Tag: حرب الاستقلال الجزائرية

  • أهل الكهف | The People of the Cave

    أهل الكهف
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مارس ١٩٥٨

    والكهف الذي هم نائمون فيه عميق أشد العمق، بعيد القرار إلى أقصى غايات البعد، لا يبلغ أهله ما تمتلئ به باريس من الضجيج والعجيج والصخب المتصل في آناء الليل والنهار. وهم من أجل ذلك مغرقون في نومهم، لو خُلي بينهم وبين النوم أو خلي بين النوم وبينهم للبثوا في كهفهم نيامًا، حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وحتى يبعثهم فيمن يبعث من أهل القبور. ولكن ظروف الحياة لا تخلي بينهم وبين النوم، ولا تخلي بين النوم وبينهم؛ فالأحداث تجري، والنوائب تنوب، والانتخابات تتجدد من حين إلى حين، والوزارات تسقط من شهر إلى شهر أو من يوم إلى يوم. وأهل الكهف يحلمون في كهفهم ذاك العميق، وفي نومهم ذاك الذي هو أعمق من كهفهم، والناس فيما يظهر يرقبون نومهم، ويسجلون أحلامهم، وتذيعها الصحف، ويحملها البرق إلى أقطار الأرض على اختلافها.

    وعلى هذا النحو وحده يستطيع العقلاء والأيقاظ من الناس أن يفسروا سيرة الوزراء الفرنسيين، والنواب الذين يقيمونهم ويسقطونهم بين حين وحين، والذين يحاسبونهم في الأحلام حسابًا عسيرًا مرة ويسيرًا مرة أخرى، ولكنه حساب لا ينتهي إلى شيء؛ لأن ما يعمل الحالمون وما يقولون وما يقررون لا ينتهي إلى شيء، إنما هو كله لغو من اللغو وفن من فنون الهذيان.

    هذه الخطبة التي ألقاها رئيس الوزراء الفرنسيين، وزعم فيها أن فرنسا إنما تقترف ما تقترف من الآثام، وتَصب ما تصب من الجرائم على أهل الجزائر دفاعًا عن العالم الحر كله من جهة، وحماية لاستقلال تونس ومراكش من جهة أخرى. هذه الخطبة حديث نائم يحلم ويهذي في حلمه، لا حديث رجل يقظان يعقل ما يعمل وما يقول، فمن ذا الذي يستطيع أن يصدق أو أن يقبل أن يفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي تتعرض لخطر عظيم، إذا لم تقترف فرنسا آثامها، ولم ترتكب جرائمها في الجزائر. ولِمَ لا يكون الخطر العظيم الذي تتعرض له هذه الدول العظمى ذات القوة والبأس والأيدي، في بلد آخر من البلاد المستقلة التي تستطيع أن تأتي ما تأتي من الأمر دون أن تبلغها جرائم فرنسا وآثامها؛ لِمَ تكون الجزائر وحدها موطنًا لهذا الخطر العظيم، دون غيرها من أقطار الأرض؟ وما حاجة الذين يأتمرون بالغرب إلى هذا الوطن الضعيف الأعزل … الذي صُب عليه هول الاستعمار قرنًا ونصف قرن؛ ليجعلوه مركز مؤامراتهم ومركز ما يهيئون للعالم الحر من الكوارث والنكبات.

    مع أن المؤتمرين الذي يشفق منهم رئيس الوزارة الفرنسية في حلمه، لا يبلغون الجزائر ولا يستطيعون أن يستقروا فيها ليكيدوا ويأتمروا وينظموا ما يريدون أن يشهروا على هذا العالم الحر من الحروب، وما عدا الدفاع عن العالم الحر يقتل الأبرياء العزل، وانتهاك الحرمات، وتيتيم الأطفال، وتأتيم النساء، وتثكيل الأمهات، وتوجيع الذين كانوا يجدون بشق الأنفس ما يقيم الأود؛ فأصبحوا الآن نهبًا للجوع، يُفتك بهم في الليل والنهار. وأي عالم حر هذا الذي يحتاج في الدفاع عنه إلى اقتراف الآثام، وارتكاب الجرائم، ومخالفة أيسر ما تقضي به الديانات كلها، وما تقضي به الأخلاق كلها، وما تفرضه الحضارة، وما ابتكرت من قوانين. وما حرية هذا العالم التي لا تقوم ولا تحمي إلا بإذلال الأحرار، والقضاء على النساء بالموت، والقضاء بالموت أيضًا على الصبية الذين لم يبلغوا الرشد، ولم يطيقوا حمل السلاح. وما هذه الحرية وما قيمتها، وما حاجة العالم إليها، وما فائدة الإنسان وحضارته ودياناته وقوانينه من هذه الحرية، التي لا بقاء لها، إلا إذا سُفكت الدماء وأُزهقت النفوس، وشُردت اليتامى والأيامى والرضعاء، وهل تقبل الدول الغربية الكبرى والصغرى أيضًا هذا الهذيان الذي يهذي به رئيس الوزراء الفرنسيين في حملة هذا الغرب؟ فهل ترضى الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مدينة ببقائها وبحريتها وأمنها لما يُقترف في الجزائر من المخزيات؟ وهل يرضى حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا أن يكونوا مدينين بحياتهم وحريتهم وأمنهم لهذه المخزيات؟ ومع ذلك فيخيل إليَّ وإلى غيري من الأيقاظ أن العالم الحر وغيره من العوالم، قد أنكروا هذه الآثام، وما زالوا ينكرونها، وأكرهوا فرنسا منذ أيام إكراهًا على أن تعدل عن قتل تلك الفتاة التي قضت عليها فرنسا بالموت. إن فرنسا تقترف آثامًا جسامًا في الجزائر وتقترفها رغم أنفها؛ لأن رجال الجيش فيها وأصحاب رءوس الأموال يأبون أن يفلت منهم شمال أفريقيا، وأن تفلت منها الجزائر خاصة، وفيها ما فيها من مصادر المال، ووراءها ما وراءها من البترول، وأن الشعب الفرنسي يرسل أبناءه إلى الموت، ويشتري هذا الموت لأبنائه بما يؤدي من الضرائب المبهظة، مكرَهًا على ذلك لا راضيًا به ولا راغبًا فيه، بل ساخطًا عليه أشد السخط. ولكنه لا يستطيع أن يذعن ويستكين؛ فقَدَ حريته وتعزى عنها بلذاته وبما هو غارق فيه من الرغد والنعيم. ومن يدري لعله أن يكون كساسته نائمًا مغرقًا في النوم، يحلم كما يحلم النواب والوزراء، ليس فيه من الأيقاظ إلا المجرمون من رجال الجيش وأصحاب رءوس الأموال. وأغرب ما نقرأ في هذا الهذيان الذي هذى به رئيس الوزراء الفرنسيين، أن فرنسا تحمي تونس ومراكش بما تَصبُّ من الهول على أهل الجزائر.

    وإذن ففيم الخصومة القائمة بين فرنسا وتونس؟! ولِم تتوسط أمريكا وبريطانيا لتزيلا هذه الخصومة؟! أتكون تونس جاحدة للجميل، جاهلة بأن فرنسا قد قتلت من قتلت من أبنائها في الشهر الماضي، لتحمي استقلالها من الضياع؟! ونحن نعلم أن مراكش لم تفرغ من خصوماتها المختلفة مع فرنسا، أتكون هي الأخرى جاحدة للجميل غافلة عن أن فرنسا تحمي استقلالها من الضياع؟!

    صدقني إن فرنسا الآن لا يحكمها الأيقاظ، وإنما يحكمها النيام، أو قل إن شئت: إن فرنسا لا يحكمها العقلاء، وإنما يحكمها قوم أُلقي بينهم وبين عقولهم حجاب كثيف.

  • بيع الدماء | Selling Blood

    بيع الدماء

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٧ يناير ١٩٥٦

    كان ذلك في الأيام الأخيرة من شهر أغسطس المَاضي، حين تسَامع الناسُ في أقطار الأرض بذلك الصراع العنيف البغيض بين الفرنسيين وإخواننا من أهل مراكش والجزائر، وبما كان له من أثر خطير في اضطراب الرأي العام الفرنسي، وتفرُّق الفرنسيين شيعًا وأحزابًا؛ يُريد الصادقون الأوفياء منهم للثورة الفرنسية أنْ يَكُفَّ وطنُهم عن هذا البغي الآثم، الذي يُنكِر أصولَ تلك الثورة إنكارًا، ويريد الطامعون الجَشِعون إلى المال أنْ تبسط فرنسا سُلطانَها على تلك البلاد مهما كانت وسائلها إلى ذلك، ومهما تُهدَر فيه من دماء أبنائها ودماء الوادعين من أهل تلك البلاد، ومهما تُلقِي في سبيله من قِيَم الحق والعدل والإنصاف.

    وكانت الصُّحُف في أقطار الأرض مُتنبِّهةً لتلك الأحداث الجِسَام، حريصة على أنْ تتلقَّى أنباءها في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، ولم يكن المُنْتِجون لأفلام السينما أقل تَنَبُّهًا لتلك الأحداث وتحرُّقًا على أخبارها … فالصحف تُروِّع بالأنباء والصور، ولكن الناس يقرءونها مُتفرِّقين حين يَخْلُون إلى أنفسهم، فيُرَوَّعون فيما بينهم وبين ضمائرهم، ويتحدثون بذلك حين يلقى بعضُهم بعضًا.

    فأمَّا أفلام السِّينما فهي تُحْدِث الروعَ الاجتماعيَّ حين تفجأ الجماعاتِ الضَّخمةَ بصور هذه الأحداث تتحرَّكُ أمامهم، وتقع بمَرأى مِنْهُم ومَسْمَع، فهم يشهدونها وإن بعدت بينهم وبينها آماد الزمان والمكان، وهم يتأثَّرون بها تأثُّر الشاهد لا تأثر الغائب، كأنهم يُشارِكون فيها، ويحتملون أثقالها وأوزارها، وهي تُثير في قلوبهم أقصى ما يُمكن أن تُثير منَ الرَّوع الذي لا أعْقَابَ له ولا إثم فيه.

    والناس لا يُحِبُّون شيئًا كما يُحِبُّون الروعَ وهم آمنون، ولا يَكْلَفون بشيء كما يَكْلَفون بالقلق وأجسامهم مستقرة في أماكنها، وقلوبهم هادئة في صدورهم، وضمائرهم راضية لا تتعرَّض لبأس أو مكروه. ومن أجل ذلك، يحرص المنتجون لأفلام السينما على أن يلتقطوا صور هذه الأحداث حين تقع، ويعرضوها على الجماعات؛ ليثيروا في نفوس الناس هذا الخوف الآمن، وهذا الروع المطمئن.

    وقد حرصَتْ شركةٌ من شركات الأفلام على أنْ تُصوِّر بعضَ الهَوْلِ الذي كان يُصَبُّ على أهل الجزائر في تلك الأيام؛ فأبرقت إلى أحد مُمَثليها أن يبتغي الوسائل إلى تصوير بعض ذلك، وأنْ يَكون إلى ذلك سَابقًا مُجلِّيًا لتستأثر منه بما تُحب، وتتفوَّق على مُنَافِسيها بالسبق إلى إرضاء الناس.

    ولكنَّ أَمْرَها وصل — فيما يظهر — بعد فوات الوَقت إلى مُمَثِّلها، والمُمثِّل حريصٌ على أن يبلغ منها موقع الرضا، والمالُ أيسرُ الوسائلِ إلى ذلك وأبْلَغُها أثرًا، فمَا يَمْنَعُه أنْ يُنفق آلافًا قَليلَةً أو ألوفًا كثيرة ليبلغ من ذلك بعض ما يُحب إن فاته منه كل ما يريد.

    وقد فعل فأسرع إلى بعض الجُند وفاوضه في الأمر، وعرض عليه قليلَ المالِ أو كثيرَه، وقَبِل الجنديُّ في غير مشقة ولا عناء. وما يمنعه من ذلك والأسرى كَثِيرونَ والرصاص مَيْسُور، والمَالُ قليلٌ، والحاجات لا تُحْصَى ولا تنقضي؟!

    وكذلك اختار الجنديُّ أحدَ الأسرى في المَوعد المَضروب لذلك، وأمر مُمَثِّلَ شركةِ الأفلام أنْ يتهيَّأَ للصور، وأَمَرَ الأسيرَ أن يمضي أمامه، وأمر أداةَ الموتِ أنْ تُطلِق بعضَ ما فيها من الرَّصاص، وسقط الأسيرُ يتشحَّط في دمه، واندسَّت يدُ المُمَثِّل في جيبه، ثم اندست يدُ الجُنديِّ في جيبه، وقُضِي الأمر!

    وسُفِك دم البريء، قد بِيعَ بأوراق معدودة من آلاف الفرنكات، وكأنَّ أحدًا لم يرَ شيئًا، وكأنَّ أحدًا لم يسمع شيئًا، وكأن دماء الناس لم تُحَرَّم على النَّاس بغيرِ ذَنبٍ! وكأنَّ نفُوسَ الأسرى مِلْكُ للجند يُزهقونها حين يشاءون، وحيث يشاءون، وكيف يَشَاءونَ! وكأنَّ قوانين الحرب — إن كانت هناك حرب — لم تكفل أمن الأسرَى على نفوسِهم ودِمَائهم حتى يَقْضِيَ القضاءُ في أَمْرِهم فيأذن لهم بالحياة أو يفرض عليهم الموت.

    ولكنَّ الناسَ رأوا وسمعوا وأسرَّ بعضُهم إلى بعض، ثم جهَّز بعضهم لبعض، ثم شَاعَ النَّبأ واستفاض حتى ارتفع إلى قائد الجيش، ثم إلى الحاكم العام. وأمرت الحكومةُ بالتحقيق كما أَمَرَتْ بالكتمان، وحَظَرت النشر وحرَّمَت الإذاعة. ومضى التحقيق بطيئًا يتعثر إنْ كان أحد قد أخذ فيه.

    وفي أثناء ذلك، أُرْسِلت الصُّور إلى شركة الأفلام، ونُشرت في شمال أمريكا وجنوبها، ونُشِرت في بعض الصحف الأمريكية والفرنسيون ساهون لاهون أو أيقاظ متنبهون، ولكنهم لا يقولون شيئًا، ولم يشقوا على أنفسهم بالقول ولم يكلفوها اللوم والإنكار، وإنما هو دم رخيص بِيعَ بثمن بخْسٍ، فهو أهونُ من أن يستأهل لومًا أو إنكارًا! ومتى حفل السادة بدماء العبيد؟! ومتى اهتم المُتحضِّرون الممعنون في الحضارة بنفوس الهمج من عرب الجزائر وبربرها؟!

    ومضت شهور خمسة لم يُذكَر فيها هذا الحدث ولم يُنكَر، ولكن الحرب الانتخابية تشب في فرنسا، وتبلغ أقصى ما يمكن من العنف، وليس بد لمنديس فرانس من أن يُسقِط إدجار فور ليستأثر من دونه بالحُكم حين تجتمع الجمعية الوطنية، وله صحيفة سيارة تُروِّج له في الانتخابات، فما يمنعها من أن تُذيع نبأ هذا الحدَث الآثم لتثير الناس على رئيس الحكومة قبل الانتخاب بيومين أو بثلاثة أيام؛ ليذكر الناس هذا الإثم يوم يسعون إلى صناديق الانتخاب؟!

    وكذلك نشرت صحيفة الإكسبريس هذا النبأ؛ فثارت له الجماعات وثارت له الحكومة، وخاضت فيه الصحف الفرنسية كلها، ثم جاء يوم الانتخاب فلم يسقط إدجار فور، ولم يسقط منديس فرانس، وإنَّما نجَحَ الخَصْمَان ليَمضيا في صِرَاعِهما أمَام النواب حين يجتمعون. وكانَ طبيعيًا ألا يسقط هذا أو ذاك؛ فدم رجل من أهل الجزائر أهون من أن يَضِيع فيه كرسي على مرشح فرنسي للجمعية الوطنية الفرنسية كائنًا هذا المرشح من يكون، وكائنًا ذاك الجزائري من يكون!

    هذه هي القصة التي تَسْتَطيع أنْ تقرأهَا في جميعِ الصُّحف الفرنسية، والتي أذاعها البرقُ في جميع أقطار الدنيا، وكتبت فيها بعضُ الصحف المصرية، ولا ينبغي أن تسأل كيف هان دم الإنسان على الإنسان إلى هذا الحد، ولا أن تسأل كيف تعثر التحقيق خمسة أشهر كامِلَة دون أن ينتهي إلى غاية، ولا أن تسأل كيف لم يُحاسب قائد الجيش في الجزائر ولا الحاكم العام في الجزائر عن تعثر التحقيق بهذه الأشهر الطوال، ولا أن تسأل كيف سكتت الحكومة الفرنسية وسكت خصومها، وسكت الذين عرفوا هذا النبأ من الفرنسيين في الجزائر وفي فرنسا نفسها، كيف سكت هؤلاء جميعًا على هذا الفكر البغيض خمسة أشهر كاملة، ولم يذكروه إلا حين احتاج إليه أحدهم لِيُسْقِط خَصْمَه في الانتخاب؟! ولا أن تسأل عن هذه القيم العليا المقدسة؛ قيم الحق والعدل والحرية والمُساواة وإنصاف المَظْلُومين من الظالمين، والأخذ للضعفاء من الأقوياء!

    ماذا صنع بها المتحضرون المتفوِّقون في الحضارة من الفرنسيين الذين سبقوا إلى الاعتراف بحق الإنسان منذ أكثر من قرن ونصف قرن، لا تَسَلْ عن شيء من هذا! فأنتَ تعيشُ في عصرٍ قدْ أُهدِرَتْ فيه كل هذه القيم؛ أهدرتها القُوَّة الجَامِحَة حين لا تجد من يَرُدُّها عن البغي أو يصدها عن الظلم والطغيان.

    وأهدرها حب المال الذي لا يعدل بامتلاء الخزائن شيئًا، ولا يتردد في سفك الدماء وإزهاق النفوس، وتيتيم الأطفال، وتأييم النساء؛ ليُتاح لقلة قليلة من الناس أن يعيشوا آمنين وادعين في حياة ناعمة قوامُها اللذة والمَتاع، وأهدرتها الأثرة التي تُبيح لجندي أن يَسْفِك دم أسير لينعم يومًا أو أيامًا بحياة خير من حياة الجند.

    لا تسأل عن شيء من هذا؛ لأنَّك تعيش في عصر قد هوَّنَت الحضارةُ فيه على الأقوياء كُلَّ شيء، وجعلتْ دماء الضعفاء أرخص ما يجري عليه البيع والشراء، وسَلْ إن شئتَ عن شيء آخر هو الجدير بأنْ تَسأل عنه، وأنْ تُفَكِّر فيه، وأنْ يُنَغِّص عليك يقظتك أثناء النهار، ويذود عنك النوم أثناء الليل: كيف تَصْبِر الإنسانيَّةُ على الاستعمار الذي يَجُرُّ عليها كلَّ هذا الهوان؟!