نسيان النفس …
بقلم الدكتور طه حسين
ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمني ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس في هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص في القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا. والرجل الشجاع حقا هو الذي يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذي يستطيع أن يضبط نفسه في مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجني ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم في ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به في ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه في هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذي يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل شيءٍ محتاطا لكل طارئ، كان المصري الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها في كل ما تستقبل من الإصلاح.
أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التي نطمح إليها وأمانينا التي نحرص على تحقيقها وآفاتنا التي نريد أن نخلص منها.
وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفي والانتقام.
وأحب أن أسجل قبل كل شيءٍ أني قرأت أحاديث في هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفي ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة في تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجي أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هي لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا.
ولكني قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلى الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسيء إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم في أن يسيئوا إليه.
والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التي تحدث في بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة. وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم. فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم.
وما أشك في أن العهد الذي سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك. ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزي المسيء بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة. فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك في قليل أو كثير.
ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه. فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقي الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا.
وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها في الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأي ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا.
فلسنا إذن في حاجة إلى أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى. والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذي أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا. ولهم في بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتي وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم في بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلى صحفهم من ذلك ما يحبون، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطئهم في الحكم علينا وفي تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجنياً.
وأي منفعة للمصريين في أن يتهم بعضهم بعضا في الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة في حقوق الوطن والممالأة عليه. كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه في صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء.
أؤكد للقراء أني لا أفكر الآن في نصر مصري على مصري ولا في تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أني مصري ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت، أبيح لنفسي ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها.
والأيام التي نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هي أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلى الكرامة التي يطلبها والعزة التي يرجوها والعدل الذي يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفي بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجي الذي نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن في مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغي والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب في سبيل الأهواء والشهوات.
كم أتمنى أن يتخذ كل مصري من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم في شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا.
وكم أتمنى أن يظهر الرأي العام المصري على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة.
وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن في نسيان المرء نفسه في مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أي صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينسَ نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال.
طه حسين
البلاغ، ٢٥/٨/١٩٥٢
Tag: الوحدة
-
نسيان النفس | Forgetting Oneself
-
أمس | Yesterday
أمس
كان يومًا مشهودًا من غير شك، ظهرت فيه عواطف الشعب قوية إلى أقصى غايات القوة، حزينة إلى أقصى غايات الحزن، جلية إلى أبعد حدود الجلاء.
وكان يومًا مشهودًا من غير شك، لم تستطع الظروف السياسية المصطنعة، ولا الأوضاع السياسية المتكلفة أن تطبعه بهذا الطابع الفاتر الذي يخيل إلى الناس أن الشعب قد لهى عن نفسه وعن حقه وآثر الحياة التي تجري مطردة، يسيرة لا جهد فيها ولا عناء، ولا عناية فيها إلا بهذه الحاجات الزائلة التي تعرض للأفراد في كل يوم.
نعم كان يومًا مشهودًا من غير شك، اندفعت فيه عواطف الشعب الحزينة المؤمنة عنيفة لا تلوي على شيء. فأظهرت نفس الشعب كما كانت دائمًا صافية أشد الصفاء، واضحة أشد الوضوح، مؤمنة أشد الإيمان بالحق، واثقة أشد الثقة بالفوز، مقدرة أحسن التقدير لصدق الصادقين، وإخلاص المخلصين، وتضحية المضحين في سبيل الحق والواجب والوطنية.
وإني لأتحدث عن أمس فلا أتحدث ناقلًا، ولا راويًا، ولا مرددًا للأخبار والأنباء، إنما أتحدث حديث الشاهد الذي عاش مع الشعب هذه الساعات الخالدة، وأحس مع الشعب هذا الإحساس الرائع، وشارك الشعب في هذا الشعور العظيم. فلست إذا تحدثت واصفًا لما أحسسته أنا وتلقيته أنا من هذه النفس العظيمة، نفس الشعب، فليس إلى وصف هذا من سبيل الآن، إنما أريد أن أصور هذه الخواطر التي تبقى في النفس بعد هذه الاجتماعات الشعبية الرائعة التي تظهر فيها حياة الشعب قوية لا تغلب، عزيزة لا تذل، جريئة لا تخاف، مندفعة لا ترد، بريئة من كل تكلف أو تصنع أو رياء أو محاولة التكلف والتصنع والرياء.
ولعل أول هذه الخواطر وأقواها وأبقاها وأشدها إلحاحًا على النفس واستئثارًا بالقلب إنما هو الإعجاب بالروح الشعبي الحر في قوته وصراحته وبراءته من التكلف والالتواء والإيمان بأن هذا الروح القوي العظيم واحد، تختلف الظروف من حوله ولا يختلف، وتتباين أسبابه ودواعيه ومظاهره ولا يتباين، فهو هو حين يظهر لأن الشعب محزون لفقد عزيز عليه أو ضياع حق من حقوقه. وهو هو حين يظهر لأن الشعب مبتهج بمقدم عزيز عليه أو بكسب حق من حقوقه، وهو هذه القوة التي تمثل إكبار الشعب لنفسه وإيمان الشعب بواجبه وإباء الشعب لكل ضيم، وإنكار الشعب لكل اعتداء.
انظر في أي مظهر شئت من مظاهر الروح الشعبي حين يودع راحلًا عظيمًا، أو يستقبل قادمًا كبيرًا، أو يحتج لأن شرًا أريد به، أو يبتهج لأن خيرًا سيق إليه فستجد هذه المعاني كلها ممثلة في هذا الروح أصدق تمثيل وأقواه. ولعل الذين يدرسون الاجتماع ويحققون أسراره، ويحاولون أن يتبينوا خصائص الحياة الشعبية يجدون في هذا كله مذاهب للبحث والتحليل، ووجوهًا للدرس والتعليل، ولكني لا أريد إلى شيء من هذا الآن، ولا أنكر في شيء من هذا الآن، إنما أريد أن ألاحظ ولست أشك في أن كثيرًا من المفكرين الذين شهدوا أمس يلاحظون أن من العسير جدًا على الذين يتولون قيادة الشعب ويشرفون على تنظيم جهاده أن ييأسوا أو يقنطوا أو يجد الضعف إلى نفوسهم سبيلًا، وهم يرون هذا الروح ويحسونه ويحيون بهذه النار المحرقة التي يبعثها فيهم قوية مشرقة أشد قوة وإشراقًا من أن تؤثر فيها الأحداث والخطوب. وخاطر آخر حاولت أن أرده عن نفسي فلم أوفق إلى رده، ولم أستطع أن أخلص منه، وهو هذا الذي تثيره المقارنة اليسيرة بين ما أبرق به رئيس الوزراء إلى الديلي تلغراف منذ يومين، وما أعلنه الشعب إلى العالم كله أمس. فالتناقض بين هذين الأمرين واضح وضوحًا شنيعًا حقًا.
رئيس الوزراء يعلن إلى الديلي تلغراف في هدوء واطمئنان، وفي جرأة وثقة أن الأمة مجمعة على الإنكار لحكم الوفد والنفور من العودة إليه، لأنه سبيل الفوضى. والشعب يعلن أمس إلى العالم كله في قوة وحزم، وفي شجاعة وثبات، وفي يقين وإيمان أنه لا يحب إلا الوفد، ولا يريد إلا الوفد، ولا يرضى إلا حكم الوفد.
ومن المحقق أني لم أصدق الشعب أمس، وإنما صدقت رئيس الوزراء، وما زلت أصدقه وسأصدقه دائمًا حتى بعد أن يعود الوفد إلى الحكم: لأني واثق بأن رئيس الوزراء معصوم من الخطأ، مبرأ من أن يقول غير الحق أو ينطق بغير الصدق، أو يصور غير الواقع الذي لا شك فيه. فرئيس الوزراء إذًا كان مصيبًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه ولا تريد إلا الوفد وحكمه. وأكبر الظن أن الشرطة قد رفقت أمس بهذه الألوف المؤلفة ورقت لها وأشفقت عليها من إصرارها على الخطأ وإمعانها في الكذب فسلطت عليها مضخات الحريق لتطفئ هذه النار الكاذبة التي كانت تتأجج في القلوب، ولترد هذه الجماعات الجامحة المخطئة إلى الاعتدال والصواب. وأكبر الظن أن هذه الألوف المؤلفة قد انتفعت بهذا الدرس واستفادت من سبل هذا النصح البارد فآمنت كما أؤمن أنا بأن رئيس الوزراء كان مصيبًا موفقًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه وتصريفه للأمور.
وخاطر ثالث لا شك في أنه ألح على نفوس الناس جميعًا أمس وهو أن تعاقب الليل والنهار ومضي الشهور إثر الشهور، والعام إثر العام، واختلاف الحوادث وتتابع الخطوب لم تغير من نفوس الناس شيئًا ولم تسلط على عزائم الناس وهنًا، ولم تحدث بين الناس وبين التردد في المطالبة بالحق، والشك في أن المستقبل للشعب سببًا من الأسباب. وكان ناس يظنون أن قرب العهد وحده هو الذي بعث الشعب إلى موقفه العظيم من موت ويصا رحمه الله.
فقد مضى على موت ويصا عام وتبعه عام آخر، وامتلأ هذان العامان بألوان الفتن والمحن. فلما مات سينوت وقف الناس من موته موقفهم من موت صاحبه، وأظهر الناس في توديعه ما أظهروه في توديع صاحبه وأقام الناس أسطع الأدلة وأنصع البراهين على أن حب الشعب المصري للحرية وحرصه عليها وإكباره لحمايتها ليس تكلفًا ولا تصنعًا ولا فنًا من فنون البدع، وإنما هو طبيعة لم يبق إلى تغييرها من سبيل مهما تنفق فيه القوى، ومهما تسخر له الجهود، ومهما يطل عمر الوزارات.
ولكن أعود فأؤكد أني مصدق لرئيس الوزراء، مقتنع بما قال من أن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه لأنه سبيل إلى الفوضى. وخاطر رابع قد خطر للناس جميعًا أمس من غير شك، ومن الحق على الناس جميعًا أن يقفوا عنده، وأن يطيلوا التفكير فيه، ومن الحق أن يقف عنده الأجانب عامة والإنجليز خاصة ويطيلوا التفكير فيه، فقد كان سينوت قبطيًا مسيحيًا، ومن الناس من يظن، ومن الناس من يقول إن فتنة المبشرين قد فرقت مصر أو همت بتفريقها، ومن الناس من يتخذ هذه الفرقة المتخيلة وسيلة إلى الكيد لمصر ولكن موت سينوت أظهر أنه قد وُفّق كل التوفيق فيما دعا إليه من إلغاء الفروق بين المصريين وإقامة الوحدة الوطنية هذا المقام العزيز.
فقد كان المصريون أمس يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب. وقد كان المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون عليها من أعلى الدور، وهم لا يذكرون إلا أن مصر قد فقدت زعيمًا من زعمائها، وأنها محزونة لفقده، وأنها ترافقه إلى حيث أراد الله أن يستقر جثمانه، وأنها تمر معه بالكنيسة القبطية وتدخل معه هذه الكنيسة وتقف معه عند هذه الكنيسة، لأن شعائر دينه تريد أن يدخل الكنيسة وتستنزل عليه فيها رحمة الله.
إذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزًا مبينًا، وكان راحل أمس مؤسس هذه الوحدة والداعي إليها والملح فيها. فهل يعتبر بهذا أولئك الذين يذكرون الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين؟ وهل يفكر في ذلك أولئك الذين يتمنون هذه الفرقة فيعلموا أنهم يتمنون ما لا سبيل إليه، ويرجون ما لا يبلغه الرجاء. إن بين الناس من يخلقهم الله للنفع أحياء وأمواتًا، وكان سينوت من هؤلاء الناس، نفع أمته حيًا، ونفع أمته وسينفعها ميتًا. والله وحده قادر على أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء.
كوكب الشرق ٢٥ – ٧ – ١٩٣٣ -
تعليم | Education
تعليم
كنت في الفصل الماضي أضع الثقافة موضع البحث، وألاحظ أن التطور الحديث الذي خضعنا له منذ أول القرن الماضي قد أثّر في ثقافتنا هذه آثارًا مختلفة، وذهب بها في طرق متباعدة، فتناقضت، وباين بعضها بعضًا.
وكانت لنا عقول متفاوتة، يذهب كل منها في التصور والتفكير والحكم مذهبًا لا يذهبه الآخر. فالعقل الأزهري، والعقل الذي تنتجه المدارس المدنية الخالصة، والعقل الذي تنتجه المدارس المشتركة بين النظامين الديني والمدني، كل هذه العقول تتصور وتحكم وتفكر على أسلوب خاص بها، مقصور عليها.
وينتج من هذا أن وحدتنا القومية شبه ضعيفة واهية، معرضة للخطر إذا عصفت بها الحوادث، وأصابتها فتنة أو محنة من هذه الفتن التي لا تكاد ترى منها أمة من الأمم في عصر من العصور.
وكنت أرى أن الخير إنما هو في أن يجتهد المشرفون على التعليم في وزارة المعارف والأزهر في أن يقربوا مسافات الخلف بين هذه العقول المتباعدة، حتى تصبح لنا ثقافة واحدة، وحتى نصبح بفضل هذه الثقافة أمة واحدة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة.
وأنا أحب أن أعود إلى هذا الموضوع اليوم، لا لأوجز، بل لأستقصي القول فيه. فكل شيء يدعو المفكرين في مصر الآن إلى أن يتناولوا هذا الموضوع بالدرس والاستقصاء.
فنحن ننفق من حياتنا القومية عصرًا سيكون له أعظم الأثر، لا في مستقبلنا وحده، بل في مستقبل الشرق العربي الذي نؤثر فيه، ويتخذنا له إمامًا.
نحاول أن نظفر بالاستقلال السياسي الآن، وما أرى أن عصرًا طويلًا سينقضي دون أن نكون قد ظفرنا به.
والاستقلال السياسي تبعة قبل أن يكون مزيّة، فهو يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بأعبائنا الخاصة، ندبرها وحدنا، لا نعتمد في تدبيرها على أحد، ولا نستطيع أن نحمل غيرنا تبعة الخطأ في هذا التدبير.
وحسبك أنه يفرض علينا النهوض بواجباتنا الدولية على أحسن وجه ممكن، لا نعتمد في ذلك على المصلحين فنًا، ولا نستطيع أن نعتذر من التقصير فيه لأن غيرنا قد حال بيننا وبين ما كنا نريد.
فالاستقلال السياسي إذن يضطرنا إلى أن نواجه كثيرًا من الحقائق الواقعة، كأنْ لم يكن غيرنا ينوب عنا في مواجهتها، ونعالج كثيرًا من المسائل المعقدة، كأنْ لم يكن غيرنا يكفينا مشقة البحث عما تحتاج إليه من حل أو علاج.
وكل ما نأتيه من أمر في مواجهة تلك الحقائق، أو التماس العلاج لهذه المسائل، يترك آثاره الباقية في حياتنا الخاصة، وفي حياة الأمم الشرقية العربية التي نسير على آثارها، ونحرص على تقليدنا قليلًا وكثيرًا.
فمن أوضح الأمر إذن أن نستعد للنهوض بهذه الأعباء، واحتمال هذه التبعات التي يفرضها علينا الاستقلال السياسي الذي نجد في طلبه، ونوشك أن نظفر به.
وأول عدة يجب أن نتخذها لهذا، أن نكوّن وحدتنا القومية إذا لم تكن موجودة، ونقويها إن كان فيها شيء من الضعف أو الفتور.
وأوضح سبيل إلى تكوين هذه الوحدة أو تقويتها إنما هو وضع نظام تعليمي عام يلائم حاجاتنا ومثلنا العليا من جهة، ويحقق لنا وحدة الثقافة من جهة أخرى.
ونحن نعنى بأمر التعليم وإصلاحه منذ ظهرت حركتنا الاستقلالية الأخيرة، وأتيح لنا من الحرية حظ يمكننا من أن نقضي في هذا الأمر من غير رقيب.
ولكن الغريب أننا نحس الحاجة إلى الإصلاح، ونحاول السعي إليه في غير روية، ولا أناة، ولا تفكير. ونحن نفكر فيه تفكيرًا مضطربًا لا نظام له ولا قوام.
نشعر أن الأجنبي قد أشرف على أمور التعليم عندنا، يوجهها وجهة تلائم منفعته هو أكثر مما تلائم حاجتنا نحن، فنجد في هدم ما بناه الأجنبي، لا نكاد نفرق بين الجيد منه والرديء.
وربما حاولنا أن نلتمس لهذا الهدم عللًا أخرى غير هذه العلة، فزعمنا أن المنفعة الصحيحة تقتضي أن نعدل عن منهج قديم إلى منهج جديد، وأن طاقة التلاميذ والطلاب تقتضي أن تنصرف عن نظام إلى نظام، وأن طبيعة الحياة الجديدة التي نحياها تقتضي أن نجدد التعليم كما نجدد غيره من ضروب النشاط العقلي والاجتماعي، إلى غير ذلك من هذه العلل المسرفة في الغموض أو المسرفة في الوضوح، والتي تقرؤها كل يوم فيما ينشئ الكتاب من فصول، وما يصدر الوزراء من قرارات، وما يلقي النواب من خطب، وما يضع الفنيون من تقارير.
والحق الذي لا يحتمل الشك هو أن وزارة المعارف إلى الآن لم تستطع أن ترسم لنفسها طريقًا واضحًا تسلكه إلى إصلاح التعليم، لأنها لم تستطع إلى الآن أن تتبين في وضوح وجلاء الغرض الصحيح الذي من أجله توجد وزارة المعارف، والذي من أجله يتعلم الناس.
وأكبر الظن أن وزارة المعارف تشعر أنها موجودة لأن طبيعة الأشياء اقتضت وجودها، وأن الناس يتعلمون لأن العادة جرت بأن يتعلموا، ليس غير.
ولكن الواقع أن طبيعة الحياة الجديدة في هذا العصر الحديث قد اقتضت وجود وزارة المعارف في البلاد المتحضرة، لأنها اقتضت أن يصبح التعليم قوميًّا بعد أن كان فرديًّا، وأن تشرف الدولة قليلًا أو كثيرًا على هذا التعليم القومي، بعد أن كانت تتركه حرًّا يذهب فيه الأفراد مذاهبهم المختلفة المتباينة.
فالتعليم إذن أمر قومي، تشرف الدولة عليه إشرافًا يختلف قوةً وضعفًا باختلاف المذاهب السياسية في بسط سلطان الدولة على الأمور العامة أو قبضه عنها، ولكنها تشرف عليه في كل حال، كما تشرف على سلامة الوطن، وأمنه، واستقرار العدل فيه.
وإذا كان التعليم قوميًّا، فيجب أن يكون له غرض قومي يسعى إلى تحقيقه، ويكون ملائمًا له في الطبيعة والجوهر والنظام.
فما الغرض القومي الذي نسعى إليه حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفرض لذلك الضرائب، وننفق في ذلك الأموال؟
ونلاحظ، قبل أن نجيب عن هذا السؤال، أنه من الواجب أن نجتنب هذه الألفاظ العامة المبهمة التي لا تدل على شيء؛ لأنها تدل على كل شيء، كالمنفعة، والرقي، والتقدم، والجهاد في سبيل الحياة، وما إلى ذلك من هذه الألفاظ التي يألفها الناس ويكتفون بها؛ لأنها سهلة على الألسنة، يسيرة على العقول، لا يحتاج من يسمعها أو نطق بها إلى أن يحقق لها معنًى دقيقًا محدودًا.
يجب أن نجتنب هذه الألفاظ، أو نجتنب على أقل تقدير استعمال هذه الألفاظ في غير ضبط أو تحديد، فلم يؤخر فوزنا بما نبتغي من إصلاح التعليم إلا الركون إلى مثل هذه الألفاظ العامة الغامضة.
يخيل إلي أن للتعليم القومي أغراضًا ثلاثة نحرص عليها، حين ننشئ المدارس، ونقيم المعاهد، ونفتح دور العلم للناس.
فالأمة تعلم أبناءها لتنقل إلى هؤلاء الأبناء تراث الأمة من جهة، والتراث العقلي والفني والأدبي للإنسانية من جهة أخرى. وهي حين تنقل هذين النوعين من التراث إلى الأجيال الناشئة، تحتفظ للأمة بشخصيتها ومقوماتها من حيث هي وحدة مستقلة، وتقوي الصلة بينها وبين الأمم الأخرى، فتمكنها من أن تأخذ بحظها من التضامن الإنساني العام، الذي دفع الإنسانية إلى أن تنحيا، وترتقي، وتصلح من أمرها إصلاحًا مضطردًا.
فالغرض الأول إذن من التعليم القومي يجب أن يكون الاحتفاظ بشخصية الأمة، لتعيش مستقلة من ناحية، ومتضامنة مع غيرها من ناحية أخرى.
والأمة تعلم أبناءها ليظهروا على أسرار الطبيعة وظواهر الكون، فيتمكنوا من أن يسيطروا على هذه الطبيعة، ويسخروها لإرضاء حاجاتهم المختلفة، ليعيشوا، وليعيشوا عيشة مرفهة، أو على أقل تقدير عيشة تكفل لهم حظًّا معتدلًا من الراحة والنعيم.
فهم يدرسون من العلم والأدب والفن ما يتيح لهم أن يزاولوا ضروب الصناعة، والزراعة، والتجارة، وغيرها من الأعمال التي تقتضيها الحضارة، والتي يعتمد عليها الناس ليكسبوا ما يحتاجون إليه من رزق.
فالغرض الثاني من أغراض التعليم القومي تمكين الأجيال الناشئة من أن يصلوا حاضرهم بحياة آبائهم، ويرقوها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
والأمة تعلم أبناءها أيضًا؛ لأن الله قد وهبهم عقولًا تحب الحق من حيث هو حق، وتلتمسه، ونفوسًا تحب الجمال من حيث هو جمال، وتطمح إليه. وقد أودع الله هذا العالم حقًّا وجمالًا، فنحن مفطورون على أن نحبهما، ونسمو إليهما، وعقولنا تستكمل بطبيعتها وتنمو بذلك الحب وهذا السمو. ونفوسنا كذلك لا تعتدل ولا تستريح من آلام الحياة ولا تنتج إلا بذلك الحب وهذا السمو.
فالغرض الثالث من أغراض التعليم القومي هو تمكين الأجيال الناشئة من أن تستكمل حياتها العقلية والشعورية الصحيحة بحب الحق والخير، وتحصيل أعظم حظ ممكن منهما.
ولكل غرض من هذه الأغراض الثلاثة نوع من أنواع التعليم القومي؛ لأنه يعين على تحقيقه. وهذه الأنواع كلها متضامنة في تكوين الرجل النافع الذي يصلح عضوًا منتجًا، قيمًا في الحياة، نافعًا للأمة وللإنسانية.
فالتعليم الأولي يكون أقل مقدار ممكن من الثقافة التي يجب أن نشترك فيها الأمة كلها لتحقيق وحدتها، والإنسانية كلها ليتحقق التضامن بين أجزائها.
والتعليم الثانوي والفني جميعًا يحققان هذا الغرض الأول، ويحققان الغرض الثاني؛ لأنهما يمكنان الشباب من العمل، ويفتحان لهم أبواب الجد والنشاط فيما يحتاجون إليه ليعيشوا عيشة خفض ونعيم.
والتعليم العالي يحقق هذين الغرضين، ويحقق الغرض الثالث؛ لأنه يمكن الشباب من أن يبروا الحق والخير، ويأخذوا منهما ما يلائم أمزجتهم وطاقتهم من الحظوظ.
على هذا النحو نفهم التعليم القومي، وعلى هذا النحو وحده تفهم عناية الحكومة بالتعليم القومي، وما تضطرها إليه هذه العناية من فرض الضرائب، وشرع القوانين، وتقييد حرية الأفراد والجماعات.
وإذا كان هذا النحو من فهم التعليم القومي صحيحًا، فمن الواضح أن الحكومة، حين تعنى به وتشرف عليه، يجب أن تضع من النظم والمناهج ما يلائم هذه الأغراض ويعين على تحقيقها.
فليس تعليمًا قوميًّا صحيحًا هذا التعليم الأولي الذي لا يعرف التلميذ تاريخ أمته ومنزلتها الصحيحة من الحياة العالمية.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم الثانوي أو الفني الذي لا يمكن التلميذ من العمل المنتج، ولا يفتح له أبواب الحياة.
وليس تعليمًا قوميًّا هذا التعليم العالي الذي لا يثير في نفس الطالب حب البحث والاستكشاف، والرغبة الصادقة في تنمية التراث العلمي والفني للإنسانية.
وإذن فليس وضع مناهج التعليم وبرامجه أمرًا يسيرًا يمكن أن يعهد به إلى كل إنسان مثقف، وإنما هو أمر دقيق يجب أن يعهد به إلى الذين يعرفون تاريخ الأمة، ويقدرون حاجاتها، ويستطيعون أن يلائموا بين هذا التاريخ وهذه الحاجات، وبين ما ينبغي أن يكون للأمة من مثل أعلى في الحياة.
وما أبعد المسافة بين هذا النحو من تصور التعليم القومي، وبين هذه الخطط المضطربة التي اتخذها أولو الأمر عندنا وسيلة إلى تنظيم التعليم.
وأنا أرجو أن أعود إلى هذا الموضوع، فأبسط فيه القول مرة أخرى.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.