلسوا في دورهم قد أُغلقت عليهم أبوابها، فقد يُطرق الباب فإذا فُتح دخل منه الموت، أو دخل منه اللص الذي يتخذ الإكراه وسيلة إلى ابتزاز المال، وبحيث أصبحت الطريق العامة مخوفة كطرق الصحراء في أيام البغي والعدوان بين أهل البادية، يمضي الرجل آمنًا مطمئنًا، أو خائفًا مروعًا، وإنه لفي طريقه وإذا رصاصة تصيبه من حيث لا يحتسب، أو هراوة تقع على رأسه من حيث لم يكن قُدّر. بل حدثني بعض الأجانب أمس أنهم خرجوا يتنزهون في طريق من طرق الضواحي قريب من القاهرة، فلم يكادوا يخرجون من سياراتهم ويمضون أمامهم قليلًا حتى أصابهم وابل من الحصى وصغار الأحجار، ومن الشتم والسب، وحتى أشفقوا من شر عظيم إن مضوا في الطريق. فعادوا إلى سياراتهم مسرعين، ورجعوا إلى القاهرة حيث الأمن فيما يظهر أكثر اطمئنانًا، وأشد استقرارًا.
    وزعموا أن في مصر مائتي ألف من الناس قد أصابهم السل وعُرضوا لنتائجه المهلكة بالطبع، وأن ليس في مصر إلا مستشفى واحد لعلاج من يلم بهم هذا المرض المهلك. وتحدثوا قبل ذلك وسيتحدثون بعد ذلك عن هذه الأوبئة الفاتكة التي تغشى المدن فتعصف بالفقراء والبائسين. ومهما تبحث عن العلل التي تثير هذا كله فتحمل أمًّا على بيع ابنتها، وتعرض الأمن لهذا الخطر المنكر، وتدفع السل والأوبئة إلى الفتك بالألوف من المصريين فأنت مضطر إلى أن تجد علة إن لم تكن هي الوحيدة في هذا كله فهي أعظم هذه العلل إثارا، وهي الجوع والحرمان.
    فأكبر الظن أن هذه الأم لا تبيع ابنتها كرهًا لها، وإنما تبيعها لتعيش. وأكبر الظن أن الجوع هو الذي يغري الآثمين باقتراف الآثام، وأكبر الظن أن الحرمان هو الذي يمكّن للسل والأوبئة ويُسلّطها على المصريين.
    وقد تكون هناك علل أخرى تظاهر هذه العلة، ولكن الفقر هو من غير شك أقوى هذه المؤثرات وأشدها نكرًا. فإذا أضفت إلى هذا أن إلى جانب هذا البؤس الذي يفسد كل شيء حتى العواطف المقدسة ترفًا لا يخلو من الوقاحة والاستهانة بكل حياء، ولا يتأثر بهذه النار المحرقة التي يصطليها البائسون والمحرومون، وإذا لاحظت أن هذا الترف لا ينعم به أغنياء الشعب، فأغنياء الشعب يشقون بالأزمة وتنوء بهم أعباؤها الثقال، وإنما ينعم بهذا الترف فريق من كبار الموظفين الذين أتاحت لهم الظروف السياسية أن يسعدوا برضى الوزراء وعطفهم ونيل المكانة منهم، وافقتني على أن من المعقول أن تثور الحفيظة في نفوس الناس، وأن يعرف المصريون شيئًا لم يعرفوه من قبل، وهو سخط البائس على صاحب النعمة، وبغض المحروم للمترف السعيد.
    والناس في مصر يقرؤون الصحف، أو تُقرأ لهم الصحف، وليس يخفى عليهم من أمر الوزراء وكبار الموظفين شيء. فهل يسأل كثير من الناس أنفسهم عن بعض الأنباء التي تنشرها الصحف كيف تقع من نفوس البائسين والمحرومين في المدن والقرى، وفي أقصى الريف؟ لا تسل عن موقع هذا النبأ الذي أُذيع بأن مدير الأمن العام سيُمنح علاوة قدرها ثلاثمائة جنيه في العام من نفوس الموظفين كبارًا وصغارًا، ومن نفوس الذين يشتغلون بالسياسة اليومية من المعارضين. فهذا الموقع معروف، لا غرابة فيه، ولكن سل عن موقع هذا النبأ من نفوس هؤلاء العمال والفلاحين الذين يلتمسون القوت لأنفسهم وأهلهم فلا يجدونه، أو يلتمسون العلاج لأنفسهم وأهلهم من مرض طارئ أو وباء مُلمّ فلا يظفرون به. ولا تسل عن موقع هذا النعيم الذي يستمتع به الوزراء المصطافون في أوربا، أو في الإسكندرية، وأمثال الوزراء الذين يصطافون هنا وهناك على حساب الدولة أو على حساب أنفسهم، لا تسل عن موقع هذا من نفس هذه الأم التي أرادت أن تبيع ابنتها، أو من نفس غيرها من الأمهات اللائي لا يردن بيع أبنائهن ولكنهن يلتمسن لهن أسباب الحياة فلا يظفرون منها بشيء.
    ما أجدر المصريين أن يفكروا في هذه العلاقات التي تظهر في جو الحياة الاجتماعية المصرية، فإنا نخشى في غير غلو ولا إسراف أن تكون هذه العلاقات مؤذنة بشر عظيم. ولعل من الممكن أن نستدرك هذا الشر بعض الشيء إن فكرنا فيه منذ الآن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه قد يطغى إذا أهملناه، وقد نجد أنفسنا في يوم من الأيام أمام داء عضال ليس إلى علاجه من سبيل.
    كوكب الشرق ٢٢-٨-١٩٣٣.