رمتني بدائها وانسلَّت
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أكتوبر ١٩٦١
والتي رمتني بدائها هي إذاعة دمشق، والطائفة الطاغية الباغية التي تُدبِّر أمرها وتُوجه أحاديثها وتَفرض عليها في كل لحظة أن تُغير حقائق الأشياء، وأن تتكلف الكذب على السوريين وغير السوريين، في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا استحياء. وداؤها الذي رمتني به هو أني لم أكتب المقال الذي نشرته الجمهورية صباح السبت الماضي من تلقاء نفسي ولا من وحي ضميري ولا من تفكير عقلي، وإنما أُمْلِيَ عليَّ ذلك المقال فحفظته عن ظهر قلب، وأمليته كما تلقيته وأرسلته إلى الجمهورية فنشرتْه كما تلقته مني.
كأني أصبحت ذات يوم أداة من أدوات الحكم توجه إلى العمل فتعمل وتُكَلَّفُ القول فتقول. كأني أصبحت فردًا من الذين يعملون في إذاعة دمشق أو كاتبًا من الكتاب الذين يملئون صحف دمشق بما يؤمرون أن يملئوها به، بعد أن كانوا منذ وقت قريب يملئونها بما يناقض هذا الذي يكتبونه الآن أشد المناقضة ويخالفونه أعظم الخلاف؛ قد انقلبوا فجأة أنصارًا للفُرقة بعد أن كانوا أنصارًا للألفة، ودعاة إلى الانفصال بعد أن كانوا دعاة إلى الوحدة، ومتملقين للتمرد بعد أن كانوا يلتمسون الوسائل إلى إرضاء الشعب السوري والشعب العربي كله والقائمين على أمور الوحدة بين مصر وسوريا. وهؤلاء المذيعون والكتاب الذين يخلعون ضمائرهم كما يخلعون ثيابهم ويضعون مكانها ضمائر جديدة، كما يبدلون بثوب ثوبًا وبقميص قميصًا؛ هم فيما بينهم وبين ضمائرهم التي خلعوها وضمائرهم الجديدة التي فرضت عليهم فرضًا وأكرهوا على اتخاذها كرهًا، يعلمون أني لست من الذين يكتبون غير ما يشعرون به أو يقولون غير ما توحي إليهم به ضمائرهم. هم يعلمون ذلك حق العلم وتؤمن به ضمائرهم القديمة وضمائرهم الجديدة أيضًا، ولكنهم أُمروا فكتبوا وقيل لهم فقالوا. ولست أدري ما الذي قلته في ذلك المقال الذي أنكروه أشد الإنكار وضاقوا به أعظم الضيق، لا لأن نفوسهم تضيق به حقًّا، ولا لأن ضمائرهم القديمة والجديدة تنكره حقًّا؛ بل لأن سادتهم من هذه الفئة الطاغية في سورية قد أنكروا ما قلت، وضاقوا به وأمروهم أن يتكلفوا إنكاره والضيق به. فهل يستطيعون أو يستطيع سادتهم من الطغاة البغاة أن ينكروا أن الشعب السوري كان أشد الشعوب إيثارًا للوحدة ودعاء إليها وإلحاحًا فيها؟ وهل في ذلك ما يؤذي هذا الشعب السوري؟ أم هل هو في نفسه إنصاف له وإشادة به؟ وهل ينكرون أن السوريين هم الذين سعوا إلى الوحدة وألحُّوا فيها وانتقلوا من سورية إلى القاهرة ليجدُّوا في تحقيقها ويحاصروا رئيس الجمهورية المصرية ووزراءه حتى يقبلوا هذه الوحدة ويجيبوا إليها؟ وأي شيء في ذلك يهين السوريين أو يؤذيهم أو يضع من قدرهم؟ وهل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري قد استُفتي في هذه الوحدة فأقرَّها مؤمنًا بها مجمعًا عليها؟ وأي شيء في ذلك يهين الشعب السوري أو يؤذيه أو يغض من قدره؟ ثم هل يستطيعون أن ينكروا أن الشعب السوري بعد هذه الوحدة قد اطمأن في وطنه ورأى أنه آمن على حدوده وأنه أصبح فوق مطامع الطامعين وفوق أهواء الذين كانوا يكيدون له ويمكرون به ويحاولون الاعتداء عليه؟
رأى الشعب السوري هذا كله، فبرئ من الخوف، وانجلت عنه غمرات الشك، وفرغ لحياته آمنًا راضيًا مطمئنًّا، عريض الأمل في مستقبله السعيد. ثم هل يستطيعون أن ينكروا آخر الأمر أن الشعب السوري قد يُسرت له الحياة بعد الوحدة في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، فأنشئت له مرافق لم يكن يرجوها — بل لم يكن يحلم بها — وانتشر فيه التعليم وأُمِدَّ بالفنيين ليذللوا له العقبات ويهونوا عليه الصعاب، ويفتحوا له أبواب الرخاء على مصاريعها، وأن الشعب المصري قد قسا على نفسه واشتد في القسوة عليها لتلين الحياة لإخوانه السوريين، وقد حَرم نفسه نشاط الفنيين من أبنائه ليسعد السوريين ولتصبح حياتهم خيرًا مما كانت، وليسرع إلى الرقي ويسرع إليه الرغد وتمتد أمامه الآمال أكثر مما كان يرجو وأسرع مما كان يتمنى، وأن الشعب المصري قد ضيق على نفسه في الإنفاق ليتيح لإخوانه السوريين ما يحتاجون إليه من المال؛ ليتحقق الإصلاح الشامل في الوطن السوري ويتناول هذا الإصلاح فروع الحياة السورية كلها.
كلا، لن يستطيع الطغاة البغاة في سورية، ولن يستطيع الكتَّاب والمذيعون الذين أُكرهوا على أن يكونوا أصداء لهذه الفئة الطاغية الباغية. لن يستطيع أولئك وهؤلاء أن ينكروا شيئًا من ذلك الذي قلته في المقال الذي نشرته الجمهورية يوم السبت الماضي.
وإنما يستطيعون أن يجحدوا الجميل، وينكروا المعروف، وأن تضيق أنفسهم بالحق، وأن تفزع ضمائرهم من هذا الواقع الذي ليس فيه شك، والذي ستنهض بتحقيقه الجامعة العربية وتدفع به باطل المتمردين، ويومئذ يعلمون صدق الآية الكريمة على كل مكابر معاند يماري بما لا معنى للمراء فيه: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).
وشيء آخر أضيفه الآن إلى ما قلته يوم السبت الماضي؛ وهو أن هذه الوحدة التي قامت بين مصر وسورية، إنما قامت على عهد مؤكد وميثاق مشدد لا بين الحكومتين في مصر وسورية، بل بين الشعبين المصري والسوري، وأن هذا العهد ملزِم للطرفين لا سبيل إلى أن يتحلل منه أحدهما إلا بعد أن يتراضى هذان الطرفان على التحلل منه، وأن هذه الفئة الطاغية الباغية نقضت هذا العهد ظالمة لنفسها وظالمة للوطن السوري وللشعب السوري.
لم تفاوض مصر في التحلل من هذا العهد، ولم تحاول هذه المفاوضة، ولم تَدْعُ إليها جهرة. وإنما وثبت في ظلمة الليل، فاعتدَتْ على نفسها، واعتدَتْ على شعبها، واعتدَتْ على وطنها، واعتدَتْ على مصر وشعبها أيضًا، وأصبحت بنقضها لهذا العهد كالتي جعلت غزلها من بعد قوة أنكاثًا وخالفت عن قول الله عز وجل: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).
وحق عليهم قول اللَّه عز وجل في الذين ينقضون العهود ويحنثون في المواثيق: ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).
ومن أجل هذا كله أبى رئيس الجمهورية أن يُحبِط عمل هذه الفئة الطاغية الباغية بقوة السلاح؛ لأنه لا يريد أن يسفك دماء العرب، ولا يريد أن يُفسد في الأرض، وأبى في الوقت نفسه أن يعترف بحكومة سورية قبل أن يُستفتى الشعب السوري في أمر هذا الانفصال استفتاء حرًّا كريمًا لا أثر فيه للطغيان ولا للبغي ولا للإكراه؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد ولا ينبغي له أن يُكرِه الشعب السوري على ما لا يحب، ولا أن ينقض العهد ويحنث في الميثاق دون أن يكون الشعب السوري هو الذي يرغب في التحلل من هذا العهد والميثاق؛ لأن رئيس الجمهورية لا يريد أن يخالف عن أمر الله ولا عن الوفاء بالعهود والمواثيق.
وليس من شك في أن الفئة الطاغية الباغية والكُتَّاب والمذيعين الذين أكرهوا على أن يكونوا لها أصداء، سيستنكرون هذا المقال وسيضيقون به كما أنكروا ذلك المقال وضاقوا به. وستغلي مراجل حقدهم عليَّ وغيظهم مني، وستلهج بي صحفهم وإذاعتهم، ولكني أقول لهم ما أمر الله نبيه أن يقول للمنافقين: ( مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ).
Tag: النزاهة السياسية
-
رمتني بدائها وانسلَّت
-
خلاف (٢)
خلاف (٢)
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أغسطس ١٩٤٦
أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ أمتفقون هم أم مفترقون؟ راضون هم أم ساخطون؟ أمتفائلون هم أم متشائمون؟
هذه هي الأسئلة التي يلقيها بعض المصريين على بعض وجه النهار وآخره، وفي أول الليل وحين يداعب النوم أعين الساهرين. وليست هذه الأسئلة عبثًا ولا كلفًا بالاستطلاع، وإنما هي صورة صادقة لهذا القلق الذي يملأ القلوب، وهذا الخوف الذي يزعج النفوس، وهذا الأمل الذي يعين الناس على احتمال الحياة ويُهوِّن عليهم لقاء الخطوب. وقد يكون من الغريب أن يجِد المصريون أملًا في القلق، ورجاءً في الخوف، وأن يستحبوا الاختلاف على الائتلاف، ويؤثِروا افتراق الآراء على اتفاق الأهواء، ولكن هذه هي الحقيقة الواقعة التي دفعتها إليها الظروف والتي يجب أن يعرفها رئيس الوزراء وزملاؤه المفاوضون المصريون.
فالشعب المصري يفرح الآن بما تعوَّد أن يحزَن له، ويبتسم الآن لما تعوَّد أن يلقاه بالعبوس.
قيل له إن هيئة المفاوضات قد عرضت على البريطانيين مشروعًا، وإنه آخر ما تستطيع أن تعرض، وقررت أنها لا تستطيع أن تغيِّر منه حرفًا ولا أن تنزل منه عن شيء، وقيل له إن هذا المشروع يسجل الحماية لأنه يعترف للبريطانيين بالمشاركة في الدفاع عن أرض الوطن، ويؤجل المفاوضة المفصلة في شئون السودان بشرط أن يعترف الإنجليز بوحدة وادي النيل في ظل التاج المصري. وقيل له إن في هذا المشروع أمورًا أخرى كلها شر، ولا يكاد يشتمل على خير. فامتلأت نفسه حزنًا وأُفعم قلبه غيظًا. لم ييأس من رَوح الله، ولم ييأس من نفسه، ولم ييأس من قادته وزعمائه الذين عاهدوه مخلصين على أن يجاهدوا في سبيل الحق الوطني حتى يكسبوه أو يموتوا دونه. ولكنه يئس من هؤلاء النفر الذين قبِلوا ما لم يكن ينبغي أن يقبلوا، وعرضوا ما كان يجب عليهم أن يرفضوا، وانتظروا في شيءٍ من الاستجداء وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم ليُمسكوها أن تبلغ الحناجر أن يتفضل الإنجليز فيقبلوا عرضهم هذا الذي لا يلائم كرامة ولا حقًّا فضلًا عن أن يلائم اعتزاز المصريين بماضيهم المجيد وأمل المصريين في مستقبلهم الكريم.
وقيل له إن عضوًا واحدًا من هيئة المفاوضين هو مكرم باشا قد أبى أن يشارك في هذه الذلة، وعافَ أن يحتمل هذا الهوان لنفسه ولأمته؛ فوقف من زملائه موقف المعارضة. ثم لم يحتفظ بهذه المعارضة سرًّا بينه وبين زملائه، وإنما أعلنها إلى الشعب إعلانًا، ولم يستقل من هيئة المفاوضات، وإنما أقام في هذه الهيئة رقيبًا خطرًا كما يقيم الرقيب بين الأحياء، وكان عليهم الاستمتاع بجمال النهار وجلال الليل.
ثم قيل للشعب بعد ذلك إن الإنجليز لم يلطفوا ولم يرفقوا، ولم تعرف قلوبهم شيئًا من اللين، ولم تشعر نفوسهم شيئًا من الرحمة لهؤلاء المتهالكين المنتظرين، وإنما خوفوا وحذروا وأرسلوا آخر ما عندهم إلى هؤلاء السادة ليقبلوه أو يرفضوه. فإن كانت الأولى بلغوا الرضا وظفروا بالحظوة، واستقبلوا الأيام في ثقة وأمن، وإن كانت الثانية أضاعوا الفرصة وفقدوا الحظوة، وعرَّضوا أنفسهم لعبث الخطوب وتقلب الأحداث.
هنالك جزعت قلوب وهلعت نفوس وزاغت أبصار. وهنالك ثابت قلوب إلى بصائرها، وآبت نفوس إلى رشدها، وانقسم المفاوضون إلى فريقين: فريق خائف يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن ومهما تكن نتائجها، وفريق واثقٌ بنفسه وشعبه وحق مصر في العزة والكرامة، وإباء مصر للضيم والهوان، ورفضها أن تذعن للتحريف والتحذير. وهو من أجل ذلك لا يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن نتيجة هذا الرفض.
فريق يفكر في نفسه وفي منافعه العاجلة، لا يرجو للشعب وقارًا ولا يحسب لرضاه وغضبه حسابًا، بقيت له أعوام يريد أن ينفقها في هذه الحياة مستمتعًا بالسلطان وما يستتبعه السلطان من حول وطَوْل ومن نفوذ وجاهٍ، لا يتحرج أن يفرض نفسه على الشعب فرضًا، وأن يقيمها دكتاتورية تلبس ثوب الديمقراطية ويتخذ زينتها، وهو من أجل ذلك يؤثر قبول المعاهدة على رفضها.
وفريق آخر يخاف أن يمنعه ضميره من النوم، وأن ينغص الندم عليه صفو الحياة إن قبل ما لا ينبغي أن يُقبل وقصَّر في ذات الوطن وفرَّط في حقه، وهو يحسب لرضى الشعب وغضبه الحساب كل الحساب، ويريد أن يذكره الناس بالخير أثناء حياته، وأن يسجل التاريخ له احتفاظه بالكرامة وإباءه للضيم، وألَّا يذكره الناس فيقولوا آثر نفسه على أمته، وآثر العاجلة على الآجلة، ونزل عن حق الشعب وهو لا يملك أن ينزل عن حق الشعب. وهذا الفريق يأبى من أجل هذا كله أن يقبل المعاهدة وأن يجيب الإنجليز إلى ما يريدون.
فقد كان الشعب المصري يائسًا من المفاوضين جميعًا إلَّا واحدًا، فلما أذيعت فيه أنباء الخلاف ضاق اليأس واتسع الرجاء. فقد قيل له إن خمسة من المفاوضين يرفضون مشروع المعاهدة الذي يعرضه الإنجليز، وخمسة أكثر من واحد، فقد اطمأنَّ الشعب إذن إلى أن أربعة آخرين من أبنائه يريدوا أن يستمسكوا بالحق ويحتفظوا بالكرامة، فما له لا يبتهج بهذا الاختلاف، وما له لا يفرح لهذا الانقسام، وهو يرد إليه نفرًا من أبنائه كادوا يفلتون منه ويتجاوزون ما يرضيه.
بل ما له لا يرجو أن يكون في هؤلاء الخمسة أو الأربعة قدوة صالحة وأسوة حسَنة للذين يظهرون كلفًا برضى الإنجليز وشغفًا بمودتهم، فالشعب المصري لا ييأس من رَوح الله؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. والشعب المصري يعلم أن الخير يدعو إلى الخير كما أن الشر يغري بالشر. فمن يدري لعل إباء هؤلاء الخمسة الأباة أن يزين في قلوب زملائهم الآخرين حبَّ الإباء للضيم والامتناع عن الذل وموقف الدفاع عن الحق. من يدري لعل الرافضين لهذا المشروع أن يكسبوا زملاءهم كلهم أو بعضهم، ولعل هذا أن يجنب مصر هذا الخزي العظيم، خزي الاستسلام في غير موضع للاستسلام والخنوع في غير داعٍ للخنوع.
من أجل هذا كله يلقي بعض المصريين على بعض في كل لحظة هذا السؤال: أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ وفي نفوس المصريين أمل إن لم يتحقق كله، فهم حِراص على أن يتحقق بعضه فهم يأملون أن يأتلِف المفاوضون جميعًا وتتفق كلمتهم على رفض المعاهدة، فإن لم يكُن إلى هذا سبيل فهم يأملون أن يختلفوا وأن يكثر عدد الرافضين؛ لأن معنى هذا الخلاف أن جماعة من أبناء مصر سيبقَوْن في حظيرة مصر، وسيأبون أن يوقعوا بأيديهم صك الذل الذي يُراد أن يُفرض على مصر.
حاشية: جاء في المقال الذي نشرته لي جريدة «صوت الأمة» بعنوان «عبث» بتاريخ ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٦ ما يأتي: وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليَّ متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات. وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث جرى بين الأستاذ الجليل وبيني أثناء اشتراكه في الوزارة القائمة، فأحب أن أقرر أنه إنما جرى أثناء وزارة النقراشي باشا. -
مساواة
حديث الوادي
مساواة . . .
أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
طه حسين
الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤. -
إشارة
إشارة
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ ديسمبر ١٩٣٣
للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.
وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.
ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.
فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»
ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.
وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.
ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.
ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.
وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.
ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.
فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.
ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.
ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.
ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟
ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.
هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.
والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.
حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.
إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.
وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.
نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.
وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.
أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟ -
رجل
رجل
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أكتوبر ١٩٣٣
اللهم لا رادَّ لما قضيتَ، ولا مانعَ لما أمضيتَ، ولا منكرَ لحكمكَ، ولا معقب لأمرك، وإنما هو
الإذعان لقوتك البالغة يعصمنا من الجهل، والطمع في رحمتك الواسعة يعصمنا من اليأس، فقد أردتَ —
فلا مبدِّلَ لما تريد — أن تكون حياة الشعوب أمام الأحداث والخطوب، مزاجًا من العجز عن مناهضة
القضاء، ومغالبة الأيام، ومن الأمل في لطفك الذي لا حد له، ورحمتك التي وسعت كل شيء. ولو أن
بالشعوب قدرة على مناهضة القضاء، ومخاصمة الخطوب، لناهضت مصر وخاصمت، في هؤلاء الكرام الأوفياء
من أبنائها الذين يعدو عليهم الموت أنفع ما يكونون لبلادهم، وأقدر ما يكونون على خدمة أمتهم،
وأجدر ما يكونون باتصال الأَجَل وطول الحياة. ولو أن بالشعوب يأسًا أمام تتابع الحوادث، وتلاحُق
الكوارث، وهذه النكبات التي تصيبها فلا تنقطع، لَيئسَتْ مصر أشد اليأس أمام هذه الأيام السود
التي تفجعها في العظيم من أبنائها إثر العظيم، وتنكبها في الوفي من قادتها إثر الوفي، وكأنما
اصطلحت مع أولئك الذين لا يرعون لها حقًّا، ولا ذمة، ولا يحفظون لها كرامة ولا حرمة من
المستعمرين؛ على نصب الحرب لها، وتسليط الشر عليها، فهي لا تخلص من خطب حتى تتجشم خطبًا آخَر،
ولا تهدأ لوعتها لحزن، حتى تدخل في حزن جديد، ولكن حياة الشعوب كما قلتُ مزاج من الإذعان للقضاء
والرضى به، ومن الأمل في المستقبل والسعي إليه، في غير ضعف ولا فتور، وفي غير يأس من روح الله،
ولا استسلام للحادثات.
وكذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع الذي انتهى إليها أمس من باريس بأن رجلها العظيم قد مات،
فلا أمل في لقائه، ولا رجاء في الانتفاع بما كان يمتاز به من الجد، والصدق، والإخلاص، والنزاهة،
والوفاء.
نعم، كذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع راضية بقضاء الله، مذعنة لسلطانه، مستمدة من رحمته
العون على احتمال الخطب، ومجاهدة الأيام، مسجلة اسم عدلي وشخصه بين هذه الأسماء الكريمة
والأشخاص العظيمة التي تسجلها في قلبها الخالد، هذا القلب الأبِيِّ الكريم، هذا القلب العزيز
الصبور الذي لا يعرف النسيان، ولا اليأس، ولا الضعف، ولا الذلة إليه سبيلًا.
