Tag: الولاء

  • مصطفى عبد الرازق كما عرفته | Mustafa Abd al-Razzaq as I Knew Him

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    من آثار مصطفى عبد الرازق
    طه حسين
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
    وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
    كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
    وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
    وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
    عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
    وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
    والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
    كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
    ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
    كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
    لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
    كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
    وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .

  • ابن الثورة | Son of the Revolution

    حديث الوادي
    ابن الثورة. . .
    وليس من المحتوم أن يكون ابناً باراً، فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يدفعون إليه دفعاً، ويتورطون فيه تورطاً، ولكنهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكأن الناس ينتظرون منهم الإحسان، ويفسدون وكأن الناس ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد. وهؤلاء الأبناء الذين يقترفون الإثم أو يتورطون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كثيرون تشقى بهم الأمهات شقاءً مؤلماً ممضاً، ويضربون للناس أمثالاً سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النفع. سيئة لأنها تغري الضعفاء وتستخف المتعجلين وتستهوي عشاق الوصول، ونافعة لأنها تعظ الأقوياء وتثير العبرة في قلوب الذين يريدون أن يعتبروا، وتقيم الأدلة للناس على أن نصر الله قريب، وعلى أن عدل الله أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.

    وكان ابن الثورة الذي نريد أن نتحدث عنه شاباً حين أدركته الثورة فلم تكتشفه حتى ألهبت فيه؟؟؟ وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطاً وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا ينطق إلا بالثورة ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومحاولة الشعر. ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب، ولا تثنيها المصاعب، ومضى هو مع الثورة تابعاً لها، متأثراً بها صائحاً حين تريد الثورة أن يصيح، خطيباً حين تريد الثورة أن يخطب، متكلفاً الشعر حين يخيل إليه أن الثورة تريده على الشعر، ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلو الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر فلم يكد جلالة الملك يعهد برئاسة الوزارة الشعبية الأولى إلى سعد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي. وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلباً، وغيرت أوضاع الحكم تغييراً ورفعت إلى منصب الوزارة رجلاً كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى، وذكر بعض الناس يومئذ شاعراً يونانياً قديماً كره انتصار الديمقراطية في مدينة فنفى نفسه من الأرض، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظاً إلى الآن:

    ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فتحت عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المباركة ثم سقطوا في ميدان الجهاد قبل أن يصيبوا من ثمر هذه الشجرة شيئاً وبقاء جماعة آخرين أتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذه وأطيبه، وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أتيح لهم الفوز، وقضي لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئاً مريئاً ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سنداً له، وهو ينكر على الرجل؟؟؟ ولكنه لا ينكر عليه شيئاً كثيراً ومضى الرجل بعد وفاة الزعيم مجاهداً مع خليفة الزعيم، وفياً للثورة ورجال الثورة، وآمال الثورة أو مظهر من هذا الوفاء ما لا يثير في النفوس شكاً ولا ريباً. وشارك الرجل أصدقاءه في الحكم حين انتهى إليهم الحكم، وشاركهم في المحنة حين صبت عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه. والظاهر من أمره في هذا كله واضح مستقيم، تؤكده الأيمان التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.

    ثم أصبح الناس ذات يوم وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعداً، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسئ حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه فعرضوا أنفسهم من أجله للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحب الشعب، وحملوا أنفسهم من أجله تبعات ثقالاً فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟

    جحد الرجل هذا كله وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دعي إلى المنصب، وخف إلى الحكم حين لوح له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبحث الناس فإذا الغرابلي باشا كان يدبر أمره تدبيراً ويلتمس منصباً من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة، ويوسط في ذلك الوسطاء ونظر الناس فإذا عهد الثورة قد قطع، وإذا الرجل قد حنث في أيمانه كلها، ومد يده إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى محاربي الشعب، استغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يعين عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيع أن يتحرك بيمين أخرى يقسمها ليكون للدستور الجديد مخلصاً وفياً، وإذا قلب الرجل وعقله وضميره مستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر. ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القدماء بالعنف والبطش، يمنعهم من الانتقال إن أرادوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنعهم من الاستقالة إن أرادوا أن يستقيلوا ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديق، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.

    ثم تمضي الأيام وينقضي العام وإذا الله قد تأذن بأن دولة الباطل قد زالت، وبأن سلطان الشر قد زال وبأن ليل الشياطين قد انجلى، وبأن الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى حجورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتقطعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أنه فقد أصدقاءه جميعاً، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بغض الشعب أو قل إعراض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزهد الشعب فيهم وفيه.

    أعاد إلى داره غنياً بعد فقر؟ ميسوراً بعد عسر؟ الله يعلم من هذا ما لا نعلم. ولكن الذي لا شك فيه أنه لم يعد إلى داره عزيزاً ولا كريماً ولا مستمتعاً بما يستمتع به الرجل العزيز الكريم من الثقة والحب والتأييد. سخط الناس عليه حين ولي الحكم، ولم يفكر فيه أحد حين أقصي عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس، ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حياداً مدخولاً، ومنهم من حارب حرباً آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المحنة واتصال الفتنة وظهور الحق وانخذال الباطل، كل ذلك قد ضم إليهم قوماً كانوا يخاصمونهم، ورد إليهم قوماً كانوا ينكرونهم، فقوي جند الثورة قوة لا حد لها وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أن ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زلت ببعضهم الأقدام وزلت ببعضهم الأخلاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.

    إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لعظة للشباب المصريين، يجب أن يتدبروها، وأن يفكروا فيها فيطيلوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يلقاه الآن من الجزاء، كانوا خليقين أن يكونوا رجالاً حقاً، وأن يعرفوا أن أشد الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النقمة العاجلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه ماضيه، وتحيل مستقبله حظاً قاتماً مملوءاً بالشبهات.

    فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا فقد ألقت الأيام عليهم بهذه القصة درساً ناقماً بليغاً خليقاً بالتفكير.
    طه حسين
    الوادي، ١٧ نوفمبر ١٩٣٤.

  • استقالة | A Resignation

    استقالة
    لم يقدمها رئيس الوزراء، وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها، فصحته — والحمد لله — موفورة، والشفاء مقبل عليه — والحمد لله — في خطى واسعة سراع. وما ينبغي لرئيس الوزراء أن يقدمها حتى ولو كانت صحته من الضعف والوهن بحيث لا تسمح له أن ينهض بهذه الأعباء الثقال التي يسمونها أعباء الحكم. فاسم رئيس الوزراء يغني عن صحته، واسم رئيس الوزراء خليق أن ينهض الوزراء بأثقال الحكم، فيتحملوا جهده، ويصرفوا أموره كأحسن ما يُحتمل الجهد وتُصرف الأمور!!
    فاسم رئيس الوزراء قوة تُدك لها الجبال، وتُزلزل له الأرض. وفي اسم رئيس الوزراء بركة يستحيل لها الجدب خصبًا، وتصبح بها الأزمة ثروة، ويصير بها الشقاء والبؤس سعادة ونعيمًا. وإذا اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة والبركة في اسم رئيس الوزراء، فقد اجتمعت للوزارة من أسباب الحياة وطول البقاء أمتنها وأقواها. وإذن فليس رئيس الوزراء هو الذي قدم الاستقالة، لأنه ليس في حاجة إلى تقديمها، ولأنه واثق كل الثقة، ونحن واثقون معه كل الثقة، بأنه سينفع مصر صحيحًا وعليلًا، وسيخدم مصر قريبًا وبعيدًا، وسينقذ مصر مشتركًا في الحكم بالفعل وغير مشترك فيه. ولو قد أزمع رئيس الوزراء أن يرفع استقالته إلى جلالة الملك لأنه مريض عليل، أو لأنه ناءٍ بعيد، لسعت مصر كلها سعيًا تلح عليه وتتوسل إليه في أن يمسك استقالته أو يستردها. فمصر حريصة على رئيس الوزراء، ومصر مشغوفة برئيس الوزراء! تحبه حب الأم الشفيقة البرّة لابنها الوفيّ الوحيد! مصر قد ذاقت من ألوان السعادة والنعيم في عهد رئيس الوزراء ما تستعذبه وتستلذه، وتحرص كل الحرص على أن يدوم ويتصل. وهل ذاقت مصر لذة الحرية قبل رئيس الوزراء؟! وهل استمتعت مصر بالعزة والكرامة قبل رئيس الوزراء؟! وهل عرفت مصر الرخاء والثروة قبل رئيس الوزراء؟ وهل شكت مصر من كثرة المال حتى كادت تكتظ به قبل رئيس الوزراء؟ فكيف تريد أن تفرط مصر في رئيس الوزراء؟ أو أن تسمح مصر لرئيس الوزراء بأن يستقيل؟ كلا، لن يستقيل رئيس الوزراء، ولن تأذن مصر في ذلك! ولن تشك في أن رئيس الوزراء إن قدم استقالته أو أوهم بتقديمها فلن يفعل ذلك إلا مكرهًا عليه، مضطرًا إليه من هؤلاء الإنجليز الذين لا يحبون مصر، ولا يحبون لها الخير، والذين يظهرون التأييد لرئيس الوزراء، ويسرّون الكيد له والجد في تأييد الوفديين!! ولا بد لمصر من أن ترد إلى الإنجليز كيدهم، وتصرف عن نفسها شرهم، وتحوط رئيس وزرائها بالنفوس والقلوب، وتألى على الإنجليز إكراههم إياه على أن يستقيل. فذلك ليس من شؤون الإنجليز، وإنما هو من شؤون مصر وحدها. وقد ضرب رئيس الوزراء لمصر في العزة والكرامة، وفي الأنفة والإباء مثلًا لن تنساه، يوم أفحم المستر مكدونالد ووقفه عند حده، حين أراد أن يعرض لشؤون مصر الخارجية. وقد انتفعت مصر بهذا المثل، واستفادت مصر من هذا الدرس، فستقول للإنجليز يوم يريدون رئيس وزرائها على الاستقالة: مكانكم، لا تتقدموا، بل تأخروا. وإن شئتم فلن تسمح لكم مصر القوية العزيزة أن تمسوا بسوء رئيس وزرائها القوي العزيز!
    لم يقدم رئيس الوزراء إذن هذه الاستقالة التي عنونا بها هذا الحديث، وإنما قدمها رجل آخر ليس له خطر رئيس الوزراء، ولا يمكن أن يكون له خطر رئيس الوزراء، وإنما هو رجل كغيره من الناس، لا يشارك رئيس الوزراء إلا في شيئين: في الوزارة، وفي المرض.
    فهو وزير الخارجية كما أن رئيس الوزراء وزير المالية، وهو مريض كما أن رئيس الوزراء مريض، ولكن الحوادث أظهرت أن رئيس الوزراء قد أخطأ، وأي الناس لا يخطئ؟ وهل أكثر خطأ من عظماء الرجال حين اختار نخلة باشا المطيعي ليكون له زميلًا في الوزارة وشريكًا في الحكم؟ أخطأ لأن وزير الخارجية لم يكد يصيبه المرض حتى استقال أو تحدث في الاستقالة. وقد تقدم إليه من تقدم في أن الاستقالة لا تليق بوزراء هذا العهد لأنها ضعف في النفوس وخور في الطبيعة. فقبل النصيحة وعدل عن حديث الاستقالة، ثم طال عليه المرض بعض الشيء فعاد إلى هذا الحديث، وعاد ناصحوه يذكرونه بأن الاستقالة آفة قد برئ منها وزراء هذا العهد السعيد. فسكت الرجل على مضض، ثم طال عليه المرض فاضطر إلى أن يخرج من الصمت ويذكر الاستقالة من جديد. وأظهرت التجارب أن النصح لا ينفعه، وأن الموعظة لا تعني عنده شيئًا، وأنه لم يكن من الرجال الذين يصلحون لهذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذي كان يستقيل فيه الوزراء إذ مرضوا وألم بهم من العلة زائر ثقيل.
    وقوم آخرون فيهم مكر وفيهم شدة حتى في الدعاية، يزعمون أن وزير الخارجية لم يستقل أول الأمر، وإنما أثبت أنه من رجال هذا العهد، وأنه قادر كرئيس الوزراء على أن يجمع المرض والحكم في غمد، لكنه أراد أن يسافر ليستشفي كما سافر رئيس الوزراء ليستشفي، واستأذن في ذلك فلم يؤذن له، فغضب لكرامته وغضب لصحته واستقال. وإذ كان هذا النبأ صحيحًا فهو دليل أيضًا على أن وزير الخارجية لم يكن من رجال هذا العهد، وإنما هو من رجال العهد القديم الذين كانوا يغضبون إذ استأذنوا فلم يؤذن لهم، أو طلبوا شيئًا فلم يجابوا إليه، والذين كانوا يستقيلون إذ أبى عليهم رئيس الوزراء بالأصالة فضلًا عن رئيسهم بالنيابة بعض ما كانوا يطلبون.
    أثبت وزير الخارجية أنه من تلك الدقة القديمة التي تمرض فتستقيل، وأي خطر تتعرض له مصر لو أن جميع الوزراء كانوا من تلك الدقة القديمة يستقيلون للمرض ويستقيلون للغضب! ومع ذلك فقد خلت المثلات من قبل وزير الخارجية، وكان عليه أن يستفيد من وزراء قبله غضبوا وألح عليهم الغضب فلم يستقيلوا، وإنما ثبتوا في أماكنهم حتى استقال رئيس الوزراء نفسه فأخرجهم من الحكم، وهم يعلمون أو لا يعلمون. ثم ألّف وزارته الثانية فلم يردهم إلى الحكم وهم يريدون أو لا يريدون.
    والغريب أن وزير الخارجية غير موفق حتى في مرضه، فهو مشارك في هذا المرض لرئيس الوزراء، ولكنه أراد أن يمضي بهذه الشركة إلى أبعد حدودها، فظن أنه يستطيع هو أيضًا أن يسافر إلى أوروبا كرئيس الوزراء، وأن الذي يؤذن فيه للوزراء إنما هو الراحة إذ تعبوا وهم أصحاء، كما يستريح وزير التقاليد بعد أيام لأنه متعب لا لأنه مريض. وعلى كل حال فقد كان مرور نخلة باشا المطيعي بالوزارة درسًا إن لم ينفعه هو فقد ينفع زملاءه، وقد ينفع الوزير الذي سيخلفه على وزارة الخارجية.
    وخلاصة هذا الدرس أن الوزير الذي يفكر في أن يقيس نفسه برئيس الوزراء لا يصلح للوزارة، وإنما الوزير الذي يصلح للوزارة حقًا هو الذي يضعه رئيس الوزراء على كرسيه فلا يبرحه حتى يدفعه عنه رئيس الوزراء دفعًا! والوزير الذي يصلح للوزارة هو الذي يعرف أن للناس مقامات، وأن مقام الوزير رفيع بالقياس إلى موظفيه، ولكنه على كل حال لا ينبغي أن يرقى إلى ما فوق ذلك أو أن يسامي مقام رئيس الوزراء.
    فلعل المصريين أن يشاركوا الوزراء والمستوزرين في الانتفاع بهذا الدرس السياسي القيم الذي تلقيه عليهم ظروفنا السعيدة في هذا العهد السعيد.
    كوكب الشرق في ٩ – ٧ – ١٩٣٣.