Tag: الكرم

  • مصطفى عبد الرازق كما عرفته | Mustafa Abd al-Razzaq as I Knew Him

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    من آثار مصطفى عبد الرازق
    طه حسين
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
    وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
    كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
    وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
    وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
    عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
    وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
    والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
    كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
    ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
    كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
    لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
    كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
    وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .

  • سخاء … | Generosity …

    سخاء …

    طه حسين

    النداء

    ٢ ديسمبر ١٩٤٧

    لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.

    وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.

    وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.

    ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.

    الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.

    هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.

    والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.

    وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.

    ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.

    أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.

    ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.

    استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.

    وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.

    لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.

    لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.

    ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.

    أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.

    إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.

    إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.

    وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.

    نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!

    نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.

    والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!

    فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!

    ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!

    والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.

    صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.