حديث الوادي
زهرات…
رئيس وزرائنا، رجل طيب، هذا شيء لا يرقى إليه الشك، ولا يتأتى فيه الجدال. ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك رجل مترف منعم دقيق الحس، رقيق المزاج، يؤذيه الكلام الغليظ ولا تنفذ إلى سمعه هذه اللغة التي تعود المعارضون السياسيون أن يتحدثوا بها إلى سلفه الدكتاتور العظيم صدقي باشا لأن في هذه اللغة خشونة وجفوة، وحدة لا تلائم سمع المترفين، ولا أذواقهم الحلوة المهذبة. وأكثر الظن أن هذا الخطأ النفسي إن صح هذا التعبير هو الذي حال بين المعارضة وبين أن تبلغ من رئيس الوزراء شيئًا أو تقنعه بشيء، أو تصرفه عن شيء، أو تحمله على شيء، فهي تتحدث إليه بلغة لا يفهمها، ولا يذوقها، وإذن فهي لا تجد إلى نفسه سبيلاً. تتحدث إليه بلغة الشعب وأبناء الشوارع، هؤلاء الذين يمشون في الأسواق ويجلسون في الأندية، ويتحاورون بلغة العامة أو بلغة الخاصة، ولكن بلغة ديمقراطية على كل حال. والخير كل الخير للمعترضين إن أرادوا أن تصل أصواتهم إلى رئيس الوزراء وأن تقع أحاديثهم من نفسه موقعًا حسنًا، أن يغيروا لهجتهم ويصطنعوا لغة حلوة عذبة رقيقة، رشيقة موفقة، تشبه ما يضطرب فيه الرئيس المترف العظيم من ألوان الترف والنعيم. ونحن نعلم أن هذا ليس شيئًا يسيرًا، ولا قريب المنال. فقد خُلقنا جميعًا شعبيين ديمقراطيين، نتحدث بلغة الشعب، ونصطنع لهجته الديمقراطية، وليس يتاح لنا في سهولة ويسر أن ننقلب مترفين أرستقراطيين نستعير في أحاديثنا لغة النسيم والأزهار، ولكن لنحاول مع ذلك، فقد يتاح لنا التوفيق، وقد يقرب الله ما بين رئيس الوزراء وبيننا من الآماد، فيسمع لنا، ويفهم عنا، ويعني بالتفكير المترف فيما نقول. وقد يخيل إلينا أن من أقرب الوسائل إلى رئيس الوزراء، أن تؤلف له من بعض أعمال الوزارة، طاقة من الزهر الجميل ننسقها تنسيقًا، وننمقها تنميقًا، ونقدمها إليه باسمين، ابتسامة الإعجاب به والإكبار له وابتغاء الوسيلة إليه. فقد يلقي على هذه الطاقة نظرة من نظراته المترفة فتروقه. ولعلها تروعه، ولعله يعيد النظر إليها، ولعله يطيل التفكير فيها، ولعله يستيقن بعد ذلك أن هذه الطاقة الجميلة البشعة، الرائعة المروعة، إنما ألفت من زهرات الشر، لا من زهرات الخير، ونسقت من هذا الجمال المنكر الذي تشمئز له النفوس وتهلع له القلوب، لا من ذلك الجمال الحلو، الذي تستريح إليه النفوس، وتمتلئ له الأفئدة بشرًا وغبطة وسرورًا.
وقديمًا استطاع بعض الشعراء الفرنسيين الذين قرأهم رئيس الوزراء من غير شك، أن يجعل للشر أزهارًا، وأن يؤلف منها طاقة رائعة مخيفة خالدة على الدهر، ستنظر إليها الأجيال الإنسانية كلها، فلا ترى فيها إلا نكرًا وإثمًا. وربما كان الزهر العيسوي الذي يُعنَى به وزير التقاليد في وزارة المعارف أحق ألوان الزهر الوزاري بالعناية، وأجدرها أن نقصد إليه حين نريد تنسيق هذه الطاقة البديعة لنهديها إلى رئيس الوزراء.
فنحن نستطيع اليوم أن نقتطف من هذه الحديقة الغناء، حديقة وزارة المعارف، زهرات ثلاثًا، لا نرى أجمل منها، ولا أروع، ولا أقدر منها على أن تعجب رئيس الوزراء. فأما أولى هذه الزهرات، فزهرة مدرسة الهندسة التي يتأرج عبيرها الحلو في الأجواء المصرية كلها، والتي أبت أن يرقى عالم مصري إلى منصب الأستاذ لأن هذا المنصب يجب أن يقدم هدية إلى الإنجليز والتي أبت أن يبقى هذا العالم المصري في مدرسة الهندسة، رفقًا به وإشفاقًا عليه من أن يتأذى بمنظر هذا الأستاذ الإنجليزي الذي اغتصب منصبه اغتصابًا واحتله قسرًا واقتدارًا. فنفته بإذن الله وبقوة التقاليد إلى أسيوط.
والزهرة الثانية من زهرات هذه الحديقة الغناء، هذا الكتاب الذي صدر من وزارة التقاليد إلى مصلحة السكك الحديدية يطلب إليها إلغاء قطار الآثار لأن إظهار المصريين على آثار آبائهم يؤذي موظفي مصلحة الآثار، ويكلفهم مشقة لا يقدرون عليها. ثم لأن هذه الجماهير الشعبية تؤذي السائحين والسائحات من الأجانب الذين يجب أن يصفو لهم جو الصعيد فلا تكدره أنفاس المصريين ولا أشكال المصريين، ولا أي مظهر من مظاهر المصريين.
والزهرة الثالثة هي هذه العناية القصوى التي تبذلها وزارة التقاليد لإرضاء البريطانيين، وتعيين البريطانيين وتقديمهم لا على المصريين وحدهم بل على الأجانب أيضًا. ولعلك قرأت ما نشرناه أمس من حاجة الوزارة إلى أستاذ في مدرسة الصناعات البحرية في السويس ومن حرص الوزارة على أن يكون هذا الأستاذ بريطانيًا ليس غير.
فإذا قطفنا هذه الزهرات من حديقة وزير التقاليد، فعند وزير ماليتنا زهر كثير يحار الطرف فيه، وتعجز النفس عن الاختيار بينه، تستطيع أن تأخذ من زهر الاستبدالات في مصلحة الأملاك ما شئت، وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العام ومفاوضاته وقضيته ما أحببت. وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العقاري ما أردت، وتستطيع أن تأخذ فوق هذا كله وذاك من صمت الوزير وكلامه، ومن كره ووفره، ومن إقدامه وإحجامه، زهرًا لا يُحاكي وليس إلى تقليده من سبيل.
فإذا جمعت الزهر الصبري إلى الزهر العيسوي، ففي الزهر القيسي ما يتمم الطاقة، ويجعلها فتنة للأبصار والنفوس. وأنت واجد في حديقة القيسي باشا ما شاء الله أن تجد مما يروعك ويروعُك بتسكين الواو في الفعل الأول، وتشديدها في الفعل الثاني. وأنت واجد من هذا الزهر في حديقة القيسي باشا ألوانًا مختلفة منها الأحمر القاني، والشاحب الممتقع، ومنها الأسود القاتم، ومنها الأبيض الناصع، ومنها غير هذا كله من الألوان.
تستطيع أن تقتطف بعض هذا الزهر الذي ينبته الجند والشرطة، ويتعهدونه بدماء المصريين حين يحطمون الرؤوس ويهشمون العظام، ويشققون الجلود تشقيقًا. وتستطيع أن تقتطف من هذا الزهر الذي ينبته رجال الإدارة في الأقاليم، ويشقونه بدموع المصريين حين يسلكونهم في الأغلال، ويضعونهم في القيود، ويأخذونهم بالمشي الطويل المضني، ساعات وساعات، ويلقونهم في غيابات السجن، لا يذوقون طعامًا ولا شرابًا، ثم يردونهم بعد ذلك إلى الحرية والحياة. فإذا أخذت من زهرات القيسي باشا ما يزيد الطاقة جمالاً إلى جمال، وروعة إلى روعة، فلا تنسَ أن تمر بحديقة وزير الحقانية، فتقتطف زهرة أو زهرتين من زهرات المحاكم المختلطة، فقد نظن أن جمال الطاقة لا يتم إلا إذا أضفت إليها بعض هذا الزهر المونق البديع. ورئيس الوزراء كما قلت لك، رجل مترف يحسن أن تقدم إليه طاقات الزهر، ولكن يجب أن تكون هذه الطاقات رشيقة ليست مسرفة في الضخامة، كهذه الطاقات التي يحبها أمثالك وأمثالي، من أبناء الفلاحين. ولذلك أنصح لك ألا تقصد إلى حدائق الوزارات الأخرى، ولا إلى حديقة البرلمان، بل يكفي ما قطفت من هذه الحدائق التي مررت بها، ولكن قف على رئاسة الوزارة فخذ منها شريطًا ظريفًا جميل اللون كما يقولون واحزم به هذه الطاقة قبل أن ترفعها إلى الرئيس العظيم. وأنت واجد من الشرائط فنونًا وضروبًا وأشكالًا وألوانًا، فتستطيع مثلًا أن تختار لهذه الطاقة شريطًا متردد اللون لا يحزم بنحو من أنحاء اللون دون نحو آخر.
خذ مثلًا هذا الشريط الذي رسمت عليه الأزمة الأولى بين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، وبين المندوب السامي الجديد. وهي التي يسمونها أزمة الزيارة، والتي قال الناس فيها فأطالوا القول وبحث الناس عن سرها، فأكثروا البحث، والتمس الناس نتائجها فأسرفوا في الالتماس.
خذ هذا الشريط الجميل فأدره حول هذه الطاقة الجميلة، ثم اتخذ لنفسك زيًا جميلًا، وشكلًا جميلًا، وأفض على وجهك ابتسامة حلوة، واطبع على شخصك حركة رشيقة، واستأذن على رئيس الوزراء، فإذا ظفرت بالإذن، فادخل ظريفًا رشيقًا، وحيِّ تحية ملؤها الإكبار والإعجاب، وقدم الطاقة إلى الرجل العظيم وانصرف. لا تقل كلمة، ولا تنطق بحرف، فإن صوتك قد يؤذي الرئيس، وإن في هذه الطاقة الجميلة ما يغني عن الكلام. فقد ينظر إليها صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا فيرتاع لها ضميره الحي ويؤثر أن يدع الحكم على أن تُقدم له إذا كان الغد طاقة أخرى مثل هذه الطاقة أو أشد منها روعة وترويعًا. وما أكثر ما في حدائق الوزارة القائمة من أمثال هذه الزهرات الحسان.
طه حسين
حديث الوادي، ٢٥ يونية ١٩٣٤.
Tag: النفوذ الاستعماري
-
زهرات | Little Flowers
-
عيسويات١ | Issa-isms 1
حديث الوادي
عيسويات …
ولم يكن بد من أن تكون لوزير التقاليد عظائم تنسب إليه، وتوسم بسمته، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أن لوزير المالية أعمالا جساما، وأمورا عظاما، تبقى على الدهر وتنبت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطراً، ولا أهون شأنا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية. وقد يجوز لوزير المالية أن يسبق زملاءه جميعاً ويتفوق عليهم جميعاً، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أن يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائما، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعاً، وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب، يعترفون في غير تردد ولا تحفظ، بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحق رضى الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقا أن يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق، بما لا بد منه، ليكون رئيسا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أن لوزير المالية، أو لواحد من زملائه، آية كهذه الآية الخالدة التي سجلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أن واحداً من هؤلاء الوزراء، يستطيع أن يزعم أنه سجل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم، قبل أن يطلبوها، بل دون أن يطلبوها، إلا أن تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد. ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أن نسجل السبق إلى رضى الإنجليز، وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيها أو نظيرا.
وقد يكون من الخير، أو من الشر لا أدري، أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة، فهي قد تغضب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئا، وغضبهم لا ينبغي أن يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي ترضي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون. والدليل على ذلك أن صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالا وألوانا، ومن الحرمان ضروباً وفنوناً، ومن الإذلال ما لم يذوقوا أمثلة في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أن يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أن هوى عن منصبه، أن يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يسأل عما عمل، ولا يسأل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يفق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضا أن صدقي باشا أرضى الإنجليز، فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.
فغضب المصريين لا يخيف مهما يعظم، ورضى الإنجليز لا يزهد فيه مهما يهن، فنستطيع إذن أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانا محمودا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أن الإنجليز ليسوا حمقا ولا بلها، ولا أغمارا ولا أغرارا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي، فيأبى كل الإباء، ويرفض كل الرفض، ويصدر من مكتبه كتابا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعين مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.
والأستاذ المصري كفء من غير شك، ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤا حقا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيا، أو قل إنه ليس بريطانيا كما يقول وزير التقاليد. أو قل إن ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضى الإنجليز في هذه الأيام. فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرض المصري بما قضي عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعا، ليظفر وزير من وزرائنا برضى الإنجليز وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.
ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك، بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقونا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة. ومن ذا الذي يستطيع أن يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أن تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟ أليس الإنجليز يمنون علينا بأن اللورد كرومر قد رد إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى. ولكن الإنجليز ينسون، نستغفر الله، بل يتناسون أن عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوا، وأفنى الشخصية المصرية إفناء، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء، مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية، وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني. يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أباة، فإذا نحن نفضل رضى الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصا على الحق فإذا نحن نحرص على رضى الإنجليز، أكثر مما نحرص على الحق. يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم، لأن رضى الإنجليز آثر عندهم من رضى أولئك جميعا. هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر. ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائما بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزناً وحسرة وأسى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة، قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نود ألف مرة ومرة أن نعيش رجالا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا، ونفضله على أن نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راع يعرف كيف يخضعنا للسوط والعصي.
إن الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود، خليقون أن ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة، ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ماذا يريدون؟ أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون. هم يريدون في مصر أرضاً خصبة، وأنعاما يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالا كراما مستقلين يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أن يعود.
طه حسين
الوادي، ١٥ يونية ١٩٣٤. -
امتحان (٢) | A Test (2)
امتحان (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ مارس ١٩٣٤
أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.
ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.
والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.
ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.
ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!
قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.
وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.
بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.
نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.
هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال. -
لقاء | A Meeting
حديث المساء: لقاء
طه حسين
كوكب الشرق
٦ مارس ١٩٣٤
لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.
وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!
وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.
فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.
ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد. -
حماية (٣) | Protection (3)
حديث المساء: حماية (٣)
طه حسين
كوكب الشرق
٣ مارس ١٩٣٤
إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.
فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.
ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.
نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.
ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.
وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.
ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.
والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.
كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.
لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.
والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.
لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.
وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.
ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.
إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.
ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام. -
فراغ … | Idleness…
فراغ …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ فبراير ١٩٣٤
يجب أن تهنأ الوزارة بما تنعم به من فراغ البال، وراحة القلب، واطمئنان الضمير؛ فهذه نعمة لا تتاح لكثير من الناس، ولا تتاح لوزارة من الوزارات في هذه الأيام الحافلة بالأحداث والخطوب. ولكن وزارتنا بحمد الله راضية العيش، قريرة العين، فارغة البال، ليس عندها من كبار الأمور ما يشغلها أو يقلقها، أو يضطرها إلى شيء من الجد والتفكير.
ليست في مصر أزمة اقتصادية لتَجِدَّ الوزارة في حلها، وليست في مصر مشكلات سياسية لتفكر الوزارة في إزالتها، وكان يقال: إن بين مصر وبين أوروبا شيئًا من الخلاف في أمر الدين العام، ولكن الله قد قَيَّضَ الإنجليز لمصر يكفونها شر هذا الخلاف، ويَنُوبُونَ عنها في تدبير حل له، قد يظفرون به وقد لا يظفرون، ولكنهم يعالجونه على كل حال؛ فمن حق الوزارة أن تريح نفسها من السعي إليه أو التفكير فيه. وكان يُحْكَى أن المصارف الأجنبية تريد أن تستوفي دَيْنَها، وأن الناس عاجزون عن توفية هذا الدين، وأن أرضهم وثروتهم تتعرضان للخطر بحكم هذا العجز، ولكن وزير المالية يَقِظٌ يدرس الأمر، ويلتمس له العلاج، لا ينفق يومًا من أيامه حتى يتكلم فيه أو يتناوله بالبحث والدرس، وهو من أجل ذلك يطلب إلى بعض الدول الأجنبية في أوروبا وأمريكا أن تنبئه بما سلكت إلى حل هذه المشكلات من طريق؛ فيتلقى رد بعض الدول، وينتظر رد بعضها الآخر، وهو يدرس ما وصل إليه من ردود، ويتهيَّأ لدرس ما لم يصل إليه بعد، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح وتنعم بما لا تنعم به الوزارات في بلاد الأرض على اختلافها من راحة القلب وفراغ البال.
وكان يُرْوَى أن شيئًا يحدث في بعض حدود السودان، ولكن الله قد أَلْهَمَ الإنجليز — الذين يحبون مصر أعظم الحب، ويعطفون عليها أحسن العطف — أن يُرِيحُوا مصر من حدود السودان، كما أراحوها من السودان كله؛ فهم يفاوضون الإيطاليين، وهم يرسلون الجند والأسلحة إلى الحدود ليسندوا هذه المفاوضة، ويضمنوا لها الفوز، وفي أثناء ذلك تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من قرة العين وفراغ البال، وكان يُشَاعُ أن طائفة من الفضائح تمسُّ الإدارة وتمسُّ المال قد ظهرت في الجو المصري؛ فكدرته ولم يكن صافيًا، وسمَّمتْه ولم يكن هنيئًا، ولكن الله قد ألهم الوزارة أن تَطْوِي كشحًا عن أكثر هذه الفضائح وتفترض أنها أحلام وأوهام، وأن تُؤَلِّفَ لجنة للتحقيق في واحدة منها، كما تستطيع وكما تمكنها الظروف. وبينما تحقق اللجنة، وبينما تذوب الفضائح الأخرى في بحر النسيان تستطيع الوزارة أن تستريح، وأن تستمتع بما لا تستمتع به الوزارات الأخرى من رضا الضمير وفراغ البال.
ثم كان يُذاع أن أمورًا كثيرة أخرى نشأت، وأن أمورًا كثيرة أخرى تريد أن تنشأ، وأن من شأن هذه وتلك أن تشغل الوزارة وتعنِّيها، وتكلِّفها من الجهد والمشقة ما تتكلف الوزارات اليقظة المتعبة. ولكن وزارتنا قد أُلْهِمَتْ أن تُعْرِضَ عما نشأ من الأمور، وألا تتعجل التهيؤ لما قد ينشأ منها، وأن تنعم بما لا تنعم به الوزارات الأخرى من هدوء الحال وفراغ البال.
وليس ضروريًّا أن تكون راحة الوزارة صورة لراحة الشعب؛ فذلك شيء يفكر فيه الأشقياء الذين ينظرون إلى الحياة نظرة الجد، وأما الفلاسفة المترفون، فإنما ينتهزون فرص الحياة، وينعمون بما يسنح منها، ويستمتعون بالراحة حين تتاح لهم الراحة، ولا يُحَمِّلُون أنفسهم عناء البحث عن المُتْعَبِين والمرَزَّئِين ليخففوا عنهم ما يصيبهم من تعب، وما يُلِمُّ بهم من أرزاء.
وإذا استراحت الوزارة وفرغ بالها؛ فلا بد لها من بعض اللهو، ولا بد لها من بعض التسلية؛ لأنها إن لم تفعل أدركها السأم وألحَّ عليها الملل، وليس شيء أثقل من السأم على نفوس المترفين. ولا بد للوزارة أن تتحدث إذا اجتمعت، ومن أن يتحدث أعضاؤها إلى أصحابهم إذا لقوهم أو خلوا إليهم، وهيهات أن يكون في الفراغ ما يملأ الحديث؛ فلا بد من بعض الأعمال يُنْفَقُ فيه الوقت، ويُسْلَى به الهم، ويُمْلَأ به الحديث. وأي شيء يُلَائِمُ حياة المترفين وحاجتهم إلى التسلية والعبث، يشبه جمع الجند وتفريقه، وتوزيع الشرطة في أنحاء الأرض، وتصعيدها إلى مصر العليا، والهبوط بها إلى ساحل البحر، والتضييق على الناس في حياتهم الضيقة، والعبث بالناس فيما يصيبهم من جد الأمر؟!
ولم خُلِقَ الجند؟ ولم خُلِقَت الشرطة؟ إذا لم تستطع الوزارات أن تُخضعها بما يخضع له جند الشطرنج من ألوان الجمع والتفريق، ومن فنون الحركة والانتقال، وما دام الله لم يهيئ لمصر حربًا تستخدم فيها الجيش، فلا أقل من أن تهيئ مصر بنفسها فرصة تُظْهِر فيها أن عندها جيشًا، وأن هذا الجيش قادر ماهر يستطيع أن يتقدم، وأن يدور حول العدو وينفرج عنه، وأن يأتي من الحركات ما يقنع الناس بأن فنون الحرب لم تُجْهَلْ في وادي النيل، وإن لم تكتب الحرب على أهل وادي النيل.
ثم مَن الذي يستطيع أن يزعم أن الله لم يكتب الحرب على مصر، وكل شيء يدل على أن الله قد كتب على مصر حربًا لا كالحروب، وأقرَّ في مصر صراعًا لا عَهْدَ للناس بصراع مثله؟! متى رأيت دولة من الدول تحارب فردًا فتحشد له وتؤلِّب عليه، وتشغل به نفسها آناء النهار وزلفًا من الليل؟!
متى رأيت دولة من الدول تحتمل ألوان الكد والجد، وتتكلف ضروب المشقة والعسر، وتنفق من الذكاء ما مُنِحَتْ وما لم تُمْنَحْ، وتنفق من المال ما يُطَاقُ وما لا يُطَاق، لتحارب سيدة ترحل من بعض الأرض إلى بعضها الآخر؟! كلا، لم يكتب الله على دولة ما كُتِبَ على الدولة المصرية من الحرب والجهاد، ومن الصراع والنضال. أم المصريين في الصعيد، ورئيس الوفد في الإسكندرية؛ هذا كثير، وأكثر منه أن بين الرحلتين أمدًا قصيرًا لا يسمح بالاستعداد والتهيؤ، والاحتياط للطوارئ. أما أنا فأشهد أن وزارتنا ماهرة حقًّا، وأن وزير داخليتنا نابغة حقًّا، وأن الظروف قد هيأت لحمايتنا قومًا لا يمكن أن يؤخذوا على غرة أو يبيتهم العدو وهم نائمون.
أرأيت كيف استحالت مصر السُّفْلَى أمسِ إلى ميدان حرب؟! أرأيت كيف استحالت الإسكندرية أمسِ إلى قلعة منيعة حصينة؟! أرأيت كيف طارت وزارتنا بالقوة الهائلة من أعلى الأرض إلى أدناها؟! أرأيت كيف كان الفرسان يحيطون بسيارة رئيس الوفد في الإسكندرية؛ جماعة من أمام، وجماعة من وراء، جماعة من يمين، وجماعة من شمال؟! أرأيت كيف كان المشاة يحيطون بنقيب المحامين وهو يسعى في الأقصر منذ أيام: يتقدمه عشرون، ويمشي عن يمينه عشرون، ويمشي عن شماله عشرون، ويسعى خلفه من شئت منهم؟!
أرأيت كيف كانت شواطئ النيل تُحْمَى حين كانت أم المصريين تعبر النيل؟ أرأيت كيف كانت تحيط بسفينتها سفن الدولة لتقطع الصلة بينها وبين الأنصار والأعوان؟! أتشك بعد هذا في أن وزارتنا لا تُنْفِقُ ما مُنِحَتْ من فراغ البال في غير طائل، وإنما تنفقه فيما ينفع ويفيد، تنفقه في حماية الصعيد من أم المصريين، وفي حماية الإسكندرية من رئيس الوفد؟! ستقول: ولكنها لم تحمِ الصعيد من أم المصريين، ولم تحمِ الإسكندرية من رئيس الوفد؛ فقد زارت أم المصريين الصعيد وبلغت من زيارته ما شاءت، وزار رئيس الوفد الإسكندرية، وبلغ من زيارته ما شاء.
ولكنك تعلم حق العلم أن المهم هو أن تعتقد الوزارة أنها عملت شيئًا وأنها بلغت شيئًا؛ لأن المهم هو أن ترضى الوزارة عن نفسها، وتسعد الوزارة بحياتها، وتفخر الوزارة بقوتها وذكائها ونشاطها. وما دامت الوزارة راضية فنحن راضون، وما دامت الوزارة سعيدة فنحن سعداء.
