حديث الوادي
تسليم…
أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء. وألحت الصحف في إذاعة هذا النبأ وطلبت إلى الوزارة أن تبين للناس وجه الحق فيه، وألحت في هذا الطلب أيضًا.
ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب لم يغنيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.
هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه. ثم أخذ بعضها يتحدث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة: ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف، ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.
ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم. وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة، لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها، إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحب أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء، ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمس الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية. لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير. ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي، تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتبيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.
فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص، هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبين لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شؤون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فرد أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟
الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة. فأما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية، واحتفاظًا سلبيًا بالكرامة. وإما أن تحول هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.
هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيفه الإنجليز.
ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر، فنحن مستقلون ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يرد وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟
إن الأمر خطير حقًا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحب أن نعلم: أحقًا أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شؤون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟
فإن كان هذا حقًا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري. وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشؤون المصرية الخالصة.
وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها. فلتبين لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شر إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.
أما بعد، فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصر في القيام به، وهو أن تلح وتلح حتى تحمل الوزارة على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.
طه حسين
الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.
Tag: المندوب السامي
-
تسليم | Compliance
-
حماية (٣) | Protection (3)
حديث المساء: حماية (٣)
طه حسين
كوكب الشرق
٣ مارس ١٩٣٤
إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.
فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.
ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.
نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.
ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.
وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.
ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.
والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.
كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.
لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.
والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.
وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.
ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.
إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.
ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام. -
عودة | Return
عودة
كان الناس[1] ينتظرونها في أواخر الشهر المقبل، فأُعلن أمس أنها ستكون في أوائله. وكان حزب الشعب يهيئ لها الوسائل والأسباب، ويجمع لها الأصدقاء والأحباب، ويفكر لها في الجمع والاكتتاب. وكان يقدّر فيما يظهر أن شهرًا وبعض شهر وقت لا يكاد يكفي لتهيئة هذا كله بحيث يكون الاستقبال رهيبًا مهيبًا كما ينبغي له أن يكون، لأنه سيجمع فيما يظهر بين التهنئة بالعودة السالمة الموفورة، والتعزية عن الاستقالة التي لم يبق منها بد. ولكن رئيس الوزراء قد تعجل العودة فجأة، كما تعجلت وزارة الخارجية البريطانية نقل المندوب السامي فجأة، ولم يبق بد لحزب الشعب من أن يتعجل الاجتماع، ويكثر منه، ليرتب في أقل من شهر ما كان يريد أن يرتبه في أكثر من شهر. وسيكون العمل شاقًّا عسيرًا، وسيكون الجهد مضنيًا ثقيلًا. فليس من شك، سواء أردنا أو لم نرد، في أن كل شيء في مصر الآن من شأنه أن يثبط الهمم، ويضعف العزائم، ويغل النشاط، ويبعث في النفوس والأجسام فتورًا وخمولًا، ويصرف الناس عن أن يخفوا من بلادهم النائية للاحتفال والاستقبال، والتسليم والوداع.
فالأزمة الاقتصادية شديدة مرهقة، والمال نادر عزيز، والأسباب التي كانت تدعو إلى التضحية، وتحث على تكلفها واحتمال المشقة فيها، قد أخذت تضعف ويصيبها الوهن. وقد ضاقت فسحة الأمل، والتوت سبل المنفعة، واضطربت على أصحاب الآمال والمنافع أمورهم، والتوت عليهم طرق التفكير. فهم يشكون شكًّا عظيمًا في استقرار الوزارة، وكثير منهم يعتقد أن هذا الاستقرار قد أصبح حلمًا من الأحلام، وأمنية من الأماني، وحديثًا من بعض الحديث. وهم الآن يستنشقون النسيم السياسي ملء الأنوف والأفواه والرئات، يريدون أن يتبينوا طبيعته وريحه ومهبه، ليولوا وجوههم شطره، وليتأهبوا لاستقبال رجل آخر غير رئيس الوزراء، لا يدرون من أين يأتي. فليس غريبًا أن يكسلوا عن هذه الرحلة المرجوة إلى الإسكندرية في الشهر المقبل، وليس غريبًا أن يخف إليها من يخف منهم كارهًا لها، ضيقًا بها، متمنيًا لو أراحه الله من أثقالها وحط عنه أعباءها.
ولست أدري لم يحفل المصريون بهذه الأنباء التي يجري بها الهواء بين الأرض والسماء، فيقدّروا لها ويفرضوا لها غير ما ينبغي من الصواب، ويظنوا أن الأيام المقبلة ستتكشف عن شيء جديد، وعن تغيير في السياسة المصرية، وأن قومًا سيذهبون وقومًا سيجيئون. وكل شيء في حياة الناس خليق أن يرد عنهم الوهم، ويعصمهم من سوء الظن، ويحبب إليهم ما هم فيه، ويصل بينهم وبين الوزارة القائمة بأوثق الصلات وأمتن الأسباب. فأمنهم مستقر، ونظامهم ثابت، وحياتهم مطمئنة، وقلوبهم ونفوسهم راضية. وهم يعيشون في عهد سعيد لم يعيشوا في مثله من قبل، فهم خليقون أن يتمنوا بقاءه ويحرصوا على اتصاله، وهم يتمنون لهذا العهد السعيد طول البقاء، وهم يحرصون على أن يظلهم هذا العهد السعيد أعوامًا وأعوامًا، ولكن حبهم لهذا العهد وحرصهم عليه وإشفاقهم من أن يزول، كل هذا هو الذي يثير في نفوسهم الأوهام، ويسلط عليهم الظنون، ويخيل إليهم أنهم في مفترق الطرق، وأن ما ينعمون به من سعادة ورضًى، ومن نعيم وترف، يوشك أن يصرف عنهم، وأن هذه الوزارة القائمة التي يفدونها بالنفوس، ويضحون في سبيلها بكل عزيز، توشك أن تفارقهم، وأن تصرف عن تدبير أمورهم. وأي شيء يثير الخوف مثل الحب؟ وأي شيء يملأ النفوس جزعًا وهلَعًا مثل الإشفاق من أن يفارقك الحبيب؟ فالناس معذورون إذا ساءت ظنونهم لأنهم عشاق، وسوء الظن سريع إلى العاشقين. والناس معذورون إذ شكوا في بقاء الوزارة لأنهم حريصون عليها، وهل الحرص إلا شدة الإشفاق من وشك الفراق؟
فإذا أضفت إلى هذا أن الله قد سلّط على مصر هؤلاء الإنجليز المقيمين في لندرة، والقابعين في وزارة الخارجية، لينغصوا عليها عيشها، وليرسلوا عليها الخوف والفزع من حين إلى حين، أضفت عذرًا إلى عذر، وفهمت اضطراب الناس وترددهم. فقد كان كل شيء هادئًا في هذا ميدان حتى لعبت وزارة الخارجية البريطانية هذه اللعبة الغريبة التي يسمونها نقل المندوب السامي. ومهما تبحث، ومهما تفكر، فلن تستطيع أن تفهم الصلة بين نقل المندوب السامي من مصر، وبين خوف الناس على الوزارة المصرية، وإشفاقهم من أن تستقيل؛ فالإنجليز أحرار يفعلون ما يشاءون بممثلهم في القاهرة وفي غير القاهرة، يسيرونهم في الآفاق ويوجهونهم إلى حيث يريدون طبقًا لمصالحهم ومنافعهم، كما نفعل نحن بوزرائنا المفوضين. وليس بين ذلك وبين حياتنا الخاصة سبب ما.
أتظن أن الوزارة الإنجليزية تستقيل لو خطر لوزارتنا القائمة أو المقبلة أن تنقل وزيرنا المفوض من لندرة إلى عاصمة من عواصم الأرض، أو أن تستدعيه إلى القاهرة لتحيله إلى الاستيداع أو إلى المعاش؟ كلا. ومع ذلك فليس بين وزيرنا المفوض في لندرة وبين ممثل إنجلترا في القاهرة إلا فرق واحد، وهو أن ممثلنا يسمى وزيرًا مفوضًا، وممثل الإنجليز يسمى مندوبًا ساميًا. ومع هذا يُنقل وزيرنا فلا يتأثر الإنجليز، ويُنقل المندوب السامي فيظن المصريون ويسرفون في الظن.
وقد تعب الكُتّاب واحتملوا ألوان المشقة ليثبتوا قلوب المصريين، ويبينوا لهم أن نقل المندوب السامي عمل إنجليزي خالص لا يمكن ولا ينبغي أن يكون له أثر في الحياة المصرية، ولكن الناس يأبون إلا أن يظنوا ويتوهموا ويتنبأوا، ويسرفوا في إذاعة الأنباء والإشاعات.
وتستطيع أن تقيم للناس الأدلة التاريخية على أنك مصيب وأنهم مخطئون، تستطيع أن تثبت لهم أن «المارشال اللنبي» قد استقال أو استُدعي فلم تتغير الوزارة، ولم يقم هذا الائتلاف، وتستطيع أن تثبت لهم أن «اللورد لويد» قد استقال أو أُقيل فلم تتغير الوزارة، ولم تعد الحياة النيابية، ولم ينهض الوفد بأعباء الحكم. تستطيع أن تثبت لهم هذا كله، ولكنه جهد ضائع، فسينكرون عليك ما تقول، وسيزعمون أن تغيير المندوب السامي الإنجليزي كان مؤذنًا بتغيير في السياسة المصرية منذ استقال «المارشال اللنبي» إلى الآن. وهم لذلك كله يأبون إلا أن يستنتجوا من نقل «السير برسي لورين» ما لا يستنتجه الإنجليز ولا الكُتّاب المصريون، وأن ينتظروا استقالة الوزارة.
ماذا أقول؟ بل هم ينتظرون قبول هذه الاستقالة، لأن الوهم قد صوّر لهم أن رئيس الوزراء أرسل استقالته بالفعل. ولعله كان يحب أن يمضي في الاستجمام والعناية بصحته، لولا أن التقاليد لا تحب أن تسقط الوزارات ورؤساؤها غائبون. أرأيت إلى أي حد يذهب الوهم بالناس؟ أرأيت كيف يدفعهم إلى تصور الشيء الذي يكرهونه كأنه قد وقع بالفعل، فهم يحتملون أثقاله ويصطلون ناره؟
إن الوزارة القائمة وزارة الحب للشعب، والرفق به، والعطف عليه، وحمايته من الشر الواقع، ومن الشر الممكن، ومن الشر الموهوم. فما أجدرها أن تذيع على الشعب الذي تحبه ويحبها كلمة مطمئنة تؤكد تأكيدًا قاطعًا يطرد الوهم ويزيل اللبس: أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت منها في هذه الأيام، وأن نقل المندوب السامي أمر خارجي لا علاقة له بشئون مصر الحرة المستقلة، وأن تعجّل رئيس الوزراء عودته إلى وطنه المحبوب لا مصدر له إلا أنه قد سئم الراحة ونشط للعمل من جهة، وأن شوقه إلى الشعب قد اشتد من جهة أخرى بعد طول الفراق.
الوزارة فيما نعتقد خليقة أن تؤكد هذا للناس ليطمئنوا على حاضرهم ومستقبلهم من جهة، ولينفروا من جهة أخرى خفافًا لاستقبال رئيس الوزراء، فما نظن أن حرص الوزارة على أن يكون الاستقبال فخمًا ضخمًا بأقل من حرصها على أن يخف الناس إليه، وهم آمنون واثقون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[1] كوكب الشرق في ٨-١٠-١٩٣٣.