Tag: العلاقات البريطانية المصرية

  • أغلاط (٢) | Errors (II)

    أغلاط (٢)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٤ أبريل ١٩٤٦

    وُفقت الحكومة البريطانية إلى شيء من الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَةً في الخطأ؛ فقد اختارت الوزارة البريطانية وفدًا رسميًّا لمفاوضة مصر، وهي بالطبع لم تَخْتَرْ هذا الوفد إلَّا بعد إلحاح متصل شديد.

    والقراء يذكرون أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد أعلنت — في ردِّها على المذكرة المصرية — أن محادثات تمهيدية ستُجرى بين الحكومة المصرية والسفير البريطاني في القاهرة، وأن المفاوضات ستتبع هذه المحادثات.

    وكان المصريون ينكرون هذه المحادثات التمهيدية، ولا يَرَوْنَ حاجة إليها، أو قُل كان المصريون يعتقدون أن هذه المحادثات التمهيدية قد جرت وطالت، حتى أصبحت الرغبة في إطالتها نوعًا من المماطلة. وكان المصريون يَرَوْنَ كذلك أن إصرار بريطانيا العظمى على أن تَكِلَ الأمر إلى سفيرها في القاهرة أثناء المراحل الأولى للمفاوضات لا يخلو من بعض الاستخفاف بمصر، والنظر إلى طلبها في قليل من الاكتراث. فعُدُول الحكومة البريطانية عن موقفها ذلك إلى هذا الموقف الجديد، وإقدامُها على اختيار وفد رسمي للمفاوضات صوابٌ من غير شك، صواب بالقياس إلى المصريين لأنه يرضي كبرياءهم، ويُشعرهم بأن بريطانيا العظمى لا تريد أن تُظهِر استخفافًا بمصر، ولا أن تكون قليلة الاكتراث بما ينبغي لها من الكرامة.

    وكان البريطانيون وبعض المصريين يذكرون أن مصر قد فاوضت المندوب السامي البريطاني سنة ١٩٣٦، ولا ينسَوْن إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن المندوب السامي في ذلك الوقت لم يكن سفيرًا ولا شيئًا يُشبه السفير، وإنما كان شخصًا ممتازًا له سلطات ممتازة فعلًا إن لم تكن ممتازة شرعًا، وله بحكم هذه السلطان مركز لا يشبه مركز السفير من قريب ولا من بعيد. ومهما يكُن من شيء فقد عدلت بريطانيا العظمى عن موقفها ذاك إلى موقف جديد، فكان في هذا العدول شيء من الصواب، وقد قلت إن بريطانيا العظمى وُفِّقَتْ إلى بعض الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَة في الخطأ، ويكفي أن ننظر إلى تكوين الوفد البريطاني، وإلى تكوين الوفد المصري للمفاوضات؛ لنتبين في وضوح وجلاء صحة هذه القضية. فالوفد البريطاني مؤلَّف من ثلاثة أشخاص لا أكثر، وأحد هؤلاء الأشخاص الثلاثة — وهو الرئيس — لن يحضر المفاوضات، ولكنه سيتصل بها من بعيد ويشهدها إن أتاحت له الظروف شهودها؛ فالوفد الرسمي البريطاني مؤلَّف إذن في حقيقة الأمر من شخصين اثنين: أحدهما وزير الطيران، والآخر سفير بريطانيا العظمى في القاهرة. أمَّا الوفد المصري فمؤلَّف من اثني عشر عضوًا لا أقل من ذلك. فهو إذن يزيد على الوفد البريطاني بعشرة أعضاء أو بتسعة أعضاء على أقل تقدير. وواضح جدًّا ما في هذا التفاوُت من الإسراف الذي لا ينبغي أن يُضاف إلى بريطانيا العظمى، وإنما ينبغي أن يُضاف إلى الحكومة المصرية، فهي التي تعجَّلت الأمر وألَّفت وفدها قبل أن تتبين اتجاه الحكومة البريطانية، وتتعرف وسائلها إلى هذه المفاوضات.

    ولو أن رئيس وزرائنا صبر وصابَر حتى يقنع الحكومة البريطانية بوجوب العناية بالمفاوضات، وتأليف وفد بريطاني لها، وعرَف أنها ستؤلِّف هذا الوفد من ثلاثة أشخاص أو أقل أو أكثر؛ لَلَاءَمَ بين الوفد المصري والوفد البريطاني، ولاحتفظ لمصر بشيءٍ من الكرامة ما كان ينبغي أن يضيع. فأعضاء الوفد البريطاني أَكْفَاءٌ ممتازون ما في ذلك شك، ولكنهم ثلاثة أو اثنان سيضيعون بين هذا العدد الضخم من المصريين، وأكبر الظن أن مركز الوفد المصري الضخم سيكون غريبًا بالقياس إلى هذا الوفد الإنجليزي الضئيل، وأكاد أعتقد أن صدقي باشا سيجتهد في أن يحصر المفاوضات في لجنة ضئيلة من الهيئة المصرية يلائم عددها الهيئة البريطانية. وإذن فسيكون مركز الأعضاء الآخرين غريبًا حقًّا، سينتظرون حتى تكون الحاجة إلى دعوتهم، ويومئذٍ يدعون ليلقوا صدقي باشا والذين يعاونونه في المفاوضات، فيسمعوا منه ويقولوا له ثم ينصرفون ليستأنفوا الانتظار.

    سيكون مركزهم كمركز الهيئة السياسية التي ألَّفها المغفور له الدكتور أحمد ماهر باشا، وكانت لها مع النقراشي باشا خطوب يعرفها رئيس الوزراء، وتعجُّل صدقي باشا في تأليف وفده الرسمي هو الذي اضطره واضطر مصر معه إلى هذا الحرج.

    وأخرى يجب الالتفات إليها، وهي أن الوفد البريطاني مؤلَّف من أشخاص لكل منهم مركزه الرسمي في السلطة التنفيذية، مؤلف من وزيرين ومن سفير، على حين قد أُدخِل في الوفد المصري أشخاص ليس لهم مركز في السلطة التنفيذية المصرية، وأكثرهم ليس له عمل يتصل بهذه السلطة من قريب ولا من بعيد. ومصدر ذلك أيضًا تعجُّل صدقي باشا من جهة أخرى، ونظره إلى وراء لا إلى أمام من وجهة أخرى، فلو أنه انتظر حتى يرى كيف تُؤلِّف الحكومة البريطانية وفدها لَلَاءَمَ بين الهيئتين المتفاوضتين، ولَاكْتَفَى بنفسه ووزير خارجيته وشخص ثالث من الوزارة أو من هيئة رسمية، ولكان في ذلك ما يكفي ما دامت النتيجة ستُعرض على البرلمان آخر الأمر. وكان صدقي باشا تَعَجَّلَ من جهة ونظر إلى وراء، فأراد أن يؤلِّفَ جبهة كالتي كانت تؤلَّف من قبلُ، ومن جهة أخرى فلم يُوَفَّقْ إلى تأليف الجبهة ولا إلى تمثيل الأمة في هيئة المفاوضات، ولكنه خيل إلى نفسه وإلى الإنجليز أنه لا يفاوض باسم الحكومة وحدها، وإنما يفاوض باسم الحكومة والشعب معًا، وظاهرٌ ما في هذا من الخطأ وظاهرٌ ما فيه من الضرر أيضًا.

    فصدقي باشا يعلم والإنجليز يعلمون — وزملاؤه المصريون في المفاوضات كذلك — أن هيئة المفاوضات المصرية لا تتكلم باسم الأمة المصرية، وإنما تتكلم باسم الحكومة وبلسان الأعضاء الذين يؤلِّفونها. فأمَّا كلمة الشعب المصري فسيقولها البرلمان إذا انتُخِب حرًّا وعُرِضَتْ عليه نتيجة المفاوضات.

    وثالثة لعلها أن تكون أشدَّ خطرًا من كل ما مضى، وهي أن الحكومة البريطانية قد أَلحقت بوفدها الضئيل عددًا ليس به بأس من المستشارين العسكريين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد. وهي لم تنشئ هذه الهيئة من المستشارين عبثًا، وإنما أنشأتها لتستعين بها في دقائق المفاوضات، فهل أنشأ صدقي باشا بإزاء هذه الهيئة هيئةً مصرية من المستشارين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد؟ ومَن عسى أن يكون أعضاء هذه الهيئة المصرية؟

    والشيء الخطير حقًّا هو هذه العناية التي تُظهرها بريطانيا العظمى بالشئون العسكرية في البر والبحر والجو؛ فإن موضوع المفاوضات — فيما نعلمُ — هو الجلاء عن مصر والسودان، لا تنظيم شئون الحرب البرية والبحرية والجوية في مصر والسودان.

    ولسنا نعلم أن البريطانيين والفرنسيين قد فاوضوا إخواننا اللبنانيين والسوريين على هذا النحو حين فاوضوهم في الجلاء عن ديارهم؛ فالجلاء لا يحتاج إلى كل هذا العناء، وإنما هو أمر يصدر إلى القوات البريطانية للرحيل بعد أن ينظم هذا الرحيل تنظيمًا فنيًّا يحدد أوقاته ووسائله. ففيمَ إذن كل هذا العناء، أليس يمكن أن يكون البريطانيون يريدون أن يفاوضوا وفد مصر في تنظيم الدفاع عن مصر. وفي تنظيم الدفاع كلام كثير، فإذا كان هذا الدفاع مقصورًا على مصر؛ فما ينبغي للبريطانيين أن يسألوا عنه ويشاركوا في تنظيمه الآن، وإن كان هذا الدفاع مشترَكًا بين مصر وبريطانيا العظمى فما لهذا تجري المفاوضات. وليس هذا هو الجلاء؛ فالخطر المخيف حقًّا والذي ينبغي أن يحتاط له صدقي باشا أشدَّ الاحتياط، وأن يتنبه له الشعب المصري أعظمَ التنبُّه؛ هو تدخُّل الإنجليز الآن في تنظيم الدفاع عن مصر، وحمايتها من غارة خارجية، فليس ذلك من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، ونحن إنما نفاوض لنُقنِعَهم بأن ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أوَّل الأمر. فإن احتاجت إلى معونة؛ فسيكون ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أول الأمر، فإن احتاجت إلى معونة فسيكون ذلك من شأن هيئة الأمم المتحدة، فبريطانيا العظمى حين تُفاوِضُنا في شئون الدفاع عن مصر، إنما تدخل فيما لا يعنيها، تتطوع بما لم يَدْعُهَا أحد إليها، وتُنِيب نفسها عن مجلس الأمن دون أن يعطيها مجلس الأمن إذنًا بهذه النيابة.

    على هذا النحو يفهَم المصريون مسألة الجلاء، ويحبون أن تفهمها حكومتهم كما يفهمونها، فما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديثَ قواعد في البر أو في البحر أو الأسطول من أساطيل الجو. وما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديث الاشتراك مع البريطانيين في الدفاع عن مصر، فكل هذه أمور تعني مصر وحدها، والتدخُّلُ فيها إهدار للاستقلال.

    وقد يُقال إن مصر في طريق الهند، وإن بريطانيا العظمى في حاجة إلى حماية مواصلاتها. ولكن مصر ليست وحدها في طريق الهند، ففي طريق الهند بلادٌ كثيرة، وما أظن أن بريطانيا العظمى تطمع في أن تحتل كل البلاد التي تقع في طريق الهند، أو تعرض مواصلاتها لخطرها. والشيء المهم هو أن مصر تريد أن تفاوض في الجلاء وفي وحدة وادي النيل، لا في الدفاع عن وادي النيل ولا في حمايته من المعتدين، فلهذه المفاوضات وقت آخر، ولها هيئة أخرى تستطيع مصر أن تتجه إليها إن أرادت أو احتاجت؛ وإذن ففيمَ هذه الهيئة الضخمة من المستشارين في حرب البر والبحر والجو.

    هذه هي المسألة التي يجب أن يفكر فيها المصريون دائمًا، وألا يَغفُلوا عنها ساعة من ليل أو ساعة من نهار. وهذه هي المسألة التي يجب ألَّا يُشغل المصريون عنها بما يساق إليهم من القول، وبما يُقَدَّمُ إليهم من الوعود، وبما يُبذَل لهم من التلطُّف. فقد عينت بريطانيا العظمى وفدًا لمفاوضة الوفد الرسمي المصري، فأرضت الكبرياء المصرية، وإرضاءُ الكبرياء المصرية خير ليس في ذلك شك، ولكنَّ خيرًا منه إرضاء الحقوق بردِّها إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.

    وهناك مسألة أخرى تُلقى هنا وهناك، أتَتِم المفاوضات في القاهرة أم تَتِمُّ في لُندرة؟! ولست أعرف سؤالًا أسخف من هذا السؤال؛ فالذئب قد يدعو الحمَل إلى أن يسعى إليه ليأكله، والذئب قد يسعى بنفسه إلى الحمَل ليأكله دون أن يكلفه مشقة الانتقال إليه. فلتجتهد مصر في ألَّا تكون حَمَلًا يأكله الذئب البريطاني في القاهرة أو في لُندرة.

  • مفاجأة | A Surprise

    مفاجأة
    لم تقع اليوم، ولم تقع أمس، وإنما وقعت مساء السبت فيما يقول الناس؛ فقد زعموا أن بعض البيئات المصرية قرأت في وقت واحد خلاصة الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف»، ونفت فيه نفيًا قاطعًا نقل المندوب السامي، وأنباءً خاصة وصلت إليها وأثبتت لها إثباتًا قاطعًا أن المندوب السامي قد نُقل بالفعل إلى أنقرة. وكذلك لم يُرد الله لهذه البيئات أن تجني ثمار هذا الجهد العنيف الذي بُذل في لندرة لكسب رضا «الديلي تلغراف» بعد جورها القديم؛ فقد ثابت «الديلي تلغراف» إلى الرضا بعد الغضب، وعادت «الديلي تلغراف» إلى الإنصاف بعد الجور، وعطفت «الديلي تلغراف» على الوزراء وأنصار الوزراء وعلى الحزبين المؤتلفين ومن يدور حول الحزبين المؤتلفين. وأكدت «الديلي تلغراف» أن المندوب السامي عائد إلى مصر ومستأنف عمله فيها، وأن الوزارة قد تُحرم رئيسها المريض ولكنها ستبقى كما هي إجمالًا، وسيُضاف إليها رجلان أو ثلاثة لتمضي في تصريف الأمور على هذا المنهاج البديع الخصب المنتج الذي ثبّت الأمن وأقرّ النظام، والذي استنقذ مصر من الفقر والبؤس، ووفّر عليها أعظم حظ ممكن من العزة والمجد، ومن الثراء والسعادة والنعيم. وكان رأي «الديلي تلغراف» مخالفًا لهذا كله منذ أسبوعين، وكان رئيس الوزراء وزملاؤه يرونها جائرة ظالمة، فيطلب بعضهم إليها الإنصاف والعطف، ويعلن بعضهم عنها أنها لا تستحق عناية ولا التفاتًا.
    فلما أجابت «الديلي تلغراف» إلى ما طُلب إليها من عطف وإنصاف، فرحت صحف الوزارة، وظهرت إحداها في صباح الأحد سعيدة مبتهجة، قد زيّنت صدرها بحليتين كريمتين هما صورة المندوب السامي المقيم في منصبه، لأن الله قد قدّر له الشفاء التام، وصورة رئيس الوزراء الذي سيعتزل منصبه لأن صحته تحتاج إلى الراحة وفراغ البال.
    وبينما كانت الصحف الوزارية سعيدة بعودة «الديلي تلغراف» إلى الوصل بعد الصد، وإلى القرب بعد الهجر، وإلى الصفو بعد الجفاء، كان الراسخون في العلم من الوزاريين يذوقون حلاوة هذا الخيال مشوبة بمرارة اليأس الذي لا حظ له من عذوبة. وكانوا يقرءون مع هذا الفصل الحلو أنباء بأن المندوب السامي سيسافر ولكن لا إلى مصر، وسيعبر البحر ولكن لا إلى وادي النيل، وسيستقر في الشرق ولكن لا في القاهرة، بل في أنقرة، لأن جو مصر قد يكون جميلًا معتدلًا، وقد يكون صفوًا سمحًا، وقد يكون ملائمًا للنقاهة في الخريف والشتاء بعد المرض الطويل في الربيع والصيف، لولا أن في جو مصر سحابة عظيمة مقيمة، تزول السحب كلها ولا تزول، وتحول بين مصر وبين الصفو الذي تبغيه، والاعتدال الذي تريده وتشتهيه، وتتحول الأحداث والأشياء كلها ولا تحول.
    وهذه السحابة العظيمة المقيمة يسميها الناس الوفد، ويحاول الإنجليز وغير الإنجليز أن يردّوها عن هذا الجو الصفو، ويصدّوها عن هذا الإقليم المعتدل ليخلص لهم صفو ذلك واعتدال هذا، ولكنهم لا يجدون إلى ردّها ولا إلى صدّها سبيلًا؛ فهي عظيمة دائمًا، مقيمة دائمًا، تظلّ المصريين بالصبر والثبات، وتحمي المصريين من اليأس والقنوط. وهذه السحابة يستطيع المندوب السامي أن يحتمل ظلّها المُحرِق عامًا وأعوامًا، ولكنه لا يستطيع أن يحتمله إلا بمقدار، ولا أن يثبت له إلا بمقدار. وقد رأى الإنجليز أن مندوبهم السامي قد احتمل ظلّ هذه السحابة العظيمة المقيمة حتى احترق به أو كاد، فأنقذوه ونقلوه إلى أنقرة حيث لا وفد ولا شيء يشبه الوفد، وحيث لا يحتاج إلا إلى أن يسير سيرة غيره من الوزراء والسفراء في هدوء شامل، واستقرار كامل، وتصريف للعلاقات السياسية المألوفة بين الدول التي تستمتع بالاستقلال الصحيح.
    والإنجليز يحبون العدل للإنجليز، ويكرهون الجور عليهم والإلحاح عليهم بالظلم؛ فهم قد أشفقوا على السير برسي لورين فنقلوه، كما أشفقوا على اللورد لويد فعزلوه. وهم يريدون أن يرسلوا إلى مصر مندوبًا ساميًا جديدًا يستقبل من أمر العلاقات الإنجليزية المصرية ما استقبل أسلافه، ويجرّب فيها ما منحه الله من الذكاء والفطنة، ومن الدهاء والحذق، ومن المرونة واللباقة، لعله أن يُبلي فيحسن البلاء مع هذه السحابة العظيمة المقيمة التي تظلّ المصريين بالصبر وتحمي المصريين من اليأس، وتأبى أن تدع مكانها من جو مصر إلا أن تتمّ لها الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح والسيادة التي لا تقبل شكًا ولا جدالًا، ولا تتعرض لعبث ولا لعب. وقد يكون المندوب السامي الجديد موفقًا كما وُفِّق جورج لويد فيُعزل، وقد يكون موفقًا كما وُفِّق برسي لورين فيُنقل. وقد يكون الله قدّر له توفيقًا من طراز جديد، لأنه قدّر له خطة جديدة غير خطة صاحبيه؛ فقد أراد أحدهما أن يأخذ مصر بالبطش فانتهى إلى العزل، وأراد الآخر أن يأخذ مصر باللين والدهاء فانتهى إلى النقل. فلعل المندوب الجديد أن يُلهمه الله أخذ مصر بالصراحة والصدق ومواجهة الحقائق الواقعة، مخلصًا لها ولأمته، ناصحًا لها ولأمته، لا متجبرًا فقد مضى زمن التجبر، ولا ملتويًا فقد مضى زمن الالتواء، وأصبحت الأمم لا تُساس كما يُساس الأطفال، ولا تُؤخذ كما يُؤخذ الأغرار والضعفاء. والأيام وحدها هي التي ستكشف عما قدّر الله للمندوب الجديد من توفيق أو إخفاق.
    مصر تعلم حق العلم أن الله قد كتب لها الفوز، لأن الله قد كتب الفوز للحق دائمًا، وقدّر الانتصار للعدل دائمًا. وأيّ حق يشبه حق مصر في أن تعيش حرّة آمنة لا تعتدي على أحد، ولا يعتدي عليها أحد؟! وأيّ عدل يشبه حرص مصر على أن تكون أمورها إليها هي، لا إلى غيرها من الأفراد، ولا من الشعوب؟ فسينظر المصريون إذن إلى انتقال المندوب السامي القديم باسمين، وسينظرون إلى مقدِم خلفه باسمين كما تعوّدوا أن ينظروا إلى الأحداث كلها باسمين، لا يعرفون هذا الفرح الذي يُنسي الناس أحلامهم، ولا يعرفون هذا الحزن الذي يصرف الناس عن الجهاد، وإنما يعرفون الثقة بالحق والثبات على المطالبة به والسعي إليه في حزم وعزم، وفي عزة وإباء.
    ولكن أمر هذا الحادث الفجائي لا يخلو من شيء طريف. فلم نكن نقدر ونحن نكتب ما كتبناه أمس أن نبوءتنا ستتحقق بهذه السرعة، وأن الذين ساءتهم أنباء «الديلي تلغراف» سيسرّون عن قريب بما يسوء الذين استكتبوا «الديلي تلغراف». وكنا نظن أن خطط الصراع والنزاع، وأساليب النضال والنزال، تقتضي شيئًا من التمهل، وأن الثأر لن يظفر به طلابه إلا بعد أسبوع أو ما يزيد على الأسبوع. ولكن القوم كانوا فيما يظهر قد تأهبوا فأحسنوا التأهب والاستعداد، فلم يكد ينتصر الموحون إلى «الديلي تلغراف» ويظفرون برضاها حتى انتصر خصومهم، وحققت لهم الظروف ما يريدون.
    وفي هذا الأمر عبرة خليقة بالتفكير، وهي أن كل شيء ممكن، حتى أن تقول «الديلي تلغراف» وتؤكد، وتصطنع الحزم والجزم فيما تقول وتؤكد، ويشيع الناس أنها لم تقل ولم تؤكد إلا عن وحي من المصادر العليمة، ثم يظهر في اليوم نفسه أنها قد قالت وأكدت، وحزمت وجزمت، ولكن الظروف والحقائق الواقعة قالت شيئًا آخر.
    فما أجدر المصريين أن يعتبروا، وما أجدر المصريين ألا يغلوا في تصديق الصحف والإيمان لها، حتى ولو كانت «الديلي تلغراف» وأشباه «الديلي تلغراف».
    كوكب الشرق في ١٤-٨-١٩٣٣.

  • قسمة٢ | Division (2)

    حديث اليوم: قسمة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٢ يوليو ١٩٣٢

    قد تكون عدلًا هذه القسمة ولكنها لا تخلو من الجور، وقد تكون قصدًا ولكنها لا تخلو من الإسراف، وقد تكون جِدًّا ولكنها لا تخلو من الهزل. وهي على كل حال آية بديعة يجب أن تسجل مع الثناء لرئيس الوزراء. وما زال رئيس الوزراء يأتي بالأعاجيب، لا نكاد ننسى أعجوبة حتى يأتينا بأعجوبة خير منها أو مثلها. فهو يطرفنا في كل يوم بما يسلي عن الصدور، ويجلي عن النفوس، ويملأ القلوب غبطة وحبورًا. جعلنا أحرارًا عبيدًا، وجعلنا آمنين خائفين، وجعلنا محاربين مسالمين، وجعلنا أغنياء فقراء. وأقام على ذلك كله أدلة لا تحتمل النقض، ولا يعرض لها الشك، فصدقناه وآمنا به، وكذبنا أنفسنا وأنكرنا ما نحس، وجحدنا ما نشعر. ولكنه جاءنا بآية جديدة أمس حين خطب في أشياعه وأتباعه الذين حشدوا له في نادي حزب الشعب في الإسكندرية. قسم العافية نصفين، وشقها شقين وجعل نصفها في مصر، ونصفها الآخر في أوروبا، وأعلن أنه كسب نصفها الأول حين رأى الأشياع والأتباع يهتفون ويصفقون لزعيمهم الذي اختاروه وآثروه بحبهم وإعجابهم، وأنه سيكسب النصف الثاني في أوروبا، حين يذهب للراحة والاستشفاء. وهو بالطبع لا يعرف أين يوجد هذا النصف: في إيطاليا، وقد يكون في كرلسباد، وقد يكون في فيشي، وأكبر الظن أنه في لندرة. وليس من شك عندي ولا ريب في أن العافية قد أصبحت شيئًا يقسم نصفين، ويشطر شطرين، ويكون نصفه في الجنوب، ونصفه الآخر في الشمال، ليس عندي في هذا شك ولا ريب؛ لأن رئيس الوزراء قد قاله وأعلنه، وأنا ملزم أن أصدق رئيس الوزراء إذا قال؛ لأني معجب به قبل كل شيء، وخائف منه بعد ذلك، ولأني إن خالفته فقد أنكرت استقرار النظام، وهو يؤكد أنه مستقر.

    يمكن إذن أن تنقسم العافية نصفين، ولكني كنت أحب أن أعلم، وقد يتيح لي رئيس الوزراء أن أعلم، كيف تقسم العافية، وعلى أي نحو تشق، وبماذا تقسم؟ أتقسم طولًا أم تقسم عرضًا، أم تؤخذ من عمقها، وتشقق من سمكها؟ وبمَ تقسم؟! أتقص قصًّا؟ أم تقط قطًّا؟ أم تقطع بالسكاكين، أم تحطم بالفئوس؟ ومهما يكن من شيء فقد قسم رئيس الوزراء عافيته نصفين، استرد أحدهما أمس في نادي حزب الشعب، وسيسترد الآخر متى عبر البحر. ولكن فيمَ هذا العناء وعلام هذه المشقة وفيم الأسفار، واقتحام البحار، والغيبة عن الأنصار؟! وفيمَ حرمان الشعب طلعة زعيمه، ومحضر عظيمه، وفيمَ ترك الديار تتعرض للأخطار، ما دام تصفيق الأشياع، وهتاف الأتباع، يزيل الصداع ويمحو العلة ويبدل الزعماء من أسقامهم صحة، ومن آلامهم لذة؟! هؤلاء أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية قد ردوا عليه نصف عافيته حين هتفوا وصفقوا. وأين يقع أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية من أشياعه وأتباعه في الأقاليم؟ وأي مدير وأي مأمور يعجز عن أن يحشد لرئيس الوزراء من الأشياع والأتباع أضعاف مَن حُشدوا له في الإسكندرية؟ وقد احتشد لرئيس الوزراء في شمال البلاد وجنوبها، حين زار الأقاليم عشرات الألوف ومئاتها وكلهم هتف، وكلهم صفق. فما بالهم لم يردوا على الرئيس نصف عافيته أو ثلثها أو ربعها؟ فأنت توافقني على أن العافية إذ جاز أن تنقسم نصفين جاز أن تنقسم أثلاثًا وأرباعًا، وأن تشق أسداسًا وأسباعًا. وكان الحق على رئيس الوزراء وهو الرجل العدل المنصف، أن يقسم عافيته إلى أجزاء متساوية يوزعها على الأقاليم والمدن التي يمكن أن يزورها حتى إذا طوف أقطار مصر رد إليه كل إقليم جزءًا من عافيته، وكان يستطيع أن يحتفظ بجزء أو أجزاء من هذه العافية ويوزعها على المدن التي يحتاج لزيارتها في أوروبا. فأما أن يقسم عافيته نصفين اثنين ويقصرهما على الإسكندرية وأوروبا فمجاوز للعدل بعيد عن الإنصاف، مخالف للديمقراطية التي استقر عليها النظام. قال قائل: وما ذنب رئيس الوزراء إذا كانت عافيته لا تحب الحر، ولا تستقيم مع القيظ، ولا يردها عليه الهتاف والتصفيق إلا إذا مسهما من نسيم البحر نفَس عليل بَلِيل، وأصابهما ريق من هذا السحاب الذي يظلل أوروبا في الصيف والشتاء؟ فعافية رئيس الوزراء ليست جافة ولا يابسة، وإنما هي لينة، تحب اللين، وهينة تؤثر الجو الرطب.

    والظاهر في حقيقة الأمر أن الذي رد على رئيس الوزراء نصف عافيته ليس هو هتاف الهاتفين، ولا تصفيق المصفقين، وإنما هو شيء آخر ظهر في «الشعب» صباح أمس، وأحب رئيس الوزراء فيما يظهر أن يعرفه الناس، فأوحى إلى جريدة «المقطم»، فنقلته عن «الشعب» ثم أحب رئيس الوزراء أن تذيعه «الأهرام» أيضًا، فقال في خطبته أمس، ونشرت «الأهرام» هذه الخطبة صباح اليوم، وهو أن المفاوضة آتية لا ريب فيها. نعم، نشرت «الشعب» و«المقطم» هذا الكلام وأعلنه رئيس الوزراء ثم نشرته «الأهرام»، فيجب أن تكون الطير قد حملته إلى رئيس الوزراء من لندرة. ومن الطير ما يصدق، ومنها ما يكذب، ورئيس الوزراء عليم بصدق الطير وكذبها؛ ولذلك لم ترد عليه هذه الطير عافيته كلها وإنما ردت عليه نصفها، ليس غير؛ لأنها لم تحمل إليه يقينًا وإنما حملت إليه ظنًّا وأملًا. وقد قُلتُ لك منذ أيام: إن لندرة تداعب حكومة القاهرة، فتدنيها أصبعًا إذا احتاجت إلى شيء، وتقصيها شبرًا إذا قضت منها ما تريد. وأمر حكومة القاهرة مع لندرة كأمر البحتري مع صاحبه حين قال:

    لج هذا الحبيب في الهجر جِدَّا وأعاد الصدود منه وأبدى

    ذو فنون يريك في كل يوم خلقًا من جفائه مستجدَّا

    أغتدي راضيًا وقد بت غضبا ن وأمسي مولًى وأصبح عبدًا

    ولسنا ندري في أي الأطوار تكون حكومة القاهرة الآن: أراضية أم غضبى؟! سيدة أم مسودة! وأكبر الظن أنها شيء بين ذلك، ما دام رئيس الوزراء لم يسترد عافيته كلها، وإنما استرد نصفها وسيطلب إلى الأطباء في روما أن يدلوه على نصفها الآخر.

    وهل هو سيطلب هذا النصف إلى أطباء روما أو إلى عظيمها مسوليني؟ فدكتاتور إيطاليا طبيب بالسياسة يحسن العلم بها والمشورة فيها، وهو إلى الآن أعظم الذين نهضوا بالدكتاتورية حظًّا من التوفيق. نجح في إيطاليا؛ فدان له الشعب وأحبته كثرته المطلقة، ونجح في سياسته الخارجية؛ فأكره خصوم إيطاليا على أن يعرفوا لها مكانها النابه بين الدول العظمى. فمن حقه أن يكون أستاذًا مسموع الكلمة، وطبيبًا مقبول الرأي عند رؤساء الحكومات الذين يريدون أن يصطنعوا الحزم في سياستهم الداخلية والخارجية. وقد وفق رئيس وزرائنا مع المصريين؛ فدانوا له جميعًا وأحبوه جميعًا حبًّا قوامه الإخلاص والإيثار، وآمنوا جميعًا وأنا أولهم لنظامه الجديد. ولكن نجاحه في السياسة الخارجية مشكوك فيه؛ فالإنجليز قساة لا يرحمون، جياع لا يشبعون. وليس يضر رئيس الوزراء وقد ينفعه كثيرًا أن يستشير طبيب إيطاليا في أمر هذه العلة، وأن يسأله عن أقرب الطرق إلى إكراه الإنجليز على قبول المفاوضات. وأنا واثق بأن موسوليني سيشير عليه بالرأي المستقيم؛ فقد عرف من قبلُ كيف ينزل إنجلترا وفرنسا عند ما كان يريد. ومن يدري لعل مشورة موسوليني هذه أن ترد على رئيس الوزراء النصف الثاني من عافيته، فيعود إلينا وقد غاب عنا أيامًا لا أسابيع؟ ونحن أحوج ما نكون إلى أن يعود إلينا في أقرب وقت، بل إلى أن يبقى فينا لا يفارقنا إلا حين يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز، ويستخلص منهم الاستقلال. وعلى كل حال فإني أهنئ رئيس الوزراء مخلصًا بنصف عافيته الذي استرده، وأتمنى له صادقًا أن يجد نصفها الثاني في غير مشقة ولا عناءٍ، ولا فراق طويل.