Tag: حركات التحرير

  • ثورتنا هنا … وفي كل مكان | Our Revolution Is Here … and Everywhere

    ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٣ يوليو ١٩٦٠

    هذا هو العيد الذي نحتفل فيه بالثورة التي شبَّت في الثالث والعشرين من شهر يوليو، وما زالت قائمة ماضية في تحقيق الأغراض السياسية والاجتماعية التي شبَّت من أجلها.

    أهو عيد الجمهورية العربية المتحدة وحدها، أم هو عيد لأمم أخرى كثيرة غيرها؟ أهو عيد نحتفل به نحن وتجاملنا فيه بعض الأمم فترسل وفودها لتشهد معنا الاحتفال به، حتى إذا انقضى عادت الوفود إلى أوطانها وقد أدَّت واجب المجاملة لوطن صديق؟ أو هو عيد تشترك فيه هذه الوفود أو أكثر؛ لأن آثار الثورة التي نحتفل بها فيه ليست مقصورة على هذين القطرين اللذين تتألف منهما هذه الجمهورية العربية المتحدة، بل تتجاوزهما إلى أقطار أخرى كثيرة في القارة الأفريقية وفي القارة الآسيوية نفسها أيضًا؟

    أما أنا فأعتقد أنه عيد يشمل أممًا كثيرة في القارتين؛ لأن ثورتنا كانت مقدِّمة لاستقلال شعوب مختلفة كانت خاضعة لسلطان الاستعمار الخارجي، ولسلطان الاستبداد الداخلي أحيانًا. ولست أحب التنبُّؤ بما يكون في المستقبل، ولكني مع ذلك قد تنبَّأت حين شبَّت ثورتنا بأنها ستُحدث في الشرق مثل ما أحدثته الثورة الفرنسية الكبرى في الغرب. ولعلِّي حين كتبت هذا الكلام في الأهرام كنت أمليه مدفوعًا بالأمل العريض الذي أثارته الثورة في نفسي، وبالحب العميق لهذه الحرية التي لم أكن أحبها لوطني وحده، وإنما كنت أحبُّها وأتمنَّاها لأوطان كثيرة أخرى كانت قد حرمتها منذ عهود بعيدة جدًّا.

    وأعترف بأني لا أقرأ في هذه الأيام نبأً من هذه الأنباء التي تُذاع في أقطار الأرض معلنةً تحرر الشعوب من الاستعمار والاستبداد والظلم، إلا ذكرت ثورتنا وتحدثت إلى نفسي بأن تحرر هذه الشعوب واستقلالها واستمتاعها بالحرية والكرامة والعزة، كل ذلك إنما هو أثر من آثار ثورتنا هذه؛ فقد كنت موقنًا حين كتبت ما كتبت في الأهرام أن لنا جيرانًا في آسيا وفي القارة الأفريقية، وأن أنباء ثورتنا ستصل هؤلاء الجيران، وأنهم سيعلمون كثيرًا من نتائجها، وسيفرحون لنا، وسيغبطوننا، وسيتمنَّون لأنفسهم مثل ما أُتيح لنا من الثورة أو شيئًا قريبًا مما أُتيح لنا …

    كنت أذكر تونس والغرب الأقصى، وكنت أذكر العراق، وكنت أذكر المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية. وكنت أُقدِّر أن إخراج الملك المستبد من مصر، وأن الإصلاح الاجتماعي الذي بُدئ به في مصر، وأن جلاء الجنود البريطانيين عن أرض مصر الذي ستجدُّ فيه الثورة حتى نبلغه؛ كنت أذكر أن هذا كله سيقع من قلوب جيراننا القريبين منا والبعيدين عنا مواقع الماء من ذي الغلة الصَّادي … كما كان القدماء يقولون. ثم لم ألبث أن رأيت الثورة تشبُّ في غير موطن من هذه المواطن، من هذه المواطن القريبة والبعيدة. ولم ألبث أن رأيت بعضها يبلغ ما كان يريد بعد جهاد العنف حينًا ولا يبلغ العنف حينًا آخر.

    فهذه الأوطان في شمال أفريقيا تجاهد أعنف الجهاد وأقساه، وتصلَى نار العدوان والطغيان والإثم، وتنتهي إلى أن تبلغ الغاية التي أرادت أن تبلغها، فتستقل تونس، ويستقل المغرب الأقصى بعد خطوب، وتوشك الجزائر أن تبلغ ما تريد من الاستقلال، على رغم ما تُمعن فيه فرنسا من المداورة والمناورة، وعلى رغم ما تُمعن فيه فرنسا أيضًا من ألوان الظلم والبغي ومن ضروب القمع وتعذيب الأبرياء.

    وها نحن أولاء نرى في هذه الأيام تتابُع الأنباء التي تحدثنا باستقلال المستعمرات الفرنسية، بعد أن ورَّطت فرنسا نفسها في تلك الشركة التي زعمت أنها ستنشئها بينها وبين مستعمراتها؛ فتتقي بذلك الثورة في تلك المستعمرات، تعطيها القليل وتستأثر من دونها بالكثير، تُخيل إليها أنها حرة في حياتها الداخلية وأن حياتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية شركة بينها وبين فرنسا. ولقد غلا رئيس الجمهورية الفرنسية في يوم من الأيام فأعلن إلى هذه المستعمرات أنها حرة في أن تقبل هذه الشركة، فتشرف بالتعاون في فرنسا الكبرى أو ترفض هذه الشركة فتشقى باستقلالها؛ لأنها لا تملك الوسائل التي تتيح لها حماية هذا الاستقلال. أعلن ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية مطمئنًّا إلى أن المستعمرات ستحرص أشد الحرص على أن تقبل الشركة وتعيش مستقلة استقلالًا داخليًّا، وتشرف بالمشاركة فيما عدا ذلك من الشئون. ولكن بعض هذه المستعمرات آثرت الاستقلال فورًا، فاضطرت فرنسا إلى أن تعترف لها بهذا الاستقلال، وقبلت كثرة المستعمرات هذه الشركة أولًا، ثم لم تلبث إلا عامًا وبعض عام حتى طلبت استقلالها كاملًا موفورًا.

    وبعضها الآخر طلب هذا الاستقلال، واحتفظ لنفسه بالحرية الكاملة، بعد أن يتم له استقلاله في أن يُحالف فرنسا أو يحالف غيرها من الدول. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا مستعمَرَاتها في القارة الأفريقية تطلب الاستقلال جميعًا، وتطلب العضوية في هيئة الأمم المتحدة. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا هي لا تستطيع أن ترفض لهذه المستعمرات طلبًا؛ لأن رئيس الجمهورية لم يكتف بإعلان ما أعلن من حق المستعمرات في أن تنفصل عن فرنسا أو تشترك معها، وإنما سجل ذلك في الدستور الفرنسي، فلم يبقَ لفرنسا وسيلة تتيح لها رفض ما تطلبه هذه المستعمرات من الاستقلال التام مع الحلف أو دون الحلف، ولن يأتي الخريف المقبل إلا وقد تم استقلال المستعمرات الفرنسية كلها في القارة الأفريقية، لا يُستثنى من ذلك إلا الجزائر؛ لأن الفرنسيين يرون — وما أسخف ما يرون! — أن الجزائر ليست مستعمرة، وإنما هي جزء من الوطن الفرنسي. ومع ذلك فقد اضطرت فرنسا إلى أن تُعلن — على لسان رئيس الجمهورية — أن للجزائر الحق الكامل في تقرير مصيرها، والثورة في الجزائر هي التي اضطرت فرنسا إلى ذلك، وأرغمتها عليه إرغامًا. وحسبك أن تلاحظ أن الجيش الفرنسي — على قوته وبأسه واستعانته بما يمده به حلفاء فرنسا — قد أنفق ست سنوات دون أن يسحق هذه الثورة أو يفلَّ حدها.

    ثم لم تكتفِ فرنسا بما أعلن رئيس جمهوريتها من حق الجزائر في تقرير مصيرها؛ وإنما دعت زعماء الثورة إلى المفاوضة، وبدأت هذه المفاوضات بالفعل، وهي الآن تتعثر. ولكن الأمر منتهٍ من غير شك إلى استقلال الجزائر سلمًا أو حربًا، وكذلك تفقد فرنسا كل مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية، ويضطر كاتب فرنسي إلى أن يسجل في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن رئيس الجمهورية القائم قد نهض بالرياسة ليقضي على الإمبراطورية، ويرد فرنسا دولة من الطبقة الثانية. ولا يقف الأمر عند فرنسا وحدها، فبريطانيا نفسها تتخلى عن بعض مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية طوعًا أو كرهًا، وبلجيكا تعلن استقلال الكونجو البلجيكي بعد خطوب شداد. وللكونجو البلجيكي قصة لم تنته بعد، يظهر القراء على أنبائها في الصحف كل يوم، ولكنه قد أصبح على كل حالة دولة مستقلة، وسيصبح عضوًا في هيئة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، بعد أن أوصى مجلس الأمن بقبوله.

    وكذلك تتغيَّر الصورة الجغرافية لهذه القارة، ويتعلَّم طلاب المدارس الثانوية شيئًا جديدًا في جغرافيا القارة الأفريقية … يتعلم هؤلاء الطلاب شيئًا لم يتعلمه إخوانهم الذين سبقوهم في هذا العام، وهو أن القارة الأفريقية قد تحرر أكثرها ونشأت فيها دول لم تكن موجودة أثناء هذه السنة الدراسية، وستكون موجودة عاملة في الحياة الإنسانية أثناء العام الدراسي المقبل.

    وحين نحتفل بعيد الثورة في هذا العام، سنضطر إلى أن نذكر أن ثورتنا كانت مقدمة لهذه الحرية التي أوشكت أن تظلل القارة الأفريقية كلها.

    والأمر ليس مقصورًا على هذا الذي كان في القارة الأفريقية، ولكن هناك أوطانًا أخرى في آسيا قد تأثَّرت بهذه الثورة، سواء اعترفت بهذا التأثر أم لم تعترف، فثورة العراق أثر من آثار الثورة المصرية، وإن كره الزعيم الأوحد والقاضي الفذ. ويُخيل إليَّ أن هناك شبهًا ما بين ثورة الجيش المصري منذ أعوام وثورة الجيش التركي في هذه الأيام، وما أشك في أن الترك يكرهون أشد الكره الاعتراف بأن لثورتنا في ثورتهم أثرًا، ولكن الشيء المحقق هو أن هذا التشابه قائم، سواء كرهه الترك أو أحبوه.

    ومن يدري، أتقف آثار ثورتنا في العالم الخارجي عند هذا الحد، أم تمضي في تأثيرها حتى لا يصبح في الأرض أثر من آثار الاستعمار كما عرفه الناس من أعوام؟ ولست أزعم أن الاستعمار قد انقضى بجميع صوره وأشكاله، فالناس جميعًا يعلمون أن التحالف مع الدول الكبرى لون من ألوان الاستعمار وشكل من أشكاله. ولكن أول الغيث قطرة ثم ينهمر، فمن حق كل مواطن في الجمهورية العربية المتحدة أن يشعر بشيء من الرضا العميق الذي يستأثر بالقلب والضمير، حين يذكر أن ثورة وطنه لم تكن مقصورة عليه، وإنما كانت مقدمة لزوال شكل بغيض من أشكال الاستعمار عن أوطان قريبة وبعيدة، ولم تكن مصر في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها، وإنما كان هذان القطران دائمًا مؤثرين للخير، يحبانه لأهلهما ويُشِيعانه في الأوطان الأخرى ما وجدا إلى إشاعته سبيلًا، وهما الآن يؤديان واجبهما التاريخي حين يؤثران الخير ويشيعانه في الأوطان الأخرى.

    وإذا كان خير الناس أنفعهم للناس، فخير الأوطان أنفعها للأوطان الأخرى.

  • العاقبة | The Consequence

    العاقبة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٨ يناير ١٩٤٥

    كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

    وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

    أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

    وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

    ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

    فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

    ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

    وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

    والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

    فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

    وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

    وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

    وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

    فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.