شعر الرعاة
طه حسين
؟؟
٧ مايو ١٩٥٨
إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.
هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.
ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.
والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.
هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.
وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.
ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.
على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.
لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.
وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.
ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.
والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.
ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.
ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.
وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.
ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.
وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.
وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.
فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.
ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.
Tag: العلوم الإنسانية
-
شعر الرعاة | The Poetry of Shepherds
-
كلية الآداب٢ | The Faculty of Arts (2)
كلية الآداب
بقلم الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب
إذا ذكرت الجامعة المصرية فهم منها كثير من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطا مصدره فيما يظهر أن كلية الآداب عرفت باسم الجامعة المصرية حين أنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضمت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياته الأربع التي تتألف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. ومما يسر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة يلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية ويلقى بعضها الآخر في دور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقلما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر لها صفتها العلمية العليا ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس مس اتصالا قريبا، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم، وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم وملكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم وملكاتهم ونظمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبا إذن أن تتصل هذه المحاضرات المتنوعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها، بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية وعلى تفاوت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم ويريدون أن يختلفوا إلى دروسها اختلافا منظما أو غير منظم متصلا أو مؤقتا، لا يقيدهم في ذلك قيد ولا يمنعهم منه منع. ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولا لا مغمز فيه، وهؤلاء المستمعون يقبلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين وهم أحرار لا يؤدون امتحانا ولا يدفعون رسما ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة والتي تمس حياة الناس جميعا والتي يحسب الناس جميعا مخطئين أو مصيبين أن لهم بها إلماما قليلا أو كثيرا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور وأن تستأثر أحيانا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم وأن تختص أحيانا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم لما ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورا على كلية الآداب المصرية إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب وقد تربى عليها أحيانا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطر وهو أن تكون عنوان الجامعات وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.
ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعد كلية الآداب على وجهها. وكثيرا ما تمنت كلية الآداب لو جهلها الناس وأغضوا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعم بعض الكتاب منذ أسابيع أنها لم تؤد رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية ولم تقلبها ظهرا لبطن كأن كلية الآداب متى وجدت يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية فإذا هو قد خلق خلقا جديدا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.
لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يدرس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يدرس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرس في الكليات الأخرى، فليس هو شيئا شائعا يساهم فيه الناس جميعا وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرا أو كاتبا لتكون أستاذا في الأدب. وليس يكفي أن نفهم كتابا في التاريخ لتكون مؤرخا، بل ليس يكفي أن تكون مؤرخا لتكون أستاذا للتاريخ، وليس يكفي أن تكون فيلسوفا لتكون أستاذا في الفلسفة.
يوم ترتفع العلوم التي تدرس في كلية الآداب عن أن تكون نهبا للناس جميعا وشركة بين الناس جميعا يساهم فيها القادر والعاجز ويقضي فيها الجاهل والعالم — أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقروها في نظامها الطبيعي.
وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر، فأما المسرفون فيكلفونها شططا كما رأيت. ولكن هناك قوما هم أشد خطرا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأما الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة؟
فأما الأدب شعره ونثره فليس إلا كلاما، وتستطيع أن تثق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويا عنيفا مستعدا دائما للقص من جناحي كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالا ولا محاورة فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة، ولا تقل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلا في بيئة حظها من الآداب عظيم — لا تقل شيئا من هذا فسينفضون إليك رءوسهم ويقولون كلاما لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وقفا عند الخطأ والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قصد إليه الذين أنشأوا كلية الآداب وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر إنما هو إحياء العقلية المصرية ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة وتفهمها وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.
إلى هذا قصد الذين أنشأوا الجامعة المصرية القديمة وكانوا موفقين كل التوفيق، وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن وهم موفقون كل التوفيق أيضا. وإذا لم يكن بد من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديد العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني أيده الله هذا الميل فحمده فيّ وشجعني على المضي فيه تشجيعا ماديا ومعنويا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية ورفعته هدية إلى سدته الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءا من برنامج الدرس في الكلية. ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعا على فهم هذه الحقيقة القيمة وهي: أن مصر لن تنهض حقا ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلا إذا استخرجتها من معدنها واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان والرومان.
نعم ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلا إذا عرفت قديمها فأحيته ووصلت بينه وبين الجديد واتخذت من هذا وذاك مزاجا صالحا هو قوام الحياة الصالحة التي لا تفنى في القديم فتجمد ولا تفنى في الجديد فتضيع.
نعم ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها فيفهمون الأشياء فهما متقاربا ويحكمون عليها حكما متشابها ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض. وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته ولن تقصر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يمكنها من التغلب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
طه حسين
المصور ٤ – ٣ – ١٩٣٢ -
في التجديد | On Renewal
في التجديد
طه حسين
المجلة الجديدة
١٠ نوفمبر ١٩٢٩
وإنَّما أريد التجديد الأدبي؛ لأنَّه بطيء مضطرب لا نظام له ولا اطِّراد، على حين يأخذ التجديد في نواحي حياتنا الأخرى طرقًا واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء. فالعلم يدرَّس في مدارسنا المدنية على النحو الأوروبي الجديد في غير مراوغة ولا تلكؤ. ولسنا نعرف مدرسة مدنية تدرس فيها الطبيعة أو الطب على نحو ما كان يدرسهما أصحاب أرسططاليس، وتلاميذ الفارابي وابن سينا، وإنَّما تدرس الطبيعة والطب وغيرهما من العلوم على أحدث نوع من أنحاء الدرس تعرفه أوروبا وأمريكا. وليس على ذلك اعتراض أو نكير، وإنَّما يكون الاعتراض والإنكار لو حاولت المدارس أن تعدل عن هذا النحو الجديد من الدرس إلى نحو آخر قديم ولو قليلًا. والفن الذي يتبع هذا العلم ويجاريه في الحياة العلمية مجاراة الظل للشخص يسلك طريقًا جديدة أيضًا.
فكما أننا ندرس الطبيعة والميكانيكا والطب على النحو الجديد، فنحن نُطبقها أيضًا على النحو الجديد. أما حياتنا السياسية فمسرفة في الميل إلى التجديد، ويكفي أن تكون الصلة قد انقطعت بينها وبين ما ألف آباؤنا من الحياة السياسية، فليست هناك صلة ما بين نظامنا السياسي القائم مهما يكن، وما أَلِف المصريون القدماء من حكم الفراعنة، أو ما ألف المصريون المسلمون من حكم الخلفاء والسلاطين، وتستطيع أن تقول مثل هذا في حياتنا الاجتماعية، فهي ممعنة في التجديد، وحسبك أنَّ تشريعنا المدني كله يقتبس من أوروبا لا من النظم القديمة ولا من الإسلام نفسه، وحياتنا الاقتصادية جديدة كلها. فلم يعرف القدماء هذا النحو من البيوت المالية، وهذا النحو من التعاون المالي الذي نعرفه نحن، ونسرف فيه أكثر مما يُسرف فيه الأوروبيون أنفسهم.
التجديد عندنا إذن مطَّرد في كل شيء تؤيده الحكومة، وتلح فيه، وتفرضه على الناس فرضًا، وتشرع القوانين في كثير من الأحيان لمعاقبة الذين يُنكرونه أو يخرجون عليه.
وهذا التجديد ملائم كل الملاءمة لميولنا وأهوائنا ولطبائعنا وأمزجتنا، فنحن مطمئنون إلى ما يُشرَّع لنا من النظم التعليمية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وإذا كنا ننكر على الحكومة شيئًا فإنَّما ننكر عليها إبطاءها في التجديد، وإذا كنَّا نتمنى شيئًا فإنَّما نتمنى الإسراع في هذا التجديد حتى تزول الفروق بيننا وبين الأوروبيين. ومع ذلك فهناك ناحية من نواحي حياتنا العامة والخاصة يشتد فيها إنكار التجديد، والخروج عليه، ولا يكاد المجددون يشقون فيها طريقهم إلا على شيء من المشقة والعناء غير قليل؛ وهي الناحية الأدبية.
فالمجددون من الأدباء لا يزالون قلة في الشرق عامة وفي مصر خاصة، وهذه القلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلها العليا، ومذاهبها في التفكير والتعبير، وإنَّما هي عرضة دائمًا للمقاومة والمناوأة وللكيد والدس، وما إلى هذا كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة. والذوق العام ينقاد لهم حينًا ويزورُّ عنهم حينًا آخر، وازوراره عنهم أشد من انقياده لهم. وهؤلاء المجددون أنفسهم على اقتناع كثير منهم برأيهم في التجديد، مضطربون لم يبلغ بهم الإيمان بمذهبهم الجديد إلى الحد الذي يستطيعون معه التضحية في سبيل مذهبهم أو الجهاد الصريح لنصر هذا المذهب. فمنهم من يفتر إذا اشتدت الخصومة، ومنهم من يتملق القديم؛ فيحتال في أن يلون آراءه الجديدة بلون فيه ميل قوي أو ضعيف إلى القدم. فما علة هذا النوع من التناقض بين حياتنا الأدبية وغيرها من فروع الحياة المختلفة التي نحياها؟ وما السبيل إلى إلغاء هذا التناقض، والملاءمة بين حياتنا العاقلة الشاعرة، وحياتنا العامة؟
أما جواب السؤال الأول فيسير فيما يظهر؛ ذلك أنَّ تطور العقل والشعور بطيء بطبعه، أشد بطئًا من تطور الحياة العملية، فقد يكون من اليسير أن ندفع الزي الشرقي إلى الزي الغربي، وأن نجلس إلى الموائد لنأكل ونشرب على النحو الذي يأكل عليه الأوروبيون ويشربون، دون أن يكون لهذا كله مصدر إلا الرغبة اليسيرة في التقليد، والميل اليسير إلى ما هو أدنى إلى الراحة، وأقرب إلى المنفعة، فحياتنا المادية تتطور وتسرف في التطور دون أن يؤثر ذلك في حياتنا العقلية والشعورية. وكثيرون جدًّا هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا قد درسوا فيها وأقاموا فيها أعوامًا طوالًا، وظهر عليهم التأثر بدرسهم الأوروبي، وإقامتهم في أوروبا حتى وصفهم الناس بالتفرنج، واقتنعوا هم أيضًا بأنَّهم متفرنجون، ولكنَّهم على ذلك يُفكِّرون كما يفكِّر الشرقي الخالص، ويشعرون كما يشعر الشرقي الخالص، وهم شرقيون بأشدِّ معاني هذه الكلمة دقةً إذا خلوا إلى أنفسهم أو أرسلوا طبائعهم على سجاياها.
وكثيرًا ما يكون لهذا أثر بعيد منكر في حياة الشرقيين والأوروبيين جميعًا. فهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يخدعون أنفسهم، ويخدعون الناس، ويمضون في هذه الخديعة حتى يصهروا إلى الأوروبيين، يحسبهم الأوروبيون أمثالهم في التفكير والشعور؛ فيقبلونهم أصهارًا، ويظنون هم أنفسهم أنَّهم أوروبيون في التفكير والشعور؛ فيقترنون بالأوروبيات حتى إذا عادوا إلى مصر وصهرتهم شمسها الحارة زال عنهم هذا الطلاء، فظهرت شخصياتهم الشرقية واضحة جلية، فأنكرهم أزواجهم وأنكروا هم أزواجهم أيضًا، واتصلت لهم ولأزواجهم حياة مرة منغصة.
وهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يتحدثون إليك في أوروبا أو حين يعودون منها، فإذا هم ينكرون في مصر كل قديم، وإذا هم حِرَاص على التجديد حتى إنَّك لتخافهم على النظام، وتحسبهم دعاة ثورة وفتنة، ثم لا يمضي عليهم في مصر زمن قليل حتى يصبحوا — أو قل حتى يعودوا — أنصارًا للقديم كما كانوا قبل أن يذهبوا إلى أوروبا.
لا مصدر لهذا كله إلا ما قلناه من أنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء بطبعه، وإذا كان تطور التفكير والشعور بطيئًا فلا جرم تبعه في البطء تطور التعبير؛ أي تطور الحياة الأدبية، فلأجل أن تُجيد الإنشاء الفني شعرًا أو نثرًا يجب أن يكون هذا الإنشاء صادقًا؛ أي صورة قوية صحيحة لما يضطرب في نفسك من خاطر، وما تجد من عاطفة أو هوى. وإذا كنت شرقيًّا خالصًا فستخطر لك الخواطر الشرقية، وستجد العواطف الشرقية، وستعبر عنها كما يُعبِّر الشرقيون؛ أي ستكون قديمًا في تفكيرك وشعورك وتعبيرك.
أما الجواب عن السؤال الثاني: فما نظنه أشد عسرًا من الجواب عن السؤال الأول؛ ذلك أنَّ من الواضح أنَّ أحسن دواء إنَّما هو استئصال العلة التي تدعو إلى المرض، فإذا كان التجديد في الأدب بطيئًا لأنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء؛ فخير طب لهذا إنَّما هو إعانة التطور العقلي والشعوري على أن يتحقق ويسرع إلى حد ما. وبمقدار ما نعين هذا التطور على الإسراع يكون حظ أدبنا العربي من التجدد.
ومن الغريب أنَّك تُلاحظ بين حياتنا العلمية والأدبية تناقضًا في حظهما من التجديد مصدره التناقض فيما بُذل من الجهود لتحقيق التطور العلمي والأدبي؛ فقد بُذلت جهود عنيفة كثيرة متصلة لتحقيق التطور العلمي منذ أول القرن الماضي، فَفُرض العلم المدني على النَّاس فرضًا؛ لأنَّ حاجتهم في حياتهم العلمية كانت تقتضي ذلك، وبلغنا بفضل هذه الجهود إلى حياة علمية قد تكون قوية منتجة وقد تكون ضعيفة قليلة الإنتاج، ولكنَّها جديدة على كلِّ حالٍ.
أمَّا الجهود التي بُذلت لتحقيق التطور الأدبي فقليلة ضئيلة متقطعة؛ لأنَّ التطور الأدبي لم تدعُ إليه الحاجة العاجلة، فبينما كان التقدم العلمي قد مضى إلى أمد بعيد في مصر كانت الحكومة لم تُفكِّر بعد في إنشاء مدرسة دار العلوم. فلما أنشأتها مضت في إنشائها على استحياء، وجدَّدت في نظامها بمقدار، ثم وقفت عند هذا الحد من الجهد لتحقيق التطور الأدبي. وطبيعي أن تكون ضئيلة ثمرات هذا الجهد الضئيل. ثم انتظرت الحكومة نصف قرن، وأضافت إلى جهدها الأول جهدًا آخر هو إنشاء كلية الآداب في الجامعة، ولكنَّ هذا الجهد لم يؤتِ ثمره بعد؛ لأنَّه لا يزال حديث العهد. جهد الحكومة لتحقيق التطور الأدبي ضئيل بالقياس إلى جهدها لتحقيق التطور العلمي، ومع ذلك فقد تطور الأدب العربي نحو التجديد في مصر تطورًا لا بأس به مصدره جهود فردية بُذلت لنشر الكتب القديمة وترجمة الكتب الحديثة، وقُرئت هذه الكتب وتلك، فكانت هذه النهضة التي نشهدها الآن.
ولو قد عني الأفراد بالعلم عنايتهم بالأدب لكانت حياتنا العلمية أرقى جدًّا مما هي الآن، ولو قد عنيت الحكومة بالأدب عنايتها بالعلم لكانت حياتنا الأدبية أرقى جدًّا مما هي الآن. على أنَّ هذا كله من التاريخ، وربما كان الخير في أن تفكر الحكومة في بذل شيء من الجهد القيم الجدِّي لتحقيق التطور الأدبي، حتى لا يوجد هذا التناقض بين حياتنا الأدبية وفروع حياتنا الأخرى، وحتى تنشط الألسنة والعقول والقلوب كما تنشط الأيدي، وحتى تصبح اللغة العربية لغة للمصريين حقًّا؛ تلائم حاجاتهم ملاءمة صحيحة، وسبيل هذا الجهد عندي أن تُدرَّس الآداب الحديثة كما تُدرَّس العلوم الحديثة، وأن تُفرض هذه الآداب على شباب المتعلمين كما فرضت عليهم العلوم، ولا أكاد أفهم معنى لجهل العلم الحديث فرضًا لا تنال الإجازات بدونه، وإهمال الأدب الحديث كأنه لم يُوجد.
سيقولون إن العلم الحديث سبيل إلى الحياة المادية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، فنقول: والأدب الحديث سبيل إلى الحياة الروحية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، إلا أن تتحول مُثُلنا العليا فنقنع بأن نكون أجسامًا لا أرواح فيها، على أنَّ قليلًا من التفكير كفيل بإثبات أنَّ الحياة العلمية الخالصة نفسها لم تُوجد ولم تقوَ في عصر من العصور إلا لأنَّ الأدب وجد قبلها فأحيا العقل، وأحيا الشعور، ودفع النَّاس إلى البحث والاستقصاء ثُمَّ إلى الإنتاج والاختراع.
ومن يدري؟ لعلَّ العلة الصحيحة في أنَّ كثرة علمائنا مقلدون لا ينتجون ولا يبتكرون، إنَّما هي قلة بضاعتهم من الأدب المنتج.