Tag: تكهنات سياسية

  • فقط | Only

    حديث الوادي
    فقط . . .
    كلمة لا نحبها، ولكننا مع ذلك مضطرون إلى اصطناعها لأن الأهرام قد اصطنعتها صباح اليوم حين أذاعت في الناس نبأ الوليمة التي أقامها نائب المندوب السامي مساء أمس، ودعا إليها رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، أو وزيري المالية والداخلية «فقط».
    فهذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عنايتنا من هذا النبأ، ونرجح بل نكاد نؤكد أن هذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عناية غيرنا من الذين قرأوا الأهرام صباح اليوم. فقد علم الناس جميعاً منذ أيام أن نائب المندوب السامي سيدعو رئيس الوزراء إلى الطعام، ثم اختلفت الروايات التي أذيعت في الناس، فزعم بعضها أن رئيس الوزراء سيشهد المأدبة وحده ليكون الحديث بينه وبين نائب المندوب السامي حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه، كما كان الحديث بين وزير المالية ونائب المندوب السامي، حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه حين سبق وزير المالية غيره من الزملاء حتى الرئيس إلى طعام نائب المندوب السامي.
    وزعم بعضها أن الوزراء جميعاً سيشهدون هذه المأدبة مع الرئيس، إلا وزير المالية لأنه سبقهم جميعاً إلى الطعام على هذه المائدة الممتازة، وأكبر الظن أن هضم ما سبق إليه من غداء أو عشاء، يحتاج إلى وقت طويل لا يسمح له باستئناف الغداء أو العشاء مع زملائه الوزراء. وأكبر الظن أن وزير المالية رجل يحب الأناة والهدوء وفراغ البال والبعد عن الرقباء والاحتجاب عن العذال، لا يسيغ الطعام إذا كثرت المشاركة فيه، وإنما يستلذه ويسيغه ويجيد هضمه والانتفاع به، حين يخلو إلى من يحب دون أن يكدر عليه صفو الخلوة زميل أو غير زميل.
    وهو من أجل ذلك في أكبر الظن قد خلا إلى المندوب السامي بالأصالة في الصبرية، كما خلا إلى المندوب السامي بالنيابة في الإسكندرية لم يشاركهما في إحدى المأدبتين وزير أو من يشبه الوزير.
    وكذلك تردد الناس في مأدبة أمس وفيمن يحضرها: أتقصر على رئيس الوزراء أم تشيع بينه وبين زملائه جميعاً أم يستثنى منهم وزير ماليتنا العظيم، وأخذ الناس يعللون كل فرض من هذه الفروض ويقلبونه ظهراً لبطن، ويستخرجون منه ما يحتمل وما لا يحتمل من المعاني، ويحملونه ما يطيق وما لا يطيق من الأحلام والأوهام.
    وإذا الأهرام تنبئهم صباح اليوم بهذا النبأ وتضع لهم فيه هذه الكلمة التي لم توضع عبثاً ولم ترسل سدى وإنما وضعت لمعنى تدل عليه وغاية يريدها الكاتب.
    فما عسى أن يكون هذا المعنى؟ وما عسى أن تكون هذه الغاية؟ أول ما يفهم من «فقط» هذه أن كثرة الوزراء لم تشهد المأدبة ولم تدع إليها، وليس من شك في أن نائب المندوب السامي لم يعرض عن دعوة الوزراء الذين لم يدعهم بخلاً بالطعام، أو إيثاراً للاقتصاد، فهو أكرم من ذلك وأسخى، وهو يعلم من غير شك كيف يضع الاقتصاد في موضعه، وليس من شك أيضاً في أنه لم يعرض عن دعوة الوزراء زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم العذبة وفكاهاتهم الحلوة، وخواطرهم الرائعة وآرائهم الناضجة، فهو رجل مثقف وهو إنجليزي وهو من كبار وزارة الخارجية البريطانية وكل هذه خصال من شأنها أن تحبب إليه وزراءنا الأفذاذ والانتفاع بجدهم حين يجدون، والاستمتاع بفكاهتهم حين يهزلون.
    ومن وزرائنا والحمد لله، من يجد فيحسن الجد، ومن يتندر فيحسن التندر: منهم الفقيه الفذ كوزير التقاليد، ومنهم الشاعر الفحل كوزير الأوقاف، ومنهم من يتقن أمور الزراعة، ومنهم من يحسن ضبط النيل وحماية القاهرة من أخطار المجاري، ومنهم من يحسن الكلام في المرافئ والثغور، وفي ماضي المشروعات الكبرى ومستقبلها، وما أدت إليه، وما يمكن أن ينتظر منها؟
    وكل هؤلاء يجيد الحديث في هذا كله، ومن المحقق أن في الاستماع له ما يمتع رجلاً مثقفاً سياسياً كنائب المندوب السامي، وإذن فهو لم يعرض عن دعوة الوزراء إلى مأدبة أمس زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم، وإذن فما كلمة «فقط» هذه؟ وما معناها؟ وما بال الدعوة لم تعم الوزراء، وإنما خصت ثلاثة منهم؟
    يقول قائلون إنما كانت الدعوة خاصة لما بين وزير المالية ورئيس الوزراء من مظاهر الخلاف في هذه الأيام، ومن مظاهر خلاف يراه الناس شديداً ويجدون فيه تمرداً أو شيئاً يشبه التمرد، وتحدياً أو شيئاً يشبه التحدي، فآثر نائب المندوب السامي أن يكون واسطة خير بين المختلفين، ورسول صلح بين المختصمين، وأن يستعين بوزير الداخلية اللبق البارع على محو الخصومة أو تخفيفها وإزالة الخلاف أو تقريب آماده، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد كله أو بعضه واطمأن إلى أن الأمر بين رئيس الوزراء ووزير المالية يمكن احتماله، ويستطيع أن ينتظر موعد التغيير، الذي لا يدعه دون أن يحدث أزمة عاجلة سابقة لأوانها الموقوت لها، أمكن أن يدعى الوزراء جميعاً إلى مأدبة عامة يتصل فيها جد الكلام وهزله، ولا يحتاج فيها إلى التحدث في السياسة وشؤون السياسة، ودقائق الأمور.
    كذلك قال الناس، وهم الآن يتساءلون أوفق نائب المندوب السامي ووزير الداخلية إلى إصلاح الأمر أم لم يوفقا؟ أما نحن فلا نصدق من هذا كله شيئاً لأننا لا نعرف أن هناك خلافاً بين وزير المالية ورئيس الوزراء، وإنما نعرف بل نؤكد أن الوزراء يتعاونون في وفاق كامل شامل كما صرح رئيس الوزراء منذ أيام. ورئيس الوزراء صادق إذا قال، فالوزراء متفقون، والوزراء متضامنون والوزارة ثابتة مستقرة، لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأحاديث الأزمة، والطوارئ والتعديل، هذا لغو في لغو، وإذن فما كلمة (فقط) هذه وما معناها ولم اقتصرت دعوة نائب المندوب السامي على ثلاثة من عشرة بين الوزراء؟
    سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا الراسخون في العلم، والراسخون في العلم الآن أربعة: نائب المندوب السامي ورئيس الوزارة وزميلاه. قل من شئت منهم ينبئك النبأ اليقين، ولكن أترى أحداً منهم يجيب إن وجهت إليه السؤال؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ / ٩ / ١٩٣٤.

  • عقول | Minds

    حديث الوادي
    عقول . . .
    ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.
    عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤولها بعكس ما يجب أن تؤول به، وتعللها بأضدادها ونقائضها، لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة، ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج، لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف. وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ورأساً على عقب، أو عقباً على رأس.
    هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلاً عنهم أو تنكراً لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال، لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافاً، وأن يلون بأعظم الألوان تبايناً، ولاسيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.
    ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين، فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفاً وذعراً، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد، فالرجل لم يكن مواتياً ولا مسالماً أثناء إقامته في مصر. وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه. ويعرب -وما أقل ما كان يعرب- عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار بأن فلاناً سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشاراً للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.
    هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماساً لأسداس، وأسداساً لأخماس، فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم.
    ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات، وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين. وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشاراً منها في بيئات المعارضين. ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي ومن وزارة الخارجية في لندن أو حول وزارة الخارجية في لندن.
    وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئاً وقالت وزارة الخارجية البريطانية، وقالت الحوادث معها شيئاً آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جداً من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضاً. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.
    وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجأوا إلى الأماني والآمال. وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.
    وليس من شك بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون. ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أموراً كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.
    وكذلك أشيع ثم نشر في المقطم أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئاً. ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه المقطم أيضاً وانتقل الأمر من المقطم إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.
    وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين، وسيرة الوزارة. فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كباراً وصغاراً، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان، وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرأوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلاً عن تقصير الأجازة وإطالتها، وفضلاً عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رئاسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلاً مفاجئاً في غير سؤال، ولا حساب، ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلاً من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل. وهذه وزارة وتلك وزارة.
    وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا، ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل ولم يعلم من أمر ذلك شيئاً إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في الأهرام.
    ولا ينبغي أن تقول للوزاريين إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة وأن الإنجليز غير مصريين وأن تقاليد العزل، والفصل، والنقل، والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد. لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئاً من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطاني يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين، فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث. فمن يدري! لعل المندوب السامي إنما أطيلت أجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شؤون السياسة في مصر. ومن يدري لعل إطالة الأجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثراً. ومن يدري لعل الذين سعوا إلى إطالة الأجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر. وإذن فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضاً أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.
    فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز. وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف. وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا أجازته وأن ينيبوا عنه فلاناً دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه، وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون. وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير. ولكن ماذا تريد أن تصنع أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟ .
    مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعاً، هي أن المندوب السامي، قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي. فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم. ومن هنا يؤمن المصريون جميعاً بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه مضطرب كثير الاضطراب.
    فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.
    ألم أقل لك إنها عقول؟ . .
    طه حسين
    الوادي، ٣٠/ ٨/ ١٩٣٤.