Tag: حزب العمال البريطاني

  • شهرية السياسة الدولية٢ | Monthly International Politics II

    شهرية السياسة الدولية ٢
    طه حسين
    الكاتب المصري
    يناير ١٩٤٧

    يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.

    وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.

    أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.

    هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.

    وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.

    والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.

    وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.

    فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.

    وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.

    وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.

    ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.

  • شهرية السياسة الدولية | Monthly International Politics


    شهرية السياسة الدولية
    ١طه حسين
    الكاتب المصري
    ديسمبر ١٩٤٦

    كان للسياسة العالمية في شهر نوفمبر مظهران متمايزان: أحدهما مألوف قد شهده الناس منذ انتهت الحرب العالمية الأخيرة، وهو هذا الصراع المتصل بين المنتصرين حول بسط السلطان والنفوذ. فالذي يشهده الناس من هذا الصراع هو بعينه الذي كانوا يشهدونه في الأشهر الماضية، بل في العام الماضي أيضًا سواء اختلفت موضوعاته وأشكاله أم لم تختلف. فروسيا مثلًا مصرَّة على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وسبيلها إلى ذلك هو الاشتراك في حماية المضايق. والبريطانيون والأمريكيون يشفقون من هذا الاتصال ويؤيدون تركيا التي تريد أن تحافظ على استقلالها وتأبى أن يشترك الروس معها في حماية هذه المضايق.

    وليست هذه المسألة جديدة، فعهدنا بها بعيد، ولكن الحديث فيها لا ينقضي. وروسيا تسلك إلى حلها طرقًا مختلفة، تلين حينًا وتشتد حينًا، ترسل المذكرات إلى تركيا مرة وإلى مؤيديها مرة أخرى، بحيث صح ما يقال من أن روسيا تثير بهذه المشكلة حرب أعصاب مرهقة. والمهم هو أن هذه المشكلة لم تتقدم ولم تتأخر، فما زالت روسيا تصر، وما زال الآخرون يرفضون، وما زالت الصحف ورسائل البرق تُفيض في هذا الرفض وذلك الإصرار.

    وروسيا من ناحية أخرى تهاجم بوسائلها المعروفة في الراديو والصحف وفي الاجتماعات الدولية العامة — كمؤتمر الصلح وهيئة الأمم المتحدة — سياسة البريطانيين والأمريكيين التي ترمي إلى التوسع في بسط النفوذ في الشرق الأوسط، والتي ترمي إلى التكتل حول الرأسمالية في غرب أوروبا. والبريطانيون والأمريكيون يهاجمون السياسة الروسية بوسائلهم المعروفة؛ لأنها فيما يرون تلقي الستار الحديدي على جزء من أوروبا في الشرق والجنوب والوسط، وتُجري من وراء هذا الستار ألوانًا من الأحداث، يصفها البريطانيون والأمريكيون بأنها اعتداء على استقلال الأمم وازدراء لحرية الشعوب. ويرى الروسيون أنها تحرير للأمم وتحقيق للحرية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان في هذا العصر الحديث الذي يجب أن يكون عصر الحق والعدل والمساواة.

    والعالم يشهد هذا الصراع الكلامي ضيقًا به غير مستوثق من نتائجه، مقدِّرًا أن هذه الدول الكبرى تختصم فيما بينهم بالكلام وألوان الإعلان؛ لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك الآن. وهي في أثناء ذلك تصلح من أمرها وتتيح لشعوبها أن تضمد ما أصابها من الجراحات في الحرب الماضية، وتستعد استعدادًا منكرًا لمستقبل قريب أو بعيد.

    ولكن العالم لا يقف موقف المتفرج الخائف الحذر الساخر فحسب، وإنما يقف موقف الذي تصيبه آثار هذا الصراع ونتائجه في حياته اليومية المباشرة. فالعالم منقسم بالفعل إلى مناطق نفوذ، تسيطر عليها الدول المنتصرة. وهذه المناطق نفسها هي موضوع النزاع وميدان الصراع؛ فمن الطبيعي أن تتأثر مصالحها المباشرة بما يكون بين المنتصرين من تنافس وخصام.

    ويكفي أن تنظر إلى المشكلة اليونانية مثلًا، فكل فرد من أفراد الأمة اليونانية متأثر في حياته اليومية بهذا الصراع بين الفريقين المختصمين من المنتصرين. وقد كان بعض الناس يظن أن الاستفتاء اليوناني حول نظام الحكم سيضع حدًّا للمأساة التي يشقى بها الشعب اليوناني، فتبيَّن الآن في صراحة وجلاء أن الاستفتاء لم يضع حدًّا لشيء، ولعله أن يكون قد بدأ مأساة أشدَّ هولًا وترويعًا مما كان يجري قبل الاستفتاء. فالحرب الأهلية ما زالت دائرة الرحى في بلاد اليونان، وهي تزداد عنفًا من يوم إلى يوم. وكان الروس يطالبون في الدورة السابقة لهيئة الأمم المتحدة بجلاء البريطانيين عن بلاد اليونان، وما زال الجنود البريطانيون مقيمين فيها إلى أجل لا سبيل إلى تحديده بعد. ونحن نسمع الآن أن الحكومة اليونانية القائمة تريد أن تشكو إلى هيئة الأمم المتحدة من جيرانها الذين يؤلبون عليها ويمدُّون الثورة فيها بما تحتاج إليه من قوة، وهؤلاء الجيران هم اليوغسلافيون والبلغاريون والألبانيون، وهم كلهم خاضعون للنفوذ الروسي. ومعنى ذلك أن الشعب اليوناني العظيم الذي أبلى في الحرب بلاءه الرائع، وكان خليقًا أن يظفر من المنتصرين بالعناية والرعاية والعطف يشقى الآن بما يقوم بين المنتصرين من اختلاف شقاء يعرض أبناءه للفقر والجوع والموت في كثيرٍ من الأحيان.

    والقصة الإيرانية ليست خيرًا من القصة اليونانية، فلم تكد إيران تفرغ من الخصومة بينها وبين روسيا وتستريح من مشكلة أذربيجان حتى ثارت الخصومة بينها وبين الإنجليز، ونشأت الاضطرابات والثورات في جنوبها بعد أن لم تكد تهدأ في شمالها. ووقفت إيران هذا الموقف المؤلم الذي لا تجد فيه راحةً ولا أمنًا؛ لأنها لا تستطيع أن ترضي الروس والإنجليز معًا.

    وحديث الشرق العربي أوضح وأبشع من أن نحتاج إلى ذكره فضلًا عن الإطالة فيه. وهذا الصراع نفسه بين المنتصرين يعرض الشعب التركي لشر عظيم، فهو مضطر إلى أن يظل في حالة خوف وحذر واستعداد للطوارئ وإبقاء للجيش على أهبة الحرب، وذلك يكلفه من المال أكثر مما يطيق. ويقال: إن الميزانية التركية لم تبلغ قط من التضخم ما بلغته هذا العام، والفرد التركي هو الذي يمدُّ الدولة بما تحتاج إليه من مال، وهو يقتطع هذا من نفقات حياته اليومية.

    فهذا المظهر المألوف من مظاهر السياسة العالمية ليس من شأنه أن يرضي الشعوب أو يردها إلى الثقة والأمن والاستقرار. ومهما يكن هذا المظهر مألوفًا فإن استمرار البلاء واتصال المحن لا يغيِّر من طبيعتها.

    أمَّا المظهر الثاني لهذه السياسة العالمية فقد مرَّ به الناس مسرعين إلى حدٍّ ما، مع أنه قد يكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا في السياسة الدولية مما يظنون. وهو على كل حال سيزيد المظهر الأول قوة، وسيضاعف ما في الصراع بين المنتصرين من عنف. فقد حدثت في شهر نوفمبر أحداث ثلاثة لها خطرها حقًّا.

    الأول: نجاح الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان الديمقراطيون يصارعون روسيا صراعًا شديدًا عنيفًا مع أنهم حزب التقدم والميل القليل إلى الناحية اليسارية، فكيف بالجمهوريين الذين هم أصحاب اليمين في الولايات المتحدة والمحافظون أشد المحافظة على تقاليد الاقتصاد الرأسمالي، وعلى تقاليد التشدد في السياسة الخارجية، وعلى تقاليد إقامة المنفعة المادية وحدها أساسًا للحكم وأساسًا للعلاقات السياسية الخارجية! ليس من شك في أن انتصار الجمهوريين سيزيد الولايات المتحدة عنادًا في موقفها من روسيا، وإصرارًا على ما أظهرت من التشدد إلى الآن. الثاني: انتصار الشيوعيين في الانتخابات الفرنسية. وما ينبغي أن نُسرف في تقدير الفوز الذي ظفر به الشيوعيون في هذه الانتخابات؛ فهم لم يظفروا بالكثرة التي تمكنهم من الحكم وحدهم، ولو قد ظفروا بها لتغيرت سياسة العالم تغيُّرًا أساسيًّا خطيرًا. بل هم لم يظفروا بالكثرة التي تمكِّنهم من أن يحكموا مؤتلفين مع الاشتراكيين، ولو قد ظفروا بها لكان من الممكن أن تتجه فرنسا وأوروبا الغربية معها اتجاهًا مقلقًا إن لم يكن مزعجًا.

    ولكنهم مع ذلك قد ظفروا بكثرة تجعل حزبهم أكبر الأحزاب الفرنسية أعوامًا متصلة، ويتيح لهم أن يطالبوا برياسة الحكومة، وتمكِّنهم كذلك من أن يحولوا بين فرنسا وبين الاتجاه المسرف نحو اليمين، وتمكِّنهم من أن يفرضوا على الحكومة الفرنسية المضي في الإصلاح الاجتماعي إلى أبعد مما مضى الفرنسيون منذ تم تحرير فرنسا.

    فما أحدثه انتصار الجمهوريين في أمريكا من اندفاع نحو اليمين، يلطفه ويخفف من حدته انتصار الشيوعيين في فرنسا. ويمكن أن يُقال: إن ما تخسره روسيا بانتصار اليمين في أمريكا البعيدة يعوضه عليها انتصار الشمال في فرنسا.

    فأمَّا الدولة التي قد خسرت من هذين الانتخابين جميعًا فهي بريطانيا العظمى، وهي قد خسرت دون تعويض. ذلك أن الحكومة القائمة في بريطانيا العظمى ليست محافظة يمكن أن تعتز بانتصار المحافظين الشيوعيين في فرنسا، وإنما هي اشتراكية، تخاف المحافظين أشد الخوف، وتبغض الشيوعيين أشد البغض. فانتصار أولئك وهؤلاء يضعف من مركزها في العالم كله، وفي أوروبا الغربية بنوع خاص، بل هو يضعف من مركزها في بريطانيا العظمى نفسها، فسيعتز المحافظون البريطانيون بانتصار المحافظين الأمريكيين، وستقتضي ظروف الحياة نفسها أن يصبح التعاون بين المحافظين على ساحلي المحيط الأطلنطيقي ضرورة محتومة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية نفسها.

    وأكبر الظن أن وقتًا طويلًا لن يمضي قبل أن يشترك المحافظون البريطانيون في الحكم على نحوٍ ما. ذلك إذا لم تقتضِ الظروف حل مجلس العموم ليعيد الشعب البريطاني نظره في مركزه من السياسة العالمية ومن الاقتصاد العالمي.

    على أن حزب العمَّال البريطاني قد مُنيَ بصدمة عنيفة حقًّا من الناحية النظرية، أو قل — إن شئت — من ناحية مبادئه وآرائه وقدرتها على الثبات فضلًا عن الانتشار. وهذه الهزيمة تأتيه من الانتخابين جميعًا. ففي فرنسا ينهزم الاشتراكيون انهزامًا خطيرًا، وتزول بهذا الانهزام فكرة الكتلة الغربية التي كان الاشتراكيون البريطانيون يحلمون بتأليفها بين الأحزاب الاشتراكية في غرب أوروبا. وانتصار المحافظين في أمريكا يحرج مركز الاشتراكيين البريطانيين في بريطانيا وفي الخارج، ويدفع هذا الحزب إلى إحدى اثنتين: فإمَّا أن يتطرف إلى الشمال فيُضحِّي ببغضه للشيوعيين، وإمَّا أن ينحاز إلى اليمين فيُضحِّي بأساسه الاشتراكي نفسه. ونتيجة هذا كله أن الاشتراكية البريطانية، بل الاشتراكية العالمية، قد أصبحت الآن متأخرة بالقياس إلى التطور العالمي، وستظل وقتًا طويلًا أو قصيرًا مظهرًا للقصد والاعتدال بعد أن كانت إلى وقت قريب جدًّا مظهر التطرف والغلو.

    أمَّا الحدث الثالث الذي حدث في شهر نوفمبر وكان حدوثه صدمة ثالثة للاشتراكية البريطانية، فهو هذه الثورة، أو إن شئت فقل هذا التمرد الذي اندفع إليه عدد غير قليل من النوَّاب العمَّال في مجلس العموم. وقد لاحظ الناس أن الحكومة البريطانية اهتمت لهذا التمرد، فأرادت أن تطرح الثقة، وأن حزب العمال اهتم له فأراد أن يعاقب المتمردين، وأن المحافظين البريطانيين اهتموا له فأيدوا حكومة العمَّال عند الاقتراع. وقد مرَّت هذه العاصفة دون أن تسقط الوزارة البريطانية، فظنَّ الناس أنها مرت بسلام، والواقع أنها بعيدة عن هذا كل البعد؛ فهي قد أحدثت صدعًا خطيرًا في حزب العمال، وأثبتت أولًا أن فريقًا من هذا الحزب يضيقون بالسياسة الخارجية التي تناهض اليسارية الروسية، وأثبتت ثانيًا أن في هذا الحزب فريقًا يخافون على المبادئ الاشتراكية نفسها أن تفقد قيمتها وقوتها بالانحياز أو التحبب إلى المحافظين، وأثبتت آخر الأمر أن الحزب الاشتراكي البريطاني ليس من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى المحافظين تحدِّيًا صريحًا متصلًا، وليس من القوة بحيث يستطيع أن يفرض النظام الدقيق على أعضائه فيضطرهم إلى أن يُذعنوا لما تقرره الحكومة والهيئة الإدارية. والحزب الاشتراكي البريطاني لا يملك ولا يريد أن يملك من وسائل النظام والمحافظة عليه ما يملكه الحزب الشيوعي من جهة والحزب المحافظ من جهة أخرى.

    ولذلك نستطيع أن نثق بأن هذا التمرد ليس إلَّا أول الغيث، وبأن الحزب الاشتراكي قد يضطر في وقت قريب أو بعيد — بحكم الظروف الداخلية والخارجية جميعًا — إلى أن يشترك مع المحافظين في الحكم أو ينزل لهم عنه كارهًا.

    أمَّا أثر هذا في الحياة العالمية الآن فضئيلٌ جدًّا لا يكاد يُحسب له حساب. ولكن الشاعر العربي لم يخطئ حين قال:

    إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيمشهرية السياسة الدولية