حديث المساء
صراع…
بدأ منذ أسابيع، ولسنا نعرف متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، وإن كنا نعرف حق المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلط الأجنبي.
والحق أن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحاد العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلا في هذه الأيام أيضًا.
ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي حادًا عنيفًا في المحاكم المختلطة. وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد. فأما أولهما فرئاسة الدوائر، وأما ثانيهما فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام.
أما في الميدان الأول، فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذ ولا رد طويلين. فليست هناك موانع من نص القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرئاسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن، والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز.
والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها، ولا من ترددهم في الذود عنها، وإنما جاء من أن الوزارة، التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة، قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تثبت في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم تستطع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة.
فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب، ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف، فما هي إلا أن يرد عليه الرئيس رده القاسي المعروف، حتى ينكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة. وإذا الناس يشيعون أنه هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال إن هذا الرد محص تمحيصًا، ونقح تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجل أشهرًا طوالًا، وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار.
ثم تتقدم الوزارة إلى مجلس الشيوخ، فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات، أي كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، ويعلن وزير الحقانية أن الحكومة معنية بالمسألة.
ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد مؤقتًا، حتى إذا كان مساء الأربعاء الماضي عرض رد وزير الحقانية على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، فأيده المستشارون المصريون، وأنكره المستشارون الأجانب، وأعلن رئيس الجمعية بعد ذلك أن الأمر قد انتهى بالقياس إلى الجمعية، وأنه أصبح من حق الحكومة المصرية أن تفاوض فيه.
ومعنى هذا الإعلان أن الوزارة انهزمت على طول الخط، كما يقولون، وأن الجمعية، أو كثرتها الأجنبية، انتصرت على طول الخط، كما يقولون أيضًا، وأن القضاة المصريين قد يرأسون الدوائر إذا أذنت الدول الأجنبية بذلك، بعد مفاوضات قد تقصر وقد تطول، ومناقشات قد تلتوي وقد تستقيم.
لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصروا، ولا لأن الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة، وأبعدهما عن الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلامة وطول البقاء.
وأما في الميدان الثاني، فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال، ومن غير أخذ ولا رد. وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذود عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون. ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين، إلى الآن، أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد، مهما تكن الظروف.
ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين، الأستاذ عبد السلام ذهني بك، أن ينفذ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية.
وليست هناك قوة تستطيع أن تحول الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم، إلا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلغي القانون، أو أن تغيره، أو أن تحمل القضاة على ألا ينفذوه حملًا.
وإذن فالقومية المصرية ظافرة، من غير شك، في هذا الميدان، إلا أن تتكشف الأيام والحوادث عن بعض ما تتكشف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب.
أبى رئيس الدائرة أن يمضي هذه الأحكام لأنه لا يفهمها، وأبى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه البلاد، لأنها لغة القومية المصرية، ولأنها معترف بها في المحاكم المختلطة بحكم القانون.
ورفع الأمر إلى الجمعية العمومية، ورغب رئيس الجمعية وأعضاؤها الأجانب إلى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه الأحكام، فأبى، وأيده زملاؤه المصريون. ولم تستطع الجمعية أن تتخذ في ذلك قرارًا، لأنها إن قبلت رأي المستشار المصري، كما يقضي الحق والعدل والقانون، وجدت نفسها، فيما يقال، أمام صعاب ومشكلات لا حد لها. وإن رفضت رأي المستشار المصري خرجت على القانون، وهي لا تملك، ولا تريد من غير شك، أن تخرج على القانون.
وإذن فليس للمسألة حل في حدود القانون إلا أن تنتصر القومية المصرية في هذا الميدان انتصارًا واضحًا قاطعًا، لا شك فيه ولا غبار عليه.
ونظن أن الخير إنما هو في أن تقف الوزارة من هذه القصة الجديدة موقف الحياد التام، فقد ظهر أن تدخل الوزارة في مثل هذه الأشياء يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد. وآية ذلك أنها دخلت في الأزمة الأولى، فلم تغن شيئًا، ولم تحسن البلاء، ولم تنتفع من إجماع الأمة كلها على تأييد القضاة المصريين، وإنما تركت ذلك كله يذهب مع الريح، ونظرت لما يحيط بها من الظروف، فآثرت العافية، وقبلت المفاوضات.
ونحن نخشى إن دخلت في هذه القصة، أو همت بتأييد القضاة المصريين فيها، أن تسير سيرتها الأولى، وأن يصدر عن وزير الحقانية كتاب، يرد عليه بكتاب، ثم يهيأ للرد على الرد كتاب، ثم تتخذ الجمعية العمومية فيه قرارًا كالذي اتخذ مساء الأربعاء، ثم تدخل الوزارة في مفاوضات، تقترح عليها من الدول لتأجيل اتخاذ اللغة العربية أداة رسمية للقضاء المختلط، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لذلك.
نود إذن لو وقفت الوزارة موقف الحياد، وبخلت على المستشارين المصريين بالتأييد في هذه المرة، فرب بخل خير من الجود، ورب حياد خير من التأييد.
والمستشارون المصريون في هذه القصة أقوياء بالقانون، أقوياء بضمائرهم، أقوياء بوطنيتهم، أقوياء بإرادتهم، أن يرعوا حرمة القانون، وأن يرعوا حرمة اللغة العربية، التي هي اللغة الرسمية للقومية وللبلاد.
فتؤثر الوزارة الراحة في هذه المرة، فإنا نحب لها، ونحب لموقف المستشارين، أن تستريح.
على أننا نعتقد أن الصراع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحد، بل ينبغي أن يتسع ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع، ولا بد أن يتبعهم غيرهم.
فيجب أن تكون اللغة العربية أداة عملية، لا لكتابة الأحكام فحسب، بل للمرافعات أيضًا. يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية، ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا.
ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل أن يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية، فيجب أن تكتب أحكامها، وأن تكون مرافعاتها باللغة العربية فيها.
وما دام القانون، الذي لا سبيل إلى الخروج عليه، يقر اللغة العربية على ما يراد لها من الحق، فنحن واثقون بأن رجال القضاء، والنيابة، والمحاماة، من المصريين والشرقيين، لن يبخلوا على لغتهم بهذا الحق، ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا.
وقد قيل وسيقال إن القضاة الأجانب لا يحسنون اللغة العربية أو لا يفهمونها، ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، فالذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يحسنوها.
وقد قيل وسيقال إن نظام العمل في المحاكم المختلطة لا يجعل اصطناع اللغة العربية سهلًا، لأن الموظفين الذين يحسنون هذه اللغة قليلون في المحاكم المختلطة. ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، وإن الذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يفهموها، وإن الوزارة المصرية تنفق أموالًا كثيرة في ألوان من الترف الذي لا حاجة إليه، فلتنفق بعض الأموال في هذه الضرورة التي تمكن اللغة العربية من أن تكون لغة القضاء في المحاكم المختلطة، ولتعين من الموظفين من تدعو الضرورة إلى تعيينهم، ولتعزل من الموظفين من تدعو الضرورة إلى عزلهم، فإن المحاكم المختلطة لم تنشأ للموظفين، وإنما أنشئت للقضاء.
وليست اللغة العربية هي التي يجب أن يضحى بها لمصلحة فريق من الكتبة والمحضرين الأجانب، وإنما يجب أن يضحى ببعض الكتبة والمحضرين الأجانب في سبيل اللغة العربية إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
نعم، كان الأستاذ عبد السلام ذهني بك موفقًا حقًا حين أقدم على تنفيذ القانون، وحين رد إلى اللغة العربية بعض حقها، وحين رد إلى الكرامة المصرية بعض ما ينبغي أن يرد إليها من عناية المصريين وغير المصريين.
وما نظن أن الأستاذ وزملاءه يحتاجون إلى شكر أو يطمعون فيه، فإخلاصهم للوطن، وللقانون، وللقضاء، أرفع من أن يحتاج إلى الشكر.
وما نظنهم يحتاجون إلى تشجيع أو يطمعون فيه، فهم أشجع وأحرص على الحق، وأداء الواجب، وإرضاء الكرامة، وإراحة الضمير، من أن يحتاجوا إلى تشجيع.
ومع أنهم لا يحتاجون إلى شكر ولا إلى تشجيع، فسيرون أن الأمة المصرية كلها لن تتردد في أن تقدر لهم موقفهم هذا الكريم، وفي أن تعرف لهم أنهم أبناء أوفياء لأمة شديدة الحاجة جدًا إلى أن تحس من أبنائها أنهم أوفياء.
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٠ إبريل سنة ١٩٣٤.
Tag: النظام القضائي
-
صراع٢ | Conflict 2
-
الأزهر ومدرسة القضاء | Al-Azhar and the School of Sharia Judiciary
الأزهر ومدرسة القضاء.
تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما ملحين. الأول ألا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحس الناس أن شيئًا يجرى وراء ستار، وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق. نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذه الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمس مدرسة دلت التجربة على أنها لم تخل من نفع كثير، ويمس نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور إليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق إنا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًا من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي بل قل إنه أمر يمس التعليم وأمور التعليم تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ وإن يكن هذا المشروع شرًا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟
يقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم. ويقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضي بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويقال إن في اللجنة خلافًا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد. ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.
كل هذا يقال. وكل هذا حق أو أكثره حق. ولكن أَكُلُّ هذا حسن؟ أَكُلُّ هذا سيئ؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأيّ شيء في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد إليها وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأي حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون… فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يراد بها إرضاء قوم على حساب قوم آخرين… وقد نتمنى ألا يكون هذا حقًا. ولكنا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه.
طه حسين
السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣.