Tag: حقوق العمال

  • يوم الثورة … | Revolution Day …

    يوم الثورة …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٩ أغسطس ١٩٦٢

    في مصيفه بإيطاليا سمع الدكتور طه حسين بقيام ثورة ٢٣ يوليو منذ عشر سنوات، وفي عيد الثورة العاشر كتب طه حسين من نفس المكان عن يوم الثورة وعن عيدها العاشر، ولكن البريد حمل إلينا كلمة الدكتور طه حسين متأخرة عن موعدها.

    ***

    في نفس هذه القرية المتواضعة التي أُملي منها هذا الحديث فاجأتنا الصحف ذات صباح بأنباء الأحداث الأولى للثورة التي شبَّت في مصر، واضطرت وزارة إلى أن تستقيل، وأكرهت الملك على أن يولي أمور الحكم وزارة أخرى فرضها عليه الجيش الثائر الذي لم تستطع وزارته المستقيلة أن ترده عن الثورة ولم يستطع هو إلا أن يُذعن لما طُلب إليه.

    ولم تكن قد مضت إلا ساعات قليلة على هذه الأحداث التي حملتها إلينا الصحف، واللَّه وحده يعلم كم كان ابتهاجنا بهذه الأحداث وكم كان اندفاعنا إلى التفكير في أعقابها، ولكن الصحف لم تضطرنا إلى كثير من التفكير والتقدير؛ فقد كانت تأتينا مصبحة وممسية بأنباء الأحداث إثر وقوعها.

    وما أعلم أننا أقبلنا على قراءة الصحف الإيطالية كما أقبلنا عليها في تلك الأيام رغم قصورنا عن فهم اللغة التي كانت تحمل إلينا هذه الأنباء. كنا نصبح فنقرأ الأنباء في الصحف الإقليمية، فإذا تقدم النهار قليلًا أسرعنا إلى شراء الصحف التي تصدر في روما مصبحة، فإذا كان المساء أسرعنا إلى شراء الصحف المسائية.

    وكذلك عشنا أيامًا لا همَّ لنا إلا تتبع الأنباء واستقصاؤها في كل ما يصل إلينا من الصحف، وكان لنا صديق في روما قدَّر اهتمامنا بهذه الأنباء، فجعل يبرق إلينا بها مرات في كل يوم ويسبق الصحف بحملها إلينا. وفي ذات صباح وصلت إلينا الأنباء بنزول الملك عن عرشه وسفره من مصر منفيًّا إلى إيطاليا.

    هنالك استيقنا أن الثورة قد أصبحت حقيقة واقعة لم يستطع أحد أن يخمدها بل لم يحاول أحد أن يخمدها، ورأينا الدول الأجنبية قد اعترفت بها في غير تردد ولا تلكؤ.

    هنالك اطمأنت نفوسنا إلى أننا أبناء شعب ثائر منتصر في ثورته لا يكتفي بإقالة وزارة وتولية وزارة أخرى؛ بل يتجاوز هذا إلى إقالة ملك وتولية ملك قاصر وإقامة مجلس للوصاية عليه.

    ومنذ ذلك الوقت أخذنا نفكر ونقدر تفكير الثائرين وتقديرهم، وأذكر أني أمليت حديثًا نشرته الأهرام تنبأت فيه بأن هذه الثورة ستكون لها آثار كبرى لا تقتصر على مصر وحدها ولكنها ستتجاوزها إلى بلاد أخرى، وقدرت أن هذه الآثار الكبرى ستكون أشبه شيء بآثار الثورة الفرنسية التي أيقظت الشعوب الأوروبية ودفعتها إلى المطالبة بالحرية ثم الظفر بها على رغم ما قام في سبيلها من المصاعب والعقبات.

    وقد أظهرت الأعوام العشرة التي انقضت أني لم أكن مخطئًا في هذا التفكير والتقدير. ويكفي أن نذكر كيف كانت أفريقيا منذ عشر سنين وكيف هي الآن، وأن نذكر كيف كانت البلاد العربية منذ عشر سنين وكيف هي الآن؛ لنعرف أن ثورتنا لم تكتفِ بتغيير الحياة في وادي النيل وحده، ولكنها تجاوزته إلى بلاد كثيرة غيره. ويكفى أيضًا أن نذكر كيف كان الاستعمار منذ عشر سنين وننظر أين هو الآن وماذا بقي من سلطانه العريض؟

    ولست أكتب الآن لأتحدث عن آثار الثورة في مصر من الناحية المادية، ولا عن الرقي المادي الذي أُتيح لها في هذه الأعوام العشرة، ولا عما أُتيح لمصر من فوز سياسي بجلاء الجيش البريطاني عنها وتحرير قناة السويس والخروج من أزمة هذه القناة كما خرجت منها ظافرة بتأييد العالم الحر كله، رغم ما أعلن عليها من حرب ورغم ما كان عليها من عدوان. ولا أكتب الآن عن المركز الممتاز الذي أُتيح للجمهورية العربية المتحدة في العالم الخارجي بعد انتصار الثورة على كل ما أُثير في سبيلها من المصاعب وما بث في طريقها من العقبات.

    لا أكتب عن شيء من هذا كله؛ فقد عرفه الناس جميعًا وكثر القول فيه داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها. وإنما أريد أن أتحدث عن شيء آخر طالما كنا نفكر فيه ونطيل الحديث عنه ونقدر له الزمان، كان يقصر في نظر بعضنا ويطول في نظر بعضنا الآخر: وهو التربية السياسية لشعب الجمهورية العربية المتحدة.

    وكان أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد يقدر لهذه التربية السياسية سبعين عامًا، وكنا نجادله في ذلك، يستكثر بعضنا هذه العشرات السبع من السنين ويستقلها بعضنا الآخر، فأين نحن من هذه التربية السياسية الآن. أما أنا فأعتقد أن أعظم فوز أتيح للثورة إنما هو الفوز في ميدان التربية السياسية، لا أقول للشعب المصري وحده، بل لشعوب أخرى تعودَت أن تنظر إلى مصر وتتخذها قدوة وأسوة. ويكفي أن نفكر في الحياة السياسية التي كان الشعب المصري يحياها قبل هذه الأعوام العشرة وفي الحياة السياسية التي يحياها الآن؛ لنرى بُعد الأمد بين هاتين الحياتين.

    لم يخطر لأحد قبل الثورة أن يستفتي الشعب المصري في أمر من أمور حياته العامة، لم يُستفت قط في الدستور الذي كان يُهدى إليه حينًا، ويُفرض عليه حينًا آخر، ويُنزع منه نزعًا في بعض الأحيان دون أن يقول الشعب في ذلك نعم أو لا، بل دون أن يكون له الحق في أن يقول إحدى هاتين الكلمتين.

    وكان الأمراء والملوك يتبع بعضهم بعضًا ويتعاقبون على العرش دون أن يخطر لأحد أن يفكر في الشعب أراضٍ هو عن تعاقب هؤلاء الأمراء والملوك أو ساخط عليهم، وحين تفضَل ملك من الملوك فأنعم بالدستور على الشعب المصري كما كان يتفضل فينعم بالرتب والأوسمة على الأفراد. كان الذين يتحدثون فيما بينهم حديثًا أقرب إلى الهمس منه إلى الجهر عن أن الدستور حق من حقوق الشعب لا يُهدى إليه ولا يُنعَم به عليه وإنما يُرد إليه. والخير كل الخير في أن يكون الشعب هو الذي يضع هذا الدستور ويعلنه على أنه عقد بينه وبين الذين يتعاقبون على العرش من الأمراء والملوك.

    كان هؤلاء الذين يتحدثون فيما بينهم بهذا الحديث قلة يمكن إحصاؤها في غير مشقة ولا جهد، وإذا أحصيت لم يبلغ أفرادها المائة بل لم يبلغ الخمسين.

    ولا أتحدث عن الانتخابات البرلمانية، فالحديث عنها لم يصبح معادًا وإنما أصبح مملًّا. ولكني أذكر ذات يوم كانت القاهرة فيه مقبلة على الانتخابات للمجلس النيابي وكنا نؤدي واجباتنا في الجامعة، فكنا نسمع في حجرات الدرس وفي المكاتب دوي الطلقات النارية التي كانت تُطلق هنا وهناك في أنحاء المدينة تخويفًا للشعب أو تفريقًا للمتظاهرين. وأذكر أنَّا لم نستطع في ذلك اليوم أن نعود إلى بيوتنا في وقت الغداء، وإنما انتظرنا حتى ينقضي النهار وعدنا إلى دورنا مع الليل.

    كذلك كانت الحياة السياسية قبل الثورة، كانت حرية الانتخاب في تلك الأيام أبغض شيء إلى الملوك وإلى بعض الأحزاب السياسية، ومهما أنسَ فلن أنسَ خطبة لرجل من رجال السياسة في أوائل الحياة النيابية التي أتيحت لمصر إثر صدور الدستور سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف؛ فقد قال ذلك السياسي في خطبته تلك: لو أمرنا سعد أن ننتخب حجرًا لانتخبناه.

    رحم اللَّه ذلك الخطيب وتجاوز له عن تلك الجملة التي ضحك منها الضاحكون في تلك الأيام.

    فأين نحن من هذا الآن؟ نحن الآن بحيث يُستفتى الشعب في دستوره، ونحن الآن بحيث ينتخب الشعب رئيس الدولة، ونحن الآن بحيث يستطيع الأفراد — مثقفين كانوا أو غير مثقفين — أن يناقشوا رئيس الدولة مناقشة صريحة ليس فيها عوج ولا التواء.

    رأينا ذلك في اللجنة التحضيرية، ورأيناه في المؤتمر الوطني الأخير، وسنراه من غير شك فيما سنستقبل من اجتماعات شعبية تدرس فيها المشكلات التي تتصل بالحياة العامة.

    لم يكن يخطر لأحد قبل الثورة أنه سيُتاح للعمال والزراع أن يتحدثوا في المسائل العامة حديثًا صريحًا بمحضر من رئيس الدولة ونوابه وزملائهم الوزراء، وأن يكون لأحاديث العمال والزراع نفس الوزن الذي يقدر لأحاديث أساتذة الجامعة وكبار المثقفين وأولي الرأي في السياسة وغير السياسة مما يمس الحياة العامة.

    ولست أزعم أن التربية السياسية للشعب المصري قد بلغت غايتها، ولست أزعم كذلك أن كل الذين يتحدثون في الشئون العامة أمام رئيس الجمهورية وزملائه يبلغون من الإخلاص والصراحة غايتهما، ولكني أعتقد أننا قد قطعنا في سبيل التربية السياسية شأوًا أبعد جدًّا مما كنا نقدر أو ننتظر.

    وأزعم أيضًا أن الأمر بيننا وبين النضج السياسي لا يقدر بعشرات السنين، وإنما هو أقرب جدًّا مما يظن إذا مضينا في طريقنا إلى غايته وسنمضي فيه إلى غايته إن شاء اللَّه.

    ولقد قرأت في بعض الصحف الفرنسية حديثًا أشفق فيه كاتبه على الشعب المصري وجمهوريته من هذا الإسراع الذي مضينا به إلى التربية السياسية. أشفق من إشراك العمال والزراع وطوائف الشعب على اختلافها في مناقشة المسائل العامة على النحو الذي كان في المؤتمر الوطني، مقدِّرًا أن هذا النمو نوع من المخاطرة بمستقبل الشعب؛ لأن هذه الطوائف كلها إذا أُتيح لها أن تعرف حقها كاملًا ليست مأمونة فيما يستقبل من الأيام؛ لأنها قد تطمع في أكثر من حقها، وقد تغلو في تقدير مركزها الاجتماعي والسياسي، وقد تندفع في ذلك إلى غير مدى.

    وأعترف بأني ضحكت، بل غرقت في الضحك، حين قرأت هذا الكلام؛ فكاتبه لا يعرف الشعب المصري ولا يعلم أن الاعتدال طبيعة فيه، وأنه قد فُطر على القصد، وليس أبغض إليه من الشطط والإسراف.

    والثورة المصرية نفسها أوضح دليل على ذلك، ولا سيما حين تُقاس إلى ثورات كثيرة شبَّت في الشرق والغرب جميعًا.

    والفضل في هذا الذي أتيح لنا من التربية السياسية يرجع كله إلى رئيس الجمهورية، فهو الذي آثر أن يتحدث إلى الشعب في صراحة لا تشبهها صراحة وفي جلاء لا يشوبه لبس أو غموض، وهو الذي آثر ألا يخفي على الشعب شيئًا من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو الذي آثر أن يعترف أمام الشعب في وضوح كل الوضوح بما قد تتورط فيه الحكومة من الأخطاء وبالطريق إلى إصلاح هذه الأخطاء.

    وهو الذي كره أن يكون رئيسًا للجمهورية دون أن يكلفه الشعب هذه الرياسة، وهو الذي استفتى الشعب في الوحدة مع سوريا، وهو الذي دعا إلى عقد المؤتمرات الوطنية المختلفة وأنشأ اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأخير، وعرض على المؤتمر نظام الحياة الجديدة التي يجب أن يحياها المصريون بل يجب أن تحياها الأمة العربية. وهو الذي قرر أن يكون للعمال والزراع نصف المجالس النيابية، وعرض ذلك على المؤتمر فيما عرض عليه من الميثاق ومن النظام السياسي للحياة الشعبية الجديدة، وأقل ما ينشأ عن هذا كله تبصير الشعب بواجباته أولًا وبحقوقه بعد ذلك، وليست التربية السياسية شيئًا إلا أن يتعلم الشعب ما يجب عليه أولًا وما يجب له أخيرًا.

    فليس من الغلو ولا من السرف أن أقول إن مصر مدينة بهذه التربية السياسية للثورة ولرئيس الجمهورية خاصة، وليس من الغلو ولا من السرف ولا من محاولة التقرب إلى الرئيس أو ابتغاء الوسيلة إليه أن أقول إنه مربي الشعب حقًّا.

  • الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة | Rights Are Not Granted, But Demanded Firmly and Resolutely

    الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة – ينبغي أن يكون المُعلم كريمًا على الدولة وأن لا يُهدَم حقه
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ يونيو ١٩٥٠

    الإسكندرية في ١٤ — لمراسل البلاغ — أقام رجال التعليم في منطقة الإسكندرية حفلة شاي كبرى تكريمًا لصاحب المعالي الدكتور طه حسين بك، وزير المعارف، بمناسبة عودته من الخارج، وقد حضرها كثيرٌ من الكبراء والعظماء ورجال التعليم، وبلغ عدد المدعوين إليها قرابة ألف مدعو.

    وقد افتتح الحفلة الأستاذ سعد الله هاشم بك، المراقب العام للمنطقة ورئيس لجنة الاحتفال، فحيَّا معالي الدكتور طه حسين بك، وتحدث عن شعور التقدير والمحبة الذي يكنُّه المعلمون له.

    وأعقبه الأساتذة: الدكتور إبراهيم اللبان، ومحمود البشبيشي، وعلي عزت الأنصاري، ومحمود خلف، وتوفيق جبر، ومحمد منصور، وفضل إسماعيل، وإبراهيم محمد ندا، والدكتور زكي مبارك.

    وبعد أن انتهت كلمات الخطباء والشعراء، وقف معالي الدكتور طه حسين بك بين الهتاف العالي والتصفيق الشديد، وألقى خطابًا مستفيضًا قوبل بالاستحسان التام، وقوطعت فقراته بالتصفيق، وقد جاء في هذا الخطاب ما يأتي:

    أيها الزملاء الأعزاء:

    غفر الله لكم ما جنيتم على أنفسكم، وما جنيتم على غيركم من الأبرياء، فقد تمنيت عليكم أن تُعفُوا أنفسكم وتُعفُوا مدعويكم من هذا الجهد، ومن هذه المشقة، ولكنكم أبيتم، فغفر الله إصراركم، وشكر لكم على ما تقدمتم به إليَّ من خير.

    وأؤكد لكم أني لو عرفت أني قد قدمت بين يدي ما أستحق به هذا الجهد الذي تكلفتموه، وكلفتموه قومًا أبرياء غيركم، لو عرفت أني قد قدمت بين يدي شيئًا يستحق بعض هذا الجهد، لما تمنيت عليكم أن تريحوا أنفسكم وتريحوا غيركم من الناس؛ فقد يظن الظانون أني متواضع، وقد يظن الظانون أني أحب أن أعمل وألَّا أتلقى ثناءً حين أعمل، وأؤكد لكم مخلصًا أني لا أعتقد أني عملت شيئًا ذا بال، وأؤكد لكم مخلصًا أنني وبين ضميري وبيني وبين الله لا أؤمن مطلقًا أنني أستحق شيئًا مما تقولون.

    أيها الزملاء الأعزاء:

    قلت في مؤتمر اليونسكو: إن مصر قد سبقت إلى تحقيق الآمال الثقافية التي يسعى إليها الناس في هذا العصر، فهي تحقق الصلة بين الشرق والغرب، وهي تأخذ من الغرب ما تأخذه تذيعه في الشرق؛ لأن مصر ليست أثرة، لا تحب أن تستأثر بالخير من دون جيرانها. فحدثوني كيف تذيع مصر هذا الخير؟ إنما تذيعه بواسطتكم أنتم، أنتم الذين تنشرون في أقطار الشرق العربي: تدعون إلى الإصلاح، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتدعون إلى الحياة الصالحة للشرق العربي كله.

    إن الناس عندما يذكرون مصر يذكرون ثراءها، ويذكرون قوتها — أحيانًا — وجهودها في نشر الحضارة في الشرق كله، ويذكرون قديمها … قديمها البعيد، وقديمها الجديد. فمن الذين يُنشِّئون لمصر هذه الأجيال التي تُحقِّق هذا الثراء؟ إنما هم المعلِّمون، ومن الذين يعرفون مصر بقديمها، ويُعرِّفون العالم بهذا القديم؟ إنما هم المُعلِّمون.

    ثقوا أن مصر مدينة لكم بكل شيء، ومن قال غير هذا فقد كذَّب نفسه، وكذَّب ربه، وكذَّب ضميره.

    ثقوا أنني لا أتملق ولا أترضاكم، وليس يعنيني أن ترضوا أو تسخطوا، إنما أقول ما قلته لكم الآن، وما قلته عنكم من قبلُ، قبلَ أن أكون وزيرًا؛ فإذا قلت أن مصر مدينة لكم بكل شيء، فإنما أقول ما أؤمن به وأطمئن إليه، فلا تظنوا بي الظنون، لا تظنوا أني أريد أن تصفقوا أو ترضوا، فقد أثنيتم عليَّ بما تظنون أني أهلٌ له، وبما أعتقد أني لست له أهلًا، وأثنيت عليكم بما لا يشك أحد في أنكم أهل له، فقولوا قد تقارضنا الثناء، يرضى بذلك من يرضى، ويسخط من يسخط، وليمُت بغيظه من شاء أن يموت بغيظه.

    ولكن لندع تقارض الثناء، ولنكن كما يحب الله للعلماء والمعلمين أن يكونوا متواضعين، لا يُثني بعضهم على بعض إلَّا بمقدار، ولنتجنب السرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين، ولنتحدث في جد الأمر، فهو الأجدر بأن نتحدث فيه، وأن نفكر إذا خلونا إلى أنفسنا، وأن يتحدث به بعضنا إلى بعض حين نلتقي.

    وجد الأمر أن أمامكم شعب قديم المجد، عظيم الأمل أن يعود إليه مجده القديم، ويريد أن يكون مستقبله خيرًا من ماضيه ومن حاضره، ويريد أن يسترد حريته كأحسن ما تكون الحرية. وهذا كله بين أيديكم، لا يستطيع أن يحققه لمصر أحد غيركم، لنفكر جميعًا ولنتحدث فيه ولنتعاون عليه، ولنعاهد بعضنا بعضًا على أننا عندما ننهض لاحتمال الأمانة أن ننهض بها شجعانًا، لا نخشى ولا نخاف، ولا نحفل ببخل الباخلين، ولا نلتفت إلى الذين يظنون بنا الظنون، ويقدرون ما يحبون وما لا يحبون.

    لنفكِّر أن هذا الشعب ينتظر منَّا حياة حرة كريمة، ولنمنحه هذه الحياة مهما يكلفنا ذلك من مشقة وجهد ومن تضحية.

    أيها السادة:

    فاقد الشيء لا يعطيه كما قلت، وفاقد الحرية لا يمكن أن يكون حرًّا؛ فإذا أردتم أن تمنحوا مصر حريتها، فكونوا أحرارًا بينكم وبين أنفسكم، أحرارًا بينكم وبين الدولة، وافرضوا حريتكم مِن حَولِكم، فمن غير هذا لا تستطيعون أن تنشئوا أجيالًا حرة، ولا أن تردُّوا مجدًا قديمًا. لا تحفلوا بغضب الغاضبين، ولا بسخط الساخطين، وأنا أول من يدعوكم ألَّا تحفلوا بي إن غضبت لغير الله، فلست لكم وزيرًا إلَّا بمقدار ما أنصح لكم، وإنما أنا وزير المعارف زميل للمعلمين اختير من بينهم في هذه المرة لينطق باسمهم، ويستمد حريته وقوته من حريتهم.

    أدُّوا حقوق التلاميذ عليكم، واكرموا على أنفسكم؛ لتشيع الكرامة في التلاميذ، وانصحوا في سركم وعلانيتكم، ثم طالبوا بحقوقكم لا تقبلوا فيها انتقاصًا مهما تكن الظروف.

    إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الجيش؛ فلا جيش إذا لم يكن هناك معلم ينشئ أمة متعلمة مستنيرة يدافع عنها جيشٌ باسل. إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الزراعة وإلى الصناعة وإلى التجارة وإلى الري وما شئتم من هذه المرافق، الزراعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، والصناعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، ولولا المهندسون الذين تخرجونهم في الزراعة والأساتذة الذين تخرجونهم في التجارة في مختلف مرافق الحياة ما وجدت هذه الحياة.

    كل شيء في حياة الشعب يصدر عنكم، وينبغي أن يعود إليكم، أنتم المسئول الأول عن مصر في حاضرها ومستقبلها، قدروا هذا في أنفسكم، وأدوا ما يفرضه عليكم ذلك من واجبات، وطالبوا الحكومة والشعب بأن يُؤدِّيا إليكم ما يفرضه لكم هذا من الواجبات …

    أيها السادة:

    إن الحقوق لا تستوهب، إنما يطالب بها في حزمٍ وقوةٍ وجدٍّ، ولا ينبغي لصاحب الحق أن يُلاين أو يلين، وإنما ينبغي أن يطالب مؤمنًا حريصًا مُستعِدًّا للدفاع مهما يكلفه ذلك. ولكم حقوق يجب أن تؤدَّى إليكم، وإن كنَّا قد أدينا منها قليلًا؛ فإن لكم في أعماق الحكومة وأعماق الشعب كثيرًا لم يؤدَّ إليكم بعدُ، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وثقوا بأن وزيرًا للمعارف — مهما يكن — لا يمكن أن يُفلح إلَّا إذا أحسَّ بتأييدكم، وتسمَّى باسمكم في مجلس الوزراء، وفي البرلمان، فكونوا أعوانًا للوزير على أن تؤدوا جميعًا للشعب ما ينتظره منَّا الشعب.

    ومن أول هذه الحقوق التي ينبغي أن يحرص عليها المعلم أن يكون كريمًا على الدولة، لا ينبغي أن تُضاع كرامته، أو أن يُهدر حقه، فاحرصوا على هذه الكرامة، واذكروا أنكم إذا لم تحرصوا عليها فلن يحرص عليها غيركم، حقوق التلاميذ تستمد من حرصكم على حقوقكم.

    فأنتم المُثل التي تطبع في نفوس التلاميذ الكرامة والعزة والحرص على الدفاع عن الوطن حين تأتي الكارثات.

    وقد استطعنا في هذه الأيام لا أقول أن نؤدي إليكم حقوقكم، بل أن نُشعر الناس بأن لكم حقوقًا؛ فاجتهدوا أن ننتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى؛ هي من مرحلة الإشعار إلى مرحلة الأداء.

    لكن مني جميعًا أصدق الشكر وأخلصه على ما قلتم من الشعر ومن النثر، ولخطبائكم — عليَّ العهد — أن أكون كما يريدون، ولشاعركم ألَّا أريح ولا أستريح حتى يرضى، ولشاعر الأزهر ألَّا أنسى ما طلب إليَّ.

    أقدم إليكم شكري خالصًا، وتحيتي صادقة، ولكن لي عليكم حقًّا يجب أن تؤدوه، وأن تكونوا معي حين يجب الجد في أمور المعلمين والتلاميذ والعلم.

    أيها السادة، ليكن هذا الاجتماع الذي فرضتموه على أنفسكم وعلى قوم أبرياء شغلتموهم عن واجباتهم فرصة سانحة نعاهد بعضنا بعضًا بدافع من الواجب والحق، مهما كلفنا ذلك من مشقة وجهد، وثقