Tag: ثورة 1952

  • صلاح … | Salah …

    صلاح …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٠ فبراير ١٩٦٢

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    وما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

    أجل، فقد كان صلاح ركنًا من أركان الثورة التي غيَّرت حياة هذه الأمة ومنحتها حياة جديدة قوامها الحرية والاستقلال والعدل وتحقيق الكرامة لهذا الشعب في مجموعه ولكل فرد من أبنائه. بذل في هذه الثورة أقصى جهده وأصدق جهاده، وكان كزملائه مستعدًّا أصدق الاستعداد لبذل حياته في سبيلها، وكان في الوقت نفسه قوامًا لأسرته التي فُجعت فيه أعظم الفجيعة وأقساها. ثم كان عميدًا لهذه الصحيفة اليتيمة التي أصابتها فيه الكارثة. أنهض ما يكون بأعبائها، وأعرف ما يكون لحقوقها، وأحرص ما يكون على رُقِيِّهَا وتقدُّمها، بما ينبغي أن تقوم به الصحف الجادة المخلصة من خدمة الوطن وتبصير الشعب بحقوقه وواجباته.

    فليس الرُّزء رُزء فيه فرد ولا رزء أفراد، وليس هو ببناء قوم تهدَّم، وإنما هو بناء أقوام أصابهم فيه الخطب على حين كانوا يعقدون به أعرض الآمال ويرجون منه جلائل الأعمال. ثم أصبحوا ذات يوم وقد اختُطف منهم اختطافًا وانتُزع منهم انتزاعًا، وهم أشد ما يكونون حرصًا على أن يُسرع إليه الشفاء وتسبغ عليه العافية؛ ليستأنف نشاطه الخصب في خدمة وطنه وثورته وفي رعاية أسرته وفي قيادة صحيفته إلى أقصى ما يُرجى لها من النُّجح وأعظم ما يُنتظر منها من النهوض بأعباء الصحيفة الحرة، التي تقصر جهودها كلها على خدمة الوطن والمواطنين وعلى نشر أصول الثورة وحقائقها وغاياتها في جميع طبقات الشعب، لا يدركها في ذلك تقصير، ولا تخاف فيه لومة لائم.

    ولو قد كان صلاح من الذين تقدمت بهم السن وأدَّوْا للحياة حقها وأخذوا منها نصيبهم، لكان الرُّزء فيه جليلًا. ولكنه يترك للعزاء سبيلًا إلى القلوب، ولكنه اختطف في ريعان شبابه بعد أن أدَّى واجبه كما لا يؤديه الشيوخ. وكان جديرًا أن ننتظر منه الكثير والكثير جدًّا؛ فإن امرأً بدأ حياته كما بدأها صلاح، مجاهدًا أصدق الجهاد وأبسله أثناء السلم والحرب، مخلصًا أشد الإخلاص وأعمقه للوطن في أيام الشدة وأيام اللين وفي أوقات البؤس وأوقات الرخاء، لم يعرف الضعف إلى نفسه القوية سبيلًا، ولم يجد اليأس إلى قلبه الكبير طريقًا، ولم تستطع الأثرة أن تشوب إخلاصه القوي العميق لوطنه وأمته في لحظة من لحظات حياته. إن امرأً بدأ حياته على هذا النحو، جدير أن ينتظر منه أكثر جدًّا ممَّا بدأ به حياته، ولكن الناس يقدِّرون، وقضاء الله يمضي فيهم صارمًا حاسمًا لا رادَّ ولا محيد عنه.

    وكذلك وقع النبأ بوفاة هذا الثائر العظيم والصديق الكريم والمواطن الكبير، موقعَ الصاعقة من الذين عرفوه عن قُرب ومن الذين لم يعرفوه إلا من بعد.

    وقد عرفت صلاح سالم كما عرفه المصريون جميعًا من بعد حين شبت الثورة كان هو أحد جذواتها المضطرمة التي كانت تزداد في كل يوم ذكاء، وأحد ألسنتها المنطلقة التي كانت تزداد في كل يوم انطلاقًا بما يحلو وما يمر وبما يسوء وما يسر.

    وكان من أبرع خطباء الثورة في تقريب الآمال إلى القلوب وإحياء الرجاء في النفوس وإذكاء نار الثورة في الضمائر، وكان جده مرًّا أشد المرارة، وكانت دعابته حلوة إلى أقصى غايات الحلاوة، وكان أبرع زملائه في السخرية من النظام القديم وفي إثارة الضحك من ساسة ذلك النظام. وكان جده صارمًا في مرارته، وكانت فكاهته قاسية في حلاوتها، وكان أشد ما يكون إثارة للمرح والضحك حين يعبث بساسة العهد الماضي يقلد بعضهم تقليدًا رائعًا ويصور بعضهم تصويرًا صادقًا.

    وكان في الوقت نفسه مروعًا مثيرًا للخوف والرعب، حين كان ينذر المتنكِّرين للثورة ويوعدهم أقسى الوعيد وأعنفه، وكان في أثناء هذا كله حركة لا تعرف السكون، ونشاطًا لا يعرف الهدوء، واندفاعًا لا يعرف الأناة. تراه في القاهرة مصبحًا وفي السودان ممسيًا، وتراه متنقلًا في البلاد العربية مصورًا لأهلها حين يعود إلى وطنه ولزعمائه السياسيين أروع تصوير وأصدقه. وكانت هذه الصورة مرتسمة له في نفسي، ولم يُتح لي أن ألقاه إلا بآخره، حين ذلك اليوم عرفته من قُرب فعرفت فيه الإخلاص لعمله إلى أقصى حدوده والوفاء كأعمق ما يكون الحب، وعرفت فيه سماحة الطبع ودماثة الخلق وصفاء الضمير وإيثار الصراحة على كل شيء والنفور الشديد من المداراة والالتواء في القول والعمل. وعرفت فيه أرعى الرؤساء لزملائه الذين يعملون معه في الصحيفة حين تجب الشدة واللين لهم والرفق بهم حين يستحب اللين والرفق.

    ولم أعرف مشرفًا على صحيفة منحها خلاصة نفسه وأصدق جهده وأقصى طاقته، كما كان صلاح يمنح هذا كله للجمهورية.

    ورأيته مريضًا يبلغ به المرض أقصاه، ولكنه لم يستطع في يوم من الأيام أن ينسيه الجمهورية أو يصده عن التفكير فيها والعناية بها والسؤال عن الدقيق والعظيم من أمرها، يرفق بالزملاء كلهم ولا يمنح نفسه أيسر نصيب من هذا الرفق.

    ولم يدركني المرض كما أدركه، فلا ألقاه ولا يلقاني، كَلَّ عن السعي إليَّ وضعفت عن السعي إليه، ويكون آخر عهدي به وداعه حين أبحرت إلى أوروبا، وأعود إلى مصر فإذا هو قد أبعد السفر إلى أمريكا، ثم يعاودني المرض ويشتد ويقسو ويحول بيني وبين لقائه حين عاد من أمريكا مريضًا كما سافر إليها مريضًا. وأعيش كما عاش زملاؤه وأصدقاؤه جميعًا مطمئنًّا إلى الأمل متعلقًا بالرجاء واثقًا بأن شبابه سيكون أقوى من المرض ومن أثقاله.

    وأُصبح اليوم فيقرأ عليَّ صاحبي صحف الصباح أو يقرأ عليَّ ما أراد أن يقرأ من هذه الصحف ولكنه يُعرِضُ عن الجمهورية، فإذا سألته عنها أدركه تردُّد شديد وارتباك عظيم، ثم يضطر آخر الأمر أن ينبئني بالحقيقة بعد أن حاول إخفاءها عليَّ، ينبئني بهذا الخطب الفادح وهذا المصاب الجليل، ينبئني بأن صلاحًا قد اختطفه الموت.

    ويدركني حين أسمع هذا النبأ وجوم أعرف أوله ولكني لا أعرف آخره إلى الآن، وأنا أُملي هذا الحديث بعد أن أقبل الليل دون أن أجد لهذا الوجوم آخرًا؛ لأني لا أكاد أصدق أن هذه الحياة القوية قد غاضت، وأن هذا الشباب النضر ما استأثر به ولا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا مضى لغايته، وإنما يستطيع أن يرتاع ويلتاع ويملأ قلبه الحزن ويغمر نفسه الأسى في غير طائل، حتى إذا انجلى عنه الوجوم وسكتت عنه المفاجأة وعاد إلى نفسه أو عادت إليه نفسه، لم يجد بُدًّا من أن يعترف بأن الموت حق وأن قضاء الله واقع وأن إرادة الله نافذة، ولم يستطيع إلا أن يسأل الله من أعماق نفسه أن يشمل الفقيد الكريم برحمته ويسبغ عليه نعمته ورضوانه، ويحسن عنه عزاء الوطن والمواطنين وعزاء أسرته البائسة وصحيفته اليتيمة وأصدقائه وزملائه المرزئين.

  • اليوم الموعود | The Promised Day

    اليوم الموعود
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ أغسطس ١٩٥٤

    هو ذلك اليوم القريب البعيد الذي تتعلق به النفوس وتتصل به الآمال، والذي تصبو إليه القلوب وتسمو إليه الأماني، والذي يجلو فيه آخر فوج من الجنود البريطانيين عن أرض الوطن بعد عشرين شهرًا.

    هو قريب لأن عشرين شهرًا ليست شيئًا ذا خطر في حياة الشعوب، وهو بعيد لأن آمالًا كثيرة وآجالًا كثيرة تتقاصر من دونه، ولا يعرف أصحابها أيدركونه فيما قُدر لهم أن يدركوا من الأيام، أم يفوتهم فيما قدر أن يفوتهم من الأيام. في ذلك اليوم الموعود يستدير الزمن كهيئته منذ ستة وعشرين قرنًا، حين كانت مصر حرة بأوسع معاني الحرية، كريمة بأدق معاني الكرامة وأصدقها، مستقلة بأصح معاني الاستقلال وأعمقها، أمرها إليها وسلطانها خالص لأبنائها، لا يشاركهم فيه أجنبي مشاركة قريبة أو بعيدة، حين كانت مصر تقضي وحدها في كل أمورها، لا ترجع إلى عاصمة بعيدة في أعماق بلاد الفرس أو في أعماق بلاد اليونان والرومان، أو في أعماق بلاد العرب أو في دمشق أو بغداد.

    ويقضي أبناء مصر وحدهم في أمورها لا يشاركهم فيها ملوك وخلفاء، قد استقروا في أرضها، وألصقوا أنفسهم بها أو ألصقتهم هي بنفسها. نعم في ذلك اليوم الموعود بعد عشرين شهرًا تشرق الشمس على مصر، فتراها كما عرفتها منذ ستة وعشرين قرنًا، حرة كريمة خالصة لأبنائها، لا ترجع في أمرها إلى سلطان أجنبي بعيد مسيطر عليها، ولا إلى سلطان أجنبي قريب مستقر فيها، وإنما يدبر أمورها أبناؤها الذين خرجوا من أعماقها وتأثروا بطبيعتها الخالصة من كل شائبة، البريئة من كل زيف. في ذلك اليوم تعرف مصر نفسها، بعد أن أنكرتها وجدَّت في طلبها، واحتملت في سبيل هذا الطلب خطوبًا في إثر خطوب، وكوارث في إثر كوارث. فقد ينبغي أن يذكر المصريون أن وطنهم لم ينسَ نفسه في يوم من الأيام، ولم يقبل الضيم من أي مصدر من مصادر الضيم، وإنما جاهد في سبيل استقلاله منذ فقدَ هذا الاستقلال، وأرهق الغزاة والغاصبين والمحتلين من أمرهم عسرًا.

    يجب أن يذكر المصريون حين يظلهم ذلك اليوم الموعود أن وطنهم لم يسترح ولم يرح قط، منذ فقدَ الاستقلال في القرن السادس قبل المسيح، إلى أن استرده في القرن العشرين بعد المسيح. وإنما أنفق هذه القرون الطوال صابرًا مصابرًا ومجاهدًا معاندًا وثائرًا يشقى ويشقى مستذليه ومستغليه، حتى أتيح له أن يبلغ الغاية التي جدَّ في سبيلها، واحتمل ألوان العناء، وحمل غيره ألوان العناء ليبلغها وفي الاستقلال الحر الكريم.

    إن في تاريخ مصر أثناء هذه القرون الطوال لعبرًا لمن يريد أن يعتبر، وعظات لمن يريد أن يتعظ، وعلمًا لمن يريد أن يتعلم، وحكمة لمن يريد أن يبلغ أعماق الحكمة. مصر هي الوطن الوحيد في أقطار الأرض كلها، الوطن الوحيد الذي جاهد هذه القرون الطوال، شاعرًا بالجهاد أحيانًا وغافلًا عن الجهاد أحيانًا. ولكنه مجاهد دائمًا، محتفظ بشخصيته دائمًا، مشارك في تنمية الحضارة دائمًا، مؤدٍّ حق الإنسانية عليه دائمًا، مناهض للمستذلين والمستغلين، حتى أُتيح له أن يجني ثمر جهاده الطويل الثقيل الذي ملأ التاريخ علمًا وحكمة، وملأ الأرض حضارة وثقافة.

    وما أحب أن يظن القارئ أني أتمدح أو أتكثر أو أستجيب لهذه العاطفة الكريمة؛ عاطفة الحب للوطن، وإنما أنا أحقق ما أقوله كل التحقيق. وأيسر النظر إلى تاريخ مصر الطويل أثناء هذه القرون الستة والعشرين يثبت في غير شك، ولا لبس أن مصر لم تخضع قط لمستعمر إلا كارهة ثائرة حين استطاعت أن تثور، مناوئة حين لم تتح لها وسائل الثورة، وهي في أثناء ذلك مشاركة في تنمية الحضارة، ناهضة بأعظم حظ في حفظ الثقافة ونشرها وإذاعتها، منتهزة كل فرصة لتؤدي واجبها للإنسانية المتحضرة كاملًا غير منقوص.

    من حق المصريين أن يحبوا وطنهم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن يفاخروا بتاريخه حين كان حرًّا مستقلًّا، وبتاريخه حين كان خاضعًا مستذلًّا؛ لأنه كان في هذين الطورين نافعًا للإنسانية دائمًا، ناهضًا بعبئه في غير كلل ولا ملل، وفي غير يأس ولا قنوط.

    وكأن مصر قد أبت أن تبلغ الغاية التي رسمتها لنفسها، إلا على أيدي أبنائها الخالصين من كل شائبة الخارجين من أعماقها، فقد أُتيح لمصر أن تجاهد وتقارب الفوز بما كانت تريد من هذا الاستقلال الكامل الموفور، ولكنها كانت تخفق حين تقارب الغاية، كأنها كانت تشعر بأن أوان الفوز لم يؤن بعد؛ لأن أمرها لم يكن إلى أبنائها.

    ما أكثر ما جاهَدَتِ الترك وقهرتهم أو كادت، وما أكثر ما جاهدت الإنجليز واستخلصت، وأرهقتهم من أمرهم عسرًا، ولكنها كانت دائمًا تقف قبل أن تبلغ الغاية، حتى إذا أزالت الملك الأجنبي عن وطنها، وثلت عرش محمد علي وبنيه، واستخلصت سلطانها لأبنائها، وردت هذا السلطان إلى الشعب كله، وعرفت أنها إن تدرك النجح يكن خالصًا لها من دون الأجنبي القريب أو البعيد؛ سعت إلى غايتها متمهلة وأدركتها مترفقة، وأصبح أبناؤها ذات يوم فإذا هم قد ظفروا في أقصر وقت ممكن بما لم تظفر به الأجيال الكثيرة في القرون الطوال.

    منذ عامين شبت الثورة فأنزلت عن عرش مصر آخر ملك أجنبي، ومنذ عام واحد أعلنت الثورة أن مصر ليست في حاجة إلى العرش؛ لأنه يغري بها الطامعين ويعلق بها آمال المغامرين، وإن الخير كل الخير في أن ترد أمر الشعب إلى الشعب، فألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. وفي هذا العام بلغت الثورة الناشئة التي لم يتجاوز عمرها عامين اثنين ما أرادته مصر منذ أطول الأزمان من هذا الاستقلال الخالص الكريم، وحررت أرض مصر من الاحتلال الأجنبي الذي طالما تمنينا أن يزول وطالما جاهدنا في إزالته، فلم نبلغ مما تمنينا شيئًا، حتى ظن المستيئسون أن الذل قد سُجل على مصر تسجيلًا، وحتى زعم الزاعمون أن خصال الخير والشر قد قُسمت بين أقطار الأرض، على أن تختار كل خصلة من خصال الخير القطر الذي يلائمها، فتسعى إليه وتتبعها خصلة من خصال الشر، فاختار الغنى مصر وأعلن الذل أنه سيتبعه.

    فكيف بهؤلاء الزاعمين وأولئك المستيئسين لو رأوا مصر وقد احتفظت بالغنى وجددت السعي في إنمائه وإذكائه، ورفضت الذل وأقامت مكانه الإباء الأبي والعز العزيز.

    في عامين اثنين حققت ثورة الجيش في مصر أمورًا جسامًا، وأحدثت أحداثًا عظامًا؛ نفت عن نفسها النظام الملكي الذي خضعت له عشرات القرون، والذي جرَّ عليها كثيرًا من الضيم وفرض على أهلها الذل والهوان في عصور مختلفة من تاريخها في القرون الوسطى. وما بالك بأمة كانت تشتري ملوكها بالمال، ثم تُجلسهم على عرشها بعد أن تُهيئهم لذلك، وتعلمهم كيف يملكون وكيف يظلمون وكيف يُرهقون سادتهم من أمرهم عسرًا، وكيف يجزونهم من الخير شرًّا ومن العرف نكرًا ومن الإحسان إساءة وبغيًا وطغيانًا.

    نفت مصر عن نفسها هذا النظام في العام الأول من عامي هذه الثورة، فاستخلصت سلطانها الداخلي لأبنائها لا يشاركهم فيه أحد، ثم فرغت لمشكلاتها الخارجية فحلتها في يُسر ورفق قلَّما يعرف التاريخ لهما نظيرًا.

    حلَّت أول ما حلت مشكلة السودان، فلم تستأثر به لنفسها؛ لأنها لم تُرد ذلك في يوم من الأيام، ولم تتركه للطامعين فيه يستغلونه ويستذلون أبناءه، وإنما حرصت أشد الحرص على أن تظفر له بحريته قبل أن تظفر لنفسها بحريتها، ونجحت في تحقيق ما حرصت عليه. فأنشأت في شهور قليلة حكومة وطنية في السودان؛ قوامها أبناء السودان أنفسهم يدبرون أمورهم ويقررون مصيرهم، كما يحبون هم لا كما يحب غيرهم من الطامعين والمستعمرين. ثم التفتت إلى المشكلة الخاصة بينها وبين الإنجليز، فاشتدت حين كانت الشدة واجبة، ورفقت حين كان الرفق نافعًا، ورفضت كل ما لا يلائم الكرامة ولا يحقق العزة، وأبت إباء المستيئس، وقبلت قبول الآمل، وانتهت آخر الأمر إلى النهج الكريم في هذه الأيام الأخيرة، فضمنت الجلاء في غير مغامرة، ولا مقامرة بالمستقبل ولا إنكار للماضي ولا جحود لسنتها التاريخية المجيدة في الاتصال الأكيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط؛ تلك الحضارة التي أنشأتها ثم أذاعتها ثم شاركت في تنميتها وتذكيتها، حتى أصبحت حضارة الإنسان كله في هذا العصر الحديث.

    وفي أثناء هذا كله عنيت بالإصلاح الاجتماعي، فجدَّت فيه غير وانية ولا متلكئة، فشرعت الإصلاح الزراعي لتلغي الفروق بين الطبقات، وتقر في نفوس المواطنين جميعًا أنهم إخوة ليس فيهم سيد ولا مسود، وأن ثروة مصر لم تُخلق ليستأثر بها فريق دون فريق، وإنما خُلقت لينعم بها المواطنون جميعًا كلٌّ على قدر بلائه وكفايته وجدِّه في العمل دون أن يكون في ذلك بغي أو سرف أو طغيان.

    في عامين اثنين حلت ثورة الجيش ما أحاط مصر من المشكلات الخارجية المستعصية؛ فاستخلصت السودان لأهل السودان، واستخلصت مصر لأهل مصر، ووضعت أسس الإصلاح الاجتماعي الداخلي.

    حققت هذا كله في أقصر وقت ممكن، بعد أن عجزت عن تحقيقه أجيال كثيرة في أزمنة متطاولة، وحققت هذا كله في رفق أي رفق وفي يسر أي يسر. لم تسفك في سبيله دمًا، ولم تزهق في سبيله نفسًا، ولم تعرِّض في سبيله مصلحة عامة أو خاصة لخطر قريب أو بعيد. فكان هذا كله مثلًا رائعًا سينتفع به العالم المعاصر من غير شك.

    ولقد قلت حين شبت ثورتنا هذه إنها لن تنفع مصر وحدها، ولكنها ستنفع أقطارًا كثيرة من حولها. وإني لسعيد الآن حين ألاحظ أني لم أكن مخطئًا ولا مغاليًا؛ فقد نفعت ثورتنا السودان فردته إلى أهله بعد أن كان طعمة سائغة للمستعمر، ولم تكد تمضي اتفاق الإنجليز منذ أيام حتى اضطرت فرنسا إلى أن ترد إلى تونس جزءًا عظيمًا من حقها، فردت إليها الاستقلال الداخلي، وسترد إليها الاستقلال الكامل في يوم قريب ما في ذلك شك.

    ولست أنا الذي يخترع هذه المقاربة بين ما حدث في مصر وما حدث في تونس، فقد اعترفت به الصحف الفرنسية نفسها، وكتبت جريدة الموند في تعليقها على الاتفاق الإنجليزي المصري تقول: إن هذا الاتفاق سيؤثر في المشكلة التونسية من غير شك، ثم لم نلبث إلا يومين اثنين وإذا رئيس وزراء فرنسا يطير إلى تونس ليعلن إليها أن فرنسا ترد إليها استقلالها الداخلي في صراحة لا تَحفُّظ فيها.

    وسجلت الصحف الإيطالية ذلك اليوم في تعليقها على القرار الفرنسي، فقالت الكويري دلاسيرا: إن من الملاحظ أن هذا القرار جاء في إثر الاتفاق المصري البريطاني.

    وأنا واثق كل الثقة بأن أثر هذا الاتفاق سيتجاوز تونس إلى مراكش، وعسى أن يكون ذلك قبل أن تنشر الجمهورية هذا الحديث.

    فمصر قلب العالم العربي ما في ذلك شك، وحرية مصر أساس لحرية العالم العربي كله ما في ذلك شك أيضًا، وأنا مطمئن بعد هذا كله إلى أن حرية مصر الكاملة لن تنفع المصريين والعرب وحدهم، ولكنها ستنفع الإنسانية المتحضرة كلها.

    فمركز مصر بين الشرق والغرب جدير بأن يجعلها مصدر خير كثير للشرق والغرب حين تطمئن وترضى، ومصدر شر كثير في الشرق والغرب حين تضطرب وتسخط، بشرط أن يُحسن المصريون تدبير أمورهم في حزم وعزم ورفق ومضاء. وأشهد لقد دبرت الثورة أمور مصر في حزم ورفق ومضاء، فلننتظر هذا اليوم الموعود فرحين مستبشرين ليسعد به الذين يدركونه وليرضى عنه الذين لا يُتاح لهم إدراكه، ويعلموا أن قد أتيح لهم أن يعيشوا حتى يروا وطنهم قد بلغ ما أراد وأصبح وطنًا عزيزًا كريمًا.

  • ثم ماذا | Then What

    ثم ماذا . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم يسئني سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه، ويعبثوا به، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل، وقيام الوهم سخف من السخف، ولون من ألوان التضليل، وسقوطه تحرر من الخرافة، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي لا تغني عن الذين يعبدونها شيئا.
    لم يسئني إذن سقوط الدستور ولم يسرني، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم، مهما يكن، طائفة من حقوق الشعب، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا، مع أن الدستور ينصفهم، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء. وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذي ظلمهم أو سامهم الضيم، وأن يظفروا بالنصفة. وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور.
    من أجل هذا لم يسرني سقوط الدستور، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه.
    ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد، فالحياة التي نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدري أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد في إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه.
    والناس يختلفون في هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذي يضعه ولأي نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم في هذا الأمر كهذا الوقت الذي ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور. فهو الوقت الذي يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتي وبما يحسن أن يدع.
    وكان الدستور الذي ألغي قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون. أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذي لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه، ومن قلبه وعقله، ومن آماله وآلامه وحاجاته. وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التي مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء. ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضي عنه الناس، وآمنوا به، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود في سبيل صيانته، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل، ثم ألغي، ووضع مكانه دستور آخر، وقيل إن الدستور منحة من الملك، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل. ثم قويت هذه النظرية في نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه في غير موقف، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء في مناصب الحكم. حتى لم يبق شك آخر الأمر في أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان.
    وإذن فأول ما يجب حين نفكر في وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب. فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال، إنما وضع للشعب كله الذي يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول في أن يختار لنفسه نظام الحكم، وفي أن يضع لنفسه أصول النظام الذي يختاره، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التي تتعاقب عليها. وإذن فأول ما ينبغي هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب، فليست في مصر قوة تستطيع أن تهدي إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذي يعطي نفسه الدستور الذي يريد، وهو الذي يعطي كل هيئة من هيئاته، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط في الخطأ ويهيئ المشكلات التي لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل. والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد، وليس من شك في أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد، ولكنه فيما أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل.
    وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة. أو من أقل من مئة. وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف في أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذي يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب في درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا. فقد ينبغي أن يكون الوقت الذي يمضي بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف في الطول.
    وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمي إلى استفتاء الشعب فورا في الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة. وأنا أشارك صديقنا في هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهي إلى تقرير النظام الجمهوري الذي يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه. فقد عاشت مصر على النظام الملكي منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هي التاريخ إلى الآن. وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا، كان لها في العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا. ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد. وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمي الذي ينزلونه على أنفسهم من السماء، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتي منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التي تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التي يرسمها لهم الدستور، يرزقهم على ذلك أجورهم، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون. وقد سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعي والرعية، والسيد والمسود، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء:
    مل المقام فكم أعاشر أمة
    أمرت بغير صلاحها أمراؤها
    ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
    وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
    فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذي ارتقى فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا في الوهم من توارث الملك لا لشيء إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا.
    كل هذا كان يساغ في العهود الماضية، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أي شيء آخر.
    ولم ينكر المسلمون في أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التي استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم. وفي وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم، والحكمة والحلم، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذي هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشيء إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها.
    لا أشك إذن في اتجاه الشعب المصري الآن إلى النظام الجمهوري. فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة أمرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما. فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغي ألا تدفع إلى الإسراع الذي يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التي تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلي الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها، وعرض عليها المشروع الذي أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها.
    فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وأُنْفِذَ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدري إلى أي وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذي أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع في غير طائل فسينفقه الشعب في نوعين من النشاط الخصب النافع الذي هو في أشد الحاجة إليه والذي من أجله كانت الثورة.
    أحد هذين النوعين هو النشاط في إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه، والآخر هو نشاط النهضة في التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح في حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات.
    كذلك أفكر في حياتنا الجديدة التي بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسي من أمر المستقبل؟ ولكني أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا.
    طه حسين
    الأهرام، ١٣\١٢\١٩٥٢

  • صورة … | A Picture

    صورة …
    لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر وبيني وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وإنما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو.
    وما هي إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الأمل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وإنما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء.
    ثم أصبح ذات يوم فاقرأ في الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسى من العواطف وما دار في عقلي من الخواطر وما خفق به قلبي من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور فظل في مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما في هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
    والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
    فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت في الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التي خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
    ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دوني أثناء أجازة الصيف التي أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إلهيا من فصول .
    وقد وصلت إلى إيطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس في روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذوني في ذات وطني يقولون لي قليلا ويضمرون في أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن في الحياة حتى يضطرب قلبي ويضطرب لساني قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون في ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بي ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا .
    أما قراءة الصحف فكانت عذابا أي عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر . ولم أشعر بشيء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني فيها أحد والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. في هذه القرية كظمت غيظي وجعلت أجيله بيني وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا في الصحف وأقرأ كثيرا في الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة .
    ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير في مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير .
    تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلي وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجي فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلي ذلك أن فساد الأمر في داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أي خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها .
    بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر في الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما في نفوسهم من غل وجشع وحقد.
    لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة .
    بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب .
    طه حسين
    الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