عجز
لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣
Tag: الضعف
-
عجز | Incapacity
-
عناء | Toil
عناء
عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.
لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣ -
عدل | Justice
عدل
لم يظهر إلى الآن من يذود عن وزارة المعارف، أو يدفع ما قيل عن امتحان اللغة الإنجليزية لطلاب الكفاءة من أنه كان عسيرًا مسرفًا في العسر، أو سخيفًا مغرقًا في السخف، أو ممتازًا بالعسر والسخف جميعًا. بل لا تظهر صحف الصباح، ولا تظهر صحف المساء إلا وفيها إنكار المنكرين، وسخط الساخطين، ونقد الناقدين، واستهزاء المستهزئين أيضًا. وقد سكت الطلاب وتكلم الأساتذة فأنت لا تكاد تقرأ في الصحف شكاة يتقدم بها طالب أو استعطافًا تتقدم به جماعة من الطلبة، وإنما تقرأ أحاديث يلهج بها الأساتذة من الإنجليز والمصريين، وأحاديث أخرى يلهج بها القادرون على نقد موضوعات الامتحان من غير رجال المعارف. وأولئك وهؤلاء متفقون على أن هذا الامتحان العسير أو السخيف، أو العسير السخيف معًا كان ظلمًا مرهقًا، فلا بد من رفعه أو إنقاذ الطلاب من شرِّه. ولا بد بعد ذلك من اتخاذ الوسائل التي تكفل امتناع هذا الظلم، وتحول دون وقوعه مرة أخرى.
ولكن كيف يرفع هذا الظلم؟ بإحدى اثنتين: إما أن تمضي وزارة المعارف في هذا الامتحان وتصحيحه كأن شيئًا لم يكن، وكأن ظلمًا لم يقع، وإذن فسينال الطلاب ما يستحقون من الدرجات. وحينئذ فسترسب كثرتهم من غير شك، وسيكون الظلم صارخًا شنيعًا. وإما أن تأمر وزارة المعارف لجان التصحيح بالرفق والرحمة والتجاوز للطلاب عن بعض الخطأ، والتسامح معهم في بعض الهفوات، والنزول لهم عن بعض الدرجات، وإذن فسينجح منهم فريق ويرسب فريق. فأما الناجحون فسينجحون بغير حق، وسيفوزون في غير استحقاق للفوز. وأما الراسبون فسيرسبون في غير حق أيضًا، وسيخفقون في غير استحقاق للإخفاق.
وما دام الامتحان قد كان قاسيًا عسيرًا سخيفًا بالقياس إليهم جميعًا فيجب أن ينجحوا جميعًا بغير حق، أو أن يرسبوا جميعًا بغير حق. وكذلك نتيجة الأعمال التي لم تقم على إيثار العدل والمنفعة، وتوخي القصد والإنصاف والصواب، لا يمكن إلا أن تكون شرًّا كلها.
فالرحمة إذن لا تصلح علاجًا لهذا الموقف المؤلم السخيف الذي تقفه وزارة المعارف اليوم من هؤلاء الطلاب البائسين. والرحمة إنما يفكر الناس فيها بعد أن يستنفدوا ما يجب من العدل. فأما قبل العدل فليس إلى التفكير في الرحمة سبيل، لأنها تصبح ظلمًا وجورًا. ولست أدري لم ينجح فلان ويرسب فلان إذا كان الامتحان عسيرًا سخيفًا بالنسبة إليهم جميعًا. ولست أدري كيف ينجح الطلاب جميعًا إذا كنا نريد أن يظفروا بشهاداتهم لأنهم استحقوها وكسبوها، ولأنها لم تقدم إليهم هدية ولا هبة. ولست أدري كيف يرسب الطلاب جميعًا إذا كانوا جميعًا قد اجتهدوا طوال العام، وكانت كثرتهم خليقة بالنجاح لو أن الامتحان كان معقولًا. فالعدل وحده إذن هو الذي ينقذ وزارة المعارف ويصلح موقفها، ويرد الطلاب إلى ما يجب لهم من الإنصاف. وهذا العدل كغيره من الفضائل ثقيل لا يحتمله إلا القادرون على أن يأخذوا أنفسهم بأداء الواجب، واحتمال الأمانات على ثقلها، وما تكلف من مشقة وجهد وعناء.
هذا العدل يقضي بإلغاء امتحان الإنجليزية لهؤلاء الطلاب، وأخذهم بامتحان جديد، توضع له أسئلة معقولة في نفسها، ملائمة لبرنامج الدراسة ملاءمة صحيحة لا غبار عليها. هذا العدل هو الذي يرد الأشياء إلى نصابها حقًّا فيمكن الطلاب الجادين من النجاح الذي يستحقونه، ويرد الطلاب المقصرين إلى الإعادة التي لا بد لهم منها، ويضمن للبلاد شبانًا نجحوا في الامتحان نجاحًا صحيحًا لا رحمة فيه، ولا محاباة ولا عطف فيه ولا إحسان.
وأنا أعلم حق العلم أن وزارة المعارف ستضيق بهذا الاقتراح، وستمنعها الكبرياء من أن تحفل به وتلتفت إليه، ولكني أعلم حق العلم أن هذا الاقتراح وحده هو الحل الصحيح الملائم للحق والعدل والمنفعة، وأن حرص الوزارة على كبريائها لا ينبغي أن يكون أشد من حرصها على مستقبل هذا الجيل من الطلاب، وعلى إنصاف المظلومين من هؤلاء الطلاب. ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يضحَّى بالمصالح العامة في سبيل هذه الأنفة الكاذبة. وهذه الكبرياء السخيفة التي تمنع الناس من أن يرجعوا إلى الحق إذا علموا أنهم مخطئون.
ومهما يكن من شيء فلا بد من تحقيق دقيق بريء من كل المؤثرات ليتبين الناس جلية الأمر في هذا الامتحان. وهذا التحقيق لا تستطيع وزارة المعارف أن تجريه لأنها متهمة، فهي التي وضعت الامتحان وراجعته وورطت الطلاب فيه. فلا بد أن تنهض به إذن لجنة بعيدة عن مكاتب الوزارة، قوامها جماعة من رجال التعليم الذين يستطيعون أن يقضوا في هذا الأمر دون أن يكون عليهم بأس من هؤلاء السادة المتسلطين في ديوان الوزارة. وكل حل غير هذا معرض للشك والريبة، ووسيلة إلى الظلم والطغيان.
هناك مسألة أخرى يجب أن تفكر فيها وزارة المعارف منذ الآن،
وهي مسألة العدول عن وحدة الامتحانات العامة بالقياس إلى مصر كلها. فمن السخف حقًّا أن توضع أسئلة في أي علم من العلوم لتفرض على طلاب المدارس جميعًا مهما تكن مدنهم وبيئاتهم، لا لشيء إلا لأنهم طلاب التعليم الثانوي أو طلاب التعليم الابتدائي. إنما سبيل المنفعة في ذلك أن تؤلف لجان مختلفة، لكل لجنة طائفة من المدارس تضع لها أسئلة الامتحان دون أن تلتزم هذه الوحدة التي تشبه التنظيم العسكري له قيمته، ولكنه أقل النظم ملاءمة لشئون التعليم والامتحان.
ولو أن وزارة المعارف لم تلتزم هذه الوحدة الغريبة، ولم تفرض على الطلاب جميعًا أسئلة بعينها، لما كان هذا الظلم بأسئلة الكفاءة في هذا العام شاملًا ولا عامًا، بل لشكا منه فريق بعينه، هو الذي يكون الله قد ابتلاه بمن وضع له هذا الامتحان السخيف، ولكان غير هذا الفريق من الطلاب آمنًا من هذا السخف، هادئًا لا يشكو ولا يستعطف. ولوجدت الوزارة نفسها أمام شرٍّ ضيقٍ حصورٍ.
فلتفكر الوزارة في إصلاح هذا الشر الذي تورطت فيه هذا العام، ولتصطنع في ذلك كله شيئًا من الجد والسرعة والحزم، فذلك خير لها وللناس جميعًا.
كوكب الشرق ١١-٦-١٩٣٣