الفئة الضائعة
بقلم الدكتور طه حسين
هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
طه حسين
الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤
Tag: العلماء
-
الفئة الضائعة
-
قسوة
قسوة
قسوة[1] لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
[1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف». -
استعداء
استعداء
في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.
كوكب الشرق ١٠\٨\١٩٣٣ -
عتاب
عتاب
نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.