مصطفى عبد الرازق كما عرفته
من آثار مصطفى عبد الرازق
طه حسين
كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .
Tag: العلم
-
مصطفى عبد الرازق كما عرفته | Mustafa Abd al-Razzaq as I Knew Him
-
الرسالة الثانية | The Second Letter
الرسالة الثانية:
من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين
عزيزي الدكتور،
قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.
توفيق الحكيم