رحم الله عدلي، لقد كان رجلًا حقًّا بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، وبأدق ما تدل عليه
هذه الكلمة من معنى، وبأرفع ما تدل عليه هذه الكلمة من أخلاق.
كان صادقًا يكره الكذب، وينفر منه، وكثير من رجال السياسة وأصحاب المنافع يتخذون الكذب أداةً
من أدوات الفوز، ووسيلةً من وسائل النجح، وزينةً بين المهرة والبارعين.
وكان وفيًّا يكره الغدر، وكثير من رجال السياسة مَن لا يتحرَّج من الغدر، ولا يضيق به، ليبلغ
ما يريد، ويحقِّق ما يطمع فيه من الأغراض الخاصة والعامة.
وكان أبِيًّا لا يقبل الضيم ولا يستريح إلى الذل، وكثير من رجال السياسة لا يكرهون أن يضحوا
بعزتهم وكرامتهم، ولا أن يضحوا بكرامة أمتهم وعزتها في سبيل المنصب، أو ما هو دون المنصب من
المنافع والمآرب والآمال.
كان نقي النفس، نقي القلب، نقي الضمير، نقي اليد، نقي اللسان. كان صورةً صادقةً للفضيلة في
حياة الأفراد، وكان صورة صادقة للفضيلة في حياة الأمم، كان المثل الأعلى للرجل الذي تستطيع
الشعوبُ أن تركن إليه، ولا تخشى منه ميلًا إلى الهوى، ولا تأثُّرًا بالشهوة، ولا انحرافًا عن
الحق، ولا استكانة لقوة الأقوياء.
يستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل فيما كان بينه وبين أصدقائه وأوليائه وأصحابه
والمتصلين به، من علاقة، فلن يجدوا فيها إلا الكرم والنبل، ولن يجدوا فيها إلا الصفاء والنقاء،
ولن يجدوا إلا جمال الطبع، وصفاء القلب، واعتدال المزاج، والعلم بما يحسن وما لا يحسن،
والتنزُّه عمَّا لا يليق، والحرص كل الحرص على ما يجمل بالرجل الكريم.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل العظيم فيما شغل من مناصب الدولة قبل أن
ينهض بأعمال السياسة العليا، فلن يجدوا فيها إلا الأمانة التي لا حدَّ لها، والحرص على العزة
والكرامة، في وفاءٍ وإخلاصٍ وأداءٍ للحق أمام رؤسائه من المصريين وغير المصريين، والتعفُّف
عمَّا يلوِّث نفوس كثير من الذين يشغلون المناصب فيلتمسون فيها الجاه، ويلتمسون فيها الغنى،
ويلتمسون فيها تحقيق الحاجات وإرضاء اللباقات.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل منذ اشترك في النهوض بأعباء السياسة المصرية
العامة، فلن يجدوا فيها إلا الإخلاص لمصر في حَزْم لا يعرف الضعف ولا التردُّد، ولن يجد الناس
فيها إلا الوفاء لمصر في فهم وبصيرة وتقدير للأمور لا يقلد، ولا يتابع، وإنما يجتهد ما وسعه
الاجتهاد، ثم يمضي في تحقيق رأيه والذود عنه، ما وسعه ذلك أو وجد إليه سبيلًا. حتى إذا أدركه
العجز لم يستحِ أن يعلن العجز، وحتى إذا أحسَّ أن الطريق الشريفة الأمينة المستقيمة قد سُدَّتْ
من دونه وأخذت عليه، لم يتردد في أن يعتزل السياسة ويلزم داره، تاركًا للقادرين على العمل أن
يمضوا في العمل، مستعدًّا دائمًا لِأَنْ يستجيبَ لدعاء الحق والواجب والوطن، كلما دعاه الحق
والواجب والوطن إلى النزول في الميدان.
ولقد نهض هذا الرجل مع صديقه رشدي بأعباء الحكم أثناء الحرب فاحتمل تبعاته، راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، حتى إذا انقضت الحرب، وطالَبَ الوفد بحرية الشعب واستقلاله، لم يتردَّد
في أن يسير مع الوفد في طريقه إلى الحرية والاستقلال، وفي أن يحتمل تبعات ذلك راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، كما كان يحتمل تبعات الحكم من قبلُ.
ولقد آلَتْ إليه أمور الحكم بعد أحداث طوال وخطوب جسام، فلم يتردَّد في النهوض بها، واحتمال
تبعاتها ما وسعته قوته، وما وسعه اقتناعه بأنه على الحق. ولقد خاصَمَ في ذلك صديقه سعدًا ما
وسعته الخصومة، حتى إذا عجز عن تحقيق أمنيته وأمنية مصر، عاد ولم يتردَّد في أن يعلن أنه قد عجز
عمَّا حاوَلَ وأخفق فيما أراد.
فلما طُلِب إليه أن يؤلِّف حزبًا لمناهضة سعد، أبَى ذلك واشتدَّ في الإباء؛ لأن مناهضة سعد
والوفد لا تصلح موضوعًا لتأليف الأحزاب، ولا ينبغي أن يُقدِم عليها المصري الذي يحب وطنه ويخلص
له الحب. حتى إذا صدر تصريح ٢٨ فبراير، وأخذت وزارة ثروت تهيِّئ لإصدار الدستور، رأى أن هذا
الدستور وذلك التصريح خليقان أن تُؤلَّف الأحزاب لحمايتهما، واستغلالهما واتخاذهما وسيلةً إلى
تحقيق الاستقلال؛ فألَّفَ حزب الأحرار الدستوريين، ووجَّهَ سياسته عامًا وبعض عام، وخاصَمَ في
أثناء ذلك سعدًا والوفد ما وسعته الخصومة، وخاض مع حزبه معركة الانتخاب، مخاصِمًا لسعد والوفد،
قويًّا في الخصومة، حتى إذا ظهرت نتيجة الانتخابات، وقضى الشعب لسعد والوفد، لم يتردَّد عدلي في
أن يعترف بهذا الحكم الشعبي، وفي أن يذعن له لا في القول وحده، بل في القول والعمل؛ فاعتزل
السياسة واستقال من الحزب، واستقر في داره، تاركًا للذين جدَّدَ الشعبُ ثقتَه بهم، وتوكيله لهم،
أن يعملوا ويحقِّقوا ما يستطيعون تحقيقه من الاستقلال.
ثم تعاقبت الحوادث، واتصلت الخطوب، واستقال سعد، وحُلَّ مجلسُ النواب، وعُرِضت أعباء السياسة
العامة على عدلي، فلم يقبلها ولم يَمِلْ إليها؛ لأنه كان مؤمنًا أصدق الإيمان بأن حقوق الشعب لا
يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه، وأن الدستور وحده يجب أن يكون الحَكَم لنهوض الناس
بأعباء الأمور العامة.
وظل هذا الرجل مستقرًّا في داره لا يحتمل تبعات الحكم — وما كان أيسر ذلك عليه لو أراده أو
طمع فيه — حتى إذا أذن مؤذن الائتلاف، كان أسرع الناس إجابةً إلى الائتلاف، وكان أحرص الناس على
نسيان الأحقاد ومحو الضغينة؛ لأنه لم يكن يضطغن ولا يحقد في الأمور العامة، إنما كان يعمل
مخلصًا مجتهدًا، يخطئ كما يخطئ غيره، ويصيب كما يصيب غيره.
أسرَعَ إلى الائتلاف، ورأَسَ وزارتَه، وعمل فيها صادقًا مخلصًا، وفيًّا أمينًا، ثم استقال،
وما هي إلا أن تتصل الحوادث ويُعطَّل الدستور، وإذا هذا الرجل الوفي الأمين يعود إلى داره
فيلزمها، ويعتزل الأعمال السياسية التي لا تقوم على رضى الشعب؛ لأنه كان يؤمن إيمانًا صادقًا
بأن حقوق الشعب لا يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه. ثم تتابع الحوادث وإذا الواجب يدعو
هذا الرجل الوفي الأمين إلى النهوض بأعباء الحكم مرةً أخرى ليردَّ إلى الشعب حقه، وليُعِيد إليه
حياتَه الدستورية النيابية؛ فلا يتردَّد في أن يستجيب لهذا الواجب، ولا يتردَّد في أن يُعلِن
رأيه جليًّا صريحًا، فيؤلِّف وزارته ليُجرِي الانتخابات لمجلس النوَّاب، لا لمجلس الشيوخ، حتى
إذا أجرى هذه الانتخابات، وقضى فيها الشعب للوفد، استقال تنفيذًا لأحكام الدستور، وإحياءً للسنة
النيابية الصالحة.
هنالك عُيِّنَ رئيسًا لمجلس الشيوخ، فنهض بعمله هذا، كما نهض بأعماله جميعًا صادقًا، مخلصًا،
نزيهًا، وفيًّا، أمينًا.
وكانت حياة عدلي باشا منذ صدر الدستور إلى ذلك الوقت وفاءً كلها للدستور، وإيمانًا كلها بأن
حقوق الشعب لا يمكن أن تُؤخَذ منه بعد أن رُدَّتْ إليه.
ثم تتابعت الحوادث ووثبت وزارة صدقي باشا إلى الحكم، فلم يتردَّد هذا الرجل الوفي للشعب،
الأمين على حقوقه، في أن يحتمل ثقل الأمانة مهما يعظم، وفي أن يؤدي الواجب الوطني مع الذين
أدَّوه يومئذٍ في أيسر حال وأهونها، لا متكلِّفًا ولا متصنِّعًا، ولا معتزًّا بذلك، ولا ممتنًا
به على أحد؛ لأن الوفاء والاستجابة للواجب وأداء الأمانة الوطنية على وجهها، كل ذلك كان طبيعةً
في عدلي، يصدر عنه كما يصدر الضوء عن الشمس، وكما يصدر النشر الطيب عن الزهرة العطرة.
أنكَرَ عدلي، كما أنكر غيره من الزعماء، كلَّ تلك الأحداث التي جناها صدقي باشا على أمته،
واعتزل السياسة العاملة، واستقرَّ في داره عزيزًا أبيًّا، ينتظر أن يدعوه الواجب الوطني الصحيح،
البريء من كل مداورة أو مناورة، الواجب الذي يحسه الناس جميعًا، الواجب النقي الطاهر الذي لا
يشوبه طمع ولا طبع، ولا يشك فيه أحد من الناس. وكم عُرِضت على عدلي أمور فرفضها، عزيزًا كريمًا،
وفيًّا أمينًا.
رحم الله عدلي. لقد أجمعت أمته على حبه، بعد هذه المواقف الرائعة، وبعد هذا النصح الخالص الذي
نصحه لها، ولقد أجمعت أمته على الثقة به، ولقد أجمعت أمته على ادخاره للأحداث، ولقد أجمعت أمته
على اتخاذه وسيلةً كريمة عزيزة من وسائل الفوز بالأمل والخلوص مما تقاسيه من الشر والضر.
ولكن الأيام أبَتْ إلا أن تمتحن الأمة فيه كما امتحنتها من قبلُ في غيره من عظمائها المخلصين
وقادتها الأوفياء، فمضى أمس، وإنه لَرجل الدولة حقًّا كما قال فيه حضرة صاحب الدولة الرئيس
الجليل مصطفى النحاس باشا.
مضى وإن المصريين جميعًا ليحبونه ويعقدون به الآمال، فإذا المصريون جميعًا يبكونه ويسألون
الله أن يلهمهم عنه أحسن العزاء.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم. لقد نفع أمته حيًّا أحسن النفع، وإنَّ ذِكْره بعد موته لَينفع
أمته أحسن النفع، لقد كان في حياته قدوةً صالحةً للذين يريدون أن يخدموا أمتهم، فيخلصون في
الخدمة، لا يتخذونها وسيلة إلى العظمة، ولا مظهرًا من مظاهر الرياء. وإنه الآن بعد موته لَقدوة
صالحة للذين يريدون أن تفي الأمة لهم كما وفوا لها، وأن تحبهم كما أحبوها، وأن تعرف لهم حقهم
كما عرفوا لها حقها.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم، وفي ذمة الله هؤلاء العظماء الذين سبقوه إلى دار
الخلود. -
نزاهة
حديث المساء: نزاهة
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ أكتوبر ١٩٣٣
أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.
وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.
ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.
نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.
ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.
أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.
فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.
أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.
وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.
وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.
ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.