محنة الشباب
طه حسين
مجلة المصور
٦ ديسمبر ١٩٤٧
هي محنة خطيرة إلى أقصى غايات الخطورة، نستطيع أن نتحدث عنها فنكثر الحديث، وأن نفكر فيها فنطيل التفكير، دون أن نصوِّر آثارها المنكرة في الحياة كما ينبغي أن نصوِّرها، فإذا أردنا أن نَصِف لها الدواء وأن نَرُدَّ شرها عن مصر، فقد نحتاج إلى أشياء أخرى أبعد أثرًا من الكلام الكثير والتفكير الطويل، والحزن الذي يمزق القلوب ألمًا، ويفرق النفوس أسفًا وجزعًا! فهي لا تمس مصر في أموالها كما تمسها الأزمات الاقتصادية حين تجتاح الأموال، ولا تمس مصر في نفوس أبنائها كما تمسها أزمات الوباء حين تزهق النفوس وتضرب أطناب الموت في كل مكان، وإنما تمس مصر في قلوب أبنائها وعقولهم، وفي نفوسهم وضمائرهم، وفي شعورهم وعواطفهم؛ لأنها تجتاح أخلاقهم اجتياحًا، وتفسد طبائعهم إفسادًا.
وأخلاق الأمم أعز عليها من الأموال التي تُجتَاح؛ لأن مال الله غادٍ ورائح، يصبح الإنسان غنيًّا ويمسي فقيرًا كما كان القدماء يقولون … فإذا أضاعت مصر بعض أموالها اليوم — وليس من المصلحة أن نضيعها — فقد تستطيع غدًا تكسب مكانها أموالًا أخرى، وأخلاق الشعوب أعز عليها من النفوس التي تُزهق والدماء التي تُراق، فما دامت في الأمم حياة فالأجيال تخلق الأجيال، والأحياء يعزون عن الأموات، والموت ملم بالشعوب كلها في كل يوم من أيام الأسبوع، وفي كل ساعة من ساعات اليوم يكثر الموتى حين يلم الوباء، أو حين تلم الحرب، ويقلُّون حين ينجلي الوباء، وحين تضع الحرب أوزارها، وتجد الأمم بعد ذلك من حياتها وقوتها وأملها ما يعزيها عما فقدت من المال، ومَنْ فقدت من الناس، ولكنها لا تستطيع أن تجد ما يعزيها عن الأخلاق إذا فسدت، ولا عن القلوب إذا أشعرت خيانة وغدرًا، وامتلأت كيدًا ومكرًا، وشاع فيها الرياء والنفاق … وهذا بالضبط هو الذي يُمتحَن به شبابنا البائسون في هذه الأيام الشداد السود!
وربما كان في حياتنا المعاصرة ما هو شر من هذه المحنة وأعظم منها نكرًا، وهو أننا نرى المحنة ونصبر عليها، وأننا نرى المحنة ونطمئن إليها، وأننا نرى المحنة ونعنيها على أن تزداد انتشارًا، وتأكل قلوب الشباب وضمائرهم كما تأكل النار الحطب!
كان يُقال لنا إن أجيال الكبار قدوة لأجيال الصغار، إن الأجيال الناشئة لا تتأثر بشيء كما تتأثر بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، ولا تفسد لشيء كما تفسد للقدوة السيئة والأسوة القبيحة. وكان يقال لنا إن الأساتذة يعلمون تلاميذهم بما يعرضون عليهم من سيرتهم أكثر مما يعلمونهم بما يلقون عليهم من ضروب العلم. وكان يقال لنا إن الذين يعظون الناس ويؤدبونهم خليقون أن يعظوهم بالسيرة والقدوة، أكثر مما يعظونهم بالخطب المطولة والألفاظ المنمقة، والكلام الذي يصل إلى الآذان ولكنه لا يتجاوزها إلى القلوب.
كان هذا كله يقال لنا، وما زال هذا كله يقال لنا، ولكن أرجو من كل قارئ أن يتحدث إلى نفسه إذا خلا إليها، وأن يتحدث إلى الشباب المتعلمين إذا خلا إليهم عن هذه المُثُل الصالحة التي تعرض أمام الأجيال الناشئة ليعجبوا بها وليحبوها، ثم ليرغبوا فيها وليطلبوها؛ فأنا واثق بأن الحديث سيملأ قلبه روعًا وجزعًا، وحزنًا وهلعًا!
فالجيل الناشئ ينظر فلا يرى قدوة صالحة، ولا أسوة صالحة، ولا مثلًا تثير في القلوب حبًّا وإعجابًا، وتدفع النفوس إلى السمو والطموح، وإنما يرى نقائض هذه الأشياء كلها، ويراها بشعة كأشنع ما تكون البشاعة، منكرة كأقبح ما يكون النكر!
واسمع إلى الشباب وهم يتحدثون حين يخلو بعضهم إلى بعض عما يأخذون به أساتذتهم ومعلميهم من ألوان النقد وضروب العيب، وفنون السخرية والاستهزاء، وقد كدت أُمْلي فنون الانتقاص والازدراء.
فقد كنا نعبث بأساتذتنا حين كنا صغارًا، وقد كان التلاميذ يعبثون بنا حين كنا أساتذة، ولكن هذا العبث لم يكن يتجاوز بعض المظاهر التي تثير الابتسام وتغري بالضحك أحيانًا، فأما الآن فاستمع للطلاب وهم يذكرون أساتذتهم حين يختصمون ويتنافسون، وحين يسعى بعضهم بعض إلى الرؤساء، وحين يكيد بعضهم لبعض عند السلطان، وحين يلقى بعضهم بعضًا بوجوه هاشة باشة، وثغور باسمة، وألفاظ عذبة، وتحيات حارة، ثم لا يكادون يفترقون حتى يقول بعضهم في بعض شر ما يقول الناس في الناس، لا يستترون بذلك ولا يتحفظون فيه، ولا يتحرجون من أن يقولوا ذلك أمام الطلاب والتلاميذ أو من أن يقولوا ذلك للطلاب والتلاميذ!
فهؤلاء الطلاب والتلاميذ بين اثنتين: إما أن يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم وإذا هم يسيرون سيرتهم ويذهبون مذهبهم في الحياة، وإما ألا يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم، وإذا هم يلتمسون مُثُلَهم العليا عند غيرهم من الناس، أو لا يلتمسونها عند أحد! وهم على كل حال لا يؤمنون بأساتذتهم ولا يحفلون بما يرون منهم إذا عملوا، وما يسمعون منهم إذا قالوا!
وإذا فَقَدَ الطلاب والتلاميذ الثقةَ بالأساتذة والمعلمين فلا تنتظر منهم خيرًا لا في سِيرَتهم حين يسيرون، ولا في تعلمهم حين يتعلمون! لا تنتظر خيرًا من قلوبهم ولا من عقولهم، فإن ثقة الشباب بالشيوخ هي الأساس الأول والأخير لاستقامة حياة الأمم والشعوب!
وقد قلت إننا نُمتَحن بشرٍّ من هذا الفساد العظيم، وهو أننا نراه ونغضي عنه، بل نراه ونمعن فيه؛ فالأساتذة والمعلمون يعرفون ذلك من أنفسهم، ومن طلابهم، ومن تلاميذهم، ثم لا يغيرونه ولا يحاولون له تغييرًا … والآباء يسمعون ذلك من أبنائهم فلا يزيدون على أن يحوقلوا ويُصبِّروا أنفسهم على المكروه … والسلطان يعرف ذلك فلا يحاول له تغييرًا، وإنما يُعِين عليه ويرغب فيه … والشر كله يأتي من السياسة التي تقيم أمور الحكم على الترغيب والترهيب، وجعل المناصب والدرجات والترقيات والعلاوات مِنَحًا تُهدى إلى الذين يحسنون نصر الحكومات والتقرب منها، والتوسل إليها بما لا يلائم طهارة القلوب ونقاء الضمائر وتنزه الأخلاق عن الدنيات. وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ للعلم والمتعلمين، ولكنه لا يأمن على علمه وتلاميذه إلا إذا رضي عنه السلطان، بل هو لا يأمن على عيشه إلا إذا رضي عنه السلطان؟!
وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ لعلمه وتلاميذه، ولكن من حقه كذلك أن يُوسِّع على نفسه وعلى أهله وعياله في الرزق، وليس له إلى ذلك سبيل إلا أن يرضى عنه السلطان، والسلطان لا يرضى إلا إذا سلك هذه الطريق لا تلك، وأظهر هذا الرأي لا ذاك، ومال إلى ذلك الحزب، لا إلى ذلك الحزب، ومالأ هذا الفريق لا ذلك الفريق؟!
وإذا شُغِل الأساتذة والمعلمون بإرضاء السلطان وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى عنده، فهناك التنافس والتزاحم، وهناك السعاية والكيد، وهناك الرياء والنفاق، وهناك إذلال النفوس وخفض الرءوس … ومن وراء هذا كله، أو من أمام هذا كله، شباب يقولون ويسمعون، ويتحدثون ويفكرون، ثم ينكرون أساتذتهم ومعلميهم، وينكرون أنفسهم بعد ذلك، ثم ينتهون إلى الشك في كل شيء، والاستخفاف بكل شيء، والانقياد لكل شيء، والانتقاض على كل شيء!
ما أجدر الذين يُعنَون بتسجيل الظواهر الاجتماعية في حياتنا البائسة المنحلة أن يتلطفوا للشباب ليسمعوا آراءهم في أساتذتهم ومعلميهم، وفي قادتهم ومؤدبيهم، بل وفي آبائهم أيضًا! … إذن يستبين لهؤلاء الذين يسجلون الظواهر الاجتماعية أن الشباب المصريين يخضعون في هذه الأيام السود لمحنة منكرة قاسية، يجب أن تُرفَع عنهم إن كنا نريد لهذا البلد المنكوب خيرًا …
Tag: تعليم
-
محنة الشباب | The Plight of Youth
-
عبث | Futility
حديث الوادي
عبث…
تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.
ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.
ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.
كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.
هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.
وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟
ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».
فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.
وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.
نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.
وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟
ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.
ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟
إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.
ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥. -
كثير | So Much
كثير
كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣ -
خطبة | A Speech
خطبة
ليست لرئيس الوزراء، فقد كف المرض رئيس الوزراء عن الخطابة، واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه، ويتكلمون بلسانه، وليس شك في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أكره عليه رئيس الوزراء آيات لا تحصى، وفقد ما كان يمتاز به في هذا العهد السعيد من رونق وبهجة، ومن روعة وبراعة، وأصبح عاطلًا تزور عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وأحست المنابر في القاهرة والأقاليم أنها فقدت خطيبها البارع ومنطيقها الذي لا يُجارى، ولا يُشَقّ له غبار. وقد لاحظ الذين سمعوا وكيلي رئيس الوزراء في الخطابة في مجلس النواب مرة، وفي قاعة جروبي مرة أخرى أن هذين الوكيلين لم يُقِيما بيان رئيس الوزراء على وجهه، ولم يحتفظا له بجماله وسحره، وإنما عبثا به عبثًا غير قليل، وأصاباه من ضروب التشويه بما أثار الأسى في القلوب والحزن في النفوس.
ولكن الله – عز وجل – خليق أن يعوض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطيقها الفذ منطيقًا فذًا، وقد فعل فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!!
وأشهد لقد برع وزير التقاليد في الخطابة، فلن يساميه بعد اليوم خطيب، ولقد نبغ وزير التقاليد في البيان! فلن يدانيه بعد اليوم بليغ، وأخشى ألا يكون لبراعة وزير التقاليد في الخطابة، ونبوغه في البيان أثر يمحو آثار رئيس الوزراء ويعفيها، ويجعله لاحقًا، بعد أن كان سابقًا، ويرده إلى الطبقة الأولى بعد أن كان في الطبقة الأولى. ولو قد فسرت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الصحف التي يقرؤها الناس، لا في صحف الوزارة، لأجمع المصريون على أنهم قد استأثروا في هذا العصر الحديث بزعامة الخطابة بعد أن استأثروا بزعامة الشعر، وأن أمر الأدب كله قد أصبح إليهم، يقولون فيه فلا يُرَدّ عليهم قول،
ويقضون فيه فلا يُرَدّ لهم قضاء، ولو قد ذاعت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الخطابة لأجمع المصريون أيضًا على أن هذه الآيات يجب أن تُفرَض في المدارس فرضًا، وتُحشَر في نفوس التلاميذ والطلاب حشرًا، وتتلى في كل مجمع، وتعلّق في كل مكان، وقد سطرت بماء الذهب على صحف الديباج، فلم يُقَدّر لمصر في يوم من الأيام أن تبلغ من البيان الرفيع والأدب البديع ما بلغته أول أمس بفضل وزير التقاليد حتى قام خطيبًا في حفلة من حفلات الانتخاب!!
وليس الغريب أن يتفوق وزير التقاليد في الخطابة إلى هذا الحد، ويرتفع من روعة البيان إلى هذه المنزلة، فهو مؤلف كتاب «البيع» وهو صاحب الفصول البارعة المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رَفتي المبني على التشفي والانتقام»! وهو وزير التعليم وهو رئيس الجامعة الأعلى، فإذا لم تجتمع له بعد هذا كله أسباب البراعة الأدبية والمهارة البيانية، فلمن تجتمع؟ وإنما الغريب أن يظل هذا النبوغ سرًّا مكتومًا، وأمرًا مستورًا على كثرة ما تكلم وزير التقاليد في مجلس البرلمان، وفي غير مجلس البرلمان، وعلى كثرة ما تحدث وزير التقاليد في بهو الكونتننتال، وفي غير بهو الكونتننتال، ولكن الله جعل لكل شيء أجلًا، ورهن الحوادث بأوقاتها، فأراد فيما سبق من الغيب ألا تتكشف للعيان عن براعة وزير التقاليد في الخطابة والبيان إلا حين تضطر الأقدار رئيس الوزراء إلى الصمت والسكون ليكون في نبوغ هذا عزاء عن سكوت ذاك، وقد يكون من اللذيذ الممتع أن يُعْنَى مؤرخو الآداب بتحليل هذه الشخصية البيانية الفذة التي أظهرها وزير التقاليد أول أمس، لعلهم أن يتبينوا ويُبينوا للناس سر المهارة الرائعة في التحدث إلى الجمهور.
وكم كنا نود لو نقف هذا الموقف من خطبة وزير التقاليد، لولا أن في هذه الخطبة من أمور السياسة ما يشغلنا عما يُعْنَى به الأدباء.
ولعل أظهر خصلة تُلاحَظ في هذه الخطبة البارعة والآية الرائعة هي استقامة المنطق، وحسن الاحتجاج، ودقة الاستنتاج، وبراعة الانتقال من فكرة إلى
فكرة! فقد أثبت وزير التقاليد أن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول وتمرينها على التفكير الصحيح لم تؤت ثمارها، ولم تنتهِ إلى نتائجها إلا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم! ولهذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة وتطمئن إلى منطقها حين تقرؤها لأول مرة؛ فلا بد إذن أن تقرأها مرات، ولا تخف من أن تقرأها عشرًا. ومن المحقق أنك بعد هذه القراءات العشر لن تذوقها، ولن تطمئن إلى منطقها، فثق حينئذ بأنك رجل عادي، وبأن وزير التقاليد رجل نادر، وبأن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين.
انظر إلى وزير التقاليد كيف أراد أن يكون مجددًا، لا مقلدًا، فلم يقل أيها السادة، ولا أيها الأصدقاء، ولا أيها الإخوان كما يقول عامة الناس، ولم يقل
يا حضرات السادة كما يقول رئيس الوزراء، وإنما قال: أبناء المنوفية. وقد استغنى عن حرف النداء، إما لأنه مُتعِب، والوزير في حاجة إلى الراحة، وإما لأنه يدل على التحدث إلى عدد ضخم من الناس والوزير لم يكن يتحدث إلا إلى عدد قليل. وإما (وهذا هو الصحيح) لأن حرف النداء يدل على بعد المخاطَبين، وهم كانوا أقرب إلى الوزير من ظله، وأدنى إليه من نفسه. وانظر إليه كيف علل تجديده فأحسن التعليل، وكم أوّله فأحسن التأويل، فهو يدعوهم (أبناء مديريته) لأنه فخور بهم، ومقدر لهم شعورهم ووطنيتهم. فماذا أحدث وزير التقاليد؟ فهذا كلام الرجال العاديين، فأما الأفذاذ الممتازون ففخرهم بأهل أقاليمهم فذ، وتقديرهم لشعورهم ووطنيتهم ممتاز، فلهم وحدهم
أن يدعوهم أبناء المنوفية كما دعاهم وزير التقاليد، وأن يعللوا هذا النداء بأنهم فخورون بهم، مقدّرون لشعورهم ووطنيتهم.
ثم انظر إلى هذا الإبداع الذي لا نظير له، والذي لا يبلغه إلا النابغون النابهون، حتى نَسِيَ وزير التقاليد أو تناسى، أو جهل أو تجاهل ما بين حزب الشعب والاتحاد من تنافس أدّى إلى الأزمات في البرلمان، وإلى الاستقالات خارج البرلمان. وأعلن أن ليس بين الحزبين من خلاف، ولا يمكن أن يكون بينهما خلاف، وإن كان هو وكيل حزب الاتحاد، لأن خلافًا حدث بين
الحزبين أقصى وكيل الاتحاديين عن وكالته، وأقام وزير التقاليد مكانه بعد أن استكان الاتحاديون لغضبة رئيس حزب الشعب.
ولكن الاعتراف بالحق، والنظر إلى الواقع، شأن الرجال العاديين، فأما الأفذاذ النابغون أمثال وزير التقاليد، فإنهم يخلقون الحق خلقًا، ويفرضون الواقع فرضًا، ويقررون الأشياء من عند أنفسهم وخلاص!!
ثم انظر كيف أقام وزير التقاليد الدليل الساطع والحجة المفحمة على أن ليس على الوزارة بأس، فقال إن رئيس الوزراء قد أعلن أن أمر الوزارات إلى جلالة الملك. وإذن فقد أخذ وزير التقاليد عهدًا على الأنام، وعهدًا على الأقدار، وعهدًا على الحوادث والخطوب، وعهدًا على جلالة الملك ألا تستقيل الوزارة، ولا ينحل البرلمان حتى يتم أجله الدستوري!! فلن تكون الانتخابات قبل سنة 1936!!
أما عند الرجال العاديين فهذا الكلام لا يصور رشدًا، ولا ذكاءً، ولا فهمًا، ولا تواضعًا، ولا اعترافًا بسلطان الأيام والحوادث، ولا تقديرًا لما يجب لجلالة الملك من الإكبار والارتفاع بحكمته السامية عن أهواء الوزراء، وميول السياسة. وأما عند الأفذاذ النابغين أمثال وزير التقاليد، فهذا الكلام هو الرشد كل الرشد، وهو الذكاء كل الذكاء، وهو الإكبار كل الإكبار لحق جلالة الملك في أن يغير الوزارات متى اقتضت حكمته السامية ومصلحة البلاد هذا التغيير وإن لم يبلغ البرلمان أجله، وإن لم تأتِ سنة 1936، وإن لم تنفض الدورة البرلمانية، وإن لم ينتهِ هذا الشهر الذي نحن فيه.
ثم انظر بعد ذلك إلى آية الآيات في المنطق الصحيح، ومعجزة المعجزات في الاستنتاج المستقيم، وإلى البرهان الذي لا يقبل شكًا ولا نزاعًا ولا يحتمل بحثًا ولا جدالًا على أن أمورنا قد جُعِلت إلى خيارنا وأكثرنا بسطة في العلم والجسم، وأقومنا منطقًا، وأصدقنا فهمًا.
أراد وزير التقاليد أن يشير إلى عناية الحكومة بمصالح الناس، وإلى نتائج هذه العناية فذكر تخفيف أعباء المزارعين الذين اقترضوا على الحاصلات، وذكر عناية الحكومة بالحماية الجمركية. فأما نتائج هذه العناية وهذا التخفيف فهي
عند الرجال العاديين أن تحسن حال المزارعين والتجار. أما عند وزير التقاليد النابغة الفذ، فهي شيء آخر، تستطيع أن تبحث عنه شهرًا، وأن تبحث عنه دهرًا، ولن تظفر به، ولن تنتهي إليه، لأن منطق الرجال العاديين لا يستطيع أن يوصلك إليه أو يدلك عليه. أتعرف ماذا ينتج عن الرفق بالزراع الذين اقترضوا على الحاصلات، وعن تقرير الحماية الجمركية؟ هو أن الطلبة قد انصرفوا إلى دروسهم ولم يشتغلوا إلا بها.
نعم هذه هي النتيجة التي انتهى إليها منطق وزير التقاليد ونبوغه في حسن الفهم واستقامة الاستنتاج.
ألم أقل لك إن أمورنا قد جُعِلت إلى أشدنا ذكاءً وأصحنا عقلًا وأصدقنا فهمًا، وأقومنا منطقًا من أمثال وزير التقاليد! ثم يزعم المصريون بعد ذلك أن مصر لا تزال دون أوروبا فهمًا وعلمًا وبيانًا، وأن وزراء مصر لا يزالون دون وزراء أوروبا تفوقًا ونبوغًا.
أما أنا فأتمنى لوزير المعارف الفرنسية الذي تغذى عنده وزير معارفنا في الصيف الماضي أن يزور مصر، ويعاشر وزير التقاليد أسبوعًا أو أسبوعين ليستقيم عقله، ويصح منطقه فيستقيم التعليم في فرنسا، وتصبح المدارس الفرنسية والجامعات الفرنسية راقية رُقي المدارس المصرية والجامعة المصرية في ظل هذا العقل الواسع الخصب المستقيم، عقل وزير التقاليد.
كوكب الشرق ٦ — ٥ — ١٩٣٣