Tag: المصريون

  • ثورة حية وحياة ثائرة | A Living Revolution, a Revolutionary Life

    ثورة حية وحياة ثائرة
    بقلم الدكتور طه حسين
    أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
    أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
    أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
    أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
    كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
    بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
    ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
    قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
    أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
    أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
    هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
    وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
    وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
    ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
    إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
    إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
    ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
    لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
    وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
    وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٢/٧

  • توسل | A Plea

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

  • خاتمة٣ | A Conclusion (3)

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣

  • غيوم | Clouds

    غيوم
    يظهر أن في جوّ السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء. ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خير أو شر. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم، وتتبعها في دقة وفطنة. ومن الواجب أيضًا أن يجدّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك؟ وآمالهم ومثلهم العليا في حياتهم الداخلية، وفي علاقاتهم الخارجية، واضحة كل الوضوح، جليّة كل الجلاء. ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال، والوصول إلى هذه المثل العليا، لا غموض فيها ولا إبهام.
    فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدلّ عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس حبًّا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة، وفي غير مراوغة ولا دوران.
    فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على الحرية، لا يُكرهون عليها إكراهًا، ولا يُدفعون إليها دفعًا، ولا يُستدرجون إليها استدراجًا، ولا يُقضى فيها وهم غائبون.
    والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حدّ ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور. ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.
    فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز؛ فقد كان رئيس الوزراء يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية، ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم. وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم توفيق دوس باشا في ذلك فأطال. ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة ولا شيء يشبه المفاوضة. ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدّد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تجري بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها، ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة، وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا.
    ثم سافر المندوب السامي فجأة، ولعله لم ينخدع لها أحد، فكثرت الإشاعات، واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تمّ. وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته؛ فإن أقرّته أمضاه رئيس الوزراء، واستقال لأن مهمته انتهت. وإن رفضته استقال رئيس الوزراء لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال، وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال، أو لينزلن عن الحكم.
    والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا؛ فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير، ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت-تشامبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا. وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه، وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلحّ في الاستفاضة والاتصال قد أثارت ريبًا كثيرًا في نفوس الناس من المصريين والأجانب.
    فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا، لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم، وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن. وهم لا يثقون بالوزارة القائمة، ولا يطمئنون إليها. ولعل أيسر ما يقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشدّ الارتياب بكل ما تأتي؛ لأنهم قد جرّبوا عليها الإسراف في الهوان، والإفراط في التقصير، والغلوّ في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلّها خطرًا.
    وهم يعلمون حقّ العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته، ويجب أن يؤدّى ثمنه، فيخافون—ومن حقهم أن يخافوا—ألّا يكون إسراف الحكومة في تملّق الإنجليز، ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان، كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم. وأن تُعرض الوزارة، أو يُطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز، مشروعَ معاهدةٍ معيّنًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر، طويلًا أو قصيرًا.
    وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام—وهم لا يستطيعون أن ينظروا—إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث؛ فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات. ومن حقهم أن يعرفوا، أو أن يحاولوا أن يعرفوا، إلى أي حدّ تُراعى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُراعى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخذ منهم. فإذا كانت المفاوضات سرًّا مكتومًا، وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريبة في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث، وتستفيض فيهم الإشاعات؛ فيفرح منهم فريق، ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجوّ السياسي على كل حال.
    هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا، فلندعه وما يرضى.
    ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام، وهذا التستّر والتكتم، ليس من شأنه أن يوجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جوّ سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة، التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتُلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار، هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟
    أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة فبإزاء الدين. فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية، كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدّح بهذا الفوز في شيء من الدلال والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنّب للصراحة والوضوح، كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا. ثم ظهر أنه لم يوفّق إلى شيء. فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قيل إنه لم يوفّق إلى شيء.
    ثم صدر حكم المحكمة المختلطة فغضب الناس جميعًا، وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.
    ومن هنا ابتدأت الريَب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا: أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا؟ أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب، ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟
    فإن تكن الثانية، فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر، وينكرون الحكومة التي تخدعهم، والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل، وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار، وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرّم بهم.
    وإن تكن الأولى، فما أبطأ الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟ أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة؟ أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى؟ أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟
    كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب، فتثير في نفوسهم شكوكًا وريَبًا، وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن، وفساد الرأي، وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كلٌّ يرتاب بصاحبه، وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم:
    فإمّا أن تكون أخي بحق فأعرف منك غثّي من سميني
    وإلّا فاطرحني واتخذني عدوًّا أجتويك وتجتويني
    الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات، ويريدون أن يتخلصوا منها كما تخلّص غيرهم من الأمم الشرقية. وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز. فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظّمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يخفَ عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبّت الريح. وقد بلغت الريح البرلمان، لكنها لم تلبث أن هدأت، فهدأت حاسة النواب والشيوخ، واستقرّت فاستقرّت حاسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف. ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا—أو كادوا يفهمون—كيف هبّت الريح وكيف استقرّت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيوتات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحّوا في إلغاء الامتيازات، والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال.
    وليس من مصلحة أيّ إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه جريدة «الديلي» تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات، فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر، وإنما يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى.
    ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة أداء ما عليها من دين، وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق، وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.
    فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة، فتزيل الشكوك وتمحو الريَب؟ الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدّر كرامتها: وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظنّ بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظنّ بها ويخاف منها على كل شيء. والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.
    كوكب الشرق ٢٨ – ٣ – ١٩٣٣