Tag: اللامبالاة

  • عدلي | Adly

    عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.

    Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.

    عدلي…
    يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
    كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
    وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
    كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
    هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
    كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
    وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
    وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
    وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
    كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
    وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
    والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
    ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
    الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟

    طه حسين
    الرسالة – 1/11/1933

  • حياء | Shame

    حياء
    ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس، يشعرون ويحسون، ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول.
    وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعا للتفكير والتقدير.
    لم تكد تتقدم بها السن حتى ملأت الأرض صياحا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام، ولكنهم صدقوه، واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب من الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صوره تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقا به، وعطفا عليه، فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلا قليلا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض. ويزداد باب الاستثناء انفتاحا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم، ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج عن الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعا، ولكنها عادت فدارت حول بعض هذه المرتبات المنقوصة حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.
    فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئا، فأعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال. وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين فاستكشفت لهم أعمالا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال، وعلى هذه الكفايات بالترقيات وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحا. وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات. هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا يتندر، وهذا يفوض أمره إلى الله. كل يفكر في مرتبه: أينقص أم يزيد أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقا لا أمل له في أن يبلغ أمده.
    كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا في المكتب والنادي والقهوة حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجها مظلما، وجبينا مقطبا، وخلقا سيئا. ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانا قد ارتقى، وفلانا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لاحظ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيا، وأهملت مذكرته إهمالا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.
    وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدون في التسرية والتسلية فلا يبلغون مما يريدون شيئا. وإذا هم ينغمسون في حزن عميق، وسخط كثيف وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم فلا يرون إلا وجوها عابسة مرة، فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غيَّر وجهه الحزن، وما لأمنا قد بللت خدها بالدموع؟
    ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفا، ولا يغيرون منه شيئا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.
    ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالا، وأوسع المصريين آمالا، وأشد المصريين ثقة بغد، وأمنا من الظمأ والجوع.
    وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعباء الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخط واستهزاء.
    حتى إذا كان يوم الخميس الماضي واجتمع مجلس الوزراء في المساء؛ عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، جمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا معذورين فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين، واستعطاف المستعطفين، فما بال أقوام يظفرون وقوم يخسرون؟! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة لينظر في أمرهم ويجزيهم على صبرهم خيرا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس الماضي كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة، وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابا يجب أن تظل مغلقة حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس يحسون الخجل، ويجدون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس وتحفظ سرا مصونا تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى فتضيع هذه الاستثناءات وتمر دون أن يشعر بها الناس!
    وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء، فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض من العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة..!!
    أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء؟.
    كوكب الشرق في ١٥ – ٥ – ١٩٣٣

  • جلسة | A Session

    جلسة
    كل شيء(١) مستعجل في هذه الأيام متى وصل إلى البرلمان! كأن قوة خفية عنيفة تدفع سادتنا الوزراء والنواب والشيوخ إلى أن يمضوا أمامهم مسرعين، لا يقفون عند شيء، ولا يلوون على شيء، ولا يتفكرون شيئًا!
    فمن أحب منهم أن يتفكر أو يتدبر أو يصطنع الأناة، فهو كليل حسير، قد فقد أسباب السبق، وعجز عن إتمام الشوط، فلابد من أن يتخلف، ولابد من أن يرد عن المضي في الطريق. ولعل هذه السرعة في العمل: وهذا الميل إلى خطف الأعمال خطفًا، كما يخطف الناس خطفًا
    (١) ١٣ — ٤ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٦٣
    ١٣٦
    غرض من الأغراض التي من أجلها استحدث رئيس الوزراء الانقلاب الدستوري الخطير منذ أكثر من عامين…!
    فللأناة منافعها، وللتفكير فوائده. ولكن الأناة في الأعمال العامة تكشف في أكثر الأحيان عن تقصير وشر كثير، والتفكير في الأعمال العامة يظهر أشياء لابد من أن تحق، ويجلو أمورًا لابد من أن تظل غامضة.
    والتفكير والأناة يؤديان في أكثر الأحيان إلى ما لا يحمد ولا يحب. فمن يدري أي شيء كان مُحدَث لو لم يخطف رئيس الوفد من قنا؟ ومن يدري أي شيء كان يظهر لو لم تخطف ميزانية وزارة الأشغال من مجلس النواب أمس؟ لنصطنع إذن الأناة والروية في أعمالنا الخاصة، فلا نقدم على شيء حتى نقتله بحثًا ودرسًا وتفكيرًا. فأما الأعمال العامة فلنمسها مسًا رفيقًا، ولنمر عليها مرًا سريعًا، ولنخطفها خطفًا لبقًا بديعًا! وكذلك تجري أمورنا على وجهها، لا يظهر فيها عيب، ولا يتبين فيها فساد واضطراب.
    وكذلك نقيم الدليل على أن الأمة تحب الحكومة: وتتولاها بالود والنصح والإخلاص حين نخطف منها رئيس الوفد خطفًا، أو نلقي بينها وبين رئيس الوفد حجابًا كثيفًا من الجند الكثيف.
    وكذلك نقيم الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن وزارة الأشغال قد بلغت الكمال وحققت الآمال حين تعرض ميزانيتها على مجلس النواب، وتأخذ هذا المجلس بأن ينظر فيها ويناقشها ويقرها ويتخفف منها في جلسة واحدة، لا تزيد عن ساعتين أو عن ساعات.
    وكذلك يشهد العالم المتحضر بأن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه صدق باشا قد آتى ثمره حلوًا شهيًا! فأقام في مصر إدارة منظمة حازمة سريعة لبقة! وأقام فيها برلمانًا متقنًا فطنًا بصيرًا حريصًا على مصالح الأمة، دقيق الإشراف على ما ينفق من أموالها، سريعًا على ذلك كله سرعة
    ١٣٧
    لا تعرفها البرلمانات الأوروبية التي بعد عهدها بالحياة النيابية، والإشراف على أعمال الحكومات…!
    قدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قوانين الجامعة، واستعجلت نظرها، فتعجل المجلس نظرها وأقرها في أقل من ساعة! وقدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قانون التخصص في الأزهر وتعجلت نظره، فأسرع المجلس في ذلك وفرغ من القانون في جلستين! وقدمت الحكومة أمس إلى مجلس النواب ميزانية وزارة الأشغال وتعجلت نظرها ففرغ منها المجلس في جلسة واحدة!!
    وفي قوانين الجامعة مستقبل التعلم الحديث كله فتنظر في أقل من ساعة. وفي قانون التخصص مستقبل التعليم الديني كله فينظر في جلستين. وفي ميزانية وزارة الأشغال أكثر من ستة ملايين من الجنيهات وفيها خزان جبل الأولياء، وفيها مستقبل الري، وفيها مرافق أقل ما توصف به أنها تمس حياة الأمة في أدق فروعها فتنظر هذه الميزانية ويقرها المجلس في جلسة واحدة! ويقال بعد ذلك إن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه رئيس الوزراء لم يحقق منفعة مصر، ولم يصن مصالحها كلها من العبث، ولم يعصم منافعها من الضياع. اللهم جنبنا العناد في الحق ووفقنا إلى الإيمان بالخير..!
    ماذا تبتغي مصر أكثر مما وصلت إليه؟ هذه قوانينها تشرع في دقائق. وهذه ميزانياتها تقر في ساعات، وهذه وزارتها تستمتع بثقة البرلمان، وهذه إدارتها تستأثر بحب الناس جميعًا. كل شيء يجري على وجهه مستقيمًا لا عوج فيه ولا اضطراب، فماذا نريد؟ وماذا نبتغي؟ وما لنا لا نرضى؟
    ولكن ما هذه الأزمة التي أثيرت أمس في مجلس النواب؟ وما بال فريق من النواب قد أخذهم هذا الغضب المتأخر فسخطوا وطالما رضوا، وثاروا وطالما هدأوا واستقروا. وخرجوا من الجلسة وطالما لزموا كراسيهم لزوم الغريم؟
    ١٣٨
    زعموا أن هؤلاء السادة كانوا في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، رفعوا إلى مجلس النواب استجوابًا عن خزان جبل الأولياء فأهمل ثم أجل ليرد عليه رئيس الوزراء حين يمن الله عليه بالشفاء. فلما كان أمس، وجاءت ميزانية الأشغال أرادوا أن يؤجلوها كلها أو بعضها حتى يكون الاستجواب وتكون المناقشة فيه، فضاق بهم وزير الأشغال، وضاق بهم رئيس المجلس، وضاقت بهم كثرة المجلس نفسها، وظهر لهؤلاء السادة أنهم مبطئون والدنيا من حولهم مسرعة، وأنهم مقصرون والدنيا من حولهم مشمرة، وأنهم يريدون الجد، والدنيا من حولهم تؤثر الهزل. وما هذا الجد الذي جاء بعد إبانه وتأخر عن أوانه؟
    ظن هؤلاء السادة أن الوزارة كانت جادة حين طلبت تأجيل الاستجواب، وقد قيل لهم مع ذاك إن الوزارة إنما تؤجل لتخرج بهذا التأجيل من التأويل والتعليل، ولترجي هذا الاستجواب إلى الفصل الذي ينضج فيه التين والعنب كما يقول الشاعر القديم. فلما أحس هؤلاء السادة ضيق الوزير والرئيس والكثرة، غضبوا واحتجوا وانصرفوا! فماذا كان؟ دار الفلك كما يدور، ومضى المجلس كما كان يمضي، وانتهى إلى أقصر الشوط، وأقرت الميزانية وفيها خزان جبل الأولياء، وسيعود النواب المحترمون مساء اليوم إلى المجلس كأن لم يكن شيء بالأمس، وقد برئت ذممهم، ورضيت ضمائرهم، ولم لا؟ لقد غضبوا وأنكروا، وخرجوا وامتنعوا من إقرار ما لم يكونوا يريدون. ما أسهل هذه البراءة وما أيسر هذا الرضا، وما أسهل أسباب الفكاهة واللعب في مصر!
    ثم ينهض وزير الأشغال فيعلن أنه كان يرى في الخزان رأيًا، ثم بدا له فرأى فيه رأيًا آخر. وكان ينكره فأصبح يكبره، وأي حرج في ذلك؟ وأي بأس؟ كل شيء يدور حتى الحق والباطل وحتى الخطأ والصواب وحتى الرفض والقبول. وسواء أرضي وزير الأشغال عن الخزان أم غضب عليه فسيقام الخزان! لقد قبله مجلس النواب منذ عام، وأقر له
    ١٣٩
    الأموال أمس. ليغضب وزير الأشغال وليرضَ، كما غضب النواب ورضوا، فلن يغير ذلك من الأمر شيئًا. ويأبى الله إلا أن تكون في المجلس فكاهة أمس، فقد اعترف وزير الأشغال في صراحة ظريفة بأن وزارته لم ترسم لنفسها سياسة بعد! وإذن فهي لا تستطيع أن تقدم هذه السياسة إلى المجلس، لأنها لا تحب أن تقدم إليه إلا الكامل الشامل الذي قد يكمل غدًا أو بعد غد. ولكنه سيكمل بعد أن يتم إقرار الميزانية على كل حال.
    ويؤخذ الرأي على الميزانية جملة، ولم تناقش تفصيلاتها، فإذا أنكر النواب غضب الرئيس، وإذا غضب الرئيس وجب أن يرضى النواب، وإذا رضوا فمرت الميزانية كما يمر البرق. قالت الأهرام: «وكان الأعضاء الباقون خمسة وثلاثين عضوًا» عدد يكفي ليقر أكثر من ستة ملايين، ثم يزعم المصريون أن أمورهم لا تجري على ما يحبون. وهل إلى ما يحبون من سبيل؟

  • خلاف | A Dispute

    خلاف
    نعم، خلاف في ظل الائتلاف، وشقاق تحت جناح الوفاق، وخصام في أحضان السلام. ولم لا؟ وأين وُجد الإخوة الذين لا يختلفون؟ ومتى رأيت الأشقاء الذين لا يختصمون؟ وإنما الحياة سبيل إلى اتفاق الرأي حينًا واختلافه أحيانًا، ولا سيما حين تكثر المغريات، وحين تتيح الحظوظ للأصدقاء الأصفياء أن يقوى بعضهم ويضعف بعضهم الآخر، وأن يعز منهم فريق ويذل منهم فريق، وأن تمتلئ أيدي جماعة منهم بالخير، وتصفر أيدي جماعة أخرى من كل شيء.
    والأحزاب المؤتلفة في الحكم إنما تتألف من أفراد، فيهم فضائل الناس ونقائصهم، فهم يتفقون على المصالح العامة التي لا تعني أشخاصهم، وهم يختلفون عند المصالح الخاصة التي يمكن أن يفيدوا منها مالًا أو جاهًا، قليلًا أو كثيرًا.
    وآية ذلك أن المؤتلفين في الحكم لم يختلفوا لحظة في إقامة الخزان، لأن إقامة هذا الخزان واضحة النفع لمصر، جلية الفائدة للمصريين؛ ستحمل إلى أرض مصر الخصب، وستكفل لأهل مصر الثراء. وخزانة مصر قادرة على إقامة هذا الخزان، لديها من المال أكداس مكدسة، تستطيع أن تنفق منها بغير حساب دون أن تخشى فقرًا أو تتعرض لإفلاس. ولا تصدق المستشار المالي، فهو إنجليزي يكره لمصر الخير، ويضمر لها الشر، ويأبى إلا أن يرى أرضها مقفرة مجدبة، وأهلها معوزين معدمين! وهو حين نصح الحكومة بألا تتعجل في إقامة هذا الخزان، وأظهر الإشفاق على خزانة الدولة، لم يفكر إلا في مصلحة الإنجليز الذين يكرهون هذا الخزان، ويخافون من إقامته في السودان!
    فلتحذر الحكومة وليحذر البرلمان، وقد حذرت الحكومة فلم تحفل بالمستشار، ولم تلتفت إلى رأيه. ومتى حفلت وزارتنا القائمة برأي الإنجليز؟ ومتى قبلت وزارتنا القائمة نصيحة الإنجليز؟ وهي تشك فيهم كل الشك، وترتاب بهم كل الارتياب، وتأخذ نفسها منذ نهضت بأعباء الحكم بأن تكرههم على ما لا يريدون، وتجرعهم ما لا يستسيغون.
    أعرضت حكومتنا عن نصيحة المستشار، وأعرض عنها البرلمان أيضًا، واتفق الحزبان المؤتلفان في هذا الإعراض كذلك، فلم يسألا عن رأي المستشار، ولم يحفلا به. ولم يسألا ويحفلا؟ والمستشار إنجليزي يجب أن يسوء به ظن الحزبين المؤتلفين اللذين لا يأمنان للإنجليز، ولا يحبان إلا إرغام الإنجليز على الاعتراف بما لمصر من كرامة وسيادة وحق.
    وتحقق الائتلاف حول جبل الأولياء في أجمل صورة، وأروع شكل، وانتصر الائتلاف في هذه المسألة على خصمين عنيدين: أحدهما الأمة المصرية التي لا تريد هذا الخصب ولا ترغب فيه، والتي يجب أن تُكره على أن تكون أرضها خصبة رغم أنوفها، وعلى أن يكون أبناؤها أغنياء وإن كرهوا الغنى، لأن سادة الساعة وحكام اليوم أعرف بمصالح الأمة من الأمة، وأقدر على تحقيق منافع الشعب من الشعب! وما قيمة الوزارة وما غناؤها إذا لم تسقنا إلى الخير ونحن كارهون؟
    والثاني هذا المستشار الإنجليزي الذي ائتمر بمصر مع حاكم السودان العام؛ فبينما كان الحاكم العام يجد في إقناع وزارتنا بالإعراض عن إقامة الخزان رحمة بالسودانيين، ورفقًا بهم، ورعاية لمصالح الإنجليز في السودان، كان المستشار ينصح الوزارة أن تعرض عن إقامة الخزان حماية لخزانة الدولة من الضعف، وميزانية الدولة من الاضطراب.
    وقد عرف الحزبان المؤتلفان كيف يثبتان لهذين الخصمين، فيلقيان الأمة بالعنف والقهر، ويلقيان الإنجليز بالمهارة والمداورة، وبالإعراض والإغضاء.
    وانتصر الائتلاف مرة أخرى حين أُثيرت سياسة التعليم، وحين عرف الحزبان المؤتلفان أن هذه الأمة الجاهلة الغافلة تريد أن يشيع التعليم على اختلاف فروعه بين أبنائها على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وأن انتشار التعليم على هذا النحو قد يمحو الجهل ويزيل الغفلة، ويشعر الأمة بحقها وكرامتها شعورًا قويًا خطرًا على طموح الطامحين، وعبث العابثين، واستئثار المستأثرين، واحتكار المعصومين للحول والطول والقوة والسلطان.
    هنالك أحس المؤتلفون أن الائتلاف يتعرض للخطر، وهنالك اجتمعت كلمة المؤتلفين على أن ضيق التعليم خير من سعته، وعلى أن انبساط الجهل خير من انقباضه، وعلى أن حكم الشعب رهن بأن يظل الشعب جاهلًا غافلًا، وعلى أن العلم والفهم والكفاية والطموح إلى المثل الأعلى خصال يجب أن تكون مقصورة على الأغنياء وأشباه الأغنياء. وحسب أبناء الشعب أن يعملوا في المزارع والمصانع، وأن يظلوا رعية صالحة للتذليل والتسخير.
    هنالك قوى الائتلاف وأُحكمت عقدته، وأيد الحزبان المؤتلفان وزير التقاليد، وانتصر الائتلاف أيضًا حين تعرض لهو الأجانب وعبثهم للخطر، وحين همّ بعض النواب بإلغاء معونة الأوبرا، وحين ظهر أن هذه الفكرة خبيثة: ظاهرها الرفق بخزانة الدولة، والعطف على الذين يؤدون الضرائب، ويلقون في أدائها صروف الجهد وألوان العناء، وباطنها حرمان الأجانب لذة مشاهدة التمثيل، والاستماع للغناء، والاستمتاع بالرقص. وكيف يستقيم الأمر إذا حُرم الأجانب ما يطمحون إليه، ويطمعون فيه من هذه اللذة المترفة، تضاف إلى ما يستمتعون به من تفوق على المصريين في كل شيء، وامتياز من المصريين في كل شيء؟ يجب أن يذعن المصريون، ويجب أن يلهو الأجانب! وعلى ذلك تمت كلمة الائتلاف، وحول ذلك أُحكمت عقدته.
    وتستطيع أن تطمئن وأن ترضى، فلن يتعرض الائتلاف لخطر ما دامت المصلحة العامة الجلية الواضحة تدعو إلى قوته واستحكام أمره.
    أما حين تعرض المسائل التافهة التي لا خطر لها ولا غناء فيها، فجائز، بل واجب، أن يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون، ويتصدع الائتلاف اليوم ليرأب صدعه غدًا.
    انظر إلى الحزبين المؤتلفين يشتد بهما الخلاف حتى ينذر بالخطر العظيم، وحتى يجد الوزراء في التوفيق، وحتى يخرج الأعضاء على قرارات الأحزاب، وحتى يستقيل بعضهم أو ينذر بالاستقالة، لأن مجلس النواب في حاجة إلى وكيلين، والحزبان المؤتلفان يطمع كل منهما في أن يكون منه الوكيلان دون صاحبه.
    هذه مسألة يسيرة لا خطر لها في حقيقة الأمر؛ فسواء على مصر أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب، وسواء على الإنجليز خاصة والأجانب عامة أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب؛ فسيقام الخزان، وسيُضيَّق التعليم، وسيكون التمثيل والرقص والغناء.
    ولكن حزب الشعب شديد الطمع، لا يعرف حدًا لهذا الشره إلى التسلط والسيطرة، فلم يكفه أن يستأثر بالحكم ومناصب الوزارة، حتى يريد أن يحرم صديقه وشقيقه كل شيء.
    وقد احتمل حزب الاتحاد من حزب الشعب أهوالًا ثقالًا؛ فرئيس حزب الشعب يقصي وكيل الاتحاد لهذا، ورئيس حزب الشعب يرقي الشعبيين إلى الوزارة، ويترك وزارة الداخلية فلا يضع فيها شعبيًا، ولكنه لا يضع فيها اتحاديًا أيضًا، وإنما يختار لها رجلًا يقال إنه بعيد عن الأحزاب. ثم يحتاج مجلس النواب إلى وكيلين، فإذا حزب الشعب لا يدع هذين المنصبين لحزب الاتحاد المظلوم، بل لا يدع له منصبًا من المنصبين، وإنما يريد أن يستأثر بهما جميعًا.
    أوَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ
    نعم، كذلك أراد اللّٰه لحزب الاتحاد في هذه الأيام. واللّٰه يداول الأيام بين الناس، واللّٰه يذل أحزابًا ويعز أحزابًا، واللّٰه يجعل بعض الأحزاب رؤوسًا وبعضها أذنابًا. واللّٰه يثير في نفوس الاتحاديين وقلوبهم نارًا تتأجج، ولهيبًا يضطرم، لأنهم فرطوا في وكيلهم وخذلوه، ولو قد عرفوا كيف يؤيدونه وينتصرون له، لعرف هو كيف ينتصف لهم ويرد عنهم طغيان الحزب الصديق الشقيق.
    كذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى نفسه، وببعض ذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى الناس. أما حزب الشعب فله الحكم، وعليه تبعات الحكم، فيجب أن يكون له الحظ الأوفر من منافع الحكم ومزاياه.
    وما كان لحزب الاتحاد أن يسمو إلى مناظرته أو مخاطرته، وليس رئيسه بالذي يستطيع أن يثبت لرئيس حزب الشعب، وقد خذل وكيله فأصبح جسدًا بلا روح. فليقنع إذن بما أعطاه اللّٰه، وبما نزل له عنه حزب الشعب، وإلا فإن حزب الشعب قادر على أن يستبدل قومًا مكان قوم، وحزبًا مكان حزب. أليس يقال إن في مجلس النواب حزبًا ثالثًا؟ وإذن فليذكر حزب الاتحاد قول الشاعر القديم:
    قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غِرَّةٍ زلِجا
    وعلى هذا النحو يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون. والأمة تنظر إلى هذا الائتلاف فتبتسم، وإلى هذا الاختلاف فتضحك، كما يبتسم ويضحك من ينظر إلى لعب اللاعبين. والأمة تعلم حق العلم أن اختلاف الحزبين لن ينفع، وأن ائتلافهما لن يفيد، لأنهما لا يملكان طاعة ولا إذعانًا لمن بيده الخيط، هذا الذي يستريح الآن في مينا هاوس١، والذي يترك الحزبين يلعبان لأنه متعب، أو لأنه سئم، أو لأنه يريد أن يلهو، حتى إذا فرغ من اللهو بلعب حزبيه، جذب الخيط فإذا الائتلاف قوي متين، وإذا الصلات بينهما على أحسن حال من المودة والصفاء.
    كوكب الشرق ٢١ – ٣ – ١٩٣٣