والمهم بعد هذا وقبل هذا وفوق هذا هو أن يرى الإنجليز من براعة الوزارة ومهارتها في نقل الحرب من أقصى مصر إلى أقصاها، وفي التضييق على الوفد والوفديين ما يُقْنِعهم بأنها قادرة على البقاء، صالحة له، مُوَفَّقَة إلى ما يحبُّون من التسلية واللهو على حساب مصر؛ فالإنجليز أيضًا محتاجون إلى أن يضحكوا وإلى أن يلهوا، وإلى أن يستمتعوا بما لا يستمتع به غيرهم من فراغ البال. ومن المؤكد أن المندوب السامي الجديد سيشهد من ذلك شيئًا لم يشهده حين كان في الصين، ومن المؤكد أنه سيسعد بما يرى؛ فقد تعب هناك فيما عالج من الأمور الصعاب، فمن حقه أن يستريح هنا بعد ما احتمل من العناء، وأنا مطمئن إلى أنه سيستريح، وسيقضي أيامًا حلوة بين صيد البط والنظر إلى مطاردة الوفد والوفديين. -
موقفان | Two Positions
موقفان
الناس يقولون، ويسرفون في القول، ويؤكدون ويلحون في التأكيد أن صاحب المعالي وزير الأشغال لا يحب خزان جبل الأولياء، ولا يطمئن إليه، ولا يرى — على أقل تقدير — العجلة في إقامته وتشييده، وتكلف ما سيتكلفه من النفقات في تلك الإقامة وهذا التشييد، وفي هذه الأيام التي تشتد فيها الحاجة، لا أقول إلى الاقتصاد والتدبير، بل إلى البخل والتقتير.
والناس يذكرون لانصراف وزير الأشغال عن هذا الخزان وتنكره له أسبابًا فنية، أفهم بعضها في مشقة وعسر، ولا أفهم من بعضها الآخر شيئًا. والناس يزعمون أن وزير الأشغال يرى — كما يرى غيره من الفنيين — أن في إقامة هذا الخزان خطرًا غير قليل، وعبثًا لا حد له إذا لم تتخذ ضروب من الاحتياط في مهم أمره، فتقوى قناطر وجسور، وتعمق ترع، وتوسع أقنية، إلى غير هذا الكلام الذي هو أشبه بالعبرية أو السريانية أو لغات الواق واق، ولكنه يرضي خصوم الخزان ويدفعهم إلى المضي في المطالبة بالعدول عن الخزان، أو اصطناع الريث والأناة في إقامته.
على أن وزير الأشغال تفضل فأراح أنصار الخزان وخصومه من الجدال والنضال حول رأيه في إقامة الخزان اليوم أو غدًا، وبعد أعوام، أو العدول عنه جملة.
أراح الوزير خصوم الخزان، لأنه كذب تكذيبًا صريحًا كل ما ذاع وشاع، وملأ الأسماع من تردد الحكومة ومن رأيه هو في خزان جبل الأولياء: أيقام أم ينام؟
فلن يتناقش الناس منذ اليوم في موقف وزير الأشغال من الخزان، ولن يحتج به الخصوم والأنصار، ولن يتكلف الأنصار الحيل والأعذار للوزير الذي يعمل في وزارة لا يتفق معها في الرأي، وفي أشد المسائل اتصالًا به، بل في مسألة يجب أن يكون أمرها إليه قبل كل إنسان.
فرغ الناس من هذا كله بهذا البلاغ اللبق الظريف المرن الذي أصدره وزير الأشغال، وإن كان الذين يريدون أن يفهموا — ليفهموا ليس غير، لا ليخاصموا ولا ليؤيدوا — لم يتبينوا في جلاء رأي الوزير فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين فنه، وفيما بينه وبين تقديره لحاجة مصر وطاقتها ومنفعتها.
لم يفهم هؤلاء الناس رأي الوزير: أهو من أنصار الخزان أم من خصومه؟ وإنما فهموا — وهذا يكفي — من الجهة العملية أن الوزير لا يعارض ولا يمانع في إقامة الخزان، وأنه لم يحل ولن يحول دون الحكومة وما تريد من ذلك. وهذا معقول، فقد اتخذت الحكومة قرارها، ووزير الأشغال بعيد عن الحكم، فهو إذن لا يحتمل تبعة هذا القرار. وقد لا يكون من الظرف ولا من حسن المجاملة أن يأتي فيعطل شيئًا أو يحاول تعطيل شيء مضت فيه الوزارة قبل أن يشترك فيها.
هذا إذن شيء مفروغ منه. أظهر وزير الأشغال موقفه من حيث إنه وزير، واحتفظ برأيه الخاص لما بينه وبين اللّٰه. ولعله ذكر وهو يصدر هذا البلاغ قول الشاعر القديم:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد؟
ولكن الناس لم يكونوا يتحدثون عن وزير الأشغال وحده، ولا عن مجلس الوزراء وحده، وإنما كانوا يتحدثون عن المستشار المالي الإنجليزي أيضًا.
كانوا وما زالوا يقولون ويؤكدون ويلحون في القول والتأكيد إن المستشار المالي يرى أن طاقتنا المالية لا تسمح بإقامة هذا الخزان الآن. والمستشار المالي — كوزير الأشغال — له بالطبع موقفان قد يتفقان فيصبحان موقفًا واحدًا، وقد يختلفان فيشتد بينهما الاختلاف: أحدهما موقفه فيما بينه وبين نفسه، والآخر موقفه فيما بينه وبين الحكومة التي يعمل فيها ويشير عليها.
وقد يكون المستشار المالي ميالًا جدًا إلى إقامة الخزان لأنه إنجليزي لا يستطيع أن يهمل منافع الإنجليز، ولا أن يمحو العاطفة الإنجليزية من نفسه. والناس يقولون إن للإنجليز في إقامة هذا الخزان منفعة واضحة لا تحتمل الشك. ولكن المستشار المالي رجل يقدر فيما يظهر موقفه الفني وما يقتضيه هذا الموقف من النصح والأمانة، وهو يعلم أن المستشار مأمون، فيظهر أنه لم يتردد — رغم إنجليزيته — في أن يشير على مصر بالتأني في إقامة هذا الخزان، لأن طاقتنا المالية لا تسمح بمثل هذه المغامرة الآن.
يعجبني جدًا هذا النحو من الشجاعة الذي يتيح للرجل أن يحب الشيء ويتمناه، ويحرص عليه، ولا يتردد مع هذا — بل رغم هذا — في أن ينصح بالعدول عنه، لأن الأمانة الفنية تأمره بذلك، فهو يؤثر أمانته الفنية على إرضاء ميوله الخاصة وعواطفه القومية. والناس يؤكدون ويلحون في التأكيد أن المستشار المالي قد وقف من خزان جبل الأولياء موقفًا أقل ما يوصف به أن فيه نصحًا للحكومة المصرية بالتريث والأناة.
وليس يعنيني أن يكون المستشار المالي قد قدم هذه النصيحة وهو يتمنى أن تقبل لتتحقق منفعة مصر، أو ترفض لتتحقق منفعة الإنجليز، وإنما الذي يعنيني أنه قدم هذه النصيحة بالفعل، وأنه أظهر للحكومة المصرية منذ قدم نصيحته هذه واجبًا واضحًا جليًا.
وقد يكون من الحق على الحكومة — لنفسها أولًا، ولمصر ثانيًا، وللإنجليز ثالثًا — أن تصدر بلاغًا تريح الناس فيه من الكلام حول موقف المستشار المالي في هذه المسألة، كما أراحهم من الكلام حول موقف وزير الأشغال.
فهل نصح المستشار المالي بالتأني في إقامة الخزان؟ فإن كان الجواب: نعم، فيجب أن يعلمه الناس، ويجب أن تبين الحكومة حججها أو معاذيرها في الإعراض عن هذه النصيحة. وإن كان الجواب: لا، فيجب أن يعلمها الناس حتى لا يوصف المستشار المالي بغير ما فيه، وحتى لا تتهم الحكومة بأنها تعرض عن نصيحة قد يكون فيها الخير، وبأنها تميل إلى إرضاء الإنجليز أكثر مما يميل الإنجليز إلى إرضاء أنفسهم.
لقد أزعج الحزبان المؤتلفان رئيس الوزراء — على حاجته الشديدة إلى الراحة والهدوء — حين ثارت الخصومة في مجلس النواب بين الاتحاديين والشعبيين حول إعانة الأوبرا، ونستطيع أن نؤكد للحكومة أن موقف المستشار المالي من خزان جبل الأولياء له خطره، وهو خليق بأن يتحدث فيه إلى رئيس الوزراء — على شدة حاجته إلى الراحة والهدوء — وهو خليق أن يسأل رئيس الوزراء عن الطريقة المثلى المعقولة التي ينبغي أن تسلك لتجليته وتوضيحه أمام الرأي العام.
لقد كان وزير الأشغال لبقًا ظريفًا في بيان موقفه هو، ولكن بيان موقف المستشار المالي يحتاج فيما يظهر إلى لباقة رئيس الوزراء نفسه. فلعلنا نقرأ اليوم أو غدًا بلاغًا يكشف للناس عن وجه الحق في هذه المسألة: أقال فيها المستشار شيئًا أم لم يقل؟ فإن تكن الأولى، فماذا قال؟
كوكب الشرق في ١١ – ٣ – ١٩٣٣