Tag: المصاعب الاقتصادية

  • قناعة … | Contentment…

    حديث المساء: قناعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ نوفمبر ١٩٣٣

    كنا شَرِهين يكاد يُفْسِدنا الشَّرَهُ، وكنا نَهِمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت حياتنا السياسية، والعقلية، والاقتصادية، معرضة لأخطارٍ لا تكاد تُحصَى، ومصدرها الاندفاع في حب المثل الأعلى، وفي طلبه إلى غير حد. فلم نقنع من السياسة بأقل من الاستقلال التام، والحياة الديمقراطية الكاملة. ولم نكن نقنع من الرقي العقلي بأقل من الوصول إلى مثل ما وصل إليه الأوروبيون من التفوق في الأدب والفن، وفي العلم والفلسفة. ولم نكن نقنع من الرقي الاقتصادي بأقل من هذا الاستقلال الذي يكفل لنا شخصية بارزة في الاقتصاد على اختلاف فروعه، شخصية لا تفنى في الأجنبي، وإنما تثبت له وتقاومه، إن دعت المصلحة إلى المقاومة.

    كنا شرهين يكاد يفسدنا الشره، وكنا نهمين يكاد يهلكنا النهم، وكانت القناعة أقل الفضائل التي تزدان بها نفوسنا تلك الطامعة، الطامحة، التي لا تعرف هدوءًا ولا استقرارًا، ولا رضا بالقليل.

    كنا مضرب المثل بين الشرقيين في الطمع والطموح، بل كنا مصدر العدوى للشرقيين في الطمع والطموح، وكان كثير من شعوب الشرق لا يكاد يتصل بنا من قريب أو بعيد، حتى يصيبه ما أصابنا من الشره، ويدركه ما أدركنا من النهم، ويصبح مثلنا شجى في حلوق المستعمرين، وأذى في أجواف الأوروبيين.

    ونشأ عن إسرافنا في الشره والنهم، وعن إسراف الشرق في تأثرنا والاقتداء بنا أن أصبحنا وأصبح الشرقيون مصدر تنغيص لهؤلاء الساسة الأوروبيين، الذين كانوا يودون لو استراحوا منا ومن إخواننا الشرقيين، ومضوا في استغلالنا وفي استغلالهم لا يجدون مقاومة ولا إباء، وفرغوا لما يعنيهم من شئونهم الأوروبية الخالصة. ولكنهم كانوا ينظرون، فإذا مصر تطلب الاستقلال وتلح في الطلب، وإذا الشرق يسعى إلى الحرية ويلح في السعي، وإذا هم مضطرون إلى أن يقاوموا هنا ويقاوموا هناك، وإلى أن يسلكوا في هذه المقاومة طرق المخاشنة حينًا وطرق المحاسنة حينًا آخر.

    وكنا ننظر، وكان الشرقيون ينظرون إلى هذه المقاومة العنيفة اللينة، فلا يزيدنا النظر إليها إلا غلوًّا في الطمع، وإغراقًا في الطموح، وشجاعة على المطالبة بالحق، وإلحاحًا في الوصول إليه كاملًا موفورًا.

    كذلك كُنَّا. ولكن الله قيَّضَ لنا من يعلمنا القناعة ومحاسنها، ويردنا عن الشره ونقائصه؛ فأخذنا نتواضع قليلًا قليلًا، حتى انتهينا من القناعة إلى حظٍّ لا بأس به، وبلغنا من الاعتدال منزلة معقولة، يرضى عنها ويطمئن إليها سادتنا المستعمرون.

    كنا نستمتع من الحرية الدستورية بنصيبٍ عظيم: انتخاب عام مباشر، وسلطة واسعة للبرلمان في السيطرة على الوزارات وتصريفها لأمور السلطان؛ فرُدِدْنا عن ذلك إلى انتخاب ضيق مقيد، وإلى سيطرة محدودة على الوزارات، وكنا نحيا حياة ملؤها الأمل في حل ما بيننا وبين الإنجليز من خلاف، وتحقيق ما نطمح إليه من الاستقلال، وكنا نسعى إلى ذلك سعيًا مطردًا، ونُوفَّق إلى الخير فيه توفيقًا متصلًا؛ فقيَّض اللَّه لنا مَنْ علَّمَنا كيف نصبر، وكيف نتئد، وكيف ننتظر.

    وها نحن أولاء نصبر منذ ثلاثة أعوام وننتظر منذ ثلاثة أعوام. وقد ظهر أن الوزارة المستقيلة قد نجحت فيما أخذت نفسها به من الصبر والاتئاد والانتظار، وأن لا بد من وزارة أخرى تخطو بمصر خطوة أخرى فالصبر خير، ولكن اليأس خير من الصبر، والاتئاد خير ولكن العدول خير من الاتئاد، والانتظار خير ولكن النسيان خير من الانتظار.

    وكذلك استطاع رئيس الوزراء أن يتحدث إلى مكاتب الديبا، فيقول في هدوء واطمئنان إنه يضع السياسة في المرتبة الثانية، وهذا نوع من الاقتصاد في التعبير؛ فالظاهر أن رئيس الوزراء لا يريد أن يضع السياسة في مرتبة من المراتب، وإنما يريد أن يهملها إهمالًا، وينصرف عنها انصرافًا، وينفق أيامه في أن يدبر لنا حياة وادعة كوداعته، متواضعة كتواضعه، هادئة كهدوئه، راضية بالقليل، كما يرضى هو بالقليل.

    وإذن؛ فمن الخير أن يسير الناس سيرة وزرائهم، كانوا ينتظرون حين كان صدقي باشا ينتظر، فيجب أن يعدلوا لأن عبد الفتاح يحيى باشا يُؤْثِر العدول. حديث المفاوضة إذن لغو لا ينبغي أن يُضيَّع فيه الوقت، وحديث الاستقلال عبث لا ينبغي أن يُنْفَق فيه الجهد، وحديث الحرية ترف لا ينبغي أن يُعْنَى به قوم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الجوع. ومن يدري؟! لعل الأمة المصرية كلها كانت مخطئة أقبح الخطأ حين سَعَتْ إلى الاستقلال، واندفعت في الآمال، وضحَّتْ بالأنفس والأموال، واحتملت ما احتملت من الفتن والمحن، ولقيت ما لقيت من الكوارث والخطوب. لعل الأمة المصرية كلها كانت وما زالت مخطئة حين فكرت في الاستقلال وحين تفكر فيه؛ لأن الأمم تخطئ وتصيب!

    وما دام صدقي باشا وهو معصوم قد رأى لها القناعة والاعتدال، وما دام عبد الفتاح يحيى باشا وهو معصوم قد رأى لها الزهد، والرضى، والنسيان، فيجب أن تكون الأمة المصرية كلها مخطئة، ويجب أن يكون الصواب كله عند هذين الرئيسين العظيمين.

    ليرتح الإنجليز إذن لقناعة المصريين، وإقبالهم على الزهد، كما ارتاح حزب الشعب لعودة المفصولين من الحظيرة بعد أن أُخْرِجوا منها. وليثق الإنجليز بأن المصريين سيقنعون، وسيحرصون على القناعة حرصًا شديدًا، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوه، فما دامت الوزارة قانعة تضع السياسة في المرتبة الثانية، أو تضعها في غير مرتبة، فيجب أن يقنع المصريون، وأن يسيروا سيرة وزرائهم. فإنْ أعجبهم هذا فذاك، وإن لم يعجبهم هذا ففي مصر شرطة وجند، يعرفان كيف يغلان الأيدي والأرجل، وكيف يعقدان الألسنة، ويكممان الأفواه، وكيف يردان الناس إلى ما ينبغي لهم من الطاعة والإذعان.

    كنا لا نقنع بالرخاء واليسر، بل نطمع في التزيد منهما والإغراق فيهما، فعلمنا صدقي باشا أن نداعب الأزمة وتداعبنا، وأن نحس لذعها وننكر وجودها. وهذا عبد الفتاح يحيى باشا يعلمنا الشجاعة والقناعة معًا، فهو يأخذنا بأن نحس لذع الأزمة ونعترف بها، ونرضى عنها ونيأس من زوالها؛ لأن وزارته لا تستطيع أن تأتي بالمعجزات! وإذن؛ فلابد من أن نكد ونجد، ونهلك أنفسنا في الكد والجد؛ لنؤدي الضرائب، ونوفي الدَّين كما يريد الدائنون، إنْ بقي لنا شيء استعنا به على الحياة وإن لم يبقَ لنا شيء؛ فما ألذَّ ألم الجوع! وما أجمل الرضا به والصبر عليه!

    كنا نريد أن ينتشر فينا التعليم واسعًا، عميقًا، متينًا، مرقيًا للعقول، مقوِّمًا للأخلاق، ضامنًا لكرامة العلماء والمتعلمين جميعًا؛ فعلَّمَنا صدقي باشا أن العلم وسيلة لا غاية، وأن العلماء والطلاب وسائل لا غايات، وأنهم لذلك أدوات لا أكثر ولا أقل، وأنهم أدوات في يد الدولة، تصوِّرهم كما تحب وتصرفهم كما تشاء.

    وأقبل عبد الفتاح يحيى باشا فأخذ يعلمنا أن الأدوات لا ينبغي لها أن تفكر ولا أن تريد ولا أن تقاوم، وإنما ينبغي لها أن تستسلم وتطيع؛ فإذا قيل للجامعيين: اقبلوا ما يأباه القانون. وجب عليهم أن يقبلوا، وإذا قيل للإلزاميين: تخففوا من حريتكم وكرامتكم وحقوقكم التي يكفلها الدستور. وجب عليهم أن يفعلوا! ذلك لأننا جميعًا في حاجة إلى أن نعيش، والرجل العاقل هو الذي يُعنَى بالضروري قبل الكمالي، والرجل العاقل هو الذي يذعن للظروف، والرجل العاقل هو الذي يُؤثِر العيش على أي شيء آخر.

    طلب الاستقلال يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب العدل في تدبير الأمور الاقتصادية يصرفنا عن العيش ويلهينا بالمثل الأعلى، طلب الكرامة للعلماء والمتعلمين يصرفهم عن العيش ويلهيهم بالمثل الأعلى.

    ولست أعرف أشدَّ حمقًا من هؤلاء الذين يلهون أنفسهم بالمثل العليا ويعرضون أنفسهم للجوع.

    رئيس الوزراء رَفِيقٌ بنا، شَفِيقٌ علينا، يريد أن يبرئنا من عيب الشره والنهم وأن يعلمنا القناعة والاعتدال، يريد أن ندع المثل العليا للشعراء والمترفين، وأن نفرغ لما ينبغي أن يفرغ له أمثالنا من طلب العيش.

    أفترانا نستفيد من هذه الدروس العالية الغالية، التي يلقيها علينا رئيس الوزراء؟! كلا؛ لأننا لم نستفد من دروس عالية غالية ألقاها علينا قوم آخرون قبل رئيس الوزراء، ولأننا — مع الأسف أو مع السرور — نؤثر المثل العليا على العيش، ونتهافت على المثل العليا كما يتهافت الفَرَاش على النار، لا نكره أن نحترق فيها وإنْ أَحَبَّ غيرُنا العافيةَ وهدوءَ البال.

    ما أجدر رئيس الوزراء أن يقتنع بما اقتنع به غيره من الذين سبقوه إلى وضع السياسة في المرتبة الثانية أو في غير مرتبة؛ فيضع السياسة في المرتبة الأولى، فإن لم يستطع ذلك استقال؛ لأن الأمة لا تريد، ولا تستطيع إلا أن تكون السياسة قوام حياتها حتى يقضي اللَّه بيننا وبين الإنجليز!

  • ذيول | Remnants

    حديث المساء: ذيول

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ أكتوبر ١٩٣٣

    بيد أن التجربة وإن فشلت فما زالت لها ذيول تجرها وتتعثَّر فيها، والوزارة الحالية ليست إلا ذيلًا من ذيولها، فلن تزيد التجربة إلا فشلًا على فشلها.

    كذلك قال الوفد في ندائه الذي أخذت الصحف تذيعه منذ أمس، والذي أقره النواب والشيوخ السابقون الذين انتخبتهم الأمة يوم انتخبتهم في حريةٍ كاملة، ونزاهةٍ شاملة، لا حَجْر فيها ولا تقييد، لا ترغيب فيها ولا ترهيب، لا سلطان عليها إلا للضمير وحده. وليس من شك في أن هذا النداء لم يكَد يذاع في الناس حتى أحس كل منهم أنه إنما كان صورة لما يجِد في نفسه، وصدًى لهذا الصوت القوي الذي ينبعث من ضميره. المصريون جميعًا ومنهم أساطين هذا العهد السعيد يشعرون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم، واستمعوا إلى ضمائرهم بأن الأمر في مصر قد كان شرًّا كله في ظل تلك الدكتاتورية الساقطة، وأنه ما زال شرًّا كله في ظل هذه الدكتاتورية الناهضة، وكيف لا يكون الأمر شرًّا كله حين نهض صدقي باشا بالحكم فألغى البرلمان، وعطَّل الدستور وحكَم منفردًا تسنده القوة والقوة وحدها، لا يعتمد على حب الشعب، ولا يصدر عن إرادته، حتى إذا أصدر الدستور الجديد، وأظهر تنفيذه وإجراء أحكامه، لم ينفذه إلا كما يحب هو وتحب القوة التي كانت تسنده، معطِّلًا حتى ما كان يشتمل عليه هذا الدستور الجديد من أحكام تكفل للمصريين أبسط حقوقهم في الحرية والعدل والمساواة.

    فكان صدقي باشا يزعم لنفسه وللناس أن مصر تجري أمورها على خير ما تجري عليه أمور البلاد الدستورية، وكان صدقي باشا يخلو إلى نفسه، وكان أصحابه يخلون إلى أنفسهم، فيؤمنون بأن الحياة الدستورية في ظل هذا الدكتاتور الطاغية لم تكُن إلا وهمًا، وأن المصريين كانوا يُحكَمون حكمًا لا ترضاه الإنسانية المتحضرة. ومتى رأينا الإنسانية المتحضِّرة في هذا العصر الحديث تأخذ الناس بتحكم فردٍ واحد فتمنعهم من الحركة إلا له، ومن الانتقال إلا إليه، ومن إلقاء الخطب إلا في مدحه والثناء عليه؟ ومتى رأينا الإنسانية المتحضرة ترضى أن يسلط بعض الناس على بعض في غير احترام للحق، ولا اعتراف بالعدل، ولا تنفيذ للقانون. حتى إذا انتهى الأمر إلى القضاء، فأظهر شَرَّه ونُكره، أبت الوزارة، أو أبى رئيسها أن يصلح ما أعلن القضاء فساده، أو يُقوِّم ما أثبت القضاء اعوجاجه، كأن اتصال الفساد، وانتشار الشر، وحماية المفسدين والأشرار: ضرورةٌ لبقائه في الحكم. وبقي في الحكم يغري بعض الناس ببعض ويبسط يد بعضهم على بعض، لا يتحرَّج من ذلك، ولا يأبى أن يزعم أنه العدل والإنصاف والإصلاح.

    كان هذا كله، لا يستطيع صدقي باشا أن يجادل فيه، ولا يستطيع أصحاب صدقي باشا أن ينكروا منه قليلًا ولا كثيرًا. وكان مع هذا كله شر عظيم أفسد أخلاق الناس وقطع ما بينهم من صلات المودَّة والقربى. فهذا الصديق يتنكَّر لصديقه خوفًا من السلطان، وهذا الصديق يكيد لصديقه ابتغاء مرضاة السلطان، وهذا الموظف يقترِف الإثم، وهو يعلم أنه يقترف الإثم يُقدم على ذلك كارهًا لأنه يخاف السلطان، أو يقدم على ذلك راضيًا لأنه يتملَّق السلطان. وهؤلاء المصريون قد انتشروا في أقطار الأرض يتجسَّسون ويتحسَّسون، وينقلون أنباء الناس ما ظهر منها وما بطن، ويخترعون من هذه الأنباء ما لا يصور حقًّا ولا واقعًا؛ طمعًا فيما يعطيهم السلطان من المال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم أصاب الناس في أرزاقهم وأقواتهم؛ حتى عجز الآباء لا أقول عن أن يُعلِّموا أبناءهم أو يُرَفِّهُوا عليهم، بل عن أن يكسبوا لهم ما يحتاجون إليه من أيسر القوت، وحتى اضْطُرَّتْ أُمٌّ إلى أن تعرض ابنتها للبيع على المصلين، وهم يخرجون من بيت من بيوت الله. وحتى اضْطُرَّ أَبٌ إلى أن يُضْرِمَ النار في أبنائه، وفي زوجه، وينظر إليهم يائسًا بائسًا، قانطًا حتى من رحمة الله، والنار تمشي في أجسامهم مشيًا.

    كل هذا كان، وكان معه شَرٌّ عظيم أرخصَ على الناس نفوسهم ودماءهم، وأحلَّ للناس ما حرَّم الله، فأسرفوا في القتل بغيًا وعُدوانًا، وانتهكوا حُرُمات الدين والقانون جهرًا وسرًّا، وتَحَدَّوُا السلطان وقتلوا من جنده وشرطته، يدفعهم إلى ذلك ما هم فيه من اليأس وسوء الحال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم ذل له المصري أمام الأجنبي، وعزله الأجنبي برغم المصري. فكانت كلمة الأجنبي مسموعة نافذة، ورأي المصري مهدرًا مرفوضًا، وكانت ثروة الأجنبي تنمو ويَطَّرِدُ نُمُوَّهَا، وكانت ثروة المصري تذوب وتذوب، حتى لا يبقى منها شيء، وكانت الشركات الأجنبية تظفَر بكل عون وتسعد بكل تأييد، بينما كانت ظهور المصريين تلهبها السياط إلهابًا، وبينما كانت أيدي المصريين وأرجلهم تعمل فيها القيود والأغلال.

    كل هذا كان، وكان معه شر عظيم آثَرَ السلطان فيه فريقًا من الموظفين على فريق، وأفسد السلطان فيه ما يجب أن يكون بين خُدَّامِ الدولة من تعاوُن صادق قوامه النصح والإخلاص، وفرض السلطان فيه أولياءه وأصفياءه على الناس فرضًا، وآثرهم بالخير كله وترك لغيرهم البؤس والذل والهوان. وانتهى كل ذلك إلى أقبح ما ينتهي إليه الشر من الفشل والإخفاق، فلا صدقي باشا مدت له أسباب الحياة السعيدة الناعمة، ولا صدقي باشا ضمن له البقاء في الحكم والاحتفاظ بالسلطان؛ لأن الخصوصية لا تترك بوضع مبالغ كبيرة تحت تصرفه.

    … الذي يمكنه من تسليم البضاعة للإنجليز، وإنما أضاع صدقي باشا صحته، وفقَد منصبه، ورد إلى شر ما يرد إليه المتجبرون، والأمة التي سلط عليها ما سلط من البأس وصب عليها ما صب من العذاب، تنظر إليه ساخرة حائرة، تشمت فيه ليكون عبرة للطغاة ونكالًا لمن يحاول ظلم الأمم والشعوب، أم ترثي له وتُشفق عليه لأنه على كل حال مصري، قد طغى وبغى ثم لقي جزاء البغي والطغيان، فكان جزاءً ثقيلًا وبيلًا.

    فأوفد حين صور هذا الشر كله للناس في ندائه لم يصور لهم إلا ما يحسون ويجدون، ومن المحقَّق أن الوفد لم يخطئ ولم يتجاوز الصواب في قليل ولا كثير حين أنبأهم بأن التجربة المنكرة قد فشلت، ولكنَّ لها ذيولًا ما تزال تجرها وتتعثر فيها، وهذه الذيول كثيرة قد تطول إلا أن تقطعها الحوادث قطعًا وتبتُرها الخطوب بترًا؛ فسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ إلى الناس حريتهم، وإنما ظلت هذه الحرية سجينة قد بولغ في سجنها، أسيرة قد تشدد خلفاء صدقي باشا في أَسْرِهَا، وظلت ذيول الظلم والقهر مجرَّرة في أقطار مصر تمنع الناس أن يقولوا ما يشعرون به، أو أن يأتوا من الأمر ما يريدون. ما تسخير الجنود في رشيد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة يوم الأحد؟ ما تسخير الجنود في القاهرة أمس؟ إنما هو ذيل من ذيول التجرِبة المُخفِقة ما يزال يخطر بين الناس فيصيبهم بالأذى من يمين، ويصيبهم بالأذى من شمال.

    نعم، وسقوط صدقي باشا لم يَرُدَّ على الناس رخاءهم وثراءهم، ولم يبسط لأحد منهم في الرزق، ولم يمكنهم من أن يدفعوا الجوع عن أبنائهم وبناتهم وعن أخواتهم وأمهاتهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس بائسين يائسين، مُعدَمين محرومين. نعم، وسقوط صدقي باشا لم يحقن لهم دماءهم، ولم يحفظ عليهم نفوسهم، وإنما ظل الأمن كما كان مضطربًا مختلًّا، وظل الخوف كما كان باسطًا ظِلَّهُ المنكر على المدن والريف جميعًا.

    نعم، ولم تعلُ كلمة المصريين على كلمة الأجانب ولم يصبح المصريون أحرارًا في بلادهم، أَعِزَّةً في وطنهم، وإنما هم اليوم كما كانوا أمس خاضعين لما شاءت لهم الظروف السيئة من الاستغلال والاستذلال. أخفقت التجربة كما قال الوفد، وأيُّ إخفاق أشد نُكرًا من أن يضطرب أمر القائمين بها إلى هذا الحد فيُنكِر بعضهم بعضًا ويَمكُر بعضهم ببعضٍ، ويتربَّص بعضهم ببعض الدوائر، ويهيئ بعضهم لبعض المكروه، ويتحكم نائب حزب الشعب في رئيس حزب الشعب. ويكيد حزب الاتحاد لإلفه العزيز وحليفه الصديق، ويَجِدُّ المديرون في حرب من كان لهم بالأمس رئيسًا يخصهم بكل ما في الدولة من خير ويحمي بعضهم حتى من سلطان القانون.

    كل هذا دليل واضح على أن التجربة قد أخفقت كما يقول الوفد إخفاقًا منكرًا. ولكنه دليل واضح أيضًا على أن ذيول هذه التجربة ما زالت كما يقول الوفد، مجررة تتعثَّر التجربة فيها، وتتعثر فيها مع التجربة حياة المصريين وآمالهم.

    هذه وزارة تنهض بالحكم في الرد، ولا تعمل شيئًا، إلا ما كانت تعمله الوزارة الساقطة من تسخير قوة مصر لإذلال أبناء مصر. وبينما هي تسلك الطريق المنكرة التي سلكتها الوزارة الساقطة، إذا هي تجد ما وسعها الجِدُّ في محاربة سَلَفِهَا العظيم والكيد له وإرغامه على أن يلقي السلاح؛ هي إذن ذيل من ذيول التجربة تمضي إلى اليمين فتذل وتقهر، وتَعِدُ في غير عمل ولا قدرة على العمل، ثم تمضي إلى الشِّمال فتنحرف عن طريقها وتُنَكِّل بالذين أنشَئوها ومهَّدوا لوجودها تمهيدًا. وكان من حقها أن تعتمد عليهم وتعتز بهم وتستمد منهم القوة والحياة.

    أخفقت التجربة كما يقول الوفد، ولكن ذيولها ما زالت طوالًا تخفق في الجو فتنشر فيه شرًّا وفسادًا، وستبين الأيام من أَمْرِ المصريين ما لا بد أن يظهر. وسيعلم الناس أبقي عند المصريين صبر على ذيول التجربة بعد أن صبروا على التجربة نفسها. وسيعلم الناس أتستطيع ذيول التجربة أن تعيش كما عاشت التجربة نفسها، أم أن عمر الذيول أقصر من عمر أصحابها.

    هليوبوليس