تكريم المعلمين
طه حسين
مجلة المقتطف
نوفمبر ١٩٥٠
ألقى حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف العمومية كلمة خالدة في الحفل الذي أقامه لتكريم رجال التعليم مساء يوم الجمعة ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٥٠، تكليلًا لما أحرزوه من نجاح في الموسم الدراسي الحاضر. نقتطف منها النبذ الآتية:
أيها الزملاء الأعزاء …
لكم أخلصُ التحية وأصدقُ الشكر على ما تفضلتم به من الاستجابة لهذه الدعوة، والحق إني حين دعوتكم إلى هذا الاجتماع العائلي كما يُقال في هذه الأيام لم أُرِدْ إلَّا إلى شيءٍ واحد، هو أن أبلغكم شكر الحكومة على ما قمتم به جميعًا من جهدٍ وما احتملتم من مشقةٍ، وتهنئة الحكومة على ما انتهيتم إليه من نتيجة، وما أُتيح لكم من ظفر، لا أعرف أنكم قد سُبقتم إليه في الأعوام الماضية، ولا أريد أن أخصَّ منكم بالشكر والتهنئة أحدًا؛ فأنتم جميعًا من حضر منكم هنا ومن لم يتح له أن يحضر، من كان منكم في مناصب الإشراف على التعليم في الوزارة والمناطق ومن كان منكم مباشرًا لشئون التعليم من أقرب مناهجه ووسائله؛ كل منكم قد بَذَلَ الإخلاص الذي لم يكن ينتظر من رجال العلم غيره، وكل منكم قد بذل الجهد الذي يكافئ هذا الإخلاص، وكل منكم قد شارك فيما أُتيح لنا من هذا الفوز الذي يراه غيرنا عظيمًا، ولا أراه إلا متواضعًا يسيرًا، ولأنه ليس إلَّا الخطوة الأولى، والخطوة القصيرة، والخطوة التي ينبغي أن تتبعها خطوات طوال أوسع في شئون نشر العلم وإنقاذ مصر من الجهل، وتمكينها من أن تكون بلدًا له حقُّه في الحرية الكاملة، وحقُّه في الشرف الذي يلائم قيمه، ويلائم مستقبله السعيد إن شاء الله.
أيها الزملاء …
إنَّا — نحن جماعة المعلمين — ينبغي أن نكون أول من ينتفع بالعلم، ننتفع به قبل أن ننفع به تلاميذنا، وأول ما ينبغي للمعلم الذي يريد أن ينفع وأن ينتفع هو ألَّا يزدهيه الغرور، وألَّا يشغله الفوز اليوم عن الجهد الذي ينتظره غدًا، وألَّا يطمئنَّ إلى ما يُتاح له من بلوغ الغاية؛ فنحن لم نبلغ بعد غاية، وإنما ابتدأنا الطريق، والطريق أمامنا طويلة بعيدة شاقة، ولا بدَّ لنا بإذن الله أن نمضي إلى أمام حتى تبلغ مصر غايتها، إن لم يكن بلوغها في عصرنا ففي عصور أقرب وأدنى إلينا مما كان الناس يظنون قبل أن يُختم هذا الصيف.
عود إلى الماضي إني لأذكر وفي نفسي — ولا أقول على شفتي — أذكر وفي نفسي ابتسامة ليس فيها سخرية، وليس فيها غرور، وليس فيها اعتداد بما بذلنا جميعًا من جهد. أذكر ذلك الكلام الذي كان يُقال منذ عام حين كان المصريون يشكون أزمة المدارس وأزمة القبول فيها، وحين كان اللوم يُساق عنيفًا شديدًا إلى وزارة المعارف، وحين كان المشرفون على وزارة المعارف يعتذرون بأن الأمة تطلب إلى الوزارة فوق ما تُطيق. أذكر هذا، وأذكر الفصول التي كنت أكتبها من قمم الجبال، كما كنت أكتبها من سواحل البحر، أبيِّن فيها أن الوزارة قادرة على أن تواجه أزمة التعليم إن خلصت النية وصفت القلوب، ورُوعيت المصلحة العامة وحدها، ولم يُراع معها شيءٌ آخر. ولست أخفي عليكم أني حين نهضت بشئون وزارة المعارف كنت أشفق على نفسي من هذا الكلام الذي أرسلته من قمم الجبال. كنت أشفق على نفسي من أن أكون قد أسرفت عليها وعلى الوزارة في حسن الظن، ولكنكم حميتموني من هذا الإشفاق، وصدقتم ما تقدمت به من وعد، وأتحتم لي أن أكون راضيًا مبتهجًا مرفوع الرأس، أقول للمكابرين: انظروا، فهذه أزمة التعليم قد حُلَّت في هذا العام، وحلُّها في هذا العام دليلٌ على أنه لا ينبغي أن توجد في مصر أزمة تعليم.
حلَّت أزمة التعليم لكم أنتم جميعًا الشكر على أنكم قد أعدتم إليَّ ثقتي بنفسي، ومكَّنتموني من أن أَعِدَ وأنا مطمئن إلى أن وعدي لن يسقط في الهواء، وإلى أن كلامي الذي أرسله من قمم الجبال لا يذهب مع الريح، وإنما تتلقاه آذان تحسن الاستماع، وقلوب تحسن الفهم، ونفوس تحسن الاتِّعاظ بما مضى والتفكير فيما هو مقبل، وعزائم لا تحب الكلل ولا الكسل إلَّا أن تضطر إليهما اضطرارًا. أيها الزملاء … لا تنتظروا مني أن أقول لكم اطمئنوا وارضوا؛ فلست أُبْغِض في الحياة شيئًا كما أبغض الاطمئنان والرضا، وإنما أنا قلق دائمًا، مقلق دائمًا، ساخطٌ دائمًا، مثيرٌ للسخط من حولي، أعتقد أن الذي يرضى ويطمئن إنما هو الكَسِل الوَكِل الذي لا أمل له في مجد ولا في عزة. وإذا أُتيح للأشخاص أن يتواضعوا وأن يزهدوا في المجد، فلا ينبغي أن يُتاح هذا للأمم، ولا ينبغي للأمم أن تتواضع ولا أن ترضى ولا أن تطمئنَّ، وإنما يجب أن تمضي دائمًا إلى أمام، وكلما بلغت أملًا وجب عليها أن تطلب أملًا آخر، وكلما حققت غاية وجب عليها أن تحقق غايات أخرى. فحياة الأمم على هذا النحو أشد أعدائها الرضا وأعظم خصومها التواضع. والشعب الراضي المطمئن القانع بما أُتيح له إنما هو الذليل الذي قد تم نضجه للاستعمار والاستعباد. وما أشك في أن واحدًا منكم يحب لمصر الاستعباد والاستعمار. أحبب إليَّ أيها الزملاء بهذا الاجتماع الذي إن صوَّر شيئًا، فإنما يصوِّر الإخاء بين الوزير وزملائه وأعوانه من المعلمين ورجال التعليم، وإن صوَّر شيئًا فإما يصوِّر التعاون بين الحكومة والذين يعاونونها على خدمة المصلحة العامة. هذا الاجتماع الذي يصوِّر أن الوزارة ليست أمرًا ولا نهيًا ولا تسلطًا، وإنما هي تعاون وتآزر على البرِّ والتقوى وعلى خدمة الشعب.
لست آمرًا ولا ناهيًا أيها الزملاء … ثقوا بأني ما دمت لكم وزيرًا فلن أكون عليكم آمرًا ولا ناهيًا، وإنما أنا ممثلكم في مجلس الوزراء، وممثلكم في البرلمان، أعينكم على تحقيق آمالكم، أدافع عنكم إن احتجتم إلى من يدافع عنكم، أنصف منكم من ألحَّ عليه الظلم حتى أصبح شديد الظمأ للإنصاف، أنصفه بالإرادة والنية الخالصة والجهد في إنصافه حتى أبلغ ما أريد من إنصافه بالفعل. وإذا تحدثت إليكم في هذا كله، فإني لا أتحدث به عن نفسي وحدها، وإنما أتحدث به عن الحكومة كلها، عن رئيس الوزراء وعن زملائه جميعًا. فهم لا يتولون أمور الناس ليحكموا أو ليأمروا أو لينهوا، وإنما يتولونها ليصلحوا ما وسعهم الإصلاح، وليدفعوا من الشر ما لا بدَّ من دفعه، ويجلبوا من الخير ما لا بدَّ من جلبه، لا يستعلون ولا يستكبرون ولا يتسلطون. هم منكم وأنتم منهم، تقولون لهم فيسمعون، ويقولون فتسرعون إلى المعونة وبذل الجهد الصادق. أحبب إليَّ بهذا التجاوب بين الحاكمين والمحكومين كما يُقال، أو بين الذين وكلت إليهم الديمقراطية أن يقودوا السفينة وبين الذين كلفتهم الديمقراطية أن يعينوا قادة السفينة. أحبب إليَّ بهذا التعاون بينكم وبيني وبيننا جميعًا، وبين رئيس الوزراء وزملائه، على ما كُلِّفنا أن نعمل له ونجدَّ فيه، وهو إنقاذ مصر من الجهل ما امتدت لنا الأسباب، وما اتسعت لنا القوى، وما أتاحت لنا الظروف. أحبب إليَّ بهذا التعاون. ها أنتم هؤلاء في وزارتكم، لستم في حضرة الوزير، وإنما الوزير هو الذي أقبل يسعى إليكم ويقدم إليكم الشكر خالصًا. لستم في حضرته وإنما هو في حضرتكم. هذه لغة لا أفهم غيرها، ولا أحب أن أفهم غيرها، ولا أريد لكم أن تقبلوا غيرها من الوزراء مهما يكونوا، قد استجبتم للحكومة حين دعتكم إلى النشاط في تيسير التعليم، وقد يسَّرتم التعليم كما استطعتم بمقدار ما سمحت لكم ظروف الميزانية، وبمقدار ما سمحت لكم الظروف كلها. والنجح الذي أُتيح لكم اليوم سيُتاح لكم أكثر منه في اليوم المقبل، وستمضي الأمور على هذا النحو حتى نستطيع — ولا أقول أن نرضى عمَّا نجحنا — وإنما نرضى عمَّا بذلنا من جهد، ونعتقد مخلصين أننا لم نخيِّب الآمال ولم نكذب الظنون، ولم نخدع الشعب، وإنما وعدناه فوفينا، وقلنا له فصدقنا ما قلنا له.
كرامة المعلمين ولست أستطيع أن أختم هذه التحية وهذا الشكر دون أن أتحدث إليكم عن بعض شئونكم، وعن شأن واحد منها بصفة خاصة، وهو كرامة المعلم — لا أقول كرامة المعلم على نفسه — وإنما أقول كرامة المعلم على الدولة التي تأتمنه على أبناء الشعب، وتكل إليه مستقبل الأجيال، وكلكم يعرف رأيي في حقوق المعلمين. وأقسم لو استطعت ألَّا أترك من المعلمين مظلومًا إلَّا أنصفته، ولا متأخرًا إلَّا قدمته، ولا طالبًا إلا أجبته إلى ما يطلب، ولا ساخطًا إلَّا أرضيته، لكنت أسعد الناس في هذه الدنيا. واختتم معالي الوزير كلمته الخالدة بأن عاهد نفسه والحاضرين على تحقيق الآمال، داعيًا لجلالة الملك المعظم.
Tag: الكرامة المهنية
-
تكريم المعلمين | Honoring the Teachers
-
الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة | Rights Are Not Granted, But Demanded Firmly and Resolutely
الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة – ينبغي أن يكون المُعلم كريمًا على الدولة وأن لا يُهدَم حقه
طه حسين
جريدة البلاغ
١٥ يونيو ١٩٥٠
الإسكندرية في ١٤ — لمراسل البلاغ — أقام رجال التعليم في منطقة الإسكندرية حفلة شاي كبرى تكريمًا لصاحب المعالي الدكتور طه حسين بك، وزير المعارف، بمناسبة عودته من الخارج، وقد حضرها كثيرٌ من الكبراء والعظماء ورجال التعليم، وبلغ عدد المدعوين إليها قرابة ألف مدعو.
وقد افتتح الحفلة الأستاذ سعد الله هاشم بك، المراقب العام للمنطقة ورئيس لجنة الاحتفال، فحيَّا معالي الدكتور طه حسين بك، وتحدث عن شعور التقدير والمحبة الذي يكنُّه المعلمون له.
وأعقبه الأساتذة: الدكتور إبراهيم اللبان، ومحمود البشبيشي، وعلي عزت الأنصاري، ومحمود خلف، وتوفيق جبر، ومحمد منصور، وفضل إسماعيل، وإبراهيم محمد ندا، والدكتور زكي مبارك.
وبعد أن انتهت كلمات الخطباء والشعراء، وقف معالي الدكتور طه حسين بك بين الهتاف العالي والتصفيق الشديد، وألقى خطابًا مستفيضًا قوبل بالاستحسان التام، وقوطعت فقراته بالتصفيق، وقد جاء في هذا الخطاب ما يأتي:
أيها الزملاء الأعزاء:
غفر الله لكم ما جنيتم على أنفسكم، وما جنيتم على غيركم من الأبرياء، فقد تمنيت عليكم أن تُعفُوا أنفسكم وتُعفُوا مدعويكم من هذا الجهد، ومن هذه المشقة، ولكنكم أبيتم، فغفر الله إصراركم، وشكر لكم على ما تقدمتم به إليَّ من خير.
وأؤكد لكم أني لو عرفت أني قد قدمت بين يدي ما أستحق به هذا الجهد الذي تكلفتموه، وكلفتموه قومًا أبرياء غيركم، لو عرفت أني قد قدمت بين يدي شيئًا يستحق بعض هذا الجهد، لما تمنيت عليكم أن تريحوا أنفسكم وتريحوا غيركم من الناس؛ فقد يظن الظانون أني متواضع، وقد يظن الظانون أني أحب أن أعمل وألَّا أتلقى ثناءً حين أعمل، وأؤكد لكم مخلصًا أني لا أعتقد أني عملت شيئًا ذا بال، وأؤكد لكم مخلصًا أنني وبين ضميري وبيني وبين الله لا أؤمن مطلقًا أنني أستحق شيئًا مما تقولون.
أيها الزملاء الأعزاء:
قلت في مؤتمر اليونسكو: إن مصر قد سبقت إلى تحقيق الآمال الثقافية التي يسعى إليها الناس في هذا العصر، فهي تحقق الصلة بين الشرق والغرب، وهي تأخذ من الغرب ما تأخذه تذيعه في الشرق؛ لأن مصر ليست أثرة، لا تحب أن تستأثر بالخير من دون جيرانها. فحدثوني كيف تذيع مصر هذا الخير؟ إنما تذيعه بواسطتكم أنتم، أنتم الذين تنشرون في أقطار الشرق العربي: تدعون إلى الإصلاح، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتدعون إلى الحياة الصالحة للشرق العربي كله.
إن الناس عندما يذكرون مصر يذكرون ثراءها، ويذكرون قوتها — أحيانًا — وجهودها في نشر الحضارة في الشرق كله، ويذكرون قديمها … قديمها البعيد، وقديمها الجديد. فمن الذين يُنشِّئون لمصر هذه الأجيال التي تُحقِّق هذا الثراء؟ إنما هم المعلِّمون، ومن الذين يعرفون مصر بقديمها، ويُعرِّفون العالم بهذا القديم؟ إنما هم المُعلِّمون.
ثقوا أن مصر مدينة لكم بكل شيء، ومن قال غير هذا فقد كذَّب نفسه، وكذَّب ربه، وكذَّب ضميره.
ثقوا أنني لا أتملق ولا أترضاكم، وليس يعنيني أن ترضوا أو تسخطوا، إنما أقول ما قلته لكم الآن، وما قلته عنكم من قبلُ، قبلَ أن أكون وزيرًا؛ فإذا قلت أن مصر مدينة لكم بكل شيء، فإنما أقول ما أؤمن به وأطمئن إليه، فلا تظنوا بي الظنون، لا تظنوا أني أريد أن تصفقوا أو ترضوا، فقد أثنيتم عليَّ بما تظنون أني أهلٌ له، وبما أعتقد أني لست له أهلًا، وأثنيت عليكم بما لا يشك أحد في أنكم أهل له، فقولوا قد تقارضنا الثناء، يرضى بذلك من يرضى، ويسخط من يسخط، وليمُت بغيظه من شاء أن يموت بغيظه.
ولكن لندع تقارض الثناء، ولنكن كما يحب الله للعلماء والمعلمين أن يكونوا متواضعين، لا يُثني بعضهم على بعض إلَّا بمقدار، ولنتجنب السرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين، ولنتحدث في جد الأمر، فهو الأجدر بأن نتحدث فيه، وأن نفكر إذا خلونا إلى أنفسنا، وأن يتحدث به بعضنا إلى بعض حين نلتقي.
وجد الأمر أن أمامكم شعب قديم المجد، عظيم الأمل أن يعود إليه مجده القديم، ويريد أن يكون مستقبله خيرًا من ماضيه ومن حاضره، ويريد أن يسترد حريته كأحسن ما تكون الحرية. وهذا كله بين أيديكم، لا يستطيع أن يحققه لمصر أحد غيركم، لنفكر جميعًا ولنتحدث فيه ولنتعاون عليه، ولنعاهد بعضنا بعضًا على أننا عندما ننهض لاحتمال الأمانة أن ننهض بها شجعانًا، لا نخشى ولا نخاف، ولا نحفل ببخل الباخلين، ولا نلتفت إلى الذين يظنون بنا الظنون، ويقدرون ما يحبون وما لا يحبون.
لنفكِّر أن هذا الشعب ينتظر منَّا حياة حرة كريمة، ولنمنحه هذه الحياة مهما يكلفنا ذلك من مشقة وجهد ومن تضحية.
أيها السادة:
فاقد الشيء لا يعطيه كما قلت، وفاقد الحرية لا يمكن أن يكون حرًّا؛ فإذا أردتم أن تمنحوا مصر حريتها، فكونوا أحرارًا بينكم وبين أنفسكم، أحرارًا بينكم وبين الدولة، وافرضوا حريتكم مِن حَولِكم، فمن غير هذا لا تستطيعون أن تنشئوا أجيالًا حرة، ولا أن تردُّوا مجدًا قديمًا. لا تحفلوا بغضب الغاضبين، ولا بسخط الساخطين، وأنا أول من يدعوكم ألَّا تحفلوا بي إن غضبت لغير الله، فلست لكم وزيرًا إلَّا بمقدار ما أنصح لكم، وإنما أنا وزير المعارف زميل للمعلمين اختير من بينهم في هذه المرة لينطق باسمهم، ويستمد حريته وقوته من حريتهم.
أدُّوا حقوق التلاميذ عليكم، واكرموا على أنفسكم؛ لتشيع الكرامة في التلاميذ، وانصحوا في سركم وعلانيتكم، ثم طالبوا بحقوقكم لا تقبلوا فيها انتقاصًا مهما تكن الظروف.
إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الجيش؛ فلا جيش إذا لم يكن هناك معلم ينشئ أمة متعلمة مستنيرة يدافع عنها جيشٌ باسل. إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الزراعة وإلى الصناعة وإلى التجارة وإلى الري وما شئتم من هذه المرافق، الزراعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، والصناعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، ولولا المهندسون الذين تخرجونهم في الزراعة والأساتذة الذين تخرجونهم في التجارة في مختلف مرافق الحياة ما وجدت هذه الحياة.
كل شيء في حياة الشعب يصدر عنكم، وينبغي أن يعود إليكم، أنتم المسئول الأول عن مصر في حاضرها ومستقبلها، قدروا هذا في أنفسكم، وأدوا ما يفرضه عليكم ذلك من واجبات، وطالبوا الحكومة والشعب بأن يُؤدِّيا إليكم ما يفرضه لكم هذا من الواجبات …
أيها السادة:
إن الحقوق لا تستوهب، إنما يطالب بها في حزمٍ وقوةٍ وجدٍّ، ولا ينبغي لصاحب الحق أن يُلاين أو يلين، وإنما ينبغي أن يطالب مؤمنًا حريصًا مُستعِدًّا للدفاع مهما يكلفه ذلك. ولكم حقوق يجب أن تؤدَّى إليكم، وإن كنَّا قد أدينا منها قليلًا؛ فإن لكم في أعماق الحكومة وأعماق الشعب كثيرًا لم يؤدَّ إليكم بعدُ، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وثقوا بأن وزيرًا للمعارف — مهما يكن — لا يمكن أن يُفلح إلَّا إذا أحسَّ بتأييدكم، وتسمَّى باسمكم في مجلس الوزراء، وفي البرلمان، فكونوا أعوانًا للوزير على أن تؤدوا جميعًا للشعب ما ينتظره منَّا الشعب.
ومن أول هذه الحقوق التي ينبغي أن يحرص عليها المعلم أن يكون كريمًا على الدولة، لا ينبغي أن تُضاع كرامته، أو أن يُهدر حقه، فاحرصوا على هذه الكرامة، واذكروا أنكم إذا لم تحرصوا عليها فلن يحرص عليها غيركم، حقوق التلاميذ تستمد من حرصكم على حقوقكم.
فأنتم المُثل التي تطبع في نفوس التلاميذ الكرامة والعزة والحرص على الدفاع عن الوطن حين تأتي الكارثات.
وقد استطعنا في هذه الأيام لا أقول أن نؤدي إليكم حقوقكم، بل أن نُشعر الناس بأن لكم حقوقًا؛ فاجتهدوا أن ننتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى؛ هي من مرحلة الإشعار إلى مرحلة الأداء.
لكن مني جميعًا أصدق الشكر وأخلصه على ما قلتم من الشعر ومن النثر، ولخطبائكم — عليَّ العهد — أن أكون كما يريدون، ولشاعركم ألَّا أريح ولا أستريح حتى يرضى، ولشاعر الأزهر ألَّا أنسى ما طلب إليَّ.
أقدم إليكم شكري خالصًا، وتحيتي صادقة، ولكن لي عليكم حقًّا يجب أن تؤدوه، وأن تكونوا معي حين يجب الجد في أمور المعلمين والتلاميذ والعلم.
أيها السادة، ليكن هذا الاجتماع الذي فرضتموه على أنفسكم وعلى قوم أبرياء شغلتموهم عن واجباتهم فرصة سانحة نعاهد بعضنا بعضًا بدافع من الواجب والحق، مهما كلفنا ذلك من مشقة وجهد، وثقوا أن الحكومة كلها معكم، وإن كنَّا قد وصلنا إلى شيءٍ لم نبلغ به كل حقوقنا؛ فإن الوزراء جميعًا يؤمنون بما أؤمن به، ويقولون ما أقول.
وإن جلالة الملك يحمي الحق من حيث هو الحق، ويدافع عن الواجب من حيث هو واجب، يريد من المصريين جميعًا أن يخلصوا لواجباتهم، ويحرصوا على حقوقهم، ويعيشوا كرامًا؛ لأنه يحرص على أن يظل ملكًا كريمًا لشعبٍ كريمٍ في وطنٍ كريمٍ؛ فاطمئنوا وانشروا الطمأنينة من حولكم، وإذا أحسستم ما يدعو إلى الخروج فسنخوض المعركة معًا، ولكن لن نحتاج إلى شيءٍ ما دام الفاروق يرعى مصر، ومصطفى النحاس رئيسًا للحكومة. -
صدمة | Shock
حديث المساء: صدمة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ ديسمبر ١٩٣٣
هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.
فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.
ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.
نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.
لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.
قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.
وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.
وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.
وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.
وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.
وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.
وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.
فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.
وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟
إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.
أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح. -
في وزارة المعارف هل أنصف المعلمون؟ | At the Ministry of Education: Have the Teachers Been Treated Fairly?
في وزارة المعارف:
هل أنصف المعلمون؟
طه حسين
جريدة السياسة
١٣ ديسمبر ١٩٢٣
أعترف مخلصًا أني كنت مطمئنًا الاطمئنان كله، معتقدًا أن قد أُنصِف المعلمون، وأُصلح من أمرهم ما كانوا يريدون إصلاحه بعد تلك الضجة العنيفة التي حدثت في الصيف الماضي حول المعلمين وقضيتهم، وبعد أن أزيلت من وزارة المعارف تلك السلطة المركزية التي طالما شكا منها المعلمون وغير المعلمين، وبعد أن أُسندت أمور هذه الوزارة إلى صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود، فأظهر من حب الإصلاح والرغبة فيه، ومن الميل إلى الإنصاف والحرص عليه ما سجَّلناه له غير مرة مُغتبطين به، مُثْنينَ عليه.
كنت أعتقد أن المعلمين قد أُنصِفوا فاستقبلوا عامهم الدراسي الجديد وقلوبهم مطمئنة، ونفوسهم راضية، وجهودهم كلها موقوفة على التعليم، وكنت أعتقد أن وزير المعارف قد أنصَفهم فيمن أنصف من رجال المعارف، ثم اعتزَّ بإنصافه إياهم وعطفه عليهم فكلفهم هذه الأعمال الإضافية التي كلَّفهم إياها، والتي اقتضاها توسيع المدارس وزيادة الفصول فيها، وكنت أعتقد أن المعلمين قد اغتبطوا بهذا الإنصاف وابتهجوا له، فوجدوا من هذا الابتهاج قوة أعانتهم على قبول هذا التكليف الجديد راضين مستبشرين.
وكنت أقول في نفسي: لقد وُفِّق وزير المعارف فحقق التعاون الصحيح والثقة الصحيحة بينه وبين المعلمين في المدارس، والمشرفين على أمور التعليم في الوزارة. ولكن مُعلمَينِ أقبلا إليَّ أمس، فكان بينهما وبيني حديث أقل ما ترك في نفسي أن الأمر شيءٌ من الأسى والشعور بخيبة الأمل، فلم يَصلُح أمر المعلمين، وما زالت «قضيتهم» إلى اليوم بحيث تركناها في الصيف الماضي موضوع النزاع بين وزارة المعارف ووزارة المالية.
وما لي أقص عليك أمر المعلمين وأحدهم يقصه عليَّ في هذا الكتاب الذي أرجو أن يقرأ وزير المعارف ما نقتطف منه:
… في شهر أغسطس الماضي، أُلقيت مقاليد الأمور في وزارة المعارف إلى صاحب المعالي، الرجل الفاضل أحمد زكي أبو السعود باشا، فاستبشر المدرسون وأمَّلوا خيرًا على يديه، واطمأنت نفوسهم، وسافر وفد نائب عنهم وتشرف بمقابلة معاليه، وبسطوا له شكاتهم، فطيَّب خاطرهم، ووعدهم بالسعي في رفع الحيف الواقع عليهم. مرَّ شهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، وفي آخره تشرف الوفد مرة ثانية بالمثول بين يديه مذكِّرًا ما وعد، ومشيرًا بكل تواضع إلى ما يبذله المدرِّسون الآن من الجهود التي تقصم الظهور لزيادة الحصص، وتضاعف عدد التلاميذ في الفصول المدرسية، وقد فعلوا ذلك عن طيب خاطر، وتلبية لنداء الواجب، فأجابهم أن يتركوه يعمل في جو هادئ. انقضى شهر أكتوبر، وتلاه نوفمبر، فأخذت الهموم تساور نفوس المدرسين، ويشتد بهم القلق، فتوجه وفد منهم وطرق هذه المرة باب سعادة سكرتير الوزارة العام، فأبى أن يجيبهم بأكثر من أن معالي الوزير مهتم بأمرهم. انصرم شهر نوفمبر وانتصف شهر ديسمبر الآن، ولكن بدل أن يظهر شيء يريحهم وتهدأ له نفوسهم راجت إشاعات السوء، وامتلأ الجو بما يثير التشاؤم ويبعث الجزع في النفوس. ولا أجزم بصحة ما يُقال أو ما يُشاع، إنما يصح — على الأقل — أن أتمثل بقول القائل: لا دُخان بلا نار، أم يرى سيدي أن أتفاءل خيرًا رغم العبر الماضية؟ أتعلم، يا سيدي الأستاذ، من واضع المذكرة الأولى لتحسين حال المدرسين؟ هو صاحب الدولة يحيي إبراهيم باشا، رئيس الوزراء الحالي. أتعلم من أرسل المذكرة الثانية؟ معالي محمد توفيق رفعت باشا، وزير الخارجية الآن، والثالثة؟ معالي أحمد زكي أبو السعود باشا، وزير المعارف، وإلى من أرسلت؟ إلى معالي أحمد حشمت باشا، وزير المعارف الأسبق، والمالية حاليًّا. فهل يتنزل سيدي الدكتور ويبين لي السر في الإحجام عن إنصاف المعلمين، ومعظم وزرائنا الحاليين ممن خبروا وزارة المعارف وعرفوا شيئًا عنها، وأقروا المدرسين على عدالة مطالبهم؟ إني لمنتظر حتى يتفضل عليَّ سيدي بحل هذا اللغز، فيضيف بذلك فضلًا على أفضاله السابقة التي لا أنساها ولا ينساها له مدرس في مصرنا. ولكن إذا سمح لي وأفسح صدره بأن أسبقه بذكر سبب واحد لا أملك نفسي عن ذكره، ولا أستطيع أن أكتمه عنه انتظارًا لحله العتيد؛ كنت له من الشاكرين، ألا وهو أن المدرسين مستضعفون من الجميع. هذا ما أعتقده وما خبرته بعد طول الزمن في مزاولة هذه المهنة — مهنة التعليم — بوزارة المعارف. لا ألقي الكلام على عواهنه، ولا أتجنى على أحد. فهذا ما قد صرَّح به أقطاب الوزارة في مواقف عدة، والواقع يثبته ولا يدع مجالًا للشك فيه، ورغم ذلك كله؛ فإني منتظر وكلي آذان صاغية لما تدلُون به من الأسباب، وأقبلوا فائق التحيات. المدرس
وأي وجه للغرابة في أن يعتقد أقطاب وزارة المعارف، وأقطاب وزارة المالية، وأقطاب الوزارات الأخرى، وغيرهم من الأقطاب، ومن ليسوا أقطابًا، أن المعلمين مستضعفون؟ وصناعة التعليم — كما قلت غير مرة — تضطر صاحبها إلى أن يكون مستضعفًا؛ فليس من اليسير أن تجمع بين الحرص على العلم وإتقان التعليم، وبين الشره إلى المال والتهالك عليه، وليس من اليسير أن تعاشر كتب الفلاسفة وآثار العلماء ثم تكون مع هذه المعاشرة وقحًا سمجًا تدافع، لا أقول عن حقك، بل أقول عن هواك في شدة وعنف، يُظهِرانك مظهر القوي وإن كنت ضعيفًا، ويَقفانك موقف المحق وإن كنت مبطلًا. ليس من اليسير أن تكون معلِّمًا شريفًا وأن تكون مع ذلك شرهًا أو وقحًا أو سمجًا. وإذا لم يكن الرجل على حظٍّ من هذه الخصال السيئة؛ فقلَّما ينجح، وقلَّما يُوفَّق إذا فسد الأمر، واضطربت النُّظم الخُلقية، وقامت المنفعة والمحاباة مقام الحق والإنصاف.
نعم، عسيرٌ جدًّا على المعلم إذا كان شريفًا أن يُوفَّق إلى الحياة الراضية الهادئة في مثل هذه الأيام التي يُهضم فيها حق الرجل الكريم، ويُزدرَى فيها مكان الرجل الشريف، ولسنا نستطيع أن
ننصح للمعلمين بأن ينزلوا عن خلالهم الطاهرة الشريفة ليفوزوا بنعمة العيش ولقمته، فهم غير قادرين على هذا من جهة، ومنفعة مصر وحياتها المقبلة وحسن تأديب شبابها، كل ذلك رهين بأن يظل المعلمون محتفظين بحظهم من الكرامة والحياة.
إذن، فما الذي يحل مشكلة المعلمين؟ وهل قضي علينا حقًّا أن نيأس من الحق والعدل والإنصاف في هذه البلاد؟ وهل قُضِيَ علينا حقًّا أن نشهد في كل يوم هذه المشاهد المؤلمة، وأن نرى في كل يوم أموال الدولة تُبعثر يمينًا وشمالًا، وتنثر في كل وجه، فلا تصيب أو لا تكاد تصيب إلَّا من أتاحت له المصادفة أن يرضى عنه فلان أو فلان من هؤلاء السادة الذين يُدبِّرون أمورنا في هذه الأيام العوجاء؟ وأين مكان رجل كوزير المعارف، وما عهدناه إلَّا مُنْصفًا مؤثرًا للعدل، مُحْتفِظًا لوزارته بحقِّها من الكرامة. ألا يستطيع مثل هذا الرجل الخيِّر أن يكون مصدرًا للخير، فيرفع الضير عن طائفة خليقة حقًّا بأن لا تشقى؟ أيُّ حقٍّ أن يشقى المعلمون بالعلم والتعليم، وأن يسعد الجهلاء بالجهل والغرور؟
يجب أن نُنْصِف وزير المعارف كما يُنصفه المعلمون أنفسهم، فيظهر أنه جادٌّ، ويظهر أنه ما زال يَجِدُّ في إنصاف معلميه، ولكن وزارة المالية تأبى أو تتردد أو تماطل، والفصول تتغير، ويُقبل الشتاء على أثر الصيف، وتتجدد حاجات المعلمين وأبنائهم وأسرهم، فلا يجدون ما يدفعون به هذه الحاجات إلَّا وعودًا وأمانيَ: انتظروا، دعوني أعمل في جو هادئ. إن الوزير مهتمٌّ بأمركم.
ولكن هذه الكلمات مهما تكن حلوة أو مرة، وهذه الوعود مهما تكن مقوية للأمل أو مُضعِفة له؛ فلن تمكِّن المعلم من أن يشتري ثياب الشتاء لنفسه ولمن يعول.
إني لأخجل حين أكتب مثل هذا عن المعلمين، فإن للأستاذ حياءٌ يحول بينه وبين أن يظهر للناس من أمره مثل هذا، وإن من الخزي والعار أن يشكو المعلمون في مصر فقرًا أو سوءَ حال. فهل أستطيع أن أعتمد على وزير المعارف في ألَّا يردد المعلمون مثل هذه الشكاة التي تُؤلِمُهم ولا تُشرِّف مصر؟
أمَّا أنا فثقتي بوزير المعارف قوية، وأعتقد أنَّا لن نحتاج إلى أن نشكو مرة أخرى.