Tag: تأسيس الجامعات

  • أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة | The Influence of the Old Egyptian University on Modern Egyptian Life

    أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة
    طه حسين
    جريدة وطني
    ٢٥ يناير ١٩٥٩

    كان إنشاء الجامعة المصرية الأولى ضرورة لم يشعر بها إلَّا الأقلون من المصريين الذين عرفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا.

    كان بعضهم قد درس في جامعاته، وبعضهم قد تردد عليها واختلف إلى بعض دروسها، وهؤلاء وحدهم هم الذين أحسُّوا أن الجامعة ضرورة من ضرورات الحياة في مصر؛ إذ كانت مصر تطمح إلى الحرية وتضيق بالاحتلال البريطاني، وتكره أشد الكره ما بقي من أعقاب الحكم التركي العثماني.

    كانت تطمح إلى هذا كله بغريزتها التي لم تطمئن في يوم من الأيام إلى الحكم الأجنبي على طول ما حكمها الأجنبي منذ عصور بعيدة جدًّا في التاريخ. ولكنها كانت تقاوم هذا الحكم الأجنبي بغريزتها، تصطنع في مقاومتها القوة إن أتيحت لها، والكلمة اللاذعة السائرة في الآفاق التي نسمِّيها النكتة في هذه الأيام إن لم تجِد إلى القوة سبيلًا.

    ولم يكُن لها سبيل إلى هذه القوة في العصر الحديث؛ لأن أسلحة المتسلطين عليها لم تكُن ميسَّرة لكل إنسان، ولم تكُن تتاح إلَّا للسلطان المنظم الذي يأوي إلى ركن شديد.

    وكانت كل مقاومتها نقدًا لاذعًا للظالمين من حكَّامها. ولم يكُن سبيل إلى أن تسلك الطريق إلى حريتها إلَّا إذا تحررت عقول أبنائها وفَتحت عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة. وكان التعليم الذي يُتاح لأبنائها في أول هذا القرن لا يُحرِّر عقلًا ولا يهذب خُلُقًا ولا يضفي عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة.

    كان كلامًا يُحفظ ثم يُرد على الذين قالوه حين يؤدَّى الامتحان، وكان التلاميذ يخرجون من مدارسهم وقد حفظوا أشياءَ لا تبلغ قلوبهم ولا تذكي عقولهم، وإنما تجعل منهم أدوات تغدوا على الدواوين، فتؤدي أعمالًا آلية ثم تروح إلى الدور فتصيب شيئًا من طعام وحظًّا من نوم، ثم تمسي إلى الأندية والقهوات فتعبث وتلهو بمقدار ما يتاح لها العبث واللهو.

    من أجل هذا كله أحستْ قِلَّةُ المثقَّفين الذين عرَفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا حاجة هؤلاء الشباب من المصريين إلى ما يذكِّي عقولهم، ويحيي قلوبهم، ويفتح عيونهم على حقائق الحياة التي يحياها من حولهم، والتي يأخذون هم منها بأيسر الحظوظ وأهونها شأنًا.

    فدَعَوْا إلى إنشاء الجامعة، وبلَغوا من إنشائها بعض ما كانوا يريدون. وبدءوا بإنشاء الكلية التي هي أقرب إلى العقول، وأجدر أن توصِّل بعض المعرفة الجديدة إلى القلوب، وهي كلية الآداب. كان أكثر الذين استجابوا لدعوتهم مقلِّدين لا يحققون معنى الجامعة في أنفسهم، وإنما قال لهم قادتهم إنها الوسيلة الصحيحة إلى الحرية، فقبلوا وأمنوا واستجابوا. وفي ذات عام من الأعوام دُعيَ الشباب إلى دروس الجامعة، فاستجابوا مشغوفين مشوقين، وإذا المئات الكثيرة منهم تختلف إلى قاعات الدروس والمحاضرات، فتسمع أشياءَ لم يكن يخطر لها أن الناس يمكن أن يتحدثوا بها، وتفتح لهم الأبواب على حضارتهم المصرية القديمة ليذوقوا في أعماق قلوبهم معنى هذا الآثار القائمة في بلادهم، والتي كانوا يَرَوْنَهَا فلا يقع في نفوسهم منها شيء. وتفتح لهم أبوابًا على أصول الحضارة العربية، وأبوابًا أخرى على ألوان من الأدب الأجنبي كانوا يسمعون أطرافًا من الحديث عنها، ولا يذوقون ممَّا يسمعون شيئًا.

    ولا تقف الجامعة عند فتح هذه الأبواب للشباب المصريين، ولكنها ترسل أفرادًا منهم إلى بلاد الغرب؛ ليدرسوا فيها العلم والأدب وفنون التاريخ درسًا حرًّا في أرقى الجامعات وأبعدها صوتًا، لا تقيِّدهم الجامعة في دراستهم بتلك القيود الثِّقَال التي كان المحتلون يفرضونها على من يرسلونهم إلى الجامعات البريطانية.

    ولا تمضي أعوام على إنشاء الجامعة في مصر حتى ينظر الشباب، فإذا ألوان جديدة كل الجِدَّة من العام تُعرض عليهم، فهذا أستاذ يعلمهم قراءة الهيروغليفية، وهذا أستاذ آخر يعلمهم مرة لغةً تسمى اللاتينية ولغة تسمى اليونانية القديمة، وهم يسمعون هذه الدروس ويكبرونها أولًا لأنها جديدة، ويحبونها بعد ذلك لأنها تلذهم. وإذا جيلٌ جديدٌ من الشباب قد أخذ يعرف ما لم تعرفه أجيال الشباب المصريين من قبله.

    وإذا كان المصريون قد ثاروا بالإنجليز في أعقاب الحرب العالمية الأولى مستجيبين لغريزتهم تلك التي تأصلت في نفوس أجيال مصر منذ فتحها الفرس إلى هذه الأيام، والتي دفعتهم دائمًا إلى مقاومة السلطان الأجنبي، والمُضِيِّ في مقاومته حتى يتمصر أو يزول. أقول: إذا كان المصريون قد استجابوا لهذه الثورة بغريزتهم تلك، فليس من شك في أن هذه الثورة قد استتبعت نهضة في الحياة العقلية، فكثُر الإنتاج الأدبي في الصحف أولًا وفي الكتب والمجلات ثانيًا، وكثر الجدال حول القديم والجديد في الأدب وفي غير الأدب، وكثر الجدال في الديمقراطية الحرة والديمقراطية المقيَّدة، وعرَفت مصر في هذه الأعوام التي جاءت بعد الثورة حرية عقلية لم تعرفها من قبلُ.

    فالجامعة المصرية القديمة هي وحدها مصدر هذه النهضة التي حررت العقل المصري من قيود المحافظة الشديدة أولًا، ومن قيود الخوف والفَرَق والإشفاق من بطش السلطان ثانيًا.

    والجامعة المصرية وحدها هي التي دفعت بعض المصريين إلى أن يكتبوا في أشياء لم يكُن المصريون يكتبون فيها من قبلُ، كالذي كان حين أقدم الأستاذ علي عبد الرازق على الكتابة في الإسلام وأصول الحكم، وعلى مهاجمة الخلافة وإثبات أنها منصب سياسي لا صلة بينها وبين الدين، وأن المسلمين أحرار ينظمون الحكم في بلادهم كما يشاءون، لا يطلب إليهم الدين إلَّا أن يكون حكمهم قائمًا على العدل والرعاية الصادقة لمصالح الشعب.

    وكذلك ازدهرت الحياة المصرية العقلية في تلك الأعوام بفضل الجامعة المصرية. وأشدُّ منها أثرًا في الحياة المصرية أن الجامعة فرضت نفسها على الشعب والحكومة معًا، وأشعرتهما بأن مصر لا تستطيع أن تعيش بغير جامعة، وبغير جامعة تنفق عليها الدولة في غير ضيق ولا حرج، وفي غير بخل ولا إمساك.

    ولم يَكَدْ هذا القرن يبلغ رُبعه الأول حتى استجاب الشعب والحكومة معًا لهذه الدعوة، وإذا الجامعة الشعبية تستحيل إلى جامعة حكومية، ثم تتسع وتتسع حتى تشمل التعليم العالي كله، ثم تخصب وتخصب حتى تنشأ في مصر جامعات ثلاثًا في الإسكندرية وعين شمس وأسيوط قبل أن يمضي على إنشائها خمسون عامًا.

    ثم لا تكتفي بذلك، ولكنَّ خريجيها وخريجي الجامعتين الأخريين في الإسكندرية وعين شمس يسيطرون على الحياة المصرية في جميع فروعها. فليس في مصر لون من ألوان النشاط الآن إلَّا والمشرفون عليه المدبِّرون له قد تخرجوا في إحدى هذه الجامعات.

    فأثر الجامعة المصرية القديمة في الحياة المصرية الحديثة — وهو هذا الذي نراه والذي وصفتُه — إن دل على شيء فإنما يدل على أن تلك البَذرة التي بَذَرها أولئك المثقفون القليلون في أول هذا القرن لم تلبَث أن أصبحت شجرة عظيمة طيبة أصولها ثابتة وفروعها في السماء، تُظِلُّ مصر كلها وتُظِلُّ معها بلادًا عربية كثيرة.

    وانظر، هل تجد بلدًا عربيًّا في الشرق والغرب يخلو من جامعي مصري يعمل فيه نوعًا ما من أنواع العمل الخصب؟

  • وزارة المعارف إصلاح التعليم الثانوي | The Ministry of Education: Reforming Secondary Education

    وزارة المعارف: إصلاح التعليم الثانوي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ ديسمبر ١٩٢٣

    كنَّا عند وزير المعارف منذ أسبوع، وكنَّا نتحدث في أمر التعليم العالي، ولست أدري كيف عرضنا للتعليم الثانوي والابتدائي. قلت: أمَّا هذا الموضوع فسيكون لي فيه مع معالي الوزير حديث طويل. قال الوزير: وسيسرني أن أسمع هذا الحديث وأقدِّره. ويظهر أن قد حان الوقت لأبدأ مع معالي الوزير طرفًا من هذا الحديث، فقد نشرت الصحف أن وزارة المعارف تشرع في إنشاء الجامعة الأميرية. وأي فرصة للتحدُّث إلى وزير المعارف في أمر التعليم الثانوي أحسن وأنفع من فرصة إنشاء الجامعة الأميرية؟ فالوزير يعلم أن الجامعة بناء ضخم قوي، يحتاج إلى أساس متين، وليس له من أساس إلا التعليم الثانوي. فإذا لم يكُن هذا التعليم الثانوي من القوة والمتانة بحيث يُعَدُّ عقل الشاب إعدادًا صحيحًا للدرس النظري العالي، فلا قيمةَ لهذا التعليم الثانوي في نفسه من جهة، ولا قيمة تُبنى عليه من الدرس النظري العالي من جهة أخرى. وأحسَب أني غير محتاج إلى أن أقيم الدليل على أن الصلة قوية بين المدرسة الثانوية وبين الجامعة؛ فإن هذه الصلة ملموسة، وحسبُك أن الغرض الأول من إنشاء المدرسة الثانوية إنما هو إعداد الطالب، يخرج من المدرسة الثانوية ليدخل الجامعة. بل حسبك أن بعض بلاد أوروبا جعلها أشد البلاد خبرة بالتعليم وتفوُّقًا فيه، وتجعل المدرسة الثانوية جزءًا متصلًا من بالجامعة لا معهدًا منفصلًا عنها، بحيث تكون الإدارة المشرفة على التعليم العالي الملمة بطبيعته وحاجاته هي نفسها المشرفة على التعليم الثانوي؛ لتلائم بين هذين النوعين من التعليم، ولتعدَّ العقل إعدادًا صالحًا منتجًا للاستفادة من دروس التعليم العالي. والتعليم الثانوي في فرنسا ليس مستقلًّا عن الجامعة، وإنما هو جزءٌ منها. وإذا أطلق لفظ الجامعة في فرنسا فُهم منه التعليم العالي والتعليم الثانوي. وليست جامعة باريس مقصورة على أقسام الآداب والعلوم والطب والحقوق، وإنما هي تتناول إلى هذه الأقسام وما يتصل بها من فروع التخصُّص في هذه العلوم العالية جميع المدارس الثانوية المنبثَّة في محافظة «السين»، وقُل مثل ذلك في جامعات «بوردو» و«ليون» و«ديجون» وغيرها من جامعات فرنسا.

    والتعليم الثانوي إذن أساس التعليم العالي، والمدرسة الثانوية أساس الجامعة. فإذا أَرَدْنَا أن يكون التعليم العالي منتجًا، وأن تكون لنا جامعة حقًّا تلائم حاجاتنا وآمالنا وكرامتنا؛ فأول ما يجِب علينا أن نفكر فيه إنما هو إصلاح التعليم الثانوي؛ بحيث يصبح أساسًا للتعليم العالي الصحيح. وليس معنى هذا أن نمانع في إنشاء الجامعة أو ننتظر بإنشاء الجامعة إصلاحَ التعليم الثانوي؛ فإن لدينا مدارسنا العالية، ونحن في حاجة إلى هذه المدارس، ولن نستطيع وقفها أعوامًا حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي، بل نحن نعتقد أن الخير كل الخير إنما هو في إنشاء هذه الجامعة، ولو لم يكن لإنشائها نتيجة الآن إلا توحيد إدارة التعليم العالي وضمان الاستقلال لهذا التعليم، لكان ذلك شيئًا خليقًا بالرغبة فيه والحرص على الوصول إليه. لا نمانع إذن في إنشاء الجامعة، ولا نطالب بتأخيره، وإنما نسجِّل منذ الآن أن نتيجة التعليم في الجامعة ستظل كنتيجة التعليم في المدارس العالية غير مُرضِيَة ولا مقنعة ولا ملائمة لحاجات البلاد وكرامتها إذا لم يصلح التعليم الثانوي ليقوم التعليم العالي منه على أساس متين. وقد شعرت بذلك اللجنةُ التي أُلِّفت منذ أعوام لتضع مشروع الجامعة الأميرية، ففصَّلت وجوهًا من نقص التعليم الثانوي، واقترحت طريقة لتكميل هذا النقص، وهي إنشاء قسم للتعليم المتوسط بين التعليم الثانوي والتعليم العالي يكون الغرض منه إصلاح نقص التعليم الثانوي، واستدراك ما فات الطالب في المدرسة الثانوية، حتى إذا وصل إلى التعليم العالي كان قد وصل إليه مستعدًّا استعدادًا حسنًا. ويظهر أن وزارة المعارف قبِلت هذه الفكرة واقتنعت بها، بل يظهر أنها أخذت في تنفيذها عصرًا ما، وأنها تريد أن تنفِّذها إذا أُنشئت الجامعة الأميرية في هذه الأيام كما يُقال. وليست وزارة المعارف هي التي انفردت بهذه الفكرة؛ فقد شعرت الجامعة المصرية أيضًا بنقص التعليم الثانوي، وشكا أساتذتها ضَعفَ الطلاب الذين يتقدمون لاستماع الدروس العالية في الأدب والفلسفة والتاريخ، واقترحوا على مجلس إدارة الجامعة إنشاء قسم تحضيري لقسم الآداب. فالفكرة في نفسها مقبولة، ولكن على شرط أن تكون مؤقتة حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي. فإذا اتُّخذت هذه الفكرة على أنها فكرة صالحة، وأُقيمت في التعليم المصري هذه القاعدة — قاعدة إنشاء التعليم المتوسط بين الجامعة والمدرسة الثانوية — فذلك شر من غير شك، شرٌّ لأن التعليم المتوسط لا قيمة له في نفسه؛ فهو ليس بالتعليم الثانوي ولا بالتعليم العالي، وشرٌّ لأنه سينتج نتائج رديئة، فسيقنع بعض طلاب المدارس الثانوية بشهادة الدراسة الثانوية وينصرفون إلى الأعمال، وإذن فسيكون هؤلاء الطلبة الذين يحملون الشهادة الثانوية ويقنعون بها بعيدين كل البُعد عن تحصيل ما لا بدَّ من تحصيله لمن يريد أن يتعلم تعليمًا ثانويًّا صحيحًا. ثم سيمضي آخرون إلى التعليم المتوسط حتى إذا نالوا إجازته انصرفوا عن التعليم العالي وقنَعوا بهذه الإجازة. وتنشأ حينئذٍ طبقة من الشباب لا عهد لنا بها، ليست طبقة الذين يحملون الشهادة الثانوية وليست طبقة الذين يحملون الشهادة العالية، وإنما هي طبقة بين بين. ونتيجة هذا كله إكثار عدد هؤلاء الذين نستطيع أن نسمِّيهم أنصاف المتعلمين. فسيُخرج لنا التعليم الابتدائي فريقًا والتعليم الثانوي فريقًا والتعليم المتوسط فريقًا، وكل هذه الطوائف تتفاوت في قوة العقل وحسن الإدراك بمقدار تفاوُتها فيما حصَّلت من العلم في مدارسها المختلفة. وخطر هذا على حياتنا الاجتماعية عظيم.

    إذن فمصلحة التعليم العالي في نفسه تقتضي إصلاح التعليم الثانوي، ومصلحتنا الاجتماعية تقتضي إصلاح هذا التعليم الثانوي أيضًا. وليس من شَكٍّ في أن وزارة المعارف تحسن الإحسان كله إذا اتَّخذت هذه القاعدة إمامًا، وهي أن تكون كل درجة من درجات التعليم صالحة من وجهين، تكفي وسيلة للدرجة التي تليها من جهة، ويستطيع صاحبها أن يكتفي بها من جهة أخرى. وظاهرٌ أن تعليمنا الثانوي يفقد هاتين الخَصلتين؛ فهو لا يكفي وسيلة للتعليم العالي والحكومة نفسها معترفة بذلك، وهو لا يغني من أراد أن يكتفي به. وحياة أصحاب الشهادة الثانوية في دواوين الحكومة تشهد بذلك، ومنزلتُهم في الحياة العامة تشهد بذلك أيضًا، والمقارنة بين ما يدرسون وما يدرس إخوانهم في أوروبا من جهة الكَمِّ ومن جهة الكيف — كما يقول المنطقيون — تشهد بذلك، ولا تترك سبيلًا للشك فيه. وإذن فلا بدَّ من إصلاح التعليم الثانوي، من الشروع في هذا الإصلاح الآن لا غدًا ولا بعد غدٍ، بحيث لا تمضي أعوام قليلة حتى يكون الإصلاح قد تم، وحتى تجِد الجامعة من حمَلة الشهادة الثانوية طلابًا أَكْفَاءً؛ فتنصرف عن التعليم المتوسط إلى التعليم العالي الخالص.

    ولكن ما طريقة هذا الإصلاح؟ هنا أعترف بأني لا أستطيع وحدي أن أدلَّ على هذه الطريقة، بل أرجو أن يشاركني وزير المعارف وأعوانه في الاعتراف بأننا لا نستطيع وحدنا أن نجِد هذه الطريقة أو ندلَّ عليها، ولا بدَّ لنا من الاستعانة بالفنيين من أهل أوروبا. والآن نرجع إلى ما طلبناه في الصيف الماضي إلى معالي وزير المعارف، وهو الاستعانة بالمستشارين الفنيين من أهل أوروبا في أمور التعليم على اختلاف درجاته. فليس بغض ما أن نعترف بما فينا من نقص إذا عملنا على إكماله، وليس معنى الاستقلال أو الرغبة في الاستقلال أن نزعم لأنفسنا العصمة ونكتفي بما عندنا حتى تقوم الأدلة الواضحة على أن ما عندنا لا يكفي. لا بدَّ إذن من استشارة الفنيين. ولو أن لي أن أقترح على وزير المعارف لطلبت إليه أن يفكر في نظم التعليم الثانوي في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يقارن بينها وبين حاجاتنا، وأن يختار من هذه النظم أشدَّها ملاءمة لهذه الحاجات. فإذا تم له الاختيار ندب فنيًّا أو فنيين من الذين أتقنوا هذا النظام ليدرسوا مع الفنيين من وزارة المعارف نظام التعليم الثانوي في مصر، ويقترحوا ما يرون من وجوه الإصلاح لهذا التعليم.

    أرى أن هذا النحو وحده هو الذي يكفُل إصلاح التعليم الثانوي وإقامة بناء الجامعة على أساس متين. أرى هذا وأدعو إليه، وأعتقد أن الوزير يُحسِن الإحسان كله إذا بدأ في العمل من فوره بحيث لا تمضي أسابيع حتى يكون في مصر ذلك الفني أو أولئك الفنيون، وحتى يُتاح البَدء في تنفيذ النظام الجديد للتعليم الثانوي منذ السنة المقبلة. ولست أريد أن أختم هذا الفصل دون أن أقدِّمَ إلى وزير المعارف أصدق التهنئة بهذا الفوز الذي انتهى إليه؛ فقد وُفِّق إلى ما كان يريد من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته، وقد بيَّنَّا نفع هذا وضرورته في غير هذا الفصل.