دروس غاندي …
طه حسين
مجلة المصور
٦ فبراير ١٩٤٨
وما أكثر ما أُلقي على الإنسانية من دروس! وما أكثر ما يسيء المتشائمون ظنهم بما كان لهذه الدروس من نتائج! فهم يرون الشر عظيمًا، والإثم مسيطرًا، والبغي باسطًا سلطانه على حياة الأفراد والجماعات، فيسرعون إلى التشاؤم، ويسرفون في سوء الظن، ويملئون الدنيا بكاء وعويلًا ورثاء لهذه الإنسانية البائسة اليائسة التي لا تنفعها الذكرى، ولا تصلحها الموعظة، ولا تُنقِّي ضمائرها العِبَر، وإنما تتلقى نُبوَّة الأنبياء وحكمة الحكماء وهداية الهُداة ثم تمضي في طريقها إلى الشر كأنها لم تتلقَّ شيئًا!
واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتشائمين وفلسفتهم، فستظلم نفسك لما تقرأ، وسترى أن الدنيا إنما هي بيئة منكرة للشر والإثم والبغي والعدوان … واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتفائلين وفلسفتهم؛ فسترى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الشر الذي يعرض للناس في حياتهم العامة، أو في حياتهم الخاصة، ليس إلا عارضًا، إن ثقل الآن فقد يَخفُّ غدًا، وأن الحياة منتهية بالناس في يوم قريب أو بعيد إلى أرض يملؤها العدل بعد أن ملأها الجور، ويشيع فيها الخير بعد أن سيطر عليها الشر!
وانظر حولك فسترى شرًّا كثيرًا: تراه فيما بينك وبين نفسك حين تصارع غرائزك، وحين تسعى إلى منافعك، وحين لا تفكر في الخير الخالص إلا قليلًا، وتراه فيما بينك وبين نظرائك حين يكون التزاحم على المنافع، والاستباق إلى المآرب واقتراف الآثار الخطيرة لتحقيق الآمال اليسيرة … وتراه فيما بينك وبين السلطان حين يكون الظلم والبغي والطغيان، وحين يكون الاحتيال لمخالفة القوانين والمكر برجال الدولة، ومحاولة الإفلات من النظام … وتراه فيما بين الشعوب والدول حين يمكر بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويهيئ بعضها لبعض أسباب الحرب يَفتنُّ فيها ما وسعه الافتنان!
ترى هذا كله فتتأثر بتشاؤم المتشائمين، وتسخر من تفاؤل المتفائلين، وتسأل عن حياة الناس: ما قيمتها؟ وما حكمتها؟ وما غايتها؟ وتقف حائرًا مضطربًا تنتظر الجواب على هذا السؤال دون أن تظفر به أو تنتهي إليه!
ولقد تحدث إليَّ صديق بالتليفون فأسأله عن حاله، كما يفعل الناس حين يستأنفون الحديث، فيجيبني: حالي حال اليائس الذي يرى كيف تُقتل فكرة في لحظة قصيرة! أعرفت مصرع غاندي؟! فأجيبه أن الأفكار لا تُقتل يا سيدي، قل: إن غاندي قد قُتل، ولكن حكمة غاندي ودرسه وفلسفته وأثره لا يمكن أن تُقتل، ولا يُدركها الموت.
وقد كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره، وكان من الممكن أن يخترمه الموت قبل هذه السن، وكان من الممكن أن يخترمه الموت في بعض صدمة، وقد زعم أطباؤه وزعم هو أن قد كان من الممكن أن يعيش حتى يتجاوز المائة بأعوام تقصر أو تطول، ولكن المنية لا تشاور ولا تؤامر، وإنما تُلمُّ متى أرادت، ومتى أراد القضاء لها أن تلم؛ فقد عدا عادٍ على غاندي فقتله، وأحزن عليه مواطنيه جميعًا، وأحزن عليه كثيرًا من غير مواطنيه … أحزن عليه الذين يقدرون صفاء النفوس وجمال الروح، والطموح المتصل إلى المُثل العليا، والدعوة المتصلة إلى الخير الخالص؛ فقد كان لهذا كله أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث.
وأبلغ الحزن على غاندي أو أبلغ التقدير له هو أن تنتفع الإنسانية بالدرس القيِّم الذي ألقاه، والموعظة البالغة التي أشاعها … والإنسانية منتفعة بهذه الموعظة وذلك الدرس في غير شك، سواء أرادت أم لم ترد، وسواء تشاءم المتشائمون أو تفاءل المتفائلون؛ فأخص ما تمتاز به الحكمة أنها خالدة لا تموت، وأنها مُصيبةٌ حيث بلغت، ومنتجة حيث استقرت، وأخص ما تمتاز به الفكرة أنها تَقهر ولا تُقهر، وأن سلطانها ينمو ويتسع في غير تناقص ولا تضاؤل ولا ذبول.
وأبلغ درس ألقاه غاندي على الإنسانية المعاصرة والمستقبلة هو هذا الإيمان الخالص الواثق العميق بالحرية، التي لا سبيل إلى أن يقهرها البغي، أو يضائل منها الطغيان، أو تغض منها القوة، مهما يكن البغي والطغيان والقوة! الحرية التي ثبتت للإمبراطورية البريطانية كلها، فلم تبلغ الإمبراطورية البريطانية كلها منها شيئًا! الحرية التي ثبتت لمئات الملايين من أهل الهند فلم تبلغ مئات الملايين منها شيئًا! الحرية التي ثبتت للطبيعة كلها فلم تبلغ الطبيعة كلها في الميدان الروحي منها شيئًا! الحرية التي قالت للإمبراطورية البريطانية: لن تحوليني عما أريد، فلم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تحولها عما تريد … والتي قالت لملايين الهند: لن تحوليني عن الطريق التي أسلكها، فلم تستطع ملايين الهند أن تحولها عن الطريق التي تسلكها … والتي قالت للطبيعة كلها بما فيها من صحة ومرض، ومن قوة وضعف، ومن حياة وموت، ومن رضا وسخط، ومن وفاق وخلاف، ومن إغراء وتخويف، ومن عذاب ونعيم: لن تستطيعي أن تصرفيني عن النهج الذي أنهجه، والغاية التي أسعى إليها، فلم تستطع الطبيعة كلها أن تصرفها عن نهجها أو غايتها.
ودرس آخر ألقاه غاندي، ليس أقل من هذا الدرس بلاغة ولا إبلاغًا، وهو إيمانه بالضمير الإنساني، وبأن هذا الضمير مشترك بين الناس جميعًا، وبأنه من أجل ذلك يمكن أن يتنادى وأن يتداعى، وأن يبلغ بعضه عن بعض، ويتلقى بعضه عن بعض، ويتأثر بعضٌ ببعض … فهو لم يؤمن بحريته وحدها، وإنما آمن بحرية الناس جميعًا، وأنفق حياته مجاهدًا جهاده السلمي الوادع المطمئن ليشعر الناس بحريتهم، ويشيع فيهم الثقة بها، والإيمان لها، والاعتماد عليها … فهو كان يرى الناس كلهم قد خلقوا أحرارًا كما خُلق هو حرًّا، وإنما استشعر هو حريته وآمن لها ووثق بها؛ فيجب أن يستشعر الناس منها مثل ما استشعر، ويمنحوها مثل ما منحها من الثقة والإيمان.
ودرس آخر ليس أقل بلاغة ولا إبلاغًا من هذين الدرسين، وهو إيمانه بأن الضمير الإنساني إنما يتنادى بالحب لا بالبغض، وبالأمن لا بالخوف، وبالسلم لا بالحرب، وبالإخاء لا بالعداء … فهو لا يُبصِّر الناس بحريتهم من طريق القسوة أو العنف أو الجبرية، وإنما يُشعر الناس بحبه لهم وبرِّه بهم وأمله فيهم، ويريد أن يكون لهذا كله صدًى في ضمائرهم يعود إلى ضميره فيكون الوفاق، ويكون الود، ويكون الإخاء، ويكون التعاون على الخير، ويكون الانتصار على الشر مهما تختلف صوره ومظاهره.
فغاندي كان إذن أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث لحبِّ الإنسان للإنسان، وثقة الإنسان بالإنسان، والتفاؤل الذي لا ينشأ عن غفلة أو ضعف أو غرور، وإنما ينشأ عن معرفة وقوة وحسن تقدير … فإذا وعى الناس هذه الدروس، وسيعيها كثير منهم؛ فقد ضمن لغاندي ما ضمن للأنبياء والحكماء من الخلود الذي ينفع الناس ويرقى بهم إلى الخير.
Tag: اللاعنف
-
دروس غاندي … | Lessons from Gandhi …
-
مقاومة | Resistance
مقاومة
لا عنف فيها ولا حدّة، ولا بأس فيها ولا شدّة، ولكنها هادئة مطمئنة، يخيل إلى كثير من الناس أنها استسلام وإذعان، فإذا بلغوها وجدوا فيها مرّة، وإذا اختبروها وجدوا فيها صلبة، وإذا سلطوا عليها ما يملكون من قوة لم يبلغوا منها شيئًا. وإذا ابتسامات هذه المقاومة الهادئة ليست مظهرًا من مظاهر الضعف، ولا لونًا من ألوان الرضا، ولا أسلوبًا من أساليب الإذعان، وإنما هي سخرية لاذعة ممضّة، تغرّ وتغري، حتى إذا دنا منها الطامع فمسّها، والمزدري لها وجد عندها السم الزعاف، فارتد عنها مفلول الحدّ، مقطوع الرجاء.
ما أجمل هذا الهدوء الهادئ الذي يحسبه المستعمرون ذلّة، فإذا هو العزة كل العزة، ويراه الطامعون إذعانًا، فإذا هو الإباء كل الإباء. وإذا هو الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن الثورة ليست في العنف وحده، ولا في الشدّة وحدها، ولا في هذا الاضطراب الذي يفسد فيه النظام، وتقع فيه الآثام، وذهب فيه الأخيار الأبرياء فداءً للأشرار الآثمين؛ وإنما قد تكون دعةً وأمنًا واطمئنانًا، يدور حولها العدوّ فلا يصل إليها، ولا يستطيع أن يدنو منها. حتى إذا جدّ الجد تبيّن أنه قد أنفق جهده في غير طائل، وأضاع وقته في غير غناء.
ما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن هذه الابتسامات الساحرة التي ترتسم على ثغور بعض الأفراد هازئة بالحوادث، مزدرية بالخطوب. وما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا، وأظهروا للناس آيات فنية خالدة. وما خلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أكثر منها وقعًا في القلوب، وأبعد منها أثرًا في النفوس، لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعب من قوة الأقوياء، وازدراء الأمة لسلطان المتجبّرين.
في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزّة والشمم، وجمال الثقة والأمل. وفيها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق، والتعاون الذي لا يجد الضعف ولا الفشل سبيلًا إليه.
ما أجدر الشعراء وأصحاب الفن أن يصوّروا سخرية الشعوب هذه، وما أجدر المتسلطين والذين يريدون أن يكرهوا الأمة على ما لا تحب، ويأخذوها بما لا ترضى، أن ينظروا هم أيضًا إلى هذه الابتسامات. فلعلها أن تثير في نفوسهم العظة، ولعلها أن تملأ قلوبهم بالعبرة، ولعلها إذ تقنعهم بأن إذلال الأفراد قد يكون ميسورًا، ولكن إذلال الأمة شيء لا يطمع فيه.
فمن الحمق أن يُنفق فيه الجهد، ويُضاع فيه الوقت، ويضحّي فيه الساسة بذكائهم وكفايتهم. وما يطمعون فيه من حسن الأحدوثة وبعد الصيت.
ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم، فما زالت مرتسمة على هذا الثغر، لم تفارقه ولم تتحوّل عنه، ولم يشبها عبوس، ولم يغيّر من صفائها وجمالها تقطيب ولا شحوب.
لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألّف وزارته، ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له شفقةً عليه، تعظه وتحذيرًا. ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة، فلم يرَ فيها وعظًا ولا نصحًا ولا نذيرًا، وإنما رأى فيها رضًا وتشجيعًا وتسليمًا. فمضى في سبيله يشتدّ ويسرف في الشدة، ويغيّر ويُغلو في التغيير، ويبدّل ويُمعن في التبديل.
وهو كلما مضى في طريقه شوطًا نظر إلى مصر فرأى ابتسامة الإشفاق والنذير. ولم يفهم منها إلا الإذعان والتسليم. فيستجمع قواه ويمضي أمامه مشتدًّا ملحًّا. وإذا قويت تسلّط على البرلمان فيحلّه، وعلى الدستور فيغيّره. ثم على الأفراد والجماعات فيُؤخذ بعضها بالرغبة، وبعضها بالرهبة. ثم على المصالح العامة كلها فيسري فيها الفساد كما تسري العلّة في جسم الرجل الصحيح. ثم على السياسة الخارجية بيننا وبين الإنجليز، وبيننا وبين غير الإنجليز من الأمم: فإذا هي مزاج غريب، ظاهره العزة التي لا تخدع أحدًا، وباطنه التسليم والانخذال.
وهو كلما مضى أمامه شوطًا أو أشواطًا نظر إلى مصر فرأى هذه الابتسامة المشفقة الساخرة. ولم يفهم منها إشفاقًا ولا سخرية، حتى بلغ به الجهد أقصاه، وانتهى به الإعياء إلى غايته. هنالك وهناك فحسب. ولكن بعد فوات الوقت وضياع الجهد: يبدو له أنه قد غرّه بأمته الغرور، فأصغر من شأنها وهي كبيرة، وحقّر من أمرها وهو عظيم، وظنّها راضية وهي ساخطة، وحسبها مذعنة وهي شديدة الإباء.
هنالك وهناك فحسب نظر أمامه فلم يرَ إلا جهدًا قد أنفق عبثًا، وقوةً قد ذهبت هباء. والتفت عن يمينه وعن شماله فلم يرَ لنفسه مخرجًا من هذا المأزق السياسي الحرج الذي ورّط نفسه فيه؛ فوقف حيث أراد اللّٰه أن يقف، لا يستطيع أن يتقدّم لأن الطريق أمامه مغلقة، ولا يستطيع أن يتأخّر لأن السبيل وراءه مقطوعة. فهو حائر لا يدري ماذا يصنع، ولا يعرف كيف يقول.
وأصدقاؤه الذين ظاهروه وناصروه، وأولياؤه الذين عقدوا به الآمال، وناطوا به الأماني: ينظرون إليه ويوبّخون عليه ويمدحون به. ويقولون له: ماذا صنعت؟ وإلى أين انتهيت؟ أين تلك الآمال الواسعة والأماني العريضة؟ أين أنت وأين نحن من تحقيق الأمل وتصديق الظنّ وإنزال هذه الأمة حيث تريد؟
نعم، يسألونه فلا يجد لهم جوابًا. ويُلحّون عليه في السؤال فيُلحّ هو في الصمت، فيُطرقون كما أطرق، ويسكتون كما سكت. وتأخذهم الحيرة كما أخذته. والأمة المصرية هادئة وادعة، ومطمئنة ساكنة، وعلى ثغرها هذه الابتسامة الحلوة الواضحة التي لم يبقَ شك ولا ريب فيما تريد أن تدلّ عليه.
ماذا؟ أبعد ثلاثة أعوام لا تشرق الشمس فيها إلا على قوة مسلّطة، ولا تغرب الشمس إلا على مكرٍ مدبر، وكيدٍ مهيَّأ. وتظلّ الأمة كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء ليبدّل حياةً بحياة، ونظامًا بنظام؟
ماذا؟ لقد كان الزعماء أول الأمر يهمّون بالكلام فيُؤخذون بالصمت، وبالحركة فيُضطرّون إلى السكون، وبالسفر فيُردّون إلى بيوتهم. وكان يُقال: بقيّة من فوضى يجب أن يمحوها الحزم، وفضل من اضطراب يجب أن يزيله النظام. ويُشرف العام الثالث على غايته والأمر كما كان في الساعة الأولى.
لا ينبغي أن يتكلّم الزعماء، ولا أن يتحرّكوا، ولا أن يسافروا؛ لأن الأمة ما زالت لهم محبّة، وبهم واثقة، وحولهم ملتفّة، ولدعوتهم مستجيبة. وإذن ففيم بُذلت القوى؟ وفيم أُنفقت الجهود؟ وفيم بُعثرت الأموال؟ وفيم أُلغي نظام وأُقيم مكانه نظام آخر؟ وفيم حُلّ برلمان وأُقيم مكانه برلمان آخر؟ وفيم سُلّطت الرغبة والرهبة على الأفراد والجماعات؟ وفيم رُقّعت الوزارة رتقًا؟ وفيم بُسطت أيدي المديرين على الناس بما يُباح وما لا يُباح؟ وفيم أضاع رئيس الوزراء صحته وخضع لسلطان الأطباء؟ وفيم هذا كله، ما دام الرئيس الجليل لا يستطيع أن ينتقل إلا التفّت حوله الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يتكلّم إلا خفقت له القلوب كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يدعو إلا استجابت له الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة؟ وإذن ففيم كان كل هذا الجهد؟ وفيم ضُحّي بكل هذا الوقت؟
سؤال لا يجد عند رئيس الوزراء له جوابًا. وإنما تجد جوابه واضحًا جليًّا، لاذعًا مخيبًا للآمال في هذه الابتسامة الحلوة المرّة: الراضية الساخطة معًا، المطيعة الميئسة معًا.
هذا رئيس الوفد وصاحبه لم يكد يمتدّ بهما السفر حتى عجزت الحكومة عن أن تحمل حبّ الأمة لهما والتفافها حولهما. فإذا هي تردّهما كارهين في قطار تحميه الشرطة، أو يحميه الجيش، أو يحميانه معًا. كما هي كارهة حين كانا محاولين السفر في العام الأول من أعوام هذه الوزارة.
وما أحبّت الأمة رئيس الوفد ولا صاحبه افتتانًا بشخصيهما، وهيمان بهما: فهما مثلك ومثلي. ولكن الأمة ترى فيهما مبدأها الذي أقسمت لتبلغه، ومثلها الأعلى الذي أقسمت لتنتهين إليه.
هلمّ إذن يا صاحب الدولة فاجمع من شئت من جنود الشرطة وجنود الجيش. ورُدّ رئيس الوفد وصاحبه إلى القاهرة، وضع كلًا منهما في بيته، وأغلق على كلٍ منهما الأبواب، وأقم دون كلٍ منهما الحجاب، وافعل مثل ذلك بغيرهما من الزعماء: فلن تبلغ بهذا كله فوق ما بلغت. وماذا بلغت؟ وأين تجد القوة على استئناف الجهاد؟ أحركة يأس هي أم حركة رجاء؟
فما أكثر ما تعبث الآمال بالنفوس، وما أكثر ما يعجز الناس عن فهم العبر والعظات! وإن تكن حركة يأس: فأصدق الشاعر القديم حين قال:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحّ العقال
أما أنتِ أيتها البلد العزيز الأبيّ، فاحتفظي بابتسامتك الحلوة المرّة. فليس أشد منها غيظًا لحوادث الدهر، ولا أبلغ منها استهزاء بالمحن والخطوب.
كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