يقظة
أما أن الوزارة يقظة لا تعرف النوم ، ساهرة لا تعرف الرقاد ، حذرة لا تعرف الإهمال ، متنبهة لا يمكن أن تؤخذ على غرة ، فهذا أمر واضح كل الوضوح ، جلي كل الجلاء ، لا يقبل الشك ولا يحتمل النزاع . وإذا لم يكن بد من أن يقام الدليل على ذلك للمكابرين والممارين مع أن ذلك لا يحتاج إلى دليل فيكفي أن يفكر الناس في أن خصمًا من الخصوم السياسيين للوزارة لا يقول كلمة إلا أحصيت عليه ، ولا يأتي حركة إلا علمت بها الوزارة ، ولا ينتقل من مكان إلا سبقته من عيون الحكومة وأرصادها طلائع وأتباع ، ولا يزوره زائر إلا نمي أمره إلى السلطان ، ولا يتحدث إليه متحدث إلا عرف أمره في ديوان . فإذ كنت تريد بعد ذلك يقظة ، وإذ كنت تريد فوق ذلك تنبهًا وحذرًا فأنت عسير ، لا يعجبك العجب ولا الصوم في رجب . ومع ذلك ففوق كل يقظة يقظة أخرى ، وفوق كل حذر حذر آخر أشد منه وأدق ، وأبلغ في الحيطة وأقطع للشر ، وأحسم للداء . فالوزارة يقظة في المراقبة ولكنها يقظة أيضًا فيما هو فوق المراقبة ، فهي تبذل الممكن لتحول بين الناس وبين خصومها السياسيين ، تفرق هؤلاء الناس عن خصومها بالحار حينًا والبارد حينًا آخر ، وبالفاتر في كثير من الأحيان .
فأما الحار فهذه العصي والسياط التي تعمل في الجلود . وأما البارد فهذا الماء الذي يتدفق من مضخات الحريق . وأما الفاتر فأشياء بين ذلك ، منها الزجر والانتهار ، ومنها التهديد والوعيد ، ومنها الترغيب والترهيب ، ومنها ما شئت وما لم تشأ مما يطمع ويخيف . ومنها ما أحببت وما لم تحب من القطارات المسلحة والسيارات المصفحة والخنادق المحفورة والأسوار التي ترفع إلى السماء .
فليس من سبيل إذن إلى أن ينكر منكر أن وزارتنا يقظة كل اليقظة ، حذرة كل الحذر ، متنبهة كل التنبه . وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس وزرائنا كان موفقًا كل التوفيق حين أبرق إلى الديلي تلغراف منذ أيام بأن غيبته عن مصر وإقامته فيها سواء ، لأن السياسة المرسومة لمصر في هذه الأيام تجري وستجري على أحسن ما تجري عليه السياسة .
فقد مرض رئيس الوزراء وكأنه لم يمرض ، وسافر رئيس الوزراء وكأنه لم يسافر ، ومضت حكومة رئيس الوزراء أثناء مرضه وأثناء سفره على ما كانت تمضي عليه أثناء صحته وإقامته من اليقظة والحذر ، ومن التضييق على الخصوم والمعارضين ، تسلك إليه كل سبيل وتنهج فيه كل يوم نهجًا جديدًا .
وليس من سبيل إلى الشك في أن رئيس الوزراء يستطيع أن يتمثل الآن قول الشاعر القديم :
إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمرا ثم نم
فهو يستطيع أن يتمثل هذا البيت وأن ينام ملء جفونه ويتنفس ملء رئتيه ويستمتع بالراحة والهدوء طول الصيف فقد نبه عمرًا ، وعمرو هو وزير الداخلية الذي لا ينام ولا خوف عليه من أن ينام .
ولكن اليقظة الإنسانية محدودة ككل ما يضاف إلى الإنسان ، فقد يستطيع وزير الداخلية أن يأرق الليل والنهار ، ويبذل من الجهد ما لا يبذله غيره في بلد من البلاد ، ثم لا يظفر بعد ذلك بما يحب وما نحب نحن من ضبط الأمن وإقرار النظام وحماية الأنفس والأموال . وليس ينبغي أن يؤخذ وزير الداخلية بهذه الحوادث الكثيرة العنيفة التي تحدث متصلة مطردة في أرض مصر والتي تزهق فيها الأنفس وتسفك فيها الدماء وتكثر فيها الجراحات ، وتنهب فيها الأموال . فوزير الداخلية مهما يكن رجل من الناس ، له قوة المتفوقين وفيه ضعف الناس على كل حال . والله وحده هو القادر على أن يعصم النفوس من أن تزهق والدماء من أن تسفك ، والأموال من أن تسرق ، والحرمات من أن يعتدى عليها لأن الله وحده هو الذي لا يمكن أن يفوته آثم ، ولا يفلت من سلطانه مفلت مهما يكن قويًا ماكرًا .
وعلى هذا النحو تستطيع كل وزارة أن تعتذر حين تفلت الأمور من يدها ، وحين تتفرق الأمور عليها ، وحين لا توفق من ضبط الأمن وحماية النظام إلى ما تريد . أما في غير مصر فيقبل منها هذا العذر لأنه لا يقدم إلا مقرونًا بشيء آخر ، هو الاعتراف بالضعف والعجز والاستقالة من النهوض بما لا يمكن النهوض به ، والقيام بما لا يمكن القيام به . يقبل العذر ، وتقبل الاستقالة . ويكلف بحماية الأمن والنظام قوم آخرون لعلهم أن يكونوا أقدر على حماية الأمن والنظام ، فإن وفقوا فذاك وإلا قدموا العذر والاستقالة فيقبل العذر والاستقالة مرة أخرى .
وأما في مصر فالوزارة لا تقدم عذرًا ، ولا استقالة . وإنما يلتمس لها الناس العذر فتقره أو لا تقره ، وترضاه أو لا ترضاه . وثق بأن وزارتنا القائمة لن تقبل هذا العذر الذي تلتمسه لها لأنها لا تسلم ولا يمكن أن تسلم بأن الأمن مضطرب ، وبأن النظام ضعيف وبأن حياة الناس وأموالهم ليست من الصيانة بحيث يجب أن تكون في بلد متحضر يعيش في القرن العشرين ، لن تسلم الوزارة بهذا ، ولن تقبل الاعتذار . فأما الاستقالة فشيء لا يمكن التفكير فيه .
ومع ذلك فالوزارة نفسها تعترف بهذا العجز وتعترف به على نحو يخيل إلينا أنه لا يليق بالوزارة القوية العزيزة ذات الشأن الرفيع والسلطان المنيع . وأي اعتراف أوضح وأجلى وأشد خطرًا على سمعة الوزارة وسمعة مصر من هذا القرار الذي اتخذه وزير الداخلية منذ أسبوع فألغى به إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة في مصر كلها طول فصل الصيف . ومتى اتخذت وزارة من الوزارات مثل هذا القرار في غير أيام الخطر الداهم الذي تتعرض فيه سلامة الدولة وأمنها للاضطراب .
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ، فقد ظهر أن حرمان المأمورين ورؤساء الشرطة حقهم من الراحة أثناء الصيف لا يكفي لتكون يقظة وزير الداخلية مجدية منتجة . وهذه الصحف ذكرت أن المديرين رفعوا من أقاليمهم إلى وزير الداخلية مطالب يلحون فيها أن تزاد قوة الشرطة في الإقليم ، لأن ما بين أيديهم من القوة لا يكفي ولا يمكنهم من حماية الأمن بعد أن كثرت الجرائم في هذه الأيام كثرة خاصة .
ويظهر أن وزير الداخلية قد عني بهذه المطالب ولكنه عني بها في رزانة وأناة وهدوء فلم يتسرع بإمداد المديرين بما يطلبون إليه من المدد ، وإنما أراد أن يدرس فيتقن الدرس ، ويبحث فيحسن البحث ، ويرسل الإمداد حين يثبت له أن إرسالها أمر لا مندوحة عنه ولا سبيل إلى الإبطاء فيه . وكذلك ألف وزير الداخلية لجنة برئاسة أحد الوكيلين ، برئاسة الوكيل المقيم الذي لم يسافر ليستريح ، وكلف هذه اللجنة أن تدرس اقتراح المديرين وتستعرض أمر الشرطة في كل إقليم وتقيس عدد الشرطة في كل إقليم إلى عدد السكان . وقد اجتمعت هذه اللجنة مرة في القاهرة ، فدرست واستعرضت ، ثم أرجأت الاجتماع إلى يوم يحدد فيما بعد ، وقد يكون هذا الاجتماع في الإسكندرية حيث يصطاف الوكيل ، وحيث يصطاف الوزير . وسينتهي الدرس من غير شك اليوم أو غدًا أو بعد غد إلى أن عدد الشرطة ملائم أو غير ملائم لعدد السكان ، ثم إلى قبول الاقتراح الذي يقدمه المديرون أو الإعراض عنه ، ولكن تنبئنا الصحف في أثناء هذا كله بأن اضطراب الأمن يزداد من يوم إلى يوم ، ويشتد من حين إلى حين ، وهذا نبأ نقرأه صباح اليوم يحدثنا بأن أسرتين اختصمتا في قرية من قرى الصعيد فدارت بينهما رحى القتال كما يقولون ، وأطلق الرصاص ، ولعب السلاح الأبيض ، ولعبت العصي والنبابيت وانجلت الموقعة بعد ساعة عن أربعة قتلى وعن خمسة وعشرين من الجرحى ، بينهم عشرة قد أصيبوا بجراحات خطرة بالغة . ومصدر هذه المعركة – فيما تقول الصحف – ضغائن قديمة بين الأسرتين ، والذين مكن هؤلاء الناس من أن يقتتلوا ويفني بعضهم بعضًا ، هو في أكبر الظن أن عدد الشرطة في ذلك الإقليم وفي ذلك المركز ، وفي تلك القرية لم يكن ملائمًا لعدد السكان . وكنا نحب أن نعرف معنى هذه الملاءمة كيف تكون وبم تتحقق؟ فهل يكفي لكل عشرة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل مائة من السكان شرطي؟ أم هل يجب لكل ألف من السكان شرطي؟
مسألة مشكلة تحتاج من غير شك إلى درس طويل ولكن هذا الدرس الطويل لن يسعف المديرين والمأمورين الذين ألغيت إجازاتهم والذين يعجزون عن إقرار الأمن وحفظ النظام .
ألا يرى وزير الداخلية أن الخير إنما هو في أن يتلمس دواء أسرع وأنجع من المقارنة بين عدد السكان وعدد الشرطة؟ وهذا الدواء نعرفه نحن ، ويعرفه الناس جميعًا ، وتعرفه الوزارة حق المعرفة ، ولكنه لا تريد أن تأخذ شجاعته بكلتا يديها وأن تقدم عليه . هذا الدواء هو الاستقالة . فاستقالة الوزارة وحدها هي التي ترد الأمن إلى الاستقرار وترد النظام إلى الثبات ، لأن ما نحن فيه من فساد ليس مصدره أن بقاء الوزارة قد أفسد الشؤون العامة ، وزعزع ثقة الناس بكل شيء ، وشكك الناس في قيمة الحياة والأموال والحرمات . وإلا فلم يكن عدد الشرطة في عهد الوزارات السابقة أقل ملاءمة لعدد السكان منه الآن . ولم يكن أمر الأمن والنظام فاسدًا كما هو الآن ، ولم يظهر عجز الوزارة عن ضبط الأمن ووضع اليد على المجرمين في سرعة كما يظهر الآن .
هذا هو الدواء الصحيح ، ولكن قلت لك إن الوزارة لن ترضاه فهناك دواء آخر لا يحسم الداء ولكنه يخفف شره بعض الشيء . وهو أن يسير وزير الداخلية في الناس سيرة زياد في أهل العراق فيشتد على المجرمين ما استطاع ويضمن في الوقت نفسه لمن تقع عليهم الجرائم ما يصابون به من الأنفس والأموال . ومعنى ذلك أن تدفع الحكومة إلى كل أسرة يقتل أحد أبنائها دية القتيل وإلى كل أسرة يجرح أحد من أبنائها دية ما أصابه من الجراحات ، وإلى كل أسرة يسرق منها شيء قيمة ما سرق منها قل أو كثر . فالحكومة – بحكم وجودها – ضامنة للناس الأمن على الأنفس والأموال . فإذ عجزت عن تحقيق هذا الأمن وأبت مع ذلك أن تستقيل فلا بد من أن تعوض على الناس ما يخسرون لعجزها وقصورها . ستقول : وأين تجد الحكومة ديات الذين يصرعون من القتلى والجرحى وقيمة ما يسرق من الأموال والعروض؟ والجواب على ذلك يسير لا ينكره إلا من ليس له قلب يشعر أو عقل يفكر ، فأنا أؤكد أن حياة مصري واحد من هؤلاء الذين يصرعون في كل يوم أحب إلى مصر وأعز عليها وأنفع لها من مؤتمر الطيران ومن مؤتمر البريد ومن مؤتمر السياحة ومن مؤتمر السكك الحديدية ومن مؤتمر الموسيقى الشرقية . حياة مصري واحد أنفع لمصر من هذه المؤتمرات كلها مجتمعة .
فيجب على الوزارة أن تنصرف عن سياسة المؤتمرات وعن سياسة الدعاية في الخارج ، وعن سياسة الترف كلها وأن ترصد الأموال التي تنفقها في هذه السبيل للتعويض على الأسر التي يقع فيها القتل ، أو تقع عليها السرقة لعجز الوزارة عن حماية الأمن .
ولعلك توافقني على أن مصر تؤثر ألف مرة ومرة أن تنفق الحكومة على هذه الأسر البائسة وتحميها من الجوع والحرمان على أن تدعو في الشتاء جماعة الممثلين والممثلات ، والراقصين والراقصات لتلهية الأجانب والمترفين في القاهرة . فليفكر وزير الداخلية اليقظ في هذا الاقتراح ، وله أن يعرضه إن شاء على هذه اللجنة التي تقارن بين عدد الشرطة وعدد السكان .
كوكب الشرق في ٢٦ – ٧ – ١٩٣٣
Tag: المراقبة
-
يقظة
-
إذن
إذَن
سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣ -
احتياط
احتياط
كان رئيس الوفد وصاحبه في القاهرة أمس لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير الإسكندرية ويعنيان بما يعني به المقيمون في القاهرة من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويُلهي قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض. في مصر وفد خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر الوفد تنبه حذر الوزارة. وإذا تحرك رئيس الوفد(١) أو أحد من أعضائه نشط وزير الداخلية، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
وكذلك لم تكد تعلم وزارة الداخلية أن رئيس الوفد وصاحبه يريدان السفر إلى الإسكندرية ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل الإسكندرية، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس الوفد ومن صاحب رئيس الوفد. فوزارة الداخلية تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم، فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعوانًا وأنصارًا، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
نعم ووزارة الداخلية لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على الإسكندرية(١) كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل الإسكندرية جميعًا، فهم جميعًا يحبون رئيس الوفد وصاحبه، وهم جميعًا يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس الوفد وصاحبه، وهم جميعًا يحرصون على أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل الإسكندرية وأيديهم بأقل حظًا من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في الإسكندرية وأيديهم. وأخص ما تمتاز بها الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل الإسكندرية وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقًا دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل الإسكندرية إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجنًا منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضي بذلك حاجة الإسكندريين إلى العدل، ورغبة الإسكندريين في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضي كثيرًا من المصريين الذين سيذهبون إلى الإسكندرية ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
والغريب أن رئيس الوفد وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر القاهرة إلى هواء الإسكندرية الطلق ونسيم الإسكندرية العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس الوفد وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس الوفد وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته فهم لا يريدون أن ينعم أهل القاهرة وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم. وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة أهل القاهرة في غيره من فصول العام؟!!
أليس من الممكن أن يكون الله – عز وجل – قد جمع كلمة الوفد والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين الوفد والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رق الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك الوفد فتنشط الحكومة وأن ينتقل الوفد فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس الوفد في مكان إلا سُجن فيه وسُجن معه الناس.
كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام، وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة ولا نتكلم إلا إذا أُذن لنا في الكلام ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقًا فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضًا أن الوفد يحب السجن لنفسه وللناس. وما الذي يمنع أن الوفد قد أمضى مع الحكومة اتفاقًا خفيًا على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام فكن ذكيًا ما وسعك الذكاء، وكن فطنًا ما أتيحت لك الفطنة فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون وبين معارضة الوفد للوزارة واتفاق الوفد مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت عن حياة الناس جميعًا، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعًا، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين، وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها – مصر من دون الشعوب جميعًا – هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند، ووفق رئيس الوفد وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجنًا منذ اليوم، فإن الوفد ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعوا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة الإسكندرية سجنًا منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس الوفد وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا للوفد والوفديين.
كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣. -
درس
درس
رئيسُ وزرائنا أستاذ، تلاميذه الوزراء، يعلّمهم كيف يحكمون، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه، ومن قصّر منهم أقصاه.
ووزير داخليتنا أستاذ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا، ووجّه إليهم أسئلة. فمن فهم الدروس وأحسن الجواب، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها، رقّاه. ومن لم يظهر منه سبق الفهم، ولا مهارة في الجواب، ولا نشاط في السيرة العملية، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه.
ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم.
وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية، فسمعوا منه، وتحدّثوا إليه، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها. وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك، ولكن من المرجّح، إن لم يكن من المحقّق، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا، وعلى وزراء العالم كله، ورجال الإدارة فيه، كان موضوع الحديث في درس أمس.
ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد.
زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما، والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع، وطبق آفاق الدنيا، وتردّد في أجواء السماء، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له، ويفديه بالأمهات والآباء، وبالبنات والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء. فكيف التخلّص من هذه المظاهرة؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها؟
فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه، فهو بهم كَلِف، ولهم مستجيب.
هذه هي المشكلة التي كانت موضوعًا للتمرين يوم السبت. وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية! وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه. وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات، يأباها الدستور، وينكرها القانون، ويتحرّج منها النظام. تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم. تبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق. تبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب. تبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون.
كانوا يعلمون هذا، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة، وربما تهالكوا عليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم، وإكباره لكفاياتهم، ما يريدون. وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة، ولون من ألوان السلطان، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم. والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب، ويعيد ذكرى الماضي، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم.
فالخطف مظهر من مظاهر الضعف. والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر. وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق. والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها. والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام. فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة «الغاية تبيح الوسيلة» تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات.
فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه، اضطربت نفوس المديرين، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم؟ أنخطف أم لا نخطف؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم؟ حتى كان درس أمس. وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات، ولكنه يُباح للحكومات، والحكومات الدستورية خاصة.
ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت، فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل. والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل، لا بالمسرفين في الذكاء، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه!
فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها. فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم. وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور، فساءت حالها، واضطربت أمورها، وأوشكت الفوضى أن تفسدها، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون، ويكلفون به، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر!!
أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا. ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزعت منه انتزاعًا.
فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف. وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف.
هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها، وما تزال نفوسهم مضطربة، وآراؤهم مختلفة؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص.
وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا، وحيثما توجّهوا. ولكن الحاجة تفتق الحيلة، كما قال القدماء. وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم، فمن يدري؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا، وأن يسير بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطير، ولا يؤمَن منها الضرر.
كوكب الشرق ٢٧-٣-١٩٣٣