Tag: المساءلة العامة

  • ومفارقات أيضًا!! | And Paradoxes Too!!

    ومفارقات أيضًا!!

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٠ نوفمبر ١٩٥٧

    أما أولاها، فأعجب لها حقًّا، ولكني أعجز عن فهمها، وأودُّ لو تتفضَّل الحكومة فتيسِّر عليَّ وعلى كثير من الناس هذا الفهم، فليس بين المصريين أحد لم يضق لهذه الكارثة الفاجعة التي وقعت منذ أيام، فقتلت نيفًا وعشرين من المواطنين، وشرَّدت عشرات منهم لا أدري؛ وجدوا جميعًا مأوًى يأوون إليه، أم لم يجدوا إلى الآن؟ وليس بين المصريين أحد إلا وهو حريص أشد الحرص على أن يعرف الذين يقع عليهم إثم هذه الكارثة، فليس صاحب الدار وحده هو المسئول؛ لأنه يعيش في وطن متحضر له نظمه وقوانينه، وله قضاؤه وشرطته، وله حكومته التي تعرف حق الشعب عليها وحقها على الشعب.

    وكل هذا يقتضي ألَّا يقيم الناس ما يشاءون من الأبنية والدور، إلا طبقًا لنظم وقوانين وفي حدود معروفة وقيود مفروضة. وقد قيل: إن الحكومة وقفت ستة من المهندسين الذين يظن بهم أنهم قصَّروا في الإشراف على بناء الدار التي انهارت منذ أيام، ولكن رأيت بعض المهندسين الذين لم يمسهم هذا القرار من قريب أو من بعيد، يُنكرون أشد الإنكار وأقواه أن تكون على هؤلاء المهندسين تبعة خفيفة أو ثقيلة؛ لأن الإدارة العامة للتنظيم لا تملك السلطة التي تتيح لها الإشراف على إقامة الأبنية، وإنما تملك الإذن بإقامة هذه الأبنية في حدود معينة وشروط خاصة، وتملك رفض هذا الإذن إذا لم ترع هذه القيود والشروط، ثم هي فيما قال المهندسون لا تملك عقاب الذين يخالفون عن أمرها ويقيمون الأبنية بغير إذنها؛ وإنما تحرر لهم المحاضر التي لا تُغني عنها ولا عن سكان هذه الأبنية شيئًا. وأريد أن أعرف ويعرف الناس أحق هذا الذي قاله لي المهندسون أم لا؟ فإن يكن حقًّا، ففيم كان وقف هؤلاء الذين وقفوا؟ أو فلِمَ يُراد عقابهم؟ وفي أي ذنب يُحقَّق معهم؟ وإن لم يكن هذا حقًّا، فقد أصابت الحكومة فيما فعلت إلى الآن، ولكن كيف يستبيح بعض المهندسين لأنفسهم أن ينكروا ما فعلت الحكومة، ويطلبوا إليَّ أُن أعرب عن أفكارهم، وأعلنه ليصل إلى الرؤساء المسئولين، وليعلم الشعب أن أحدًا منهم لم يسئ إليه، ولم يشارك في إثم هذه الكارثة من قريب أو من بعيد؟! وأعتقد أن من حق المصريين أن يوضع لهم الأمر في نصابه، وأن يتبيَّنوا أمر الذين شاركوا في هذه الكارثة، ويعلموا أن هؤلاء المشاركين سيؤخذون بإثمهم أشد الأخذ، ويعاقبون عليه أقسى العقاب.

    وإذا لم تكن القوانين القائمة تُتيح لإدارة التنظيم أن تؤدي واجباتها كما ينبغي أن تؤدى، فليس للحكومة والبرلمان إلا أحد الأمرين؛ أولهما: أن تشرع هذه القوانين فورًا وفي أسرع ما يمكن من السَّرَع، والثاني: أن تلغى إدارة التنظيم ويُترك أمر البناء والهدم فوضى، فيفعل الناس ما يشاءون ويحتمل الثاني تبعة ما يفعلون؛ يحتملونها بينهم وبين أنفسهم أمام الله وأمام ضمائرهم، لا أمام الدولة التي لم تضع لهذا الأمر نظامًا يعرفه الناس فيذعنون له أو يخالفون عنه فيعاقبون على هذا الخلاف. ولست أخفي أني كنت أرجو وأنتظر أن يسأل بعض نوابنا في هذا الأمر لنسمع من الوزير المسئول، كائنًا من يكون ما يوضح الغموض، ويجلو الظلمة ويبيِّن للمصريين حقائق هذه التبعة، وأمر الذين يُسألون عنها ويؤخذون بها.

    وقد طلب المهندسون إليَّ أن أُعرب عن أفكارهم وأنصفهم من نفسي؛ فقد قدَّروا أني أسأت إليهم فيما كتبت منذ أيام عن هذه الكارثة.

    وأرجو أن أكون قد أنصفتهم من نفسي؛ فأما أن تُنصفهم الحكومة والبرلمان والسلطة التي وقفت بعضهم، فأمر لا أملك فيه لهم ضرًّا ولا نفعًا.

    وثانية: لست أدري أساءت الناس أم سرتهم، وإن كنت أعلم أن كثيرًا من الصحف تندرت بها وجعلتها موضوعًا للدعاية، وهي قصة مرصدنا الفلكي الذي يرى مراصد الدنيا ساهرة حين ينام الناس، ويرى اهتمام الناس جميعًا بهذه الأشياء التي ترسلها روسيا السوفييتية؛ لتدور حول الأرض لا عشرات المرات بل مئاتها، ولتمر بمصر وبالقاهرة خاصة بين حين وحين، ثم يُعلن في سذاجة ويسر أنه لم ير من هذه الكواكب — إن جاز أن تُسمى كواكب — شيئًا، ثم يُعلن مرة أخرى أنه لو قال إنه رأى هذه الكواكب لأضحك العالم المتحضر منه، ثم يعلن مرة أخرى هذا النبأ الرائع المروع، وهو أنه لم يَرَ هذا الكوكب حين مر بالقاهرة يوم جمعة؛ لأن الموظفين كانوا في إجازة رسمية.

    وليس يعنيني أن يرى مرصدنا هذا الكوكب أو لا يراه، وإنما الذي يعنيني هو أن في مصر مرصدًا أنشئ منذ أعوام طوال، وأن مصر تعيش في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن مرصدها لم يُهيأ بعدُ لتسجيل مثل هذه الظاهرة التي اضطربت لها الدنيا أشد اضطراب وأعنفه. وقد أرسلت روسيا كوكبًا ثانيًا أضخم من الأول، ولكن مرصدنا لم يره، كما لم ير الكوكب الذي سبقه. ومعنى هذا أن مراصد الدنيا مبصرة حساسة، وأن مرصدنا مكفوف لا يحس.

    وللقراء أن يتفكروا في هذا ما شاءوا، ولكن على السلطة العليا التي تُشرف على هذا المرصد أن تعمل شيئًا أكثر من التفكير؛ ليحس مرصدنا ويُبصر.

    وثالثة: ليس أقل من هذه سخفًا ولا إثارة للعجب الساخر، وهي قصة هذا الشيء الذي سقط ذات يوم أو ذات ليلة في الإسكندرية ثم عُرض على بعض علمائنا، فما أسرع ما قضي أنها قطعة من الكوكب الروسي والصاروخ الذي دفعه في الجو. وأغرب ما سمعت أن يتعجل العلماء في الحكم إلى هذا الحد، فيضحكوا ويضحك الناس حين يظهر أنها قطعة من شيء آخر قريب أشد القرب من الأرض، ينبت في مصر وفي طريق الإسكندرية خاصة، يراه الغادون والرائحون، ويعرفه الذاهبون والآيبون في ظلمة الليل.

    وشر ما في هذه القصة أن يتعجَّل العلماء وتتعجل الصحف نشر ما قال العلماء، وعسى أن تتعجل وكالات الأنباء بإذاعته خارج مصر، فلا يضحك المصريون وحدهم وإنما يضحك معهم من قرأ هذا النبأ في الشرق أو في الغرب.

    وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!

    أما الرابعة ففكاهة كلها وليس وراءها بأس وليس أمامها بأس أيضًا، فنحن نقرأ في صحف الشرق والغرب أن الروسيين وحدهم هم الذين يفهمون ما ترسله كواكبهم من الرموز والإشارات، وأن الأمريكيين والأوروبيين يبذلون الجهود ليفهموا هذه الرموز والإشارات، ولكن جهودهم لا تنتهي إلى شيء، وهم ينتظرون معنا أن تفصح روسيا السوفييتية ذات يوم عن معاني هذه الرموز والإشارات.

    أما وزارة الإرشاد في مصر، فقد فهمت هذه الرموز فهمًا أقل ما يوصف به أنه رائع حقًّا، يفتح أمامنا آفاقًا واسعة جدًّا من الأمل، فقد سبقنا الأمريكيين وسبقنا أوروبا وسبقنا العالم كله، وأضعنا جهود روسيا السوفييتية، وفهمنا عن كوكبها الصناعي بعض ما يقول.

    واقرأ إن شئت بعض الإعلان الذي نشرته وزارة الإرشاد في الصحف؛ لتنبِّه الناس إلى أن مجلتها ظهرت أو تُرِيد أن تظهر.

    فستجد فيه هذه الجملة: القمر الصناعي ماذا صنع؟! قال: بيب. بيب. بيب، وترجمتها: أرسلوا لي عدد نوفمبر من المجلة على جناح الأشعة الكونية.

    أليس من الحق علينا جميعًا أن نهنئ وزارة الإرشاد والمجلة الغراء بهذا السبق الرائع، الذي كشف الغموض وأزال الشك وبيَّن للعلماء الروسيين أن في مصر قومًا لا يفهمون عنهم فحسب، ولكن يفهمون عن كواكبهم الصناعية قبل سائر الناس، ومن حقنا بعد ذلك على وزارة الإرشاد أن تنبئنا مشكورة عمن يقرأ المجلة في الكوكبين الصناعيين الأول والثاني، فهي من غير شك قد أرسلتها على جناح الأشعة الكونية؟ ومن يدري لعلنا نقرأ في العدد المقبل مقالًا يأتيها بالرموز والإشارات أو باللغة العربية الفصحى، يبين صدر قراءة هذه المجلة في ذلك الكوكب الذي يدور في غير ملل ولا لغوب!

  • تأديب٢ | Discipline II

    تأديب …! (١)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يوليو ١٩٤٥

    لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.

    وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.

    وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.

    وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.

    فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.

    ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

    وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.

    ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.

    فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.

    وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.

    وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.

    ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.

    ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.

  • حزم البدار | The Resolve of Promptness

    حديث الوادي
    حزم البدار…
    كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة وأثارت في قلوب بعض الناس خوفاً وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتساماً.
    والكلمة غريبة في حقيقة الأمر، قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تثير ميلاً إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دوراناً متصلاً، لا ينقطع حتى يتعب المؤولين. فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعاً إحداهما على الأخرى كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوران أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثاً.
    فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معاً فيكون حازماً مبادراً ويكون مبادراً حازماً ويكون حازماً إذا بادر، ويكون مبادراً إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعاً في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال -نقول هذا في غير مزح ولا دعابة- أن يرقى بالنائب العام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردان عن هذا المجمع رداً. فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازماً واجباً محتوماً كما هو في هذه الأيام وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد. وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازماً مبادراً أو مبادراً حازماً حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز. وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفياً خفيفاً، ولم ينكره صراحة إلا حين جد الجد، وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية. وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقاً قاطعاً، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون. فلما نفى بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحداه نوعاً من التحدي غريباً، وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء. بل هي تريد أن نفهم الناس شيئاً أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.
    ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك فقد تحدث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت. وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج. ولكنه لم يفعل والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة. وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم فنفى في الأهرام صباح أمس، ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصر على صدق ما قال ويؤكده تأكيداً، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم. ووقف الناس جميعاً من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.
    النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحداه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه. فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبينوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلاً.
    ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحاً جلياً. وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئاً من الاعتبار.

    طه حسين
    الوادي، ٢٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • أخلاق | Morals

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • بواعث | Motives

    حديث المساء: بواعث

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ مارس ١٩٣٤

    قصة يسيرة جدًّا في ظاهر الأَمْرِ هذه التي تشغل الصُّحف الآن والتي يكثر فيها الأخذ والرد حول المَعَاشَات، واستبدال المعاشات، وحول الذين انتفعوا من هذه القصة أو نفعوا غيرهم أو تقارضوا الانتفاع.

    قِصَّةٌ يَسِيرَةٌ في ظاهرِ الأَمْرِ تنحل إنْ أَرَدْتَ تَفْسِيرَهَا إلى أن قومًا من الموظفين أثيرت حولهم شكوك وشبهات تمس استبدال المعاشات، فجدَّتِ الوَزارة في تحقيق هذه الشكوك، وتمحيص هذه الشبهات، وظهر لها أنَّ اثنين من المُوَظَّفين قد تَوَرَّطَا في مُخَالَفَاتٍ لا يُمْكِنُ الجمع بين التورط فيها، والنهوض بأعمال الدولة، فقررت فصلهما من الخدمة وإحالتهما على المَعَاش كما يقولون.

    وما أَكْثَرُ القِصص اليَسِيرَة في هذه الحياة، وما أكثر ما يقبلها النَّاسُ ويطمئنون إلى يُسرها وسُهولتها ويفسرونها كما تُفَسِّرُها ظواهر الأمور! ولكنَّ الناسَ جَمِيعًا ليسوا من السَّذَاجَةِ وَسَلَامَة الذوق واستقامة المنطق بحيث يفهمون الأمور دائمًا على وجهها، ويُفسرونها كما تفسرها طبائع الأشياء. وإنما يوجد بينهم المكابرون وأصحاب العناد، والذين يغلون في التحليل والتَّعليل ويلتمسون الظهر في الساعة الرَّابعة عشرة، ويقسمون الشعرة أرباعًا وأخماسًا وأسداسًا. وهؤلاء الناس يسمون أنفسهم فلاسفة حينًا ومُحَقِّقين حينًا آخر، وهم يُعَقِّدُون الأمور ويُعَسِّرُون الميسور، ويُفسدون منطق الأشياء على كل حال.

    هؤلاء المعقدون رَاعَتْهُم قصة المعاشات واستبدالها، فأنكروا أن يُستهان بحقوق الدولة إلى هذا الحد، وأنْ يَعْبَثَ خُدَّام الدولة بأموالها ومنافعها، وأن يكتنزوا لأنفسهم من هذه الأَمْوَالِ والمَنَافِع ما وسعهم الاكتناز. ثم أَنْكَرُوا أنْ يَكُون الفصل من المنصب هو كل الجزاء الذي يَلْقَاه من يعبث بأموال الدولة، ويسرف في حقوقها ومنافعها، وسألوا أنفسهم، وسألوا الوزارة، وسألوا الناس: لماذا يشرع التأديب؟ ولماذا أنشئت مجالس التأديب؟ ولماذا شرع القضاء، وأُنْشِئَت المَحَاكِمُ والنِّيَابَةُ؟ وبينما هم في ذلك يُنْكِرُون ويفكرون، ويلتمسون الحلول لهذه المُشْكِلَات والتَّفسير لهذه المُعْضِلَاتِ، إذا الأمور تُعَقِّدُ نفسها تعقيدًا شديدًا، فيكثر الكلام في الصحف، وتنشر فصول طوال وقصار، لا شك في أنها لم تكتب عفوًا، ولم تنشر سدًى، وإنما هبط بها وحي من بعض المصادر التي يهبط منها الوحي إلى بعض الصحف. وفي هذه الفصول الطوال والقصار التي يلح الوحي بها على الصحف والتي تلح الصحف في نشرها وإذاعتها غمز ولمز، وإظهار للخفي وتجاوز لهذين الموظفين إلى غيرهما من الناس إلى صدقي باشا مثلًا؟ وإخبار بأنَّ تِلْكَ القِصَّة كادت تهمل، وتَلْقَى ما ينبغي لها من الإهمال والإعراض؛ لَولَا أَنَّ صدقي باشا تحدث بالتليفون إلى وكيل المالية؛ فأمره بأنْ يتم الصفقة ويُهيئ العقد.

    وإن هذه القِصَّةَ الأُخْرَى كادت تُرْفَضُ لولا حديث تليفوني آخر من صدقي باشا أمر بقبولها فقبلت، ولا يكاد ينشر هذا الكلام حتى يعنى به صدقي باشا ويهتم له، ويتصل بصحيفة من الصحف فيتحدث إليها بالتليفون مكذبًا بعض الأمر مُصَدِّقًا بعضه الآخر مُقدمًا محجمًا ساكنًا مُتَحَرِّكًا، نَافيًا مُثبتًا، دائرًا على كل حال كما تعود أن يدور.

    ثم ينهض الموظفان للرَّدِّ والدفاع عن أَنْفُسهما فيُحَاوِلان وضع الأمور في نصابها، ولا يعفيان رُدودهما من الإشارة والتلميح، ومن الرَّمز والتَّعْرِيض. وما هي إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ هَذِه القِصَّة شكل فضيحة كبرى تهلع لها نفوس وتضطرب لها قلوب، ويكثر فيها الحديث، وينشط لها الصحفيون، وتشغل الناس — أو تكاد تشغلهم — عن أمور أخرى كان لها خطرها، وكانت شغلًا للذين تعنيهم أمور الدولة من قريب أو بعيد.

    ولعلك تُوافقني على أنَّ حياتنا تجري على هذا النحو منذ نهضت الوزارة القائمة بأعباء الحُكم، لا يكاد يمضي أسبوعٌ حَتَّى تظهر فضيحة أو فضيحتان أو فضائح، يضطرب لها الناس، ويشغل بها الرأي العام. ثم تظهر فضيحة أو فضائح أخرى، حتى أصبح تفكيرنا السياسي أو كاد يُصبح موقوفًا على تعرف هذه الفضائح وفهمها، والتنبؤ بما تنتجه من جهة وبما سيظهر بعدها من جهة أخرى.

    وقُلْ مَا شِئْتَ، فقد فَرَغْنَا وَفَرَغَ النَّاس، وفرغ زُعَمَاء هذا العهد السعيد أنفسهم من الثقة بأنَّ هذه الفضائح المُتَّصلة أدلة صارخة على أن هذا العهدَ لَمْ يكن عهد خير، ولا ينتظر منه أن يكون عهد خير، ولا ينبغي لبلد له حظ من الحضارة ونصيبٌ من الكرامة يطمئن له أو يعتمد عليه في تحقيق ما يسمو إليه من الآمال، أو في تدبير ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن المنافع والمرافق. ولكن الشيء الذي لم نفرغ منه ويظهر أننا لن نفرغ منه حتى نفرغ من هذا العهد السعيد نفسه، هو أنَّ الحق ليس هو الذي يُرَادُ فيما يظهر من كشف هذه الفضائح وإثارتها، وَإِنَّما هي هذه البواعث السياسية الخفية تضطرب من وراء ستار، وتتفاعل في الظلام؛ لأنَّ قومًا يُحاربون قومًا، ولأنَّ فريقًا يكيد لفريق، ولأنَّ نفرًا يغرى بنفر، ولأن جماعة تريد أن تنتقم من جماعة.

    وهذا هو الذي يُردد اسم صدقي باشا كلَّما ظهرت فضيحة، وهذا هو الذي يشعر الناس بأنَّ هذه الفضيحة إنما ظهرت لتمس صدقي باشا وأصحابه من قرب أو بُعد. وهذا هو الذي يجعل صدقي باشا حساسًا قوي الحس، نشيطًا شديد النشاط، شاعرًا دقيق الشعور، لا يُهاجم إلا رد الهجوم، ولا يشار إليه إلا رد على الإشارة بالتصريح، ولا يعرض به إلا لقي تعريضًا بتعريض.

    وصدقي باشا وخصومه من رجال السياسة الحاضرة عندنا سواء، فكلهم عندنا قوم ما كان ينبغي أن ينهضوا بأمور مصر، ولا أن يشرفوا على تصريفها، وكلهم عندنا قد جربتهم مصر فلمْ تجنِ من تجربتهم خيرًا، وإِنَّما جنت منها شرًّا ونكرًا. ولكن الذي نريد أن نلفت إليه الناس هو أنَّ صدقي باشا وخصومه لا يُريدون إلا أن يمضوا فيما بينهم من الخلاف، وألوان الكيد. فهم كما ترى يأتمر بعضهم ببعض ويحرض بعضهم على بعض، وتظهر سيئاتهم من ثنايا هذا التحريض وذلك الائتمار؛ فكيف لو وجدت وزارة لا تفكر في صدقي باشا، ولا في خصومه، وإنما تُفَكِّر في مصر وفي مصر وحدها، وتفكر في الحق وفي الحق وحده، وتفكر في الإصلاح وفي الإصلاح وحده؛ إذن، لرأيت العجب، وإذن، لشهدت من الفضائح والسيئات ما لا تذكر إلى جانبه هذه الفضائح والسيئات التي تملأ الجو المصري فسادًا ونكرًا في هذه الأيام.

    وهذا هو الذي يفسر هذا الموقف الغريب أو هذه المواقف الغريبة التي نَشْهَدُها الآن، فقصة استبدال المعاشات ليست مقصورة على هذين الموظفين اللذين أخرجا من الحكومة، فما بال الوزارة قد عُنيت بهما أول الأمر دون غيرهما؟ وما بال الوزارة لم تعنَ بغيرهما قبل أن تعنى بهما؟ وما بالُ الوزارة لم تُحِلْهُمَا على مجالس التأديب لعل التحقيق والمُحَاكَمة أن يظهرا من الأمر ما لا ينبغي أن يخفى؟ ثم ما بال مصادر الوحي تتبعهما بهذه الفصول القصار والطوال، وما فيها من تشهير وتشنيع، وما فيها من غمز ولمز، وتضطرهما إلى أن يلقيا فصولًا بفصول، وهجومًا بهجوم، وقد تضطرهما إلى أن يُذِيعَا ما نتمنى نحنُ أَنْ يُذيعاه، وما قد يكره قومٌ أَنْ يُذَاع.

    ألم يكن خيرًا من هذا كله أن تقف الوزارة منهما ومن غيرهما في هذه القصة المُخزية موقف الصراحة والحق والحزم وإيثار المصلحة؛ فتُحَاكِم كل من أُثِيرَتْ حوله الريب والشكوك؟!

    ثم ليستْ قِصَّة المعاشات واستبدالها كل شيء، فهناك قصة المقاولات التي تتصل بجبل الأولياء، ما بال الوزارة لم تحققها، ولم تظهر جلية الأمر فيها للناس؟ وقصة الكورنيش وقصة تطهير الأفنية وقصة الذين يلتوون بالضرائب، وقصة الذين أريدت مُحَابَاتُهم بأرض الدولة وليسوا من الموظفين، وقصة القطن، وقصة الوزير السابق الذي قذفه الوزير القائم، وكل هذه القصص التي لم يبقَ إلى إحصائها من سبيل، ما بال الوزارة لم تواجهها في صراحة وحزم، ولم تكشف لمصر عن وجه الحق فيها جليًّا واضحًا؟!

    على أنَّ لهذه السيئات والفضائح مَظْهَرًا آخر مُؤْلِمًا حَقًّا لا يمس أموال الدولة، ولا مَنَافِع الشَّعْب ومَرَافِقِهِ، وَإِنَّمَا يمس أخلاق هؤلاء الأبطال الذين اشتركوا أو يشتركون فيها.

    فأقل مما تدل عليه هذه القصص هي أنَّ جماعة من المصريين يُحِبُّون الكيد ويحرصون عليه؛ ويألفون السعاية ويكلفون بها، ويتفوقون في طائفة من الأخلاق يَجِبُ أَنْ يبرأ منها كرام الناس وأحرارهم؛ يطيعون هذا الوزير ما واتته الظروف واجتمعت له القوة، حتى إذا ضعف؛ مكروا به وكادوا له، حتى إذا هوى كانوا له أعداء وخصومًا، وكانوا به مؤتمرين وعليه مؤلبين، وكان خيرًا لَهُم وَلِأُمَّتِهم لو أنهم كانوا رجالًا حقًّا فأبوا طاعة الوزير السابق في مُخَالَفَة القانون، وأبوا طاعة الوزير القائم في مخالفة القانون، وقدروا أنهم خُدَّام لمصر لا للوزراء، وأَنَّهُم يؤجرون من مصر لا من الوزراء وأنهم مدينون بالوفاء والإخلاص والصدق في القول والعمل لمصر لا للوزراء، وأنَّ الذين يعملون في مناصب الدولة لا يؤجرون لا ليذعنوا اليوم، ويتمردوا غدًا، وليطيعوا اليوم، ويكيدوا غدًا؛ وإنما هم يؤجرون ليخدموا مصر مخلصين سواء أرضي الوزراء أم لم يرضوا.

    هذا الحوار الغريبُ الذي أُثِير في هذه الأيام بين صدقي باشا وأحد وكيليه في وزارة المالية يدل على حال خُلقية سيئة حقًّا، فهل من الحقِّ أنَّ هذا الوكيل قد شهد على صدقي باشا بأنه أمر بإتمام الصفقة؟ وإذن، فكيف وافق صدقي باشا على إتمام صفقة كان يرى فيها عبثًا بحقوق الدولة؟ وما باله لم يَعْصِ صدْقِي باشا، وما باله لم ينصح لأمته، ولم يحتمل ما ينبغي أن يحتمله الناصح لأمته من التضحية؟ أم هل لم يشهد هذا الوكيل ولم يقل ما نسب إليه؟! وإذن، فما باله لا يُكَذِّب الذين يقحمونه في هذا الأمر إِقْحَامًا ويَقُولون عليه غير الحق، ويُظهرونه للناس في هذا المظهر الغريب المُريب؟! وإذا كان قد شهد فهل من الحق أنَّ صدقي باشا لم يأمره؟ وإذن، فويل للأخلاق! أم هل من الحق أن صدقي باشا أمره؟ وإذن، فما له لا يَرُدُّ على صدقي باشا قوله، ولا يُبَيِّن للناس أنه لم يقل في شهادته إلا ما كان ضميره يأمره أن يقول؟! وتستطيع أن تذهب إلى جميع الوزارات والدواوين فسترى موظفين كثيرين منهم الكبار ومنهم الصغار؛ يُنَفِّذُون أَمْرَ رُؤسائهم فيما يخالف القانون، لا ينكرون ذلك ولا يحتجون عليه حتى إذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال انقلبوا حربًا على هؤلاء الرؤساء.

    أرأيت إلى هذين الأمرين الخطيرين اللذين تدعو هذه القصص إلى التفكير فيهما، وهُمَا أَنَّ البواعث التي تثير هذه القصص وما فيها من الفضائح ليست هي مصالح مصر، وإنما هي الخصومات بين الأشخاص، وأنَّ الأخلاق قد فسدت في هذا العهد فسادًا قبيحًا حقًّا، حتى أَصْبَحَ من العَسِيرِ على الرَّجُل المُستقيم أنْ يَعْرِفَ كيف يطمئن أو يستريح ضميره إلى أكثر مما يعمل وما يقال في الدواوين؟!

    لقد فسد كل شيء واختلط كل شيء، وأصبح من المحنة لأي وزارة تأتي بعد هذا العهد أن تُحاول الإصلاح أو شيئًا يُشبه الإصلاح. ما أثقل الأوزار التي يحتملها ضمير صدقي باشا؛ فهو مصدر هذا كله! ولكن الغريب أن ضمير صدقي باشا يحتمل هذا كله في غير مشقة ولا عناء!

  • ظلم | Injustice

    حديث المساء: ظلم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ أكتوبر ١٩٣٣

    الذي أعلمه ويعلمه رئيس الوزراء وزملاؤه من الوزراء، وأعوانه من الموظفين، ويعلمه الناس
    جميعًا علم يقين، هو أن في مصر نظامًا دستوريًّا ينص في صراحة لا تحتمل اللبس على أن الأمة مصدر
    السلطات.

    وجد هذا النص في الدستور الذي ألغاه صدقي باشا، ووجد هذا النص في الدستور الذي استصدره صدقي
    باشا، والذي نهضت الوزارة القائمة لتحميه وتصونه، وتنفذ أحكامه بالعدل — فيما تقول — بين الناس
    جميعًا، لا تفرق بين أحد منهم. وهذه السلطات التي تصدر عن الأمة بنص هذين الدستورين الصريحين هي
    سلطة النواب والشيوخ حين يشرعون، وسلطة الوزراء والموظفين حين ينفذون، وسلطة القضاة حين يقضون.
    معنى ذلك أن النواب والشيوخ والوزراء والموظفين ورجال النيابة والقضاء لم يُسلطوا على الأمة
    تسليطًا، ولم يفرضوا على الأمة فرضًا، ولم يستمدوا سلطانهم من قوة أجنبية بعيدة عن الأمة، مسلطة
    عليها، ليصبوه عليها صبًّا، وإنما أقامتهم الأمة نفسها، ومنحت بعضهم من الحق والقوة ما يمكن من
    التشريع، ومنحت بعضهم الآخر من الحق والقوة ما يمكنهم من التنفيذ، ومنحت فريقًا ثالثًا من الحق
    والقوة ما يمكنهم من الفصل في الخصومات، وأرصدت لهم جميعًا من مالها ما يهيئ لهم تأدية هذه
    الواجبات على أحسن وجه وأكمله.

    فأيهم تجاوز هذه الحدود، أو أعان على تجاوزها، وأيهم خرج عن هذا الوضع الذي حدده الدستور
    تحديدًا صريحًا، أو أعان على الخروج عنه، فهو ظالم جائر، وهو معتدٍ على الحق، مُسرفٌ في إهدار
    العدل. هذا شيء لا يمكن أن يشك فيه أحد، ولا أن يماري فيه إنسان، ولعل مصدر ما نحن فيه من الشر
    هو أن كثيرًا من الناس يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون إلى ما تدل عليه من المعاني، ولا يتمثلون كما
    ينبغي حقوقهم الخالصة التي لا سبيل إلى أن تمس إلا بالظلم والجور، والبغي على النظام
    والدستور.

    ولو أن أعضاء الوزارات وأعوانهم من الموظفين آمنوا بهذا النص وأمثاله من نصوص الدستور إيمانًا
    لا تجري به الألسنة وحدها، وإنما تطمئن به القلوب أيضًا، كما تطمئن قلوب المؤمنين بذكر الله،
    لتجنبوا كثيرًا من الشطط، ولتنكبوا فنونًا من الإرهاق.

    ولو أن المصريين على اختلافهم، وتباين منازلهم وطبقاتهم الاجتماعية تمثلوا هذا النص وأمثاله
    من نصوص الدستور، فجرت به ألسنتهم عن إيمان واعتقاد، لا عن ترديد ظاهر كما تردد الببغاء ما تحفظ
    من الكلمات، لما أباحوا لوزير أن يشط عليهم، ولا قبلوا من موظف أن يُحمِّلهم من الظلم ما لا
    ينبغي له أن يحملهم، ولا ينبغي لهم أن يحتملوه، ولكن الناس عادةً يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون
    إلى المعاني، فيعجزهم فهم ما لهم من حقوق، ويعجزهم فهم ما عليهم من واجبات، وقد أحب أن أفهم بعد
    هذا الذي لا سبيل إلى الشك فيه: كيف يُباح لموظف من الموظفين أن يشتم جماعة من أبناء الشعب الذي
    منحه ما بيده من السلطان، وخوله ما بيده من القوة، وكيف يُباح لموظف من الموظفين — مهما يكن،
    وليكن رئيس الوزراء — أن يقول لجماعة من المصريين — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر أبناء مصر
    وأدناهم إلى البؤس والضعف والإعدام: إنهم أبناء كلاب؟!

    أحب أن أفهم كيف يباح لموظف من الموظفين المصريين في ظل حكم دستوري متحضر أن يجري لسانه بهذا
    الكلام، وأن يوجهه إلى إخوانه في الوطنية — مهما يكونوا — وأين يوجد النص الدستوري أو القانون،
    بل أين يوجد العرف الدستوري أو القانون الذي يبيح لموظف مصري أن يسمي إخوانه في الوطنية أبناء
    كلاب؟

    وأحب أن أفهم أيضًا كيف يباح لموظف مصري — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يكلف عمدة من
    العمد بأن يمتص دماء المصريين، وفي أي معجم من معاجم الفقه الدستوري أو من معاجم النظام الإداري
    يوجد هذا اللفظ؟! لفظ امتصاص الدماء، دماء أبناء الشعب الذين هم مصدر السلطات بنص
    الدستور!

    وأحب أن أفهم كيف يتاح لموظف من الموظفين المصريين — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يعلن
    إلى جماعة من مواطنيه — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر الناس وأضعفهم وأدناهم إلى البؤس
    والإعدام — أنه مكلف خراب بيوتهم. وأين توجد هذه القوة التي تكلف الموظفين تخريب بيوت الشعب،
    وأين يوجد النص الدستوري أو القانوني الذي يخول الموظفين تخريب بيوت الشعب، ويأذن لهم في أن
    يجهروا بذلك ويعلنوه إلى الناس في غير حرج ولا حياءٍ؟

    أحب أن أفهم هذا كله، أو على أقل تقدير، أحب أن يؤكد رئيس الوزراء للناس أن شيئًا من هذا كله
    لم يقل، وأن شيئًا من هذا كله لم يكن، وأن شيئًا من هذا كله لا يمكن أن يقال، ولا أن يكون. وأحب
    أن يكون تأكيد رئيس الوزراء لهذا صريحًا قاطعًا لا يعتمد على القول وحده، وإنما يعتمد على القول
    والعمل؛ فقد ذكرت السياسة صباح اليوم أن مأمورًا من مأموري المراكز قال هذا الكلام لجماعة من
    أهل الريف بمحضر من قوم آخرين سمعوه. فهل روت السياسة حقًّا، أم هل روت السياسة شيئًا غير الحق؟
    فإن تكن الأولى فإن واجب رئيس الوزراء واضح لا غموض فيه، قاطع لا يحتمل الرد؛ وهو أن يسأل زميله
    وزير الداخلية كيف كان هذا، وأن يكلف زميله وزير الداخلية إحالة هذا المأمور على مجلس التأديب،
    فإن فعل وزير الداخلية فذاك، وإن لم يفعل؛ فواجب رئيس الوزراء واضح أيضًا، وهو أن يختار بين
    إقرار وزير الداخلية وموظفيه على شتم الشعب وتكليف العمد أن يمتصوا دماءه، وتكليف الموظفين أن
    يخربوا بيوته. فيعلم الشعب أن الوزارة القائمة تعترف في صراحة بأنها لا تستمد سلطانها من الشعب،
    وبأنها قد جاءت لإذلال هذا الشعب، وبين أن يخرج وزير الداخلية من وزارته إخراجًا.

    وظلم آخر بشع لا يتناول فردًا من الناس، وإنما يتناول مئات وألوفًا، ولا يتناول قرية من
    القرى، وإنما يتناول جماعات ضخمة من المصريين، منبثة في أقطار مصر كلها. ونحب أن يُعنى به رئيس
    الوزراء، وأن يتبين جلية الأمر فيه، فإن كان حقًّا واقعًا لام فيه وزير التقاليد، وكلفه إصلاحه
    ومحو آثاره السيئة. وإن لم يكن حقًّا أعلن إلى الناس أنه شيء يختلق اختلاقًا، ويخلق من لا شيء.
    وهذا الظلم هو الذي تراه مفصلًا في غير هذا المكان من الكوكب، وهو الذي يقال أنه يصب على رجال
    التعليم الأولى منذ حين.

    فقد عرض بعض النواب برجال التعليم الأولى في بعض جلسات المجلس أول الصيف، ولم يدفع عنهم
    الوزير — وأول واجباته أن يدفع عنهم إن كانوا مظلومين، وأن يفصلهم من العمل إن كان النائب قد
    وصفهم ببعض ما فيهم.

    وقد أنكر المعلمون تعريض النائب وصمت الوزير، وكتبوا في ذلك إلى الوزارة، فعدَّ إنكارهم هذا
    ذنبًا لا بد له من عقاب، وعدَّ دفاعهم عن أنفسهم إثمًا لا بد له من كفارة، ودافع كاتب من الكتاب
    عن هؤلاء الناس، فشكروا له دفاعه عنهم، فعدَّ شكرهم هذا سيئة لا بد من أن يُؤخذوا بها، وجريمة
    لا بد من أن يُطهَّروا منها، ثم صب عليهم لونًا من العذاب غريبًا، فيه تشريد في أقطار الأرض:
    يكون بعضهم في القاهرة، فإذا هو في أقصى الصعيد، ويكون بعضهم في الصعيد فإذا هو في أقصى
    الواحات، ويكون بعضهم في إدفو فإذا هو في الحدود، ويكون بعضهم رئيسًا فإذا هو معلم، ويصبح بعضهم
    فإذا مرتبه قد خصمت منه أيام.

    ويكون بعضهم آمنًا فإذا هو موضوع التحقيق، وإذا هو يتوقع الشر، وينتظر أن يأتيه به الصبح إذا
    أشرق، أو الليل إذا أظلم، ويكون بعضهم مطربشًا فإذا هو مخير بين العمة وبين الفصل من العمل،
    ويكون بعضهم في مدرسة فإذا العمدة يزوره، ثم يزوره شيخ الخفراء، ثم يزوره بعض الشرطة؛ ليتبينوا
    أنه قد غير الزي أثناء التعليم. ويخرج بعضهم من المدرسة فإذا هو مراقب تنتظره الشرطة الظاهرة
    والخفية في الطريق؛ لتتبين أنه لا يعود إلى الطربوش بعد أن يخرج من المدرسة.

    يقول رجال التعليم الأولى: إن هذا كله قد وقع، وما يزال بعضه واقعًا، وما يزال شيء يشبهه
    منتظرًا أن يقع مساء اليوم أو صباح الغد، أو بعد ذلك بوقت قصير أو طويل. فنحب أن يعنى رئيس
    الوزراء بهذا؛ لينفيه نفيًا صريحًا إن لم يكن حقًّا، وليرفعه رفعًا صريحًا إن كان حقًّا، ويعاقب
    الذين يسلطون شره على الناس.

    ورئيس الوزراء يعلم من غير شك أن وزارة المعارف لم تنشأ لتظلم المعلمين وترهقهم، وتأخذهم
    بقبول الإهانة والصبر على الضيم، وتصادرهم في أبسط حقوقهم من الحرية، وإنما خلقت لشيءٍ آخر بعيد
    عن هذا كل البعد، كما أن رجال الإدارة لم يُبثُّوا في الأقاليم ليقولوا للناس: إنهم أبناء كلاب،
    وليكلفوا العمد أن يمتصوا دماء الشعب، وليعلنوا إلى الناس أنهم قد كلفوا تخريب البيوت.

    هذا كله ظلم يجب على رئيس الوزراء أن يرفعه فورًا، ويعاقب مقترفيه، أو أن ينفيه فورًا، ويثبت
    للناس أنه غير صحيح، فإن أعياه هذا أو ذاك؛ فبقاؤه في منصبه لا معنى له، وواجبه الأول أن
    يستقيل.

    أما بعد، فيجب أن يتنبه الحاكمون والمحكومون جميعًا إلى أن نصوص الدستور لم توضع لتكون زينة
    أو حلية، وإنما وضعت لتكون أساسًا للحياة المصرية، وقوامًا للصلة بين الشعب والسلطان. إن أظهر
    هذه النصوص وأحقها بالفهم والاحترام إنما هو هذا النص الذي يسجل أن الأمة مصدر السلطات، ويبين
    بهذا أن رجال الحكم ليسوا سادة الشعب، وإنما هم خدَّامه، وأول ما يجب على خادم الشعب أن يكون
    مخلصًا، ناصحًا، أمينًا.