Tag: المساءلة الديمقراطية

  • امتحان (١) | A Test (1)

    امتحان (١)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٩ فبراير ١٩٣٤

    ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.

    ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.

    والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.

    والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.

    فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.

    وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.

    أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان.

  • حماية (٢) | Protection (2)

    حديث المساء: حماية (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ فبراير ١٩٣٤

    نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

    فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

    وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

    وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

    وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

    وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

    وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

    ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

    وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

    والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

    ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

    وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

    ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

    وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟

  • تعديل | A Reshuffle

    حديث المساء: تعديل

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ يناير ١٩٣٤

    هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

    ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

    وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

    فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

    هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

    وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

    وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

    ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

    صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.