Tag: اللغة العربية الفصحى

  • رسالة القصة في الوحدة العربية للثورة أثرها في تطوير القصة | Fiction’s Place in Arab Unity: The Revolution’s Effect on the Development of Fiction

    رسالة القصة في الوحدة العربية: للثورة أثرها في تطوير القصة

    طه حسين

    مجلة الهلال

    مايو ١٩٥٨

    لا شك أنني راضٍ عن القصة العربية بشرط أن تكون دائمًا باللغة الفصحى؛ حتى لا نحاول أن نترجمها إذا أردنا نقلها إلى البلاد العربية الأخرى التي بدأنا نتوحد معها، ونتداخل وإياها في كل شيء.

    أما واجب الأديب المصري أو العربي بالمفهوم والمنطوق الجديد؛ فهو أنه إن استطاع طاف في الأرض بجسمه وعقله وذوقه، فإن لم تواته الفرصة فلا أقل من أن يقرأ إنتاج أكبر عدد ممكن من الشعوب.

    وأما واجب الحكومات، فهو أن تفتح لأبنائها أبواب الثقافة ونوافذها على مصاريعها، وأن لا تسمح بأن تحتكرها لغة أو لغتان. ويكفي أن أقول: إني لقيت ذات يوم مستشرقًا إنجليزيًّا فسألته: كم يجيد من اللغات؟ فقال في تواضع: إنه يقرأ ستَّ عشرةَ لُغةً، ويُحسِن التكلُّم بالإنجليزية بعض الشيء.

    وإذن فأول واجبات الحكومات أن تبذل كل جهد لتنظيم العلاقات الثقافية، ليس بينها وبين شقيقاتها العربية فحسب، ولكن بينها وبين كل البلاد، وعلى الأقل البلاد الشرقية في آسيا وأفريقيا.

    ومما لا شك فيه أنه كان للثورة أثر كبير في تطوير القصة تطويرًا جديدًا يربطها بالأهداف العربية التي نتجه إليها جميعًا بأفئدتنا وقلوبنا، مُتعجِّلين الخطوات العزيزة التي تتأكد بها وحدة العالم العربي كله قاصيه ودانيه.

  • أصداء النيل | Echoes of the Nile

    أصداء النيل
    للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ١٣ مارس ١٩٥٧

    أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.

    هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.

    بدوي النشأة
    ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.

    وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».

    الجزء الأول
    وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.

    كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.

    هذا الجهد
    وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.

    واقرأ معي هذه الأبيات:

    طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
    القافية التامة
    وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:

    قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
    وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.

    وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.

    شطره الأخير
    وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.

    وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.

    يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:

    ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
    أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.

    وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.

    مر الليالي
    وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.

    كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.

    والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.

    وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.

    الشعراء يرضون
    فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»

    وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.

    بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
    أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:

    ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
    وفيها يقول:

    اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
    أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:

    أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
    وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.

    وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.

    ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.

    وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.

    فاسمع له كيف يقول:

    مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
    ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.

    ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.

    وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.

    واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.

    وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟

    فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
    أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.

    والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:

    على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
    لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.

    سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
    وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!

    وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.

    وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.

    أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.

    وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.

    وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.

    وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.

    ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.

    ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.

    والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.

    والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:

    وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
    عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:

    إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
    وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.

  • بين الفصحى والعامية | Between Classical Arabic and Colloquial

    بين الفصحى والعامية

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٩ أكتوبر ١٩٥٤

    كل شيء ممكن حتى أن يرجع الزمن أدراجه، ويمشي إلى وراء بعد أن كان يمضي إلى الأمام، ولا أريد بالزمن هذه المعاني التي يختلف الفلاسفة في تحقيقها وتحديدها؛ فليس هذا الحديث من فلسفة الفلاسفة ولا من علم العلماء في شيء، وإنما أريد بالزمن أمور الناس التي تستغرق أوقاتهم وجهودهم وتستنفد قواهم ونشاطهم، فتتقدم أحيانًا وتتأخر أحيانًا أخرى، وتُقْدِم مرة وتُحْجِم أخرى.

    وما أشك في أن وقتًا من الأوقات قد مرَّ بنا وأمورنا اللغوية تمضي إلى أمام وحياتنا الأدبية تُقْدِم غير مترددة ولا مستأنية، كأنما كانت تريد أن تسبق الأحداث والخطوب وأن تتعجل دورة الفلك؛ لتبلغ القرن الحادي والعشرين قبل أن تبلغ نصف القرن العشرين فضلًا عن أن تصل إلى آخره.

    ففي ذلك الوقت كان التعليم قليل الانتشار بالقياس إلى ما أُتيح له في هذه الأيام من السعة والتغلغل في أعماق الشعب، وكان شيوخ الأدب الذين استأثرت بهم رحمة الله وشباب الأدب الذين أصبحوا شيوخًا في هذه الأيام يكتبون باللغة العربية الفصحى، ويتنافسون فيما بينهم أيهم يكون أشدَّ لها تطويعًا وأعظم لها تيسيرًا وأقدر على أن يسوغها من المعاني والخواطر والآراء ما لم تكن تعودت أن تسيغ دون أن يشقَّ عليها أو يرهقها من أمرها عسرًا، أو ينحرف بها عن طريقها التي رسمتها لها طبيعتها ومزاجها.

    وكان أصحاب الثقافة الممتازة، وأصحاب الثقافة المتوسطة، وأصحاب الثقافة المتواضعة، والذين لا يكادون يظفرون من الثقة بشيء؛ كل أولئك كانوا يتنافسون في القراءة ويختصمون فيما بينهم، يرضى فريق ويسخط فريق، ويضطرب ثالث بين السخط والرضى.

    وكان الزعماء السياسيون يؤثرون بعض الأدباء على بعض، وينهون أتباعهم عن قراءة ما يكتبون الأدباء الذين كانوا يسخطون عليهم، وربما حرَّموا عليهم قراءة صحف بعينها، وربما أعلنوا إليهم أنهم ينوبون عنهم في قراءة تلك الصحف، وكان الأتباع يسمعون ويصفقون، فإذا تفرقوا عن زعمائهم أسرعوا إلى الصحف المحظورة فاشتروها ودسُّوها في جيوبهم، حتى إذا راحوا إلى دورهم خلَوْا إلى تلك الصحف فقرءوها ممعنين في قراءتها غير حافلين فيما بينهم وبين أنفسهم لنهي الزعماء عن هذه القراءة وحظرهم لها.

    وكانت تلك الصحف تُنشَر باللغة العربية الفصحى، وكان كتَّابها يتنافسون في تجويد اللغة وتنميق الأسلوب. قد اتخذوا لأنفسهم في الأدب مُثُلًا رفيعة لا يعرضون عنها ليتكلفوا رضا القراء، وإنما يسمون إليها ليغروا قراءهم بمشاركتهم في هذا السمو، وكان بعض الشباب في تلك الأوقات يحاولون أن يكتبوا باللغة العامية، وأن يُروِّجوا لها ترويجًا، لا ليتملقوا قراءهم بل ليبلغوا منهم مواطن الفهم والذوق والاستجابة، ولكنهم كانوا يظفرون بعكس ما كانوا يريدون، فيَزْوَر عنهم القراء وتسخر منهم طوائف المثقفين، ويضطرون إلى الرجوع عن عاميتهم إلى اللغة الفصحى.

    وكان حافظ — رحمه الله — يَهْدِر بشعره السياسي، وكان شوقي — رحمه الله — يُعنَى بشعره التمثيلي والسياسي، وكلاهما يذهب مذهب القدماء في لفظه وأسلوبه وفي وزنه وقوافيه، وكان الذين يسمعون للشاعرَيْن العظيمَيْن أو يقرءون لهما، يرضون ويعجبون ويحفظون شعرهما عن ظهر قلب، لا يجدون في رصانة هذا الشعر وجزالته ولا في تقليده للقدماء ما يصرفهم عنه أو يخوفهم منه أو يزهدهم فيه. وكنَّا نعيب الشاعرين العظيمين بإمعانهما في تقليد القدماء وتقصيرهما في التجديد وغلوهما في المحافظة على مذاهب القدماء، فكان الناس يقرءون لنا فترضى منهم قلة قليلة جدًّا هم أصحاب الثقافة الرفيعة، وتسخط منهم كثرة كثيرة جدًّا هم أصحاب الثقافة المتوسطة والضئيلة.

    كان ذلك منذ ربع قرن أو أكثر من ربع قرن، وكنت أعيب على المحافظين في اللغة والأدب تقديسهم للغة وإحاطتهم لها بهذا الإجلال الديني الذي يعصمها من التطور ويحميها من التجديد، وكنت أقول إن اللغة العربية هي لغة القرآن ما في ذلك شك، ولكنها في الوقت نفسه لغة الذين يتكلمونها، فمن الحق عليها أن تستجيب لأصحابها، وأن تساير تطورهم، وتجاري حياتهم في ظروفها المختلفة. وهي قد فعلت في العصور الأولى، فلم تكد تخرج من البادية العربية حتى لازمت الحضارة الجديدة، ووسعت علومها وفلسفتها، وحتى تطور أدبها نفسه مع هذه الحضارة، فأدى في يسر وإسماح ما لم يكن يخطر للأعراب البادين على بال من الخواطر والمعاني والآراء.

    وكان الناس ينكرون عليَّ هذه المقالة أشد الإنكار، ويرون أني قد جاوزت في الإسراف كل حد، وأني قد غلوت في التجديد حتى أخرجته عما ينبغي له من القصد والاعتدال ومن الرفق والأناة، وحتى ذهبت به مذهب الثورة لا مذهب التطور والانتقال.

    وكنت أضحك من الدرس الأول الذي كان طلاب الأزهر الشريف يسمعونه حين يبدءون دراسة النحو، فيقرأ عليهم الشيوخ قول المؤلف رحمه الله: الحمد لله الذي جعل لغة العرب أفصح اللغات.

    وكنت أقول إن لغة العرب فصيحة ما في ذلك شك، ولكن في الأرض لغات أخرى ليست أقل منها فصاحةً وجذالةً وامتيازًا. وكان المحافظون يرون هذا القول مني جموحًا وإهدارًا للقيم الموروثة، وثورة بالسنن التي تلقاها الأبناء عن الآباء. وكنت أتندر بما كان بعض القدماء يختصمون فيه من أن لغة أهل الجنة في الدار الآخرة هي اللغة العربية أو اللغة السريانية، فكان غلاة المحافظين يضيقون مني بذلك أشد الضيق.

    وأذكر أني حين هممت بالسفر إلى أوروبا لإتمام الدرس، سألني الشيخ بخيت رحمه الله: ما الذي تريد أن تدرسه في أوروبا؟ فقلت له متضاحكًا: أريد أن أدرس اللغة السريانية! فقال: ولِمَ تدرس اللغة السريانية؟! قلت: لِأُحْسِنَ الردَّ على الملكين حين يسألانني في القبر؛ لأنهما يسألان باللغة السريانية! ورويت له ما كنت أحفظ من قول بعض الأزهريين القدماء:

    ومن غريب ما ترى العينان … … … … …

    … … … … … أن سؤال القبر بالسرياني

    أفتى بهذا شيخنا البلقيني … … … … …

    فغضب الشيخ وضحك الحاضرون، وكانت كثرتهم من المطربشين، ولقيت الشيخ بعد عودتي من أوروبا، فسلمت عليه ولم أُقبِّل يده، وأراد أن يشعرني باحتقاره لي وازدرائه لما تعلمت في أوروبا ولما اتخذت من زيٍّ جديد؛ فلم يكن يدعوني إلَّا طه أفندي!

    وحسبك بهذا الدعاء احتقارًا وازدراءً! كذلك كانت حالنا منذ أكثر من ربع قرن، ثقة باللغة العربية الفصحى، وإيمانًا بقدرتها على البقاء، ومطاولة الزمان ومغالبة الأحداث التي تجدد حياة الناس من يوم إلى يوم، لا من عام إلى عام.

    وليس من شك في أن جيلنا ذاك القديم قد ظفر بالنجح كل النجح فيما كان يحاول من تجديد الأدب وردِّ الشباب إلى اللغة، بعد أن أدركتها في القرون الأخيرة أعراض تشبه أعراض الشيخوخة والهرم.

    لم ينكر علينا أحد في تلك الأوقات إغرابًا في اللفظ أو التواء في الأسلوب أو غموضًا في المعاني، وإنما كان الناس يتابعوننا راضين عنَّا، مشجعين لنا، يشعرون بأننا كنَّا نرد إليهم شيئًا عزيزًا عليهم أثيرًا في نفوسهم بعُدَ عهدهم به، واشتد شوقهم إليه؛ وهو هذا الجمال الفني الذي يأتي من سماحة اللفظ وسجاحته، ومن يسر المعاني ووضوحها، ومن صفاء الأساليب ونقائها.

    لم يكن المازني — رحمه الله — يتحرَّج في إحياء تلك الأساليب القديمة التي كان يجدها عند عبد القاهر الجرجاني وعند الذين سبقوه من أصحاب النقد والبيان، وكان الناس يقرءون له، ويُعجَبون به، ويستزيدونه من فنِّه ذاك الجديد القديم.

    ولم يكن مصطفى عبد الرازق — رحمه الله — يتحرج في اصطناع الأناة المستأنية في إنتاجه الأدبي، فكان يفرغ الوقت الطويل لكتابة المقال القصير، يُحرِّر معانيه، ويُجوِّد ألفاظه، ويُصفِّي أسلوبه تصفيةً حتى كنَّا نشبِّه آثاره الأدبية بذلك الحلي الذي يتأنق فيه صناعة ويخرجونه روعة للناظرين لا سبيل إلى التعليق عليها بعيب ظاهر أو خفي.

    وكان الناس يتحدثون عن هذا الكاتب أو ذاك، فيقولون إنه يذهب مذهب الجاحظ أو مذهب ابن المقفع، يرون ذلك ثناءً عليه وإطراءً له، ولم نكن نرضى بهذا الإطراء وذلك الثناء لأننا لم نكن نحيي تلك الأساليب فحسب، وإنما كنَّا نحييها ونغنيها ونؤدي بها معاني وآراء وخواطر لم تكن تخطر للجاحظ وابن المقفع على بال.

    كنَّا نترجم فيها شعر الشعراء ونثر الكتَّاب من أعلام الأدب في الغرب، لا نجد في ذلك مشقةً ولا حرجًا، وكنا نؤدي بها من ذات أنفسنا ما يلائم العصر الذي نعيش فيه من شئون هذه الحياة التي لا تشبه من قريب ولا من بعيد حياة الكتَّاب القدماء في البصرة والكوفة وبغداد.

    وكنا نغيظ حافظًا وشوقي وغيرهما من الشعراء حين نتحدث بأن النثر العربي هو الذي ارتقى حقًّا في هذا العصر الحديث؛ لأنه ابتكر أشياء لا عهد للقدماء بها دون أن يخل بفصاحة اللغة ورصانتها، ودون أن ينحرف عن أصولها المقررة أو طبيعتها الخالدة، على حين لم يستطع الشعر إلَّا أن يحيي مذاهب العباسيين متأثرًا لهم ومتأثرًا بهم أيضًا.

    وكنت أغلو في مضايقة الشاعرين العظيمين، فأرد بعض قصائدهما إلى نماذجها القديمة من شعر البحتري وأبي تمام والمتنبي، وكانا يضيقان بذلك أشد الضيق ويحاولان التجديد والابتكار، ويوفقان منهما إلى شيءٍ كثير.

    فأين نحن الآن من تلك الحياة التي كنَّا نحياها منذ ربع قرن، والتي لم أروِ من أمرها إلَّا أطرافًا قصارًا، والتي تشهد بها نصوص ما يزال الناس يقرءونها ويكثرون من قراءتها، ويستعينون بكثير منها على احتمال الحياة التي يحيونها الآن؟!

    وليس من شك في أن أسبابًا مختلفة كثيرة قد دَعَتْ إلى ما نحن فيه الآن من هذا الاضطراب الأدبي الخطير الذي يظهر في صور متناقضة أشد التناقض؛ فعقول شبابنا خصبة وقلوبهم ذكية وبصائرهم نافذة، لا ينكر ذلك إلَّا المكابرون، وفيهم من أجل هذه الخصال قدرة رائعة على الإنتاج الفني، ولهم من أجل هذه الخصال إنتاج يعصم من اليأس ويفتح أبوابًا لآمال عراض، لا ينكر ذلك إلى المكابرون أيضًا.

    ولكن أدباء الشباب هؤلاء أشقياء بفنهم، وقراؤهم ليسوا أقل منهم شقاءً لسبب يسير جدًّا؛ وهو أن وسيلة الأداء تعوزهم إعوازًا مروعًا حقًّا، فآثار كثير منهم أشبه شيء بالجمال البارع الساحر الذي يُعرَض في الأزياء الرثة المهلهلة التي تشوه براعته وتفسد سحره، وتعلق القلوب تعليقًا مؤلمًا بين الإقبال عليه لأصالته وصدقه، والانصراف عنه لرثاثة صوره وغثاثة ألفاظه.

    وأدباؤنا الشبان يحسون ذلك من أنفسهم ومن قرائهم إحساسًا دقيقًا، ويضيقون به ضيقًا شديدًا، ولكنهم لا يحاولون له طبًّا ولا علاجًا … وإنما يمعنون فيه إمعان المستيئس، ويلهجون به لهج المكابر المعاند الذي يعجزه الحسن فيهيم بالقبح، ويفوته الكمال فيستمسك بالنقص ويتخذه مذهبًا ومنهاجًا.

    ثم هم لا يكتفون بما يتورطون فيه من العناد في غير موضع للعناد والمراء في غير موطن للمراء، ولكنهم يتكلفون الغض من الذين سبقوهم، ثم الخروج على ما ألف الناس من صور البيان، وإيثار الفصاحة على الركاكة والرقي على الإسفاف. فإذا لم يُغْنِ عنهم هذا كله شيئًا، ثاروا باللغة نفسها ونصبوا لها حربًا أقل ما تُوصَف به أنها عقيم، لا تغني عنهم شيئًا ولا تنيلهم خيرًا قليلًا أو كثيرًا.

    فليس من الحق في شيء أن اللغة العربية الفصحى قد ماتت أو أشرفت على الموت، بل ليس من الحق أن اللغة العربية الفصحى قد أدركها ضعف أو فتور أو قصور، وآية ذلك أن الناس يعربون بها عن ذات أنفسهم حين يكتبون ما يريدون أن يكتبوا في الموضوعات المختلفة لا يجدون في ذلك حرجًا، ولا يحتملون فيه عناءً، يؤلفون الكتب ويترجمون ما يُؤلِّف غيرهم من الأجانب في أقطار الشرق والغرب، وينشرون الصحف والمجلات. والناس يقرءون ما يُؤلَّف من الكتب وما يُترجَم كما يقرءون ما تنشره الصحف والمجلات، لا يجدون بذلك بأسًا ولا يشكون منه جهدًا.

    وآية ذلك أيضًا أن الناس ينشرون الكتب القديمة التي كُتِبَتْ بالعربية الفصحى في عصورها المختلفة، فيقرؤها أصحاب الثقافة العميقة الواسعة وأصحاب الثقافة المتوسطة الضيقة، وأكثرهم لا يقرؤها مُكْرهًا على قراءتها، وأكثرهم كذلك لا يقرؤها بالمجان، وإنما ينفق في قراءتها الوقت والمال والجهد عن حبٍّ لها ورغبةٍ فيها وحرصٍ عليها.

    وليس هذا شأن اللغة التي ماتت أو أوشكت أن تموت، وليس هذا شأن اللغة التي أدركها الضعف أو الفتور أو القصور، وإنما هو شأن اللغة التي ما زالت حية قادرة على الحياة، قوية قادرة على مغالبة الأحداث والخطوب التي تغير حياة الناس من يوم إلى يوم.

    وأدباؤنا الشبَّان يتورطون في خطأ أي خطأ حين يظنون أن اللغة العربية الفصحى لا يمكن أن تصح ولا أن تستقيم، إلَّا إذا اتخذت ذلك الشكل القديم الذي يألفونه في شعر القدماء ونثرهم أثناء القرون الثلاثة أو الأربعة للهجرة، وهم حين يتورطون في هذا الخطأ يجحدون التطور وينسون حقائقه الأولى؛ فلغة القرن الأول للهجرة لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الجاهلين، ولغة أبي نواس وأصحابه لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الفرزدق وجرير، ولغة المتنبي ومعاصريه لم تكن هي لغة أبي نواس ولداته وأترابه، واللغة التي أتحدث إليهم بها الآن — والتي يتحدث إليهم بها غيري من الكتَّاب — ليست هي اللغة التي كان يتحدث بها كتَّاب القرن الثالث إلى قرائهم. ومعنى هذا كله أن حياة اللغة شيء وجمودها واستعصاءها على التطور شيءٌ آخر.

    وأصحابنا هؤلاء من أدباء الشباب يتورطون في خطأٍ آخر ليس أقل من هذا الخطأ نكرًا، منهم من قرأوا في بعض الكتب أن اللغة اللاتينية قد كانت حية قوية منتشرة في غرب أوروبا، ثم ماتت ونشأت عنها لغات مختلفة في بلاد كثيرة من أوروبا الغربية هذه. وما أسرع ما يثيبون من هذا الذي قرأوه إلى أن اللغة العربية الفصحى لغة قديمة قد نشأت عنها لهجات عامية، فهي إذن قد ماتت وقامت اللهجات العامية مقامها، أو يجب أن تموت لتقوم اللهجات العامية مقامها.

    وقد قلت ألف مرة ومرة: إني لا أشفق على شبابنا من شيء كما أشفق عليهم من التفكير السريع والأحكام الخاطفة؛ فاللغة اللاتينية لم تَمُتْ فجاءة، واللغات الحديثة لم تَمْضِ مقامها فجأة، واللغة اللاتينية لم تمت لأن الشباب من أبنائها قضوا عليها الموت في يوم من الأيام وقرروا أن تقوم اللهجات العامية مقامها، وإنما ماتت اللغة اللاتينية في بطء بطيء جدًّا بعد خطوب طوال ثقال، ليس هنا موضع الحديث عنها.

    وقد تعرضت اللغة العربية الفصحى لخطوب طوال ثقال أيضًا حفظتها كتب التاريخ، ولكنها انتصرت إلى الآن على هذه الخطوب، فلم تَمُتْ ولم يدركها فتور أو قصور، وإنما قاومت وغالبت، وأُتيحَ لها الغلب والانتصار، فظلت حية قوية متطورة وظلت اللهجات العامية ضعيفة ضئيلة لا تصلح للأداء الأدبي قليلًا أو كثيرًا.

    وآية ذلك أننا لا نعرف أثرًا أدبيًّا رائعًا خالدًا كتب في لهجة من هذه اللهجات إلى الآن، وليس يكفي أن نقرر أن لغة من اللغات قد ماتت لتموت، وليس يكفي أن نقضي بالموت على لغة من اللغات ليصبح قضاؤنا ضربة لازب، ولتموت هذه اللغة لأننا أردنا لها الموت.

    كل هذا عبثٌ من العبثِ، واضطرابٌ فيما لا ينفع ولا يفيد ولا يغني عن الناس شيئًا، واستجابةً للكسل الذي يثبط الهمم ويقل الحد ويميت القلوب، وخيرٌ من هذا كله أن نستقبل أمور اللغة العربية الفصحى ومشكلاتها كما نستقبل غيرها من الأمور والمشكلات، فنلتمس لها ما يلائمها من الحلول، ولا نستيئس من الظفر بهذه الحلول.

    وللغة العربية الفصحى مشكلات خطيرة ليس في ذلك شك، وقد تنبهنا لهذه المشكلات منذ أواخر القرن الماضي، ولكنا لم نجد الشجاعة إلى الآن لحلها في غير تردد ولا تلكؤ، وإنما مانع منَّا المصانعون، وداور منَّا المداورون، وتركنا الأمور تمضي كما تستطيع؛ فعرَّضنا لغتنا وأدبنا لشرٍّ عظيم.

    ولست أذكر الآن من هذه المشكلات إلا اثنتين، كلتاهما خطيرة أشد الخطورة، فأمَّا أولاهما فهي الكتابة العربية التي طالب الناس بإصلاحها منذ أواخر القرن الماضي فيما أذكر دون أن يظفروا بشيء، والثانية هي علم النحو الذي حاول الناس إصلاحه منذ أوائل هذا القرن فلم يظفروا بشيءٍ أيضًا.

    والأصل الذي يجب أن يتنبَّه إليه الناس هو أن الكتابة كانت فيما مضى — كما كان النحو — مقصورة على قلة قليلة من الناس، فأصبحت بحكم النظم الحديثة مفروضة على الشعوب كلها، كانت أرستقراطية فأصبحت ديمقراطية إن صح هذا التعبير. وإذا كانت الأرستقراطية تستتبع الصعوبة والعسر والضيق لأنها تصور الاستئثار والاحتكار وإقامة الحواجز والمصاعب دون ما يستأثر به السادة الممتازون، فإن الديمقراطية تستتبع السهولة واليسر والإسماح وإزالة المصاعب وتذليل العقاب.

    وإذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع. ونحن نريد أن يكون الشعب كله كاتبًا قارئًا، فلنيسر له الكتابة والقراءة حتى يبلغ حاجته منهما في سعة ودعة وفي يسر ولين.

    ونحن نكتب الآن كما كنَّا نكتب منذ أكثر من ألف سنة حين كانت الكتابة امتيازًا تستأثر به قلة من الناس، فإذا ألغيت هذا الامتياز فألغِ ما كان يقتضيه من ضروب المصاعب والعقاب، ويسِّر الكتابة والقراءة ليستطيع الناس جميعًا أن يكتبوا ويقرءوا دون أن يضيِّعوا من الجهد والوقت ما لا يملكون.

    ومن الحمق الأحمق والجهالة الجاهلة حقًّا أن تطلب إلى عامة الشعب أن يحسن الفهم ليحسن الكتابة والقراءة؛ فالأصل أن يكتب الناس ويقرءوا أولًا وأن يفهموا بعد ذلك، وقُلْ مثل هذا بالقياس إلى النحو؛ فنحن نعلِّم صِبيتنا وشبابنا أصول اللغة العربية وخصائصها كما كانت تعلم منذ اثني عشر قرنًا في البصرة والكوفة وبغداد، وقد تغيرت الحياة وتغيرت العقول، وأصبح النحو القديم تاريخًا يدرسه الأخصائيون، ولم يبقَ بدٌّ من نحو ميسر قريب لتفهمه هذه الملايين الكثيرة من التلاميذ.

    والصبية والشباب يتعلمون اللغات الأوروبية، فلا يجدون مشقة ولا عسرًا في فهم النحو لهذه اللغات؛ لأن نحوها قد تطور حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد.

    وأغرب من هذا أن اللغة اللاتينية الميتة تُدرَّس للصبية والشباب في أوروبا، ولا يجد الصبية والشباب مشقة ولا عسرًا في فهم النحو اللاتيني؛ لأنه قد يُسِّر حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى اللغة اليونانية القديمة، فأعجب للغات ميتة يُدرَس نحوها الآن في يسر أي يسر، وللغة حية هي لغتنا العربية يُدرَس نحوها في عسر عسير، ولا ينتهي بتلاميذه إلَّا إلى جهله وبغضه وبغض اللغة العربية كلها من أجله.

    وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن إصلاح الكتابة العربية وتيسير النحو العربي كفيلان بإراحة الجيل الناشئ من شبابنا من هذا العناء الثقيل الذي ينوه بالكتاب المعاصرين من شبابنا الأدباء الذين تعلموا اللغة العربية على أساليب لا تلائم عقولهم وأمزجتهم؛ فلم يحسنوها ولم يطمئنوا إليها، واضطرهم ذلك آخر الأمر إلى ما يشقون به ويشقى به معهم قراؤهم من هذا الإنتاج الأدبي الذي يجمع بين الجمال والقبح وبين الجودة والرداءة في وقت واحد، ومن هذه الشكوى التي لا تنقضي من صعوبة اللغة الفصحى واستعصائها، ومن هذه المطالبة الممضة بالالتجاء إلى اللهجات العامية وإقامتها مقام اللغة العربية الفصحى التي تشقى بأساتذتها ومعلميها.

    وأحب آخر الأمر أن ألفت أدباءنا الذين يطالبون بالالتجاء إلى اللهجات العامية إلى شيءٍ خطيرٍ ما أرى أنهم قد فكَّروا فيه فأحسنوا التفكير؛ وهو أن العالم العربي الآن وكثيرًا من أهل العالم الشرقي كله يفهم اللغة العربية الفصحى، ويتخذها وسيلة للتعبير عن ذات نفسه وللتواصل الصحيح القوي بين أقطاره المتباعدة.

    فلنحذر أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته وتمعن هذه اللهجات في التباعد والتدابر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم إلى لهجته كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون من ترجمة الكتب المصرية إلى لهجاتهم كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين، وكما يترجم هؤلاء عن الفرنسيين.

    ولنسأل أنفسنا آخر الأمر أيهما خير، أن تكون للعالم العربي كله لغة واحدة هي اللغة الفصحى، يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون لهذا العالم لغات بعدد الأقطار التي يأتلف منها، وأن يترجم بعضه عن بعض كما يترجم بعض الأوروبيين عن بعض؟

    أمَّا أنا فأُوثر وحدة اللغة، وأثق الثقة كلها بأن لها النصر آخر الأمر، وأرى غير متردد أن وحدة اللغة هذه خليقة بأن يُجاهِد في سبيلها المؤمنون بها، وبأن يضحُّوا في سبيلها بكل ما يملكون.