Tag: المساءلة الوزارية

  • قذف | Slander

    حديث المساء: قذف

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يشتد إليها الميل، أن تلقي دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحتَمل أو تبتغى أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.

    وحسب الكُتَّاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامة إلى الواجبات السياسية التي تفرِضها المصلحة العامة، ويحتمها الإخلاص في خدمة الشعوب.

    والأمر يزداد مشقَّةً وعُسرًا حين يتصل بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد؛ فهم معصومون من الخطأ، مبرَّءُون من العيب، مُنزَّهون عن هذه الخصال التي يمكن أن تَشين مثلك ومثلي من عامة الناس. ولولا أنهم معصومون من الخطأ ولولا أنهم مبرَّءُون من العيب، ولولا أنهم مُنزَّهون عن كل ما يَشين لما ارتقوا إلى مناصب الوزارة، ولما قبضوا بأيديهم على أَعِنَّةِ الأمور يصرفونها كما تقضي المصالح العامة وحدها لا يتأثرون في ذلك بميول الأحزاب وأهوائها، ولا بنزعات الأفراد وشهواتهم، ولا يجورون في ذلك عن قصد السبيل.

    وإذا كانت هذه حالُهم فنحن جماعة الكُتَّاب نتجنَّى عليهم ونتجاوز الحدود في أمرهم، حين تزعم أنهم قصروا في السياسة أو أخطَئوا سبيل المنفعة العامة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس. وهُم كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجنِّي ويعفون لنا عن النقد، ولا يخاصموننا في ذلك إلا قليلًا، وقد يُغرِينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنُغرِق في التَّجنِّي، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويُلِحُّونَ في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويُريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتصل بالأخلاق؟ ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاص، تدعو إلى شيء من التطفل، وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني. وسيصفحون عن نقدهم فيما يمَس الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمس السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميالة بطبعها إلى التجاوُز عن السيئات جميعًا.

    فإذا كان نقد الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد في أمر يمس الأخلاق متصلًا بالسياسة العامة من بعض الوجوه، كان طمعُهم في عفو الوزراء أعظم، وأملُهم في صفح الوزراء أشد، وثقتهم بحُلم الوزراء أدنى إلى أن تملأ قلوبهم أمنًا، وتشعر نفوسهم طمأنينة وهدوءًا.

    ونحن نريد أن نعرض لأمر من أمور الأخلاق متصل بالسياسة أشد الاتصال، أثارته تلك القصة المضحكة التي مثَّل فصولَها حزبُ الشعب في هذه الأيام الأخيرة الماضية. فقد زعموا أن الصلح لم يَكَدْ يَتم بين الحظيرة وبين الوزيرين اللذين أُقْصِيَا عنها. حتى نهض وزير الزراعة السابق فأعلن في حدة وغضب، وغيظ وحنق: أن وزير المواصلات السابق تحدث إلى بعض الناس بأن وزير الزراعة اللاحق يقذفه، ويتهمه بأمور تمس الانتفاع المادي على حساب المصلحة العامة، واختلف الناس بعد ذلك في تحقيق هذه الأمور، فبعضهم زعم أنها تمس حزب الشعب، وإدارة الوزير السابق له، وهذا هو الذي قرأناه في الصحف صباح أمس، وبعضهم زعم أنها تمَس الحكومة وأموالها. وهذا هو الذي قرأناه في صحيفة من صحف المساء نشرته أمس للناس في صراحة مؤلمة حقًّا. ولسنا نحب أن نروي ما صرحت به صحيفة المساء تلك فقد يثقل ذلك علينا، وقد يثقل ذلك على الناس، ولكن الذي نحب أن نلاحظه هو أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد — مع أنهم معصومون من الخطأ ونحن جميعًا نخطئ — مبرَّءون من العيب، ونحن جميعًا قد نتورط في العيب، لا تمنعهم العصمة ولا تعفيهم البراءة من أن يكونوا كغيرهم من الناس يخطئون كما يخطئ الناس، ويعيبون كما يعيب الناس، ويدفعون كما يدفع الناس إلى أشياء لا تليق. فهذا وزير مقيم في الحكم يتهم وزيرًا معتزلًا للحكم في نزاهته، وهذا وزير سابق ينقل عن الوزير اللاحق ما قاله، فإذا هو يُذاع ويُشاع، حتى يقرع سمع الوزير المقذوف، وإذا هو الوزير المقذوف يحاول أن يبرئ نفسه، ويدفع عنها، فلا يزيد الأمر إلا ذيوعًا وانتشارًا، وقد كُنَّا نقدر أن عصمة الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد، ترفعهم عن أن يتورطوا في مثل ما يتورط فيه غيرُ المعصومين من الناس، وتجعلهم أعلى وأكرم على أنفسهم من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسوق بعضهم إلى بعض هذه التُّهَم التي إن صحت كانت مزرية مخزية. ثم يسعى بعضُهم إلى الناس بما قال بعضهم في بعض، حتى يشيع الشر، وينتشر النُّكر، وتسوء سمعة السابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد. والقاذف والمقذوف من وزراء حزب الشعب، والساعي بهذا القذف من وزراء حزب الشعب، ومبلغ القذف إلى المقذوف من أعضاء حزب الشعب. فهل هي المصادفة التي جمعت بين حزب الشعب وبين هذا النحو من أنحاء الاتهام؟

    على أن للأمر وجهًا آخر أعظم خطرًا من هذا. فليس من شَكٍّ في أن الناس جميعًا يتمنَّوْنَ أن يكون وزراء هذا العهد السعيد أرفع من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعض. ولكن الناس يتمنَّوْنَ بنوع خاص ألَّا يكون هذا القذف صحيحًا، ولا مصوِّرًا لحقيقة من هذه الحقائق المزرية المؤذية، والناس يتمنَّوْن أن يكون الغضب وحده هو الذي أنطق وزير الزراعة القائم بما نقله وزير المواصلات السابق حتى انتهى إلى وزير الزراعة المستقيل. ولكن كيف يستطيع الناس أن يتبيَّنوا جَلِيَّةَ هذا الأمر، وأن يعلموا ويستيقنوا ويطمئِنُّوا، وتُمحى من نفوسهم الريب والشكوك، ولا يتطرق الوهم إلى أحد منهم بأن وزير الزراعة السابق موسوم بما رماهُ به وزير الزراعة القائم إن صح ما نقل عنه؟

    أمَّا حزب الشعب فسيصلح الأمر بين أعضائه إصلاحًا ظاهرًا تصفو معه القلوب أو لا تصفو، وتخلص معه النِّيَّاتُ أو لا تخلص. وسيزول الخلاف بين وزير الزراعة القديم ووزير الزراعة الجديد، وسيعود أولهما إلى الحظيرة بعد أن خرج منها، كما عاد ثانيهما إلى الحظيرة بعد أن أُخْرِجَ منها إخراجًا. وسيرتاح صدقي باشا لرجوع وزير الزراعة السابق إلى الحظيرة كما ارتاح لرجوع وزير الزراعة القائم إليها. ولكن الأمر لم يبقَ مقصورًا على حزب الشعب ولا على الوزيرين المختَصِمَيْن، وإنما هو يتجاوز الحزب وأعضاءه جميعًا إلى الأمة وإلى الدولة؛ فلم يَبْقَ بُدٌّ من أن يعرف الناس جلية هذا الأمر، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تتبين الدولة حقيقة هذه التهم، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تعود إلى قلوب الناس الثقة بأن وزراءهم لا يستفيدون لأنفسهم على حساب المصلحة العامة. ونحن نعلم حق العلم أن هذه الجملة المشئومة التي قالها علي المنزلاوي بك، إن صح ما رواه عنه توفيق دوس باشا، وقد وقفت جماعة من الوزراء بين أمرين كلاهما شَرٌّ وأحلاهما مُرٌّ، فهي إن صحت أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء، واستتبعت آثارًا لا تَسُرُّ ولا تُرْضِي، وهي إن لم تَصِحَّ أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء من اتهام الناس بغير الحق وبما لا يليق. وواضح جدًّا أن تحقيق هذا الأمر وإظهار جليته للناس لا يمكن ولا ينبغي أن يكون في حزب الشعب ولا بين يدي صدقي باشا، وإنما يجب أن يكون في مكان غير حزب الشعب، وأمام رجل غير صدقي باشا، أفترى هذا التحقيق ممكنًا، أفترى هذا التحقيق واقعًا غدًا أو بعد غدٍ؟ أم تظن أن أمر هذا القذف سيُترك لتمضي به الريح وليُسدِل عليه النسيان ستارًا صفيقًا. أما نحن فنعتقد أن ليس على أخلاق الناس ومصالحهم ونزاهتهم فيما يأتون وما يَدَعُونَ خطر أشد من إهمال مثل هذا القذف وتركه غنيمة للنسيان. فذلك يُغرِي الناس بالإقدام على الشر طامعين في عفو النسيان، وذلك يُغري الناس بالإقدام على القذف طامعين في عفو النسيان أيضًا. ونحن نعتقد أن في مصر قوة حريصة أشد الحرص على الأخلاق وعلى صيانة المصالح العامة، وعلى صيانة سمعة الوزراء السابقين واللاحقين، ونعتقد أن هذه القوة لن تقصر فيما يجب عليها من التحقيق.

  • في وزارة المعارف هل أنصف المعلمون؟ | At the Ministry of Education: Have the Teachers Been Treated Fairly?

    في وزارة المعارف:
    هل أنصف المعلمون؟
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ ديسمبر ١٩٢٣

    أعترف مخلصًا أني كنت مطمئنًا الاطمئنان كله، معتقدًا أن قد أُنصِف المعلمون، وأُصلح من أمرهم ما كانوا يريدون إصلاحه بعد تلك الضجة العنيفة التي حدثت في الصيف الماضي حول المعلمين وقضيتهم، وبعد أن أزيلت من وزارة المعارف تلك السلطة المركزية التي طالما شكا منها المعلمون وغير المعلمين، وبعد أن أُسندت أمور هذه الوزارة إلى صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود، فأظهر من حب الإصلاح والرغبة فيه، ومن الميل إلى الإنصاف والحرص عليه ما سجَّلناه له غير مرة مُغتبطين به، مُثْنينَ عليه.

    كنت أعتقد أن المعلمين قد أُنصِفوا فاستقبلوا عامهم الدراسي الجديد وقلوبهم مطمئنة، ونفوسهم راضية، وجهودهم كلها موقوفة على التعليم، وكنت أعتقد أن وزير المعارف قد أنصَفهم فيمن أنصف من رجال المعارف، ثم اعتزَّ بإنصافه إياهم وعطفه عليهم فكلفهم هذه الأعمال الإضافية التي كلَّفهم إياها، والتي اقتضاها توسيع المدارس وزيادة الفصول فيها، وكنت أعتقد أن المعلمين قد اغتبطوا بهذا الإنصاف وابتهجوا له، فوجدوا من هذا الابتهاج قوة أعانتهم على قبول هذا التكليف الجديد راضين مستبشرين.

    وكنت أقول في نفسي: لقد وُفِّق وزير المعارف فحقق التعاون الصحيح والثقة الصحيحة بينه وبين المعلمين في المدارس، والمشرفين على أمور التعليم في الوزارة. ولكن مُعلمَينِ أقبلا إليَّ أمس، فكان بينهما وبيني حديث أقل ما ترك في نفسي أن الأمر شيءٌ من الأسى والشعور بخيبة الأمل، فلم يَصلُح أمر المعلمين، وما زالت «قضيتهم» إلى اليوم بحيث تركناها في الصيف الماضي موضوع النزاع بين وزارة المعارف ووزارة المالية.

    وما لي أقص عليك أمر المعلمين وأحدهم يقصه عليَّ في هذا الكتاب الذي أرجو أن يقرأ وزير المعارف ما نقتطف منه:

    … في شهر أغسطس الماضي، أُلقيت مقاليد الأمور في وزارة المعارف إلى صاحب المعالي، الرجل الفاضل أحمد زكي أبو السعود باشا، فاستبشر المدرسون وأمَّلوا خيرًا على يديه، واطمأنت نفوسهم، وسافر وفد نائب عنهم وتشرف بمقابلة معاليه، وبسطوا له شكاتهم، فطيَّب خاطرهم، ووعدهم بالسعي في رفع الحيف الواقع عليهم. مرَّ شهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، وفي آخره تشرف الوفد مرة ثانية بالمثول بين يديه مذكِّرًا ما وعد، ومشيرًا بكل تواضع إلى ما يبذله المدرِّسون الآن من الجهود التي تقصم الظهور لزيادة الحصص، وتضاعف عدد التلاميذ في الفصول المدرسية، وقد فعلوا ذلك عن طيب خاطر، وتلبية لنداء الواجب، فأجابهم أن يتركوه يعمل في جو هادئ. انقضى شهر أكتوبر، وتلاه نوفمبر، فأخذت الهموم تساور نفوس المدرسين، ويشتد بهم القلق، فتوجه وفد منهم وطرق هذه المرة باب سعادة سكرتير الوزارة العام، فأبى أن يجيبهم بأكثر من أن معالي الوزير مهتم بأمرهم. انصرم شهر نوفمبر وانتصف شهر ديسمبر الآن، ولكن بدل أن يظهر شيء يريحهم وتهدأ له نفوسهم راجت إشاعات السوء، وامتلأ الجو بما يثير التشاؤم ويبعث الجزع في النفوس. ولا أجزم بصحة ما يُقال أو ما يُشاع، إنما يصح — على الأقل — أن أتمثل بقول القائل: لا دُخان بلا نار، أم يرى سيدي أن أتفاءل خيرًا رغم العبر الماضية؟ أتعلم، يا سيدي الأستاذ، من واضع المذكرة الأولى لتحسين حال المدرسين؟ هو صاحب الدولة يحيي إبراهيم باشا، رئيس الوزراء الحالي. أتعلم من أرسل المذكرة الثانية؟ معالي محمد توفيق رفعت باشا، وزير الخارجية الآن، والثالثة؟ معالي أحمد زكي أبو السعود باشا، وزير المعارف، وإلى من أرسلت؟ إلى معالي أحمد حشمت باشا، وزير المعارف الأسبق، والمالية حاليًّا. فهل يتنزل سيدي الدكتور ويبين لي السر في الإحجام عن إنصاف المعلمين، ومعظم وزرائنا الحاليين ممن خبروا وزارة المعارف وعرفوا شيئًا عنها، وأقروا المدرسين على عدالة مطالبهم؟ إني لمنتظر حتى يتفضل عليَّ سيدي بحل هذا اللغز، فيضيف بذلك فضلًا على أفضاله السابقة التي لا أنساها ولا ينساها له مدرس في مصرنا. ولكن إذا سمح لي وأفسح صدره بأن أسبقه بذكر سبب واحد لا أملك نفسي عن ذكره، ولا أستطيع أن أكتمه عنه انتظارًا لحله العتيد؛ كنت له من الشاكرين، ألا وهو أن المدرسين مستضعفون من الجميع. هذا ما أعتقده وما خبرته بعد طول الزمن في مزاولة هذه المهنة — مهنة التعليم — بوزارة المعارف. لا ألقي الكلام على عواهنه، ولا أتجنى على أحد. فهذا ما قد صرَّح به أقطاب الوزارة في مواقف عدة، والواقع يثبته ولا يدع مجالًا للشك فيه، ورغم ذلك كله؛ فإني منتظر وكلي آذان صاغية لما تدلُون به من الأسباب، وأقبلوا فائق التحيات. المدرس

    وأي وجه للغرابة في أن يعتقد أقطاب وزارة المعارف، وأقطاب وزارة المالية، وأقطاب الوزارات الأخرى، وغيرهم من الأقطاب، ومن ليسوا أقطابًا، أن المعلمين مستضعفون؟ وصناعة التعليم — كما قلت غير مرة — تضطر صاحبها إلى أن يكون مستضعفًا؛ فليس من اليسير أن تجمع بين الحرص على العلم وإتقان التعليم، وبين الشره إلى المال والتهالك عليه، وليس من اليسير أن تعاشر كتب الفلاسفة وآثار العلماء ثم تكون مع هذه المعاشرة وقحًا سمجًا تدافع، لا أقول عن حقك، بل أقول عن هواك في شدة وعنف، يُظهِرانك مظهر القوي وإن كنت ضعيفًا، ويَقفانك موقف المحق وإن كنت مبطلًا. ليس من اليسير أن تكون معلِّمًا شريفًا وأن تكون مع ذلك شرهًا أو وقحًا أو سمجًا. وإذا لم يكن الرجل على حظٍّ من هذه الخصال السيئة؛ فقلَّما ينجح، وقلَّما يُوفَّق إذا فسد الأمر، واضطربت النُّظم الخُلقية، وقامت المنفعة والمحاباة مقام الحق والإنصاف.

    نعم، عسيرٌ جدًّا على المعلم إذا كان شريفًا أن يُوفَّق إلى الحياة الراضية الهادئة في مثل هذه الأيام التي يُهضم فيها حق الرجل الكريم، ويُزدرَى فيها مكان الرجل الشريف، ولسنا نستطيع أن
    ننصح للمعلمين بأن ينزلوا عن خلالهم الطاهرة الشريفة ليفوزوا بنعمة العيش ولقمته، فهم غير قادرين على هذا من جهة، ومنفعة مصر وحياتها المقبلة وحسن تأديب شبابها، كل ذلك رهين بأن يظل المعلمون محتفظين بحظهم من الكرامة والحياة.

    إذن، فما الذي يحل مشكلة المعلمين؟ وهل قضي علينا حقًّا أن نيأس من الحق والعدل والإنصاف في هذه البلاد؟ وهل قُضِيَ علينا حقًّا أن نشهد في كل يوم هذه المشاهد المؤلمة، وأن نرى في كل يوم أموال الدولة تُبعثر يمينًا وشمالًا، وتنثر في كل وجه، فلا تصيب أو لا تكاد تصيب إلَّا من أتاحت له المصادفة أن يرضى عنه فلان أو فلان من هؤلاء السادة الذين يُدبِّرون أمورنا في هذه الأيام العوجاء؟ وأين مكان رجل كوزير المعارف، وما عهدناه إلَّا مُنْصفًا مؤثرًا للعدل، مُحْتفِظًا لوزارته بحقِّها من الكرامة. ألا يستطيع مثل هذا الرجل الخيِّر أن يكون مصدرًا للخير، فيرفع الضير عن طائفة خليقة حقًّا بأن لا تشقى؟ أيُّ حقٍّ أن يشقى المعلمون بالعلم والتعليم، وأن يسعد الجهلاء بالجهل والغرور؟

    يجب أن نُنْصِف وزير المعارف كما يُنصفه المعلمون أنفسهم، فيظهر أنه جادٌّ، ويظهر أنه ما زال يَجِدُّ في إنصاف معلميه، ولكن وزارة المالية تأبى أو تتردد أو تماطل، والفصول تتغير، ويُقبل الشتاء على أثر الصيف، وتتجدد حاجات المعلمين وأبنائهم وأسرهم، فلا يجدون ما يدفعون به هذه الحاجات إلَّا وعودًا وأمانيَ: انتظروا، دعوني أعمل في جو هادئ. إن الوزير مهتمٌّ بأمركم.

    ولكن هذه الكلمات مهما تكن حلوة أو مرة، وهذه الوعود مهما تكن مقوية للأمل أو مُضعِفة له؛ فلن تمكِّن المعلم من أن يشتري ثياب الشتاء لنفسه ولمن يعول.

    إني لأخجل حين أكتب مثل هذا عن المعلمين، فإن للأستاذ حياءٌ يحول بينه وبين أن يظهر للناس من أمره مثل هذا، وإن من الخزي والعار أن يشكو المعلمون في مصر فقرًا أو سوءَ حال. فهل أستطيع أن أعتمد على وزير المعارف في ألَّا يردد المعلمون مثل هذه الشكاة التي تُؤلِمُهم ولا تُشرِّف مصر؟
    أمَّا أنا فثقتي بوزير المعارف قوية، وأعتقد أنَّا لن نحتاج إلى أن نشكو مرة أخرى.