قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
٧ نوفمبر ١٩٦٤
أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»، فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي! طه حسين
ليل له آخر يظهر أن الأستاذ يوسف السباعي قد أزمع أن يكون المؤرخ القصصي لعهد الثورة كما يصنع بعض كبار القصاص الغربيين، بالقياس إلى الأحداث الكبرى التي تحدث في أوطانهم، منذ ابتكر ولترسكوت أو كاد يبتكر هذا النوع من القصص التاريخي. فقد صور الأستاذ يوسف السباعي شبوب الثورة القائمة تصويرًا رائعًا في قصته «رد قلبي»، ثم صور تأميم القناة وما تبعها من الأحداث في قصته «نادية»، وصور الوحدة بين مصر وسوريا في قصة لم تصل إليَّ؛ وهي «جفت الدموع». وهو في هذه القصة الأخيرة يصور ما كان من الانفصال بين البلدين المتحدين بعد أعوام قليلة بعد الوحدة. وهو في كل هذا التصوير التاريخي القصصي بارع حقًّا، فهو في سرد الأحداث التاريخية لا يتزيد ولا يسرف في المبالغة، وإنما يروي التاريخ رواية صادقة دقيقة، ولكنه يحيطه بالقصص الخيالي الرائع، بحيث تمر أحداث التاريخ كأنها مبتكرة كسائر ما يحيط بها من القصة، وهو في هذه القصة لا يكتفي برواية الأحداث العامة، ولكنه يضيف إليها رواية تجربة خاصة، ولكنها شديدة المرارة. وقد امتحن هو بهذه التجربة القاسية، فقد مرض ابنه الصبي ولم يستطع أن يعالجه في القاهرة فذهب به إلى لندرة، وهناك خضع الصبي لجراحات متعددة حتى أتيح له الشفاء. ومع أنه في رواية الأحداث التاريخية يصطنع الصدق الخالص، ولا يمزج التاريخ بالخيال، فهو في رواية تجربته الخاصة قد اصطنع الخيال فأحسن اصطناعه كل الإحسان، واستطاع أن يسبغ على قصته روعة ممتعة حقًّا، لم يذكر ابنه بحال من الأحوال، وإنما ابتكر بطلة القصة وجعلها فتاة سورية نشأت في أسرة واسعة الثراء، وعرض لها حادث أعجز إحدى ساقيها عن الحركة؛ فمرضت في دارها وعالجها الأطباء من مواطنيها، ولكنهم لم يبلغوا من علاجها ما أرادوا، فاضطر أبواها إلى أن يذهبا بها إلى لندرة، وهناك عولجت في أحد المستشفيات. ولكن الجرَّاح الذي عني بعلاجها لم يصب موضع المرض، فشقيت الفتاة بما لقيت من الآلام، ولم يكن أبواها أقل منها شقاء، واضطرت الأسرة إلى أن تعود من حيث أتت، واستيأست الفتاة من كل شيء، وكرهت أن تُذكر لها الجراحات، أو أن تحاول أسرتها علاجها من جديد، ورضيت بما ليس لها بد من أن ترضى به، وهو أن تمشي متوكئة على العصي، غير أنها لقيت عند بعض أقربائها ضابطًا مصريًّا شابًّا من ضباط الجيش المصري الذي رابط مع السوريين على الحدود بين سوريا وفلسطين. فلم تكد تراه حتى وقع من قلبها موقع الحب، كما شغف بها الضابط المصري أشد الشغف وأقصاه، ولكنها مع ذلك وطَّنت نفسها على هذا الحب اليائس البائس، ولكن الضابط المصري لم يحس يأسًا ولا بؤسًا، وإنما امتلأ قلبه سعادة وأملًا، فعاشت الفتاة سهير عيشة اليأس والبؤس، وعاش الفتى حمدي عيشة الغبطة والرضى، وامتلأت نفسه بالثقة في أن يتخذها لنفسه زوجًا، وتمنت هي ما تمنى حمدي، ولكنها اطمأنت إلى هذا الشقاء والقنوط. ولكن الفتى صارحها بهذا الحب وبما صحبه من رجاء، فلم تتردد هي في أن تصارحه بحبها وما صحبه من شقاء ويأس. وفي الحب قوة لا تشبهها قوة، وإذا الفتى يستطيع أن يرد إليها بعض الأمل، وإذا هي تطمع في مثل ما يطمع فيه الفتى، غير أنها علقت آمالها على الشفاء قبل كل شيء، ولم يستطع صاحبها أن يقنعها بالأمل الخالص والإعراض عن التفكير في الشفاء والعلاج، وإذا هي تعود إلى التفكير في العودة إلى لندرة، واحتمال مشقة السفر والشفاء بما فيه من مشقة، وبما في العلاج من ألم وشقاء، وأخذت تلح في ذلك على أبويها حتى أذعنا لما أرادت، ولم يستطع الفتى أن يردها عن هذا التفكير، ويجنبها المشقة والألم والتعرض لليأس مرة أخرى، فعاد بها أبواها إلى لندرة، وأتيح لها الشفاء بعد كثير جدًّا من الجهد والعناء، وعادت إلى سوريا بعد أن استردت ساقها، وعادت إلى سوريا وقد أصبحت كغيرها من حسان الفتيات. وفي أثناء هذا كله تمت الوحدة بين مصر وسوريا، وبدأ الإصلاح الاجتماعي في سوريا؛ فسعد به الشعب السوري كل السعادة، وشقي به الأغنياء كل الشقاء، فكان منهم من تحمل وتجلد واحتمل ما أصابه في كثير من الشجاعة والرضى والثقة أيضًا — وكان أبو الفتاة من هؤلاء — وكان منهم من استسلم لليأس والسخط لا يُسرُّ ذلك ولا يخفيه، وإنما يتمنى لهذه الوحدة أن تزول، وأن تعود الأمور كما كانت من قبل — وكان الشيوخ من أقارب الفتاة بين هؤلاء. ولم يظهر الخلاف بين الشيوخ من الأغنياء والشباب من أبنائهم كما ظهر في هذه الوحدة وما ترتب عليها من نتائج وآثار في ثروة الآباء، وابتئاسهم بما فقدوا، وابتهاج الأبناء بهذه الوحدة، وثقتهم بالمستقبل المشرق للوطنين المتحدين، وبما كسبوا من هذا الإخاء بينهم وبين شباب المصريين من الجنود وأسرهم التي انتقلت إلى سوريا واستقرت فيها، وإذا أواصر الحب تنشأ بين أولئك وهؤلاء حتى تنتهي في بعض الأحيان إلى الخطبة والزواج. أما سهير وصاحبها فقد استقبلا آمالًا عراضًا، وثقة باسمة بمستقبلهما السعيد بعد الزواج الذي كانا يتهيَّأن له، وفجأة ظهرت مقدمات وبوادر ما في الجيش السوري، فحدَّث عن ابتهاج الشيوخ من الأغنياء، ومشاركة الشباب من أبنائهم للشعب السوري كله في الآلام المرة، والأحزان المظلمة الثقال، وحدَّث عما أصاب فتاتنا سهير من الأسى واللوعة والإشفاق على نفسها وعلى خطيبها، وإن كان هذا كله لم يزد حبهما إلا قوة واستئثارًا بقلبيهما الفتيين. هذا تلخيص شديد الإيجاز لخلاصة القصة، ولم أتحدث عما يتصل بها من أنباء الأقارب والأصدقاء التي بسطها الكاتب مفصلة أدق تفصيل وأجمله. ومن ظلم القصة أن نكتفي منها بهذا التلخيص الموجز؛ ففيها ألوان من الروعة التي تسحر النفوس وتملؤها إعجابًا بما وفق إليه الكاتب من جمال الوصف ودقته لبعض مظاهر الحياة والطبيعة في سوريا، وفي دمشق غوطتها خاصة، ولحياة الفتاة في المستشفى، وحياة أبويها وأصدقائهما من حولها، ولبعض المناظر في لندرة. وكل هذا إنما يدل على أن الكاتب قد عاش في البلدين عيشة الملاحظ المستأني الذي تسجل نفسه كل ما يبهره ويروعه من المناظر الظاهرة، والإحساسات الخفية في نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم. ومن أجمل ما في القصة أن الكاتب لا يظهر فيها، فهو لا يتحدث ولا يقص، وإنما يترك ذلك لسهير؛ هذه الفتاة التي شقيت بالمرض والحب، ثم سعدت بالشفاء والأمل، ثم أدركتها الخيبة بعد الانفصال المتكلف بين الوطنين الشقيقين، ولكن هذه الخيبة على شدتها لم تؤثر في حب الفتاة لصاحبها، ولا في حب الفتى لها. ولعل أجمل ما في القصة دقة الوصف للمشاعر الخفية، ودخائل النفوس، وأسرار القلوب. وأشهد أن طول القصة، بل إسرافها في الطول لم يزدني إلا حبًّا لها، وإعجابًا بها، حتى قرأتها مرتين، ولا أستبعد أني سأقرؤها مرة ثالثة. وإذا لم يكن بد من النقد وشيء من القسوة على الكاتب؛ فلأكتفي بالأسف الشديد على ما في القصة من هنات تتصل باللغة والنحو، وهذه الهنات مبثوثة في القصة كلها، لا تملؤها لحسن الحظ، ولكنها تظهر فيها بين حين وحين؛ فيضيق بها القارئ، ويأسف لها أشد الأسف — إذا كان هذا القارئ يشاركني في الحرص على اللغة العربية الفصحى، والضيق بكل ما يسوءها قل أو كثر — وما أكثر ما رجوت من الكاتب الصديق أن يتحقق أو يعرض قصته قبل أن تنشر على من يتحقق له من سلامتها وبراءتها من كل خطأ عربي. وأنا على كل حال أهنئ الكاتب الصديق بقصته الممتعة، وأتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»؛ فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي!
Tag: النثر العربي
-
كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد | A Guide to the Philosophy of Locusts
كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد
صديقي العزيز المجهول إسماعيل بن زيد حفظه الله وأكثر من أمثاله.
تحية طيبة تلقاك حيث كنت، فإني لا أعرف أين تكون، كما إني لا أعرف من تكون.
أما بعد، فقد قرأت كتابك في (الرسالة) منذ أيام، ولست أدري أين ظفر به صديقنا الدكتور عوض، فإني لم أتلقّه قبل نشره، ولو قد وصل إليّ لما أبطأت في الرد عليك برغم كثرة العمل واشتغال النفس بأشياء يراها الناس خطيرة بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، وأراها أنا كما تراها أنت أهون شأناً وأقل خطراً من صيد الضفادع، وتثقيف الجراد واستخراج أشعة الشمس من قشر الخيار. وأكبر الظن أنك رجل رؤوف بالأصدقاء شفيق على الإخلاء، خطر لك أن تستفتيني فيما عرض لك من الأمر فسطّرت كتابك وهممت بإرساله إليّ، ثم عرفت إني مجهود مكدود فرحمتني ورفقت بي وأجلت إرسال كتابك إليّ حتى ينقضي العام وأفرغ لمثل هذه الموضوعات الجليلة القيمة. ولكن كتابك وقع إلى صديقنا عوض على أي نحو من هذه الأنحاء التي تقع بها الكتب إلى الناس أو يقع بها الناس على الكتب، وعوض رجل فيه مهارة العفاريت ولباقة الشياطين اكتسبهما في أكبر الظن من ترجمته لقصة فاوست ومن طول عشرته لشيطان الشاعر الألماني العظيم. فلم يكد يقع الكتاب إليه أو لم يكد هو يقع على الكتاب، حتى أسرع به إلى الرسالة يكيد بنشره لك ولي جميعاً.
يكيد لك لأنه يحسب أن الناس سيضحكون حين يظهرون على هذه الموضوعات الغريبة التي تفكر فيها وتنفق في دراستها وقتك وجهدك، ويكيد لي حين يطلب إليّ باسمك على ملأ من قراء الرسالة أن أبوّب لك الكتب التي تريد أن تذيعها في هذه الموضوعات.
وليس عوض شيطاناً ولا عفريتاً ولا مترجماً لفاوست ولا معاشراً طويل العشرة لمفيستوفيليس انقضى يومه وليله دون أن يجدّ ويكدّ ليغيظ إنساناً من الناس ويعبث بصديق من الأصدقاء، وأحسبه أنه أعياه الظفر بمن يغيظه أو يعبث به لا يتردد في أن يغيظ نفسه أو يعبث بها، وله في الحطيئة قدوة سيئة وأسوة قبيحة. ولا بد من أن يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الشر ويدفعهم إلى البغي كما يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الخير ويهديهم إلى البر والرشاد.
وقد هممت أيها الصديق العزيز المجهول أن أعرض عن هذه الرسالة التي لم أتلقها أو أن أؤخر الرد عليها كما أجلت أنت إرسالها، ولكني – ولا أكذبك – لم أكد أتم قراءتها حتى استرحت إليها ونعمت بها لأنها صادفت هوى في نفسي ولاءمت بعض ما كان يضطرب في رأسي من الخواطر والآراء. فلم أجد بداً من أن أرد عليك في (الرسالة) لأني لا أعرف عنوانك ولأني قرأت كتابك في الرسالة وتلقّيته من طريقها، ولأني لا آمن هذا العفريت الذي نسميه عوضاً ونكل إليه تعليم الجغرافيا في كليتين من كليات الجامعة أن ينالها بقليل أو كثير من التبديل والتغيير، وأنت تعلم أنه من العسير جداً أن أجيبك في فصل واحد إلى تبويب هذه الكتب الأربعة التي ألفتها غير مبوبة، فذلك يحتاج إلى وقت وفراغ لا أملكهما في هذه الأيام أيضاً؛ وذلك يحتاج بعد هذا إلى مكان من الرسالة قد لا تستطيع أن تخصصه لنا دون أن تظلم واحداً أو اثنين من كتابها الأدباء. ولست أذكر الرفق بالقارئ ولا الترفيه عليه، فالقارئ آخر من أفكر فيه؛ وليس يعنيني أن يغضب أو يرضى، وليس يهمني أن يقرأ أو يعرض عن القراءة، فإني لا أكتب له وإنما أكتب لك. وأنا لا أكتب له لأن هذا الموضوع أعمق وأدق من أن يكتب للقراء؛ إنما يكتب للقراء في فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس ونيتشة وأمثالهم من أصحاب العقول الجبارة؛ فأما فلسفة الجراد فإنها ألطف وأخفى وأرق من أن تبلغها عقول المثقفين أو تنفذ إليها بصائر المستنيرين؛ لهذا أفكر فيك أنت ولا أفكر في القراء؛ ولو فكرت فيهم لما كتبت شيئاً، لأني لا أحب أن ألقاهم بما يكرهون. لا سبيل إذن إلى أن أتحدث إليك في هذه الموضوعات الأربعة التي ألفت فيها كتباً غير مبوبة، وإنما أتحدث إليك في موضوع واحد منها أختاره ليكون نموذجاً لغيره من الموضوعات التي ألفت فيها والتي يمكن أن تؤلف فيها؛ فإن أبيت إلا أن أبوّب لك هذه الكتب الأربعة فقد نستطيع أن نصنع ذلك في مجالس خاصة نلتقي فيها بين حين وحين لهذا العمل الجليل، نلتقي فيها لنتحدث على مهل وفي حرية دون أن يشاركنا في الحديث هؤلاء القراء الذين لا نأمن منهم أن يذهبوا فينا المذاهب وأن يطلقوا فينا الألسنة وأن يظنوا بنا الظنون.
وقد اخترت تعليم الجراد أصول الفلسفة موضوعاً لهذا الحديث. وأول ما ألاحظه أيها الصديق العزيز المجهول أنك أهملت عنوان الكتاب الذي ألفته إهمالاً شديداً، وأكبر الظن أن إهمالك للفنون هو الذي حال بينك وبين تبويب الكتاب على ما تحب.
ولست أدري أصحيح ما قال القدماء من أن الكتاب يعرف بعنوانه، ولكني أعتقد أن عنوان الكتاب يبوّبه وينظمه، ويلائم بين أجزائه ويشيع فيه هذه الموسيقى التي تحببه إلى النفوس وتغري به عقول القراء. وأول ما يجب العناية بالعنوان فيما أرى أن نذهب به مذهب القدماء الصالحين، فلا نرسله إرسالاً ولكن نقيده بالسجع، لأن إرسال الأشياء في غير قيد يمكنها من أن تهيم على وجهها وتنطلق في غير وجه، وتكون كالجراد هذا الذي لا يستقر على سنبلة أو كوز إلا ريثما ينتقل إلى سنبلة أو كوز. فإذا أردت يا صديقي أن تضع كتاباً فلا تفكر في موضوعه ولا في أجزائه ولا في أبوابه وفصوله ولا في غاياته وأغراضه، فهذا كله يأتي وحده دون أن تدعوه أو تلج في دعائه بالعناية أو التفكير، إنما الشيء الذي يجب أن تقف عليه جهدك، وتنفق فيه وقتك، وتستنفد فيه قوتك، هو العنوان، والعنوان المقيد المسجوع. ويشهد بذلك تراثنا الأدبي العظيم الذي إن أحصيته وجدت أكثره قد قيد بهذه العناوين المسجوعة؛ ويشهد بذلك صديقنا الزيات فقد كانت لنا معه جولات قيمة خصبة أيام الشباب في هذا الفن الذي لا يحسنه إلا أقلون؛ ويشهد بذلك صديقنا محمود حسن الزناتي الذي كان أستاذنا في هذا الفن العجيب. لذلك لم أكد أختار هذا الموضوع للحديث حتى فكرت قبل كل شيء في عنوان الكتاب الذي ألفته ولم تنبئني منه إلا بطرف يسير قصير. وقد سميت هذا الكتاب كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد وأخص ما يتميز به العنوان البارع أن يراه القارئ فيظنه واضحاً جلياً، فإذا رآه الأخصائي تبيّن فيه ألواناً من الغموض وفنوناً من الغرابة تحتاج إلى الشرح والتفسير، وإلى الحاشية والتقرير. ولا شك في أن المثقفين من قراء الرسالة سيرون هذا العنوان سهلاً سائغاً وقريباً دانياً. ولكن أصحاب البيان والراسخين في علم التأويل سيلاحظون أن كلمة الفلسفة هنا قد استعملت في غير معناها الحقيقي المعروف؛ فليس للجراد فلسفة؛ والدليل على ذلك أنك تريد أن تعلمه الفلسفة، وإذن فقد يقال إن في هذه الكلمة مجازاً مرسلاً لأن المؤلف أراد فلسفة الجراد باعتبار ما سيكون، لأن الجراد إذا قرأ كتابك إن شاء الله تهذّب وتأدّب وصارت له فلسفة. ولكن ليس هذا هو الذي أراده المؤلف، فقد يكون أراد شيئاً آخر، وهو أن للجراد الآن فلسفة جرادية يراد أن يُعدل عنها إلى الفلسفة الإنسانية. وقد يكون المؤلف أراد بالفلسفة المصدر أي جعل الجراد فيلسوفاً، يقال: فلسفت الشيء جعلته فلسفياً، وفلسفت الإنسان جعلته من أصحاب الفلسفة، وفلسفت الجراد جعلته مفلسفاً. ولا تبحث عن هذه الكلمة في المعاجم العربية القديمة، فقد لا تظفر في هذه المعاجم بشيء، ولكن ابحث عن هذه الكلمة عند الفلاسفة في كلية الآداب فهم الذين يلائمون بين القديم والجديد، وهم الذين يرجع إليهم في مثل هذه المشكلات.
أرأيت أن كلمة واحدة من هذا العنوان قد أثارت كل هذه الأبحاث التي أومأت إليها إيماءً، فكيف بكلماته الأخرى إذا لوحظت مفردة وإذا لوحظت مجموعة. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا العنوان سيضمن لك شيئين: الأول أنه إعلان سيعجب القراء ويروقهم، بل سيبهرهم ويروعهم، وسيدعوهم إلى شراء الكتاب والترويج له عند الأصحاب والأصدقاء. ولعله يروق في وزارة المعارف وأنت أعلم بما وراء ذلك من المنافع التي لا تحصى. والشيء الثاني أن هذا العنوان سيرسم لك برنامج الكتاب ويمكنك من تبويبه في غير مشقة ولا عسر. ولا تكلف نفسك ترويةً ولا تفكيراً، ولكن خذ كلمات هذا العنوان واجعل منها عناوين لأبحاثك فسترى أن كتابك قد بوّب بإذن الله. فليكن موضع الباب الأول إذن هو البحث عن كلمة الكتاب مما اشتقت، ومن أين أخذت، وما معانيها المختلفة التي دلت عليها في العصور المختلفة والبيئات المتباينة. ولا تخف أن يقال لك إن هذا استطراد وإطالة وتزيد في القول، فلولا الاستطراد والإطالة والتزيد في القول لذهب أكثر العلم أو أكثر الأدب على الأقل. ولك في الجاحظ أسوة حسنة فهو قد أطال في ذكر الكتاب حين أراد أن يؤلف في الحيوان.
وقد ألف أرسطوطاليس من قبله في هذا الموضوع فآثر الإيجاز واجتنب الاستطراد وكانت النتيجة أن الناس جميعاً يقرؤون كتاب الجاحظ وليس منهم من ينظر في كتاب أرسطوطاليس، لأن كتاب أرسطوطاليس علم وقد تغير علم الحيوان، وكتاب الجاحظ أدب وقلما يتغير الأدب، ولا سيما حين يتميز بالإطالة والاطراد. ونحن في كلية الآداب لا نبدأ دروس الأدب حتى نعلم الشبان علماً كثيراً عن لفظ الأدب ومعانيه، فسر سيرتنا ولا بأس عليك. وإذا فرغت من هذه الأبحاث القيمة التي لا تتصل ولا يجب أن تتصل بالموضوع، فخذ بعد ذلك في بحث يكون صلة بينها وبين الموضوع وهو إضافة الكتاب إلى الإرشاد والصلة بينه وبين الجراد. وكيف تختلف الكتب باختلاف أصناف الناس، وكيف تختلف الكتب باختلاف أنواع الحيوان، لا من جهة موضوعها وأسلوبها فحسب، بل من جهة أحجامها وقطعها أيضاً ومن جهة مادتها التي تطبع وتذاع فيها، ومن جهة الخط والحروف التي تستخدم في هذا الطبع؛ فأنواع الطبعة تختلف باختلاف القراء في القدرة والذوق، وكذلك الأحجام، وكذلك مادة الورق والغلاف؛ ويجب أن يطرد هذا بالقياس إلى الحيوان وبالقياس إلى الجراد خاصة، وواضح جداً أن هذا سيذهب بك في ألوان من البحث الطريف الذي لم تسبق إليه؛ فإذا فسرت آراءك ببعض الصور فثق بأنك ستحدث في عالم التأليف حدثاً عظيماً، وثق بأنك ستفتح للجنة الترجمة والتأليف والنشر أبواباً لن تتردد في ولوجها ولكنها لن تعرف كيف تخرج منها.
ثم دع هذا الباب إلى الباب الثاني واجعل عنوانه الإرشاد واسلك في هذا الباب مسلكك في الباب الأول، فاخضع لفظ الإرشاد ومعانيه لكل هذه التجارب التي أخضعت لها لفظ الكتاب ومعانيه، ثم ابحث عن إرشاد الجراد كيف يكون، فاعقد فصلاً تصوّر فيه مذهب الذين يرون أن الجراد يفهم بالعقل وبيّن كيف يكون إرشاده على هذا النحو، واعقد فصلاً آخر تصوّر فيه رأي المحدثين الذين يرون أن الجراد يفهم بالفم والبطن وبيّن فيه كيف يكون إرشاد الجراد من طريق الأفواه والبطون. والناس كما تعلم يختلفون في هذا الموضوع، ومنهم من يرى أن تكتب أصول الفلسفة على أوراق الأشجار والنجوم والزرع التي يحبها الجراد ويميل إلى أكلها ويقولون أن الجراد إذا أكل هذه الأوراق المفلسفة فهم العلم ووعى الحكمة وأصبح فيلسوفاً بإذن الله.
ثم اجعل الكلمة الثالثة عنواناً للباب الثالث وهي "إلى". ولا بد من أن تبحث عن السبب في أن الإرشاد يتعدى بـ "إلى" ولا يتعدى بغيرها من حروف الجر؛ ولم لا يقال كتاب الإرشاد لفلسفة أو بفلسفة أو في فلسفة أو من فلسفة أو عن فلسفة أو على فلسفة الجراد. وواضح أن كل حرف من هذه الحروف سيحتاج إلى فصل مطول جداً وستجد في كتاب المغني لابن هشام ما يعينك على تحرير هذه الفصول. ولا تخف من هذه الإطالة فإنها هي التي ستنفعك وتروّج كتابك عند أصدقائنا الأزهريين. ثم إذا أردت أن يروج كتابك عند الجامعيين وفي كلية الأدب خاصة فأحسن عنايتك بالباب الرابع وهو باب الفلسفة وهو اللب الأول للكتاب، لأن الأبواب التي سبقت كانت قشوراً ولكنها كانت قشوراً لا بد منها، فكل لب محتاج إلى قشر وإلا لما كان لباً. فابحث الآن عن الفلسفة وعن أصل لفظها واحذر أن تقول إنه يوناني فقد يكون هذا مطابقاً للحق، ولكن الحق في هذه الأيام لا يغني عن البدع شيئاً. والبدع في هذه الأيام أن تخرج الأشياء عن أصولها وتوضع في غير مواضعها وتُرد إلى غير مصادرها. والظاهر أن كلمة الفلسفة ترجع إلى أصل سامي عربي، وما أشك في أنك ستجد في شعر قضاعة بيتاً يثبت لك وللناس جميعاً أن العرب قد عرفوا الفلسفة واستعملوا لفظها قبل أن يولد سقراط. ولا بد أن تعرض معاني الفلسفة ومذاهب الفلاسفة في العصور المختلفة وتفحص عن أيها أدنى إلى الجراد، إلى عقله إن كنت من أنصار العقل، وإلى بطنه إن كنت من أنصار البطون. فإذا فرغت من هذا البحث الهائل المخيف وصلت إلى الباب الأخير الذي هو نتيجة النتائج وجوهر الجواهر وأصل الأصول وفصل الفصول وخلاصة الكتاب ولب الألباب وهو باب الجراد الذي وجه إليه الإرشاد.
وهذا الباب معقد بطبعه فلا بد من أن تبحث عن لفظ الجراد من أين جاء وإلى أين انتهى، ولا بد من أن تبحث عن منزلة الجراد بين أنواع الحيوان، ولا بد من أن تبحث عن محاسنه وعيوبه، ثم لا بد من أن تبحث عن عقله وما يكونه من الملكات وعن بطنه وما يتميز به من الخصال في الاستيعاب والهضم وتصريف العلم والفلسفة إلى أجزاء الجسم وأطرافه والوصول آخر الأمر إلى أن يسير الجراد سيرة فلسفية صالحة. فإذا وصلت إلى هذا الموضع من كتابك وخيل إليك أنك قد انتهيت به إلى غايته وأفدت العلم فائدة محققة تمكنك من نيل الدكتوراه من كلية الآداب فعد إلى منهج ديكارت وألغ هذا الذي كتبته كله إلغاءً، وافترض أنك لم تكتب شيئاً ولم تعلم شيئاً واستأنف التحدث من جديد فسترى أنك قد أضعت وقتك في غير نفع، وأنفقت جهدك في غير طائل، واستهلكت راحتك وورقك وحبرك وأقلامك في غير غناء، لأن الجراد ليس في حاجة إلى أن يتعلم الفلسفة الإنسانية الآن، فقد تعلمها منذ عهد بعيد؛ فهو إن كان ناهباً سالباً ومغيراً محارباً فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وهل زاد الإنسان على أنه حيوان قوام حياته السلب والنهب والحرب؟ وهو إن كان خفيفاً سريعاً متنقلاً لا يستقر على حال من القلق فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وما أظن أنك تستطيع أن تلقى جرادة تجهل قول الشاعر القديم:
تنقل فلذات الهوى في التنقل
وهو إن كان مفتناً في الخفة والتنقل فقد أخذ هذا الافتنان عن الإنسان، لأنه يراقب الحضارة وتطورها، ويراقب المبادئ وتلونها، ويراقب اضطراب الناس في آرائهم وأهوائهم ومذاهبهم ومبادئهم، ويراقب الضمائر التي تباع، والعقول التي تستهان، والحريات التي تزدرى، والأصول التي تتخذ تجارة ووسيلة إلى الربح وتحقيق المنافع الدنيئة. وقد هم الجراد أن يقلد الإنسان في هذا فأدركته بقية من عقله أو من بطنه الذي تستقر فيه الفلسفة وامتنعت به عن أن ينحط إلى هذه القرارة الحقيرة الموبوءة التي انحط إليها الإنسان الحديث، فظل حيث هو يغير كريماً ليأكل من ثمرات الأرض ما يستطيع أن يصل إليه، ويعود كريماً إن استطاع العودة أو يموت كريماً بما يسلط عليه الإنسان من ألوان البأس وضروب الفناء. وأنت حين تصل إلى هذه النتيجة بين اثنتين: فإن كنت من أنصار الفساد وعشاق الانحطاط الذين يرون أن الإنسان قد وصل في هذا العصر إلى أرقى أطوار الحضارة فاستأنف العمل لتبحث عن طريق تهدي بها الجراد إلى تقليد الإنسان في الانحدار إلى هذه القرارة، وإن كنت من المحافظين الذين يكرهون التطور الحديث ويمقتون نتائجه فادع الإنسان إلى أن يتعلم فلسفة الجراد وضع في هذا كتاباً اسمه: (التبيان عن تجرد الإنسان) والتجرد هنا مشتق بالطبع من الجراد. وتقبل أيها الصديق العزيز المجهول أخلص تحياتي.
طه حسين
الرسالة ١٧ – ٥ – ١٩٣٧ -
النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة | Arabic Prose in the Second and Third Centuries of the Hijra
النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
طه حسين
مجلة المقتطف
فبراير ١٩٣١
قسَّم الأدباءُ ومُؤرِّخو الأدبِ العربي الكلامَ إلى مَنْظُوم ومَنثور، فزعموا أنَّ المنظوم هو ما تقيَّد بالوزن والقافية، والمنثور ما كان طليقًا منهما. ونشأ عن هذا أن انقسموا إلى قسمين:
(١) الشعراء وأنصارهم.
(٢) الناثرين ومؤيديهم.
فذهب الأوَّلون إلى أنَّ الشعر يُكلِّف صاحبَهُ الوزنَ والقافيةَ، وأنهُ ديوان العرب، فيه قُيِّدت مفاخرهم، وإليه يُرجَع الفضل في تخليد ما لهم من فضائل قديمة، ثم مضوا إلى أكثر من هذا في أنهُ يلائم الموسيقى وموضوع الغناء، فهو مصدر اللذة الغنائية والموسيقية، وقالوا: إنَّ الشاعرَ يُنشِد واقفًا، بينما يتكلم الناثر واقفًا أو جالسًا على حد سواء؛ فهو أفضل من النثر.
وقال الآخرون: لا نُنْكِرُ ما للشعر من فضيلة ومَزِيَّة، ولكِنَّهُ لا يكونُ إلا فنًّا من فنون اللهو، بينما النثر يَفي بضَرُوريات الحَياة؛ فهو لغة السياسة، ولغة الدين، ولغة العلم. وإذن فقد يكون الشعر ذا مكانة، ولكنَّ النثر أشد مَساسًا بحاجات الإنسان، وأشد اتصالًا بما ينتجهُ؛ فالنثر أفضل من الشعر.
ولا يكاد يخلو كِتاب من كُتب الأدب الضخمة من خلاف بين الشعراء والكُتَّاب وأنصار كل منهما، ومصدر هذا أنَّ الذين يدرسون الأدب العربي لا يُقدِّرون مكانة الشعر ومكانة النثر من الحياة بقدر ما ينبغي؛ فالشِّعْرُ ضرورة من ضروريات الحياة في طور من أطوارها، فإن انْقَضَى هذا الطور أصبح الشِّعْرُ عَاجزًا عن أنْ يقوم بشيء من ذلك، وأصبحَ النثر خليفته، يُصور الأشياء الجديدة.
والشعر الذي كان ضرورة أولًا يُصبح في الطور الثاني ضربًا من الفُكاهة والتَّرف، والحياة لا تستطيع أن تستغني عن كليهما.
وكذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم التي كان لها حياة أدبية، وكان لها شعرٌ ونثرٌ، نُلاحظ أنَّ حياتها الأدبية قد بَدَأتْ شِعرًا، وأنَّ النثر قد وُجِد فيها قبل أن يُوجَد الشعر بزمنٍ طويل — وإذا قلتُ نثرًا فلا أعني لغةَ التخاطب، إنما أقصد النثرَ الذي يفهمهُ الأديب — فالأمم التي لها أدب قبل أن تُعبِّر عن عواطفها وميولها بالنثر عبَّرتْ عن لذتها وآلامها بالشعر، وكان الشعر هو لسانها الأدبي. فلما تطوَّرت هذه الأُمَمُ وارتقى عقلها وتغيرت نُظُمها السياسية والاجتماعية واتصلت بغيرها من الشعوب، ونشأ عن ذلك أن وُجِدت فيها أفكار وآراء لم تُوجَد عندها من قبل، واحتاجت إلى أن تُنَظِّم هذه الأفكار والآراء، وإلى أنْ تُصوِّرها وتُعلنها فعجز الشعر عن أن يُعبِّر عنها، واضطرت إلى النثر.
لذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم، كالأُمَّة اليُونانية مَثلًا، نراها أولًا شاعرة تنشئ الشعر قصصيًّا، ثم غنائيًّا، ثم تمثيليًّا. ولا ينشأ النثر عندها إلا في وقت الاضطراب السياسي، وتتغير فيها نُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، وتشتدُّ الصلة بين اليونان والأمم الشرقية والعربية. وتنشأ أفكار جديدة؛ منها: السياسي، ومنها الفلسفي، ومنها الديني. واضطرت أن تُعَبِّر عن هذا كله؛ فنشأ النثر، ومثل هذا نجده عند الأمة الرُّومانية، وهذا هو الذي نَجِدُه عند الأمة العربية في العصر الأول قبل الإسلام.
كان العرب أمة شعرٍ، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين منَ الحياة على العاطفة والشعور، أكثر من اعتمادها على الحِكْمَة والرَّوية، تندفع بحكم هذا الشعور إلى الحرب أو السلم أو الخُصُومة، أو إلى أية نَاحِيَةٍ من نواحي الحياة الجاهلية.
فإذا وصلت من ذلك إلى ما تُريد وتأثرت بهذه المؤثرات نطقت بهذا شعرًا، ولما لم تكن شديدة الاتصال بغيرها من الشعوب، ولا تعرف كثيرًا عما عند هذه الشعوب ظلت على حالتها هذه، فلمَّا جاء الإسلام تغيرت الحياة العربية تغيُّرًا تامًّا؛ تقوَّض النظام السياسي وحلَّ محل النظام القديم نظام جديد يعتمد على وحدة الأمة العربية، وإخضاع الأمم الأجنبية. ونشأ عن هذه الحياة نُظُم للحكم لم تكن معروفة من قبل: وُجِدت الخلافة، وتغيَّرت الحياة الاجتماعية، وتغيَّر نِظَامُ الزَّواج والطَّلاق، وعلاقة الجماعات.
ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالأمم الأخرى اتصالًا أخذ يشتدُّ ويقوى؛ حتى أصبح اختلاطًا ثم امتزاجًا، ونشأ عنهُ أن اطلع العرب على ما كان لهذه الأمم من: آراء، وأفكار، وديانات، وعلوم، وفلسفة. وأخذوا منهُ قليلًا قليلًا، ونشأ عن هذا أن تغيرت حياتهم العقلية، والشعرية، والعاطفية، والاجتماعية. فبَعْدَ أنْ كانوا مُتَأَثِّرين بالحسِّ والشُّعور أخذوا يُفَكِّرون ويتروون، وظهرتْ أَمَامَهُم مَسَائل ومُشكلات جَعَلَتْهُم يُفكرون ويلتمسون الحلول لتلك المسائل المُعقدة؛ فنشأ عن هذا كله أن تغيرت الحياة، وتغيرت الموضوعات فاستلزم أنْ تتغير العبارات التي يُعبِّرون بها عمَّا في أنفسهم، ونشأ لهم لسان جديد لم يكن لهم من قبل، وهو النثر الذي يُعبِّر عن المعاني بدون القيود الشعرية.
فتقسيم الكلام إلى نَظْم ونثر تقسيمٌ بسيط ساذَج يُمكن الاعتماد عليه إذا بسَّطنا الأشياء، ولكنَّ الأديب الذي يدرُس تاريخ العرب، إنما يعتني بالكلام عندما يتجاوز الحديث العادي، وأداء الحاجات العاجلة إلى التفكير من جهة والجمال من جهة أخرى. فالأحاديث العادية ولغة التخاطب لا تعنينا في درس الأدب العربي وتاريخه؛ إذ إنَّ ذلك لا يكون لدرْس الأدب إلَّا عِنْدَما يكونُ في هذه الأحاديث لذة فنية خاصة.
فالواقع أننا لا نستطيع — مهما نحرص على أنْ نكون مِنْ أنصار العصر الجاهلي — أنْ نطمئن إلى أنَّ هذا العصر كان له نثر فني، والذي لا شك فيه هو أنَّ أَقْدَم نص يمكن أن نطمئن إليه هو القرآن.
القرآن: ليس شعرًا؛ لأنَّه لم يتقيَّد بقيودهِ، وليس نثرًا لأنهُ مُقيد بقيود خاصة لا توجَد في غيره، قيود يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو إذن كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، وهو وحيد في بابهِ لم يكن قبله ولم يكن بعده مثله، ولم يُحاول أحد أن يأتي بمثلهِ، وتحدى النَّاس أن يُحاكوه وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فأراح الخطباء أنفسهم من هذه المُحاولة المستحيلة التي عدُّوها خروجًا على الدين.
ولما كانت «المحاكاة» من أهم الأسباب للإنتاج الأدبي؛ فإذا قال الشاعر البليغ قصيدة أُعجِب الناس بها، فمنهم من يرويها، ومنهم من يُحاول أن يُحاكيها ويأتي بمثلها، ولما كان القرآن مُستحيل المحاكاة؛ فمن الحق علينا أن نضعهُ في مقامهِ الخاص الذي لا يصحُّ أنْ يُقاس به شيء آخر، وأن نبحث عن «النثر العربي».
النثر الجاهلي: وليس هو بالنثر في المعنى الذي حددتهُ، ومع ذلك فقد كان للجاهلية نثر خاص، لم يصل إلينا لضَعفِ الذاكرة، وخلوه من الوزن، هذا النثر هو «الخطابة» وليس مِنْ شَكٍّ أنَّ ما كان يقع في حياة العرب الجاهلية من خُصُومات كان يحتاج إلى كلام غير منظوم، وكان الخُطباء النَّاطِقُون بلسان القبائل يَحْرِصُون على أنْ يُعجِبوا السامعين لا أنْ يقنعوهم فحسب، بل أنْ يُثيروا فيهم لذة فنية.
ومتى وُجدت هذه الفكرة فقد وُجِد الجمال الفني، ولكن هذه الخطابة لم يرد إلينا شيء منها نثق بهِ، ورُبَّما كان من السهل أنْ نتصور هذه الخطابة تصورًا مُقاربًا عندما نقرأ كتب السِّيَر وما فيها من خطابة وأحاديث.
النثر في صدر الإسلام: قَوِيَ فنُّ الخطابة لأسباب الحوار ومُحاولة الإقناع، سواء كان موضوعه الدين أو السياسة أو الخصومات المُختلفة. وبالطبع، احتاج المسلمون إلى أن يكتبوا، وكتب النبيُّ رسائلَ، وكتب الخُلَفَاءُ مِنْ بعده، ولكنها كانت تُكتَب مُختصرة لا يُقصَد منها إلا مُجرد الإقناع في غير تفنن أو إثارة لجمال فني خاص، فكانت الرَّسائل قصيرة ليس فيها التفصيل، ولا المحاولات الفنية التي نجدها عند الشعراء من حيث الألفاظ.
إنما في منتصف القرن الأول للهِجْرة كانت الفُتوح قد تَقَدَّمت كثيرًا، وكان العرب بدءوا يتصلون بغيرهم من الأُمَمِ، وكانت المَشَاكِلُ السياسية والاجتماعية قد كَثُرتْ حَتَّى هدمت نظام الخلافة، وأقامت نظام الملك. وكانَ هذا قد أنشأ الأحزاب السياسية … إلى جانب هذا التطور، نشأت أشياء أخرى منَ النَّاحية العَقْلية، فَأَسْلَم كثير منَ الأُمَمِ الأجنبية، وتَعَلَّمُوا العربية ودرسوا الدين الجديد، واختلط بهم العرب، وأخذوا نُظُمَهم السياسية والاجتماعية والأدبية. واتصل المسلمون بغيرهم في الجهة الدينية، ونشأت العلاقات بين أنصار الديانات الأخرى وبين المسلمين، وقامت بينهم محاجات.
وأخذ العرب يُقيمون حضارة جديدة على أسس الحضارة القديمة؛ أي إنَّ العقل العربي الساذج في الجاهلية، وجد أمامهُ مشاكل حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياةَ المادية والاجتماعية، ثم وجد أمامهُ مسائل فلسفية أثارها الفلاسفة مع من اتصل بهم عندما عرف العربُ بقايا فلاسفة الفرس واليونان.
لم يكن بُدٌّ للعربي أن يُفكر ويشترك في التعبير عنها بِلُغَتِهِ، ولا بدَّ لهُ أنْ يُناقش في المسائل السياسية والدينية. ومن أهم الصفات التي تتصف بها الأُمَمُ عندما تبدأ حياة حضرية بعد حياة بدوية أنْ تروي قديمها، وتُظهِر لنفسها ولغيرها من الأمم أنَّها ذات مجد ومكانة قديمة. وإذن؛ اضطرت العرب أن يكون لها تاريخ تُعَبِّر فيه عن تاريخها، كما يُعَبِّر الفُرْسُ واليونانُ عن تاريخهم.
ولا يستطيع الشِّعْرُ بحالٍ أنْ يُعَبِّر عن هذه المعاني الجديدة، ويبسط الرأي السياسي والديني والفلسفي، ويقص التاريخ قصصًا واسعًا مُفَصَّلًا؛ لذلك قام النثر للمُحاورة والمُناظرة، ووَصْفِ التاريخِ والعلوم. ففي هذا العصر، وجد النثر الأسباب التي مكنتهُ أنْ يقوى من جهة، وأن تنشأ له فنون جديرة من جهة أخرى. وما قوي فيه إنَّما هو الخطابة التي كانت موجودة في الجاهلية، وأما الذي نشأ فيه جديدًا فهو هذه الفنون التي تُعَبِّر عن هذه المعاني عن التاريخ والمناظرات العلمية وغيرها.
إذن؛ فالنثر العربي ليس لغة التخاطب أو الحديث العادي، والذي لا يُعبِّر عن عاطفة أو شعور من حيث هي عاطفة أو شعور، بل من حيث هي صورة عامة يظهر فيها نتيجة التفكير. هذا النثر أثر من آثار الحياة الإسلامية الجديدة ظهر في الإسلام ولم يكن موجودًا.
هذه الأسباب التي دعت لوجوده أسباب طبيعة لم تكن لأنَّ أمة أعارت العرب النثر، بل هو فنٌّ دعت إليهِ حاجة الحياة العربية؛ ولذلك يجبُ أن ننزع من نفوسنا أنَّ العرب استعارت النثر من غيرها من الأمم، ولكن ليس معنى هذا أن هذا النثر بعيد عن الفُرْس واليونان، بل كان عربيَّ النشأة إنما تأثر بهؤلاء وتطور بفضل اتصال العرب بتلك الأمم.
أسلمت هذه الأمم الأجنبية وتعلَّم كثيرون اللغةَ العربية؛ فكتبوا بها فلم تستطع هذه الطائفةُ أنْ تتجرد من وطنيتها، إنما عندما تعلم اليونانيُّ والفارسيُّ العَرَبيةَ أدخل ما ورثهُ عن قوميتهِ، كمَا أنهُ تأثر بما فيها من ثقافة عربية خالصة، فكان مزاجًا لا نقولُ إنهُ عربي خالص، أو يوناني، أو فارسي خالص.
وأي هذين العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر العربي، الفرس أم اليونان؟ إنَّ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى؛ بدليل أنَّ أكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام (في العصر الأموي والعباسي) كانوا من الموالي وهؤلاء من الفرس، وها هو «ابن المُقفع» الفارسي زعيم الكُتَّاب.
ولكن هنالك قوم آخرون — وأنا منهم — يرون أنَّ التأثير اليوناني كان أقوى رغم أنَّ كثرة الكُتَّاب من الفارسيين؛ وذلك لأنَّ الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر — أي: القرن الثالث قبل الميلاد — ولم ينتهِ القرنُ الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرَّسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المَسِيحِيُّ حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق، وقد انبثَّت فيها مدارس يونانية تعلِّم الفلسفة، والأدب، وعلوم اليونان.
وعندما جاء الإسلام وخرج العرب فاتحين صادفوا تلك البلاد، وقد انبثت فيها هذه المدارس اليونانية؛ فتركت في عقول المصريين، والشاميين، والعراقيين … آثارًا لا يُمكن أن تُمحى إلا مع الزمن …
هذه الثقافة اليونانية التي استمرت في الشرق تسعة قرون، ولم يقف أمرها على الشام والجزيرة والعراق ومصر، بل هجمت على البلاد الفارسية نفسها منذ عهد البطالسة في مصر والسلوقيين في آسيا.
وأخذت الثقافة اليُونانية تَنْبَعِثُ في الفرس حتى وصلت إلى أقصى الشرق، وفي عهد الإمبراطورية الرُّومانية اشتدتْ الصِّلَةُ بين اليونان والفرس، وتعمقت الثقافة اليونانية في فارس. وفي أواخر هذا العصر، عندما ظهرت المسيحية وأصبحتِ الدِّيانَةُ الرَّسمية وأُغلِقتِ المعابد الوثنية؛ هاجرت الثقافة اليُونانية إلى بلاد الفرس، فوجدت منها حماية ونصيرًا ولقيت من الأكاسرة تعضيدًا … فتأثر العقلُ الفارسيُّ بها إلى حد أنَّ ابنَ المقفع — زعيم كُتَّاب العرب والفرس — كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية؛ حتى قيل إنَّهُ ترجم آثار اليونان. ونحنُ نعلم أنَّ لليونان أدبًا كان يُدَرَّس في الإسكندرية، وغزة، والرها، وأنطاكية قبلَ أنْ تستقر الثقافة اليونانية بفارس.
والثقافة الفارسية محدودة، فإنْ كانَ للفُرس أدبٌ؛ فالوَاقِعُ أنَّ هذا الأدب هو في عصر اتصال العَرَبِ بالفرس لم يكن عظيمًا، والذي تُرْجِمَ إلى الآداب العَرَبية من الفارسية قليلٌ مع كثرة ما تُرْجِم من الآداب اليونانية. وتنحصر الآداب الفارسية في: كِتَابِ كليلة ودِمْنَة، وكتاب الأدب الكبير، وكتاب الأدب الصغير. والحِكَم التي يشتمل عليها شعر بعض الشعراء؛ كأبي العتاهية، وبعض الكتب السياسية.
هذا هو كل ما يُمكن أن يُقال: إنَّهُ أدب فارسي وصل إلى العرب في القرنين الثالث والثاني، بينما وصلَ إلى العرب عن اليونان الفلسفة، ونُظُم مختلفة في التفكير لها أثرها في النحو والبيان وغيرهما من الفنون.
والواقع أنَّ الفُرسَ أخذوا من العرب أكثر مما أعطوهم، وحسبنا أنْ نَعْلَم أنَّ الأدبَ الفَارِسِيَّ الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفُرسُ بالعرب، وبعد أنْ تعلموا العربية، ولم يُعطِ الفرس للنثر العربي في التأثير بمِقدار ما يتصوره المُستشرقون، وما كان يراهُ الشعوبية من الفرس الذين قالوا: إنَّ العرب مَدِينةٌ للفُرْسِ بكل شيءٍ! ولا شك أنَّ العرب مَدِينُون للفُرسِ بالكثير من المَادِّيات والنُّظُم السِّياسية وغيرها، وأمَّا في الأدب فأنا مُقتصِد جدًّا، وفي رأيي أنَّ العرب تدين في أدبها إلى الأمة اليونانية.
هذا إلى أن أكثر الكُتَّاب الذين بدءوا يكتبون النثر لم يكونوا من الفرس، بل كانوا من الشام والجزيرة ومصر؛ فهم إما يونان أو ساميون ثقافتهم يونانية.
ولنسأل: أليس يُوجَد نثر عربي غير الخطابة لم يتأثر بالفارسية أو اليونانية؟ فإذا استطعنا الظفر بهذا النثر كان من السهل علينا أن نرى الفرق. ووجود هذا النثر ليس صعبًا، بل يكفي أن نقرأ النقائض فنجد فيه إشارة إلى أيام العرب، ويضطر المُفسرون إلى أن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون: إنها وقعت بين «داحس والغبراء»، و«حرب البسوس»، و«يوم الكلاب»، وما كان بين «عامر وتميم»، و«أيام الفُجار» وغيرها.
كل هذه القصص كانت تُروى في مدينتَيِ البصرة والكوفة عندما استقرَّ العربُ في هذين المصرَيْن، وكانَ الذين يتحدثون بها هم الأعرابُ. والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية اليونانية ولا الفارسية، بل العقلية العربية التي تُريد أنْ تُثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة.
في هذه القصص التي كانت تُقَصُّ أيامَ العرب ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي والفتن الإسلامية أيام عثمان العربية الخالصة، ترى النثر العربي الخالص، فإذا استطعنا أنْ نُحَدِّد هذا النثر كانَ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُوازِنَ بينهُ وبين نثر الكُتَّاب الذين ظهروا في القرنين (الثاني والثالث)، وهم المتصلون بهذا المزاج من الثقافة اليونانية والفارسية.
وتُهدينا هذه الموازنة إلى التأثيرات المُختلفة التي أحدثتها الثقافات المختلفة في النثر العربي. فنحنُ عندما نُوازن بين كتابة الكُتَّاب من المَوالي الذين كانوا من أصل سرياني أو شامي أو مِصْرِي، والذين تأثروا بالثقافة اليونانية، وبين الموالي الذين كانوا من أصل فارسي نتبين الطابع اليوناني من الطابع الفارسي.
ألقى الأستاذ وليم مَارسيه William Marcais مُحاضرة في أصل النثر العربي ختمها بهذا السؤال: «إلى أي حد كان تأثير اللغة الفارسية فيما كتب ابن المُقفع وفيما ترجم؟ أكانت ترجمتُه حرفيةً يغلب عليها الطابع الفارسي أم كانت واسعة يغلب عليها الطابع العربي؟» وأظهر الأستاذُ أَسَفَهُ، وقال: «إنَّ الجواب عن هذا السؤال ليس ميسورًا الآن؛ إذ إنَّ الذين يستطيعون الرَّدَّ عنهُ هم الذين أتقنوا العربية والفهلوية، ومن سوء الحظ أن الأصول التي ترجم عنها ابنُ المقفع قد ضاعت.»
ومع هذا، فنستطيع أن نقول إن الجواب عن سؤال مارسيه ميسورٌ رغم ضياع الأصول؛ إذ نستطيع أن نجدهُ في الأدب الصغير والأدب الكبير.
عندما تقرءون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئًا من الالتواءِ والدوران، ونُحِسُّ ونحن نقرأ أنَّ الكَاتب يَجِدُ مشقة في التعبير عن المعاني التي يُحِسُّها، ونُحِسُّ هذا الضعف الذي يكلفه الكاتب للعربية. نُحِسُّهُ لا بعقولنا فحسب، بل بآذاننا، فنجدُ أنَّ المُقفع يُكلِّف النحو العربي تكاليفَ رُبَّما لم يكن النحو العربي مُستعدًّا لأنْ يحتملها.
وإنَّ ابن المقفع نفسَهُ رغم أنهُ زعيم الكُتَّاب وصاحب الآيات، وواضع المَثل الأعلى للكتابة، لم يكن عظيم الحظِّ من الفصاحة والنَّحو العَرَبي. وإذا وازنَّا بينهُ وبين ما كتب أصحاب النحو، وجدنا أنهُ مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، يبذل جهدًا فيُوفَّق كثيرًا ويخطئ أحيانًا.