Tag: المساءلة البرلمانية

  • إلى مجلس الشيوخ | To the Senate

    إلى مجلس الشيوخ
    طه حسين
    النداء
    ٣٠ مارس ١٩٤٨

    يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

    قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
    وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

    فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

    فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

    ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

    والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

    من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

    وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

    والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

    نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

    ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

    فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

    فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

    بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

    والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

    فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

    وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

    فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

    فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!

  • حقيقتان | Two Truths

    حقيقتان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٥
    أي الوزيرين يجد، وأي الوزيرين يهزل؟ أيهما ينصح للبرلمان ولا يقول له إلَّا الحق، وأيهما يداور البرلمان ولا يقول له إلَّا ما يحب أن يقول؟ ثم أي الوزيرين يعلِّم صاحبه فن السياسة وأصول التصرف في الشئون الخارجية: أهو رئيس وزراء مصر النقراشي باشا، أم هو وزير الخارجية البريطاني المستر بيفن؟ فليس من شك في أن المصريين حائرون بين هذين الوزيرين الخطيرين؛ أحدهما لا يريد أن يقول للبرلمان المصري شيئًا، والآخر لا يريد أن يخفي على البرلمان البريطاني شيئًا، وكلاهما مستمتع بثقة البرلمان، وكلاهما يفرض فيه أنه يقدم للبرلمان أخلص النصح، ويواجهه بالحق الصريح الذي لا مراء فيه.
    أيمكن أن يكون سخيفًا كل السخف، وباطلًا كل البطلان هذا الأصل الفلسفي الخلقي الذي اتفق الناس عليه منذ عرفوا التفكير، وهو أن الحق واحد لا يتعدد، وأن يكون التطور الحديث قد أثبت صدق ما كان يقال في فرنسا، وهو أن هناك حقين تفصل بينهما جبال البرانس التي تفصل بين فرنسا وأسبانيا؟ أيمكن أن يكون هناك حق مصري ليس فيه شك، وحق بريطاني ليس فيه شك، وأن هذين الحقين لا يلتقيان الآن، وإنما يذهب كل منهما في جهة مضادة للجهة التي يذهب فيها صاحبه، وإنما قد يلتقيان غدًا أو بعد غدٍ، وفي يوم من الأيام قريب أو بعيد؟
    والمصريون يعلمون أن لهم مطالب يقومون بها ويقعدون، وأنهم قد ألحوا على حكومتهم في أن تفاوض البريطانيين في تحقيق هذه المطالب، وهم يعلمون أن رئيس حكومتهم قد صرَّح أمام البرلمان بأنه وزملاءه يؤمنون بحقوق مصر، وينهضون بأعباء هذه الحقوق، ولا يقصرون في انتهاز الفرص لبلوغها. والمصريون يعلمون أنهم قد اختلفوا في فهم هذا التصريح وتفسيره، فقال أكثرهم: إن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا، وإنما هو يعلل الشعب بالأماني والآمال كما يُعلَّل الأطفال بما يُقدَّم إليهم من اللعب والوعود، وقال أقلهم: إن رئيس الوزراء صنع كل شيء، وسيصنع أكثر من كل شيء، ولكنه رجل سياسة وكياسة، ورجل حزم وعزم، ورجل حذر واحتياط، لا يقول إلَّا حين يحسن القول، فهو رجل يؤثر الذهب على الفضة، والذهب بالطبع هو الصمت، والفضة بالطبع هي الكلام.
    واتصل الخلاف بين الكثرة التي تشك فيما صنع رئيس الوزراء، والقلة التي تؤمن بما صنع رئيس الوزراء، ثم قال أحد الوزراء لإحدى الصحف: إن الوزارة قد صنعت شيئًا، وقال وزير آخر لصحيفة أخرى: إن الوزارة لم تصنع شيئًا. وأراد رئيس الوزارة أن يحسم هذا الخلاف، فاجتمع له الصحفيون، وأرهفوا آذانهم، وأعدوا أقلامهم، واستعدوا للاستماع والتسجيل، وتكلم رئيس الوزراء، ولكنه لم يقل شيئًا، وانصرف الصحفيون عنه كما أقبلوا عليه تمتلئ قلوبهم شكًّا، ونفوسهم ريبًا، وعقولهم اختلاطًا.
    ثم اشتد النقد لرئيس الوزراء من أصدقائه قبل خصومه، ورأى رئيس الوزراء — وهو صاحب الرأي الفصل دائمًا — أن يجلو الغموض، ويمحو اللبس، ويزيل القلق؛ فجمع هيئته السياسية، وجمع بعد ذلك مجلس الوزراء، وأذاع في الناس أن الهيئة السياسية قررت، ووافق مجلس الوزراء على ما قررت، وهو أن هذا الوقت أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضة في تحقيق المطالب المصرية عند الإنجليز.
    وهنا اشتد الخلاف بين المصريين مرة أخرى، فقال أكثرهم: إن هذا كلام يقال لمصر دون أن يبلَّغ إلى الإنجليز، وقال أقلهم: إن هذا كلام يقال لمصر وللإنجليز معًا، يُراد به أن تطمئن مصر إلى أن الحكومة محتملة للأمانة على أحسن وجه، ويُراد به دعوة الإنجليز لا إلى فتح باب المفاوضات، بل إلى الدخول من هذا الباب. ثم جعلت الصحف تزعم مرة أن قرار الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد أُبلِغ إلى الإنجليز، وتزعم مرة أخرى أنه لم يبلغ، وجعل بعضها يقول: إن البريطانيين قد ردُّوا على هذا الإبلاغ، وبعضها يقول: إنهم لم يردُّوا عليه.
    واجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية، وتحدث إليه رئيس الوزراء فلم يقل شيئًا، وانفض البرلمان راضيًا أو ساخطًا أو مضطربًا بين الرضا والسخط. ولكن رئيس الوزراء ظل — كعهد الناس به — صاحب سياسة وكياسة، وحزم وعزم، ومؤثرًا للذهب الذي هو الصمت، على الفضة التي هي الكلام.
    ثم جعلت الصحف تختلف من جديد، فقال بعضها: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم لن يفاوضوا إلَّا حكومة تمثل الشعب، وليس يعنيهم كيف تؤلف هذه الحكومة، فذلك شأن من شئون مصر المستقلة، وقال بعضها الآخر: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم سيفاوضون الحكومة القائمة، وسيفاوضونها في قصر الزعفران متى عاد السفير البريطاني إلى مصر في أثناء الشهر المقبل.
    وبينما المصريون يختلفون، ويجادل بعضهم بعضًا، ويقف أصحاب الأناة والحزم منهم موقف الانتظار والمراقبة والخوف على المستقبل؛ تكلم وزير الخارجية البريطانية. وهنا ينتهي الحق المصري ويبدأ الحق البريطاني، وبين الحقين اختلاف شديد. اختلاف في الشكل أولًا: فالحق المصري كما رأيته ملتوٍ شديد الالتواء، متعرج شديد التعريج، لا يكاد الإنسان يقبل منه على وجه حتى يصرف عنه إلى وجه آخر، أمَّا الحق البريطاني فيسير سهل مستقيم لا عوج فيه ولا التواء.
    تكلم وزير الخارجية البريطانية في الثاني والعشرين من شهر أغسطس الماضي، فقال: إنه اطلع على الملاحظات التي أبداها رئيس الوزارة المصرية أمام البرلمان المصري، وأن حكومته ستدرس المسائل المصرية بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة في الوقت الملائم. وانتهى شهر أغسطس، وجاء شهر سبتمبر وانتهى، وجاء شهر أكتوبر وكاد ينتهي. وفي أثناء هذا الوقت الطويل كان الحق المصري يلتوي فيحسن الالتواء، ويعوجُّ فيحسن الاعوجاج، ويلعب بنفسه وبالمصريين كما يلعب المهرجون على الحبال. على حين ظل الحق البريطاني في مكانه ثابتًا لا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، لا يلتوي ولا ينزوي، لا يقدم ولا يحجم، لا يرتفع ولا ينخفض، وإنما هو قطعة من الصخر قد استقرت ولا تريد أن تزول؛ فقد تكلم وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أمس فقال: إنه لا يستطيع أن يزيد شيئًا على ما قاله في اليوم الثاني والعشرين من شهر أغسطس، أي إنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية، وسيدرس الأمر المصري البريطاني في الوقت الملائم بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة.
    وكان وزير الخارجية البريطانية قد سُئل عما يمكن أن تكون مصر قد طلبته بشأن السودان، فقال بلفظ صريح: إنه لم يتلقَّ طلبًا ما بشأن السودان، وإنه لا يحب ولا ينصح بإثارة هذه المسألة الآن. وهذا هو كل الحق البريطاني، وهو كما ترى بسيط، لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا، ولا تريد أن تثير مسألة السودان، وإذا جاء الوقت الملائم فستدرس ما بين مصر وبريطانيا العظمى بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة. أي شيءٍ أبسط وأيسر وأصرح من هذا؟ وأي شيءٍ أجدر أن يسوء المصريين، ويملأ قلوبهم حسرةً وألمًا، ونفوسهم حنقًا وغيظًا من هذا الحق الإنجليزي البسيط؟
    لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا إلى الآن بشأن السودان، وليس لدى وزير الخارجية البريطانية شيءٌ يزيده على تصريحه في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. فاجتماع الهيئة السياسية، وقرارها وموافقة الوزراء على هذا القرار، وما كان من مناقشات في الدورة الاستثنائية للبرلمان، كل ذلك لم يعط وزير الخارجية البريطانية شيئًا يضيفه إلى ما صرح به في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. لماذا؟ لأن وزير الخارجية البريطانية لم يتلق شيئًا من الحكومة المصرية.
    وللمصريين أن يقولوا ويعملوا في بلادهم ما يشاءون، فذلك لا يعني وزير الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد ما دام لم يُرسَل إليه، وما دامت الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا، والشيء الوحيد الذي يهم وزير الخارجية البريطانية هو أن تظل المسائل المصرية نائمة لا يحب هو أن يوقظها، ولا ينصح للنواب البريطانيين بأن يوقظوها. ذلك أجدر أن يريح الحكومة البريطانية من عناء الأخذ والرد، ويتيح لها الفراغ للمشكلات الأخرى المعقدة في أوروبا وفي غير أوروبا.
    وإذن، فأي الحقيقتين نصدق: الحقيقة المصرية التي تتخذ في كل يوم ثوبًا جديدًا، وزينةً جديدةً، وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى في بلدٍ يعاب فيه التبرج، أم الحقيقة البريطانية البسيطة الساذجة الصارمة التي تثير الغيظ، وتشيع الحقد، وتملأ النفوس حسرةً وألمًا؟!
    طلبت الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية شيئًا أم لم تطلب؟ يقول بعض المصريين: نعم، ويقول بعضهم: لا، ويقول بعضهم: لا ندري، ويأبى رئيس الوزارة أن يقول شيئًا صريحًا، ويقول وزير الخارجية البريطانية، المستر بيفن، لمجلس العموم البريطاني في لندرة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر: إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا بشأن السودان، ولا يريد أن تُثار هذه المسألة، ولا ينصح بإثارتها، وأنه ليس لديه ما يزيده على ما قاله لمجلس العموم في الثاني والعشرين من شهر أغسطس.
    هاتان هما الحقيقتان: حقيقة مصرية ملتوية لعوب تطمع حينًا، وتؤنس حينًا، ترضى مرة، وتسخط مرة أخرى، وحقيقة بريطانية صارمة كريهة لا تكاد الأبصار ترتفع إليها حتى ترتد عنها مغيظة محنقة وقانطة يائسة. ألم يأنِ لرئيس الوزراء في مصر أن يصطنع الجد مرة كما يصطنعه وزير الخارجية البريطانية دائمًا؟! ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يصارح الأمة المصرية بالحقيقة الواضحة الجلية التي لا تتبرج ولا تتبهرج ولا تلعب بالعقول؟! ألم يأن لرئيس الوزراء أن يعلم أن الشعب المصري قد ذاق الآلام وذاقها حتى أصبح ألمًا كله، وأن الشعب المصري قد خضع للمحن، وثبت للخطوب، وتعوَّد أن يواجه المصاعب، ويصبر على المصائب، ولا يجزع من الكوارث، ولا يفزع من الحادثات؟
    يجب أن يعلم رئيس الوزراء أن الشعب المصري شجاع يستطيع أن يلقى الحقيقة وإن كانت بشعة المنظر، كريهة المظهر، مُرَّة المذاق، فليقل له هذه الحقيقة إذن، وليعرضها عليه كما هي في غير تكلف للباقة، ولا لرشاقة، ولا لهذه الفتنة الكاذبة. لن نصدق مهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره أن وزير الخارجية البريطانية قد خدع البرلمان البريطاني أو كذب عليه حين أعلن إليه أنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا. وإذن فحكومة لم تصنع إلى الآن شيئًا، وإذن فكل ما قيل لغو من اللغو، وباطل من الباطل، وكلام يعلل به الشعب كما يعلل الأطفال بالوعود والآمال.
    ولكن الشعب المصري ليس طفلًا، ولا يريد أن يكون طفلًا، ويوشك وزير الخارجية البريطانية أن يكون أحسن ظنًّا بالشعب المصري، وأصدق رأيًا فيه من صاحب الدولة النقراشي باشا. فوزير الخارجية البريطانية يعلم حق العلم أن تصريحه في البرلمان البريطاني سيذاع في أقطار الأرض، وسيقرؤه الشعب المصري فلا يفزع، ولا يهلع، ولا يضعف في الاستمساك بالحق والمطالبة به.
    وزير الخارجية البريطانية لا يتردد في مصارحة المصريين بالحقيقة الواضحة، ورئيس الوزارة المصرية لا يجرؤ على مصارحة المصريين بهذه الحقيقة الواضحة، لماذا؟ لأن أحدهما هو المستر بيفن المطمئن إلى نفسه، وإلى برلمانه، وإلى شعبه، ولأن الآخر هو حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا، الذي لا يطمئن إلى أحد، ولا إلى شيء، والذي يخشى أن تزول الأرض تحت قدميه — أستغفر الله — بل تحت كرسيه في ديوان الرياسة، إن صارح الشعب المصري بأنه لم يطلب إلى البريطانيين شيئًا بشأن حقوق مصر والسودان.

  • ماذا قال | What Was Said

    ماذا قال

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ أغسطس ١٩٤٥

    نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.

    المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.

    هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.

    المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.

    فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!

    معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.

    ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!

    وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.

    وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!

    أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.

    وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى.

  • امتحان (٢) | A Test (2)

    امتحان (٢)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ مارس ١٩٣٤

    أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.

    ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.

    والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.

    ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.

    ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!

    قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.

    وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.

    بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.

    نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.

    هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال.

  • مضاربة … | Speculation…

    حديث المساء: مضاربة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٤ نوفمبر ١٩٣٣

    يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربَح فلم يظفر إلا بالخسران، ولم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين استقال من رياسة الحزب، وحين عدل عن هذه الاستقالة، ولم يكن إلا مضاربًا حين فصل من الحزب من فصل، ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين وطلب إلى حزبه أن يرتاح.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يُقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خَصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ ممَّا كان يقدر شيئًا؛ لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين قبِل رياسة الوزراء؛ كان يقدر أنه سيجد بعد النهوض بأعباء الرياسة نفس القوة التي كان يجدها صدقي باشا قبل أن يستقيل، فلما انتهى إلى مكتب الرياسة لم يجِد قوة، وإنما وجد ضعفًا، ولم يكن الوزيران اللذان خرجا على صدقي باشا، وخالفا عن أمره، ودخلا الوزارة برغمه إلا مضاربَيْن؛ كانا يقدران أن تحديهما لرئيسهما سيضعف الرئيس، فلم يظفرا بشيء لأن رئيسهما لا حَظَّ له من القوة ما دام بعيدًا عن مناصب الحكم.

    كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب وقد يخسر، ما دام الربح ممكنًا، فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه، وليس الشر أن صدقي باشا ضارَبَ بأموال الدولة أو ضارب بأموال الفقراء والأحداث في سوق العقود، وليس الشر أن وزارة المالية ضاربت بأموال الدولة أو تضارب الآن بأموال الدولة، ليس الشر هو هذا وحده، وإنما الشر أبعد جدًّا من هذا مدًى، وأعمق جدًّا من هذا أثرًا، وأشد جدًّا من هذا خطرًا، الشر هو أن رجال هذا العهد يضاربون بالمصالح العامة كلها، لا يبتغون إلا أن يظفروا، ويستعلُوا، وينتصر بعضهم على بعض، ويقهر بعضهم بعضًا، وينتقم بعضهم من بعض، فأما تحقيق المنافع المصرية الخالصة، فأما أداء الواجبات الوطنية الخالصة، فأما خدمة الشعب؛ لأن الأحزاب والوزارات إنما تقوم لخدمة الشعب، فأما كسب الاستقلال، فأما اتِّقاء الإفلاس، فأما رد الجوع، وصد الفقر، وطرد البؤس عن هؤلاء المصريين الذين تقوم على أكتافهم الأحزاب والوزارات؛ فكل هذا شيء قد مضى وقتُ التفكير فيه منذ عهد بعيد، وسيأتي وقت التفكير فيه بعد وقت قريب.

    أما الآن فإلى المضاربة، وإلى المضاربة وحدها، أتثبُت الوزارة في مركزها أم تزول عنه؟ أتظفر الوزارة بتأييد الشعبيين، أم تبوء بخذلانهم؟ أيظفر صدقي باشا بكثرة الحزب، أم تُعرِض عنه هذه الكثرة، أيستطيع كل فرد من أفراد هذا الحزب أن يرضي الرئيسين المختصمين أم هو مضطر إلى أن يضحي بأحدهما ليعيش وبمن يضحي، أبمؤسس النظام الجديد صدقي باشا، أم بحامي النظام الجديد عبد الفتاح يحيى باشا؟

    الوقت الآن وقت مضاربة ليس غير، والحظ قائم غير بعيد ينظر إلى هؤلاء السادة جميعًا بعين ماكرة، وابتسامة ساحرة، ونية ليس إلى العلم بها من سبيل، ومصر قائمة غير بعيد تنظر إلى هؤلاء السادة محزونة القلب كاسفة البال، كئيبة الوجه، مقطبة الجبين، مصممة مع هذا كله على أن تكون كلمتها هي العليا، وكلمة الوصوليين هي السفلى.

    لم نكُن مخطئين حين طلبنا إلى المصريين منذ أيام أن يحتاطوا لأنفسهم، وأن ينتبهوا لأن باب المخزيات سيفتح على مصراعيه، ولأن الفضائح ستخرج من هذا الباب، سود الوجوه، كاشرة عن الأنياب، منكرة الصور، مسممة للجو، مفسدة حولها كل شيء.

    لم نكن مخطئين، فهذه الفضائح يتبع بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، لا تظهر قصة الكورنيش حتى تتبعها قصة القطن، وإن في حكاية القطن لعجبًا.

    رجلٌ قضى ثلاثة أعوام في الحكم يتهم الوفد بالإسراف في أموال الدولة، والعبث بهذه الأموال، واتخاذ القطن وسيلة إلى إفساد المالية وتبديد الاحتياطي، حتى إذا خرج من الحكم، وقد ملأ الدنيا صياحًا، وخيل إلى الناس وإلى نفسه أنه قد مَحَقَ سمعة الوفد محقًا، وسحق كفايته المالية سحقًا، ظهر أنه كان يقول كلامًا ويأتي من الأمر ما يعجِز عن تصويره الكلام، ظهر أن الوفد لم يتصرف إلا في حدود القانون والدستور، تحت مراقبة البرلمان وبإذن مجلس الوزراء، وبعد استشارة الفنيين، ومنفِّذًا لقرار قيدته به وزارة سابقة ومبتغيًا مصلحة لا شك فيها، ومتقيًا شرًّا لا شك فيه. ظهر هذا كله واضحًا جليًّا. وظهر أن هذا الرجل الذي كان يعيب الوفد بما لا يعاب، كان يأتي من الأمر ما يعاب، وما لا يمكن أن يجِد عنه دفاعًا مُغنيًا، أو تعليلًا مقنعًا، كان يضارب بأموال الدولة، وبأموال الشعب، والبرلمان قائم ولكنه لا يَسأله، ومجلس الوزراء قائم ولكنه لا يستأذنه، والفنيون قائمون ولكنه لا يستشيرهم. كان يضارب في السر ومن وراء ستار صفيق، وكان ينتهي بهذه المضاربة إلى ضياع الألوف الكثيرة من أموال الدولة على حين كانت الدولة في حاجة لا إلى الألوف، بل إلى المئات، بل إلى العشرات، بل إلى الآحاد من الجنيهات.

    ظهر هذا كله فإذا افتضح أمره للناس تقدَّم أعوان هذا الرجل وشركاؤه في التبعة يلومونه، ويُلِحُّون في لومه ويسألون الوزارة أن تفضح من سره ما كان مكتومًا، ويحكم أيها الناس! فما بالكم انتظرتم إلى الآن؟! وما الذي أغراكم بصاحبكم بعد أن أعرض عنه الحكم وجفاه السلطان؟! ثم يهم هذا الرجل أن يدافع عن نفسه فيتحدى ويتصدى ويعتب ويلوم، ويتهم وزير المالية القائم بأنه يصنع مثل ما صنع، ويضارب كما ضارب، ويخسر كما خسر، وإذا وزير المالية محرَج يريد أن يدفع عن نفسه، فيُكذب خصمه تكذيبًا، ويعلن أنه لم يُؤمر بالتدخل في سوق العقود قليلًا ولا كثيرًا، وينهض صدقي باشا فيرد على تكذيبه ردًّا، ويؤكد أنه لم يقُل إلا عن علم، ولم يروِ إلا عن ثقة، وأن لديه تفصيل القصة ودخائلها. ثم يفسر المفسرون، ويُؤَوِّل المؤَوِّلون فيقولون إن الوزير القائم لم يأمر بالتدخل، ولكنه وافق عليه، وفَرْقٌ بين من يقول لك افعل، ومن يقول لك لا بأس عليك. ولِمَ أنشئ الفقه؟ ولم اختُرِع الذكاء؟ ولم وُجِد البيان؟ إلا للتفريق بين الأمر والإقرار، أو بين الأمر والموافقة، لم آمُر، فلست مسئولًا، وإنما وافقت فالمسئول هو الذي طلب إلى هذه الموافقة.

    كذلك تعقدت الأمور أمس واشتد الاضطراب في وزارة المالية، وهَمَّ الوزير بمعاقبة بعض الموظفين، ثم اضْطُرَّ الوزير إلى أن يعدل عن هذا العقاب، والله يعلم كيف اضْطُرَّ الوزير، ومن اضْطَرَّ الوزير، ولماذا حمل الوزير على إلغاء ما هَمَّ به من عقاب، أرأيت إلى حكاية القطن هذه وإلى ما فيها من عجب، رجل يتهم الوفد بسوء التصرف في شئون القطن، فإذا هو يضارب في القطن. وقوم من أنصار الوزارة يتهمون صدقي باشا بأنه يضارب في القطن فإذا الوزارة نفسها تضارب في القطن. ماذا؟! أليس إلى فَهم هذه الألغاز من سبيل؟ أقُضيَ على هذا البلد التعس أن تطبق الظلمات عليه إطباقًا وأن يسمم الجو عليه تسميمًا، وأن تكون حياته ومصالحه كرة تتقاذفها الظروف والمنافع والأهواء؟

    وقصة أخرى ليست أقل من هذه القصة نُكرًا، وزير قائم يقذف وزيرًا سابقًا بما لا يليق بالوزراء، فلا تكاد تمضي الأيام حتى ينهض لهذا الوزير القائم، من يزعم له — أو يزعم عليه — أنه لم يؤدِّ الضرائب منذ ثلاثة أعوام، وأن بعض أمواله كانت قد حُجِزَتْ فرَفع عنها الحجز بأوامر مخالِفة للقانون. ثم ينهض من النواب من يسأل عن حقيقة هذا الأمر، وكما سكت الوزير السابق عمَّا أصابه من القذف، فما يزال الوزير القائم ساكتًا على ما يُوجَّه إليه من اللوم. ماذا؟! أكان جهاد مصر في عصرها الحديث، وما بذلت من ضحايا وما احتملت من أثقال، وما تكلفت من عناء، أكان هذا كله مقدِّمة لتظفر بما تظفر به في هذه الأيام، من هذا الجو الموبوء الذي يتراشق فيه الوزراء القائمون والسابقون بأقبح التهم وأشنعها؟! ومن الذي يستطيع أن يلوم الناس من عامة الشعب إذا فسدت بينهم الأمور، وساءت بينهم الصلات، ما دام وزراء الدولة وزعماء الحكم فيها يعيشون في هذا الجو المنكَر الذي أخذه الفساد من جميع نواحيه؟

    لقد نحب أن نعلم لِمَ أُنشِئَت النيابة إذا لم تحقق مثل هذه التهم، ولِمَ أنشئت المحاكم إذا لم ترفع إليها مثل هذه الخصومات. لقد نحب أن نعلم متى تصلح الوزارات، وتستقيم أمورها، ويصرف الوزراء أعمال الحكم بالنزاهة والإخلاص والصدق في السر والجهر. إذن لِمَ يسأل الوزراء المخطئون عن خطئهم، ولِمَ يؤخذ الموظفون المسيئون بإساءتهم، لقد نحب أن نعلم من الذي جعل الوزراء فوق القانون يخطئون فلا يسألون، ويسيئون فلا يلقَوْن جزاءً على ما أساءوا. ثم لقد نحب أن نعلم كيف تُسمَّى الأيام التي تقع فيها هذه السيئات كلها فتمضي وكأن شيئًا لم يقَع، وتذاع فيها هذه المنكرات كلها، فتمضي وكأن شيئًا لا يذاع أن في المضاربة لذة للمضاربين، هذا شيء يُقال ويَتحدث به الناس، ولكنَّ للمضاربة أحكامًا في القانون يجب أن تُحترم، ويجب أن تُنفذ في كبار الناس كما تنفذ في صغارهم، وما الذي يعنيني أن ينتصر صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، إنما الذي يعنيني ألا يسيء أحد هذين الرجلين، فإن كان منهما السوء فيجب أن يكون القانون كفيلًا بدفع شرِّهما، وردهما إلى ما ينبغي من الإنصاف.

    ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يَطْهُرَ جوُّها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام.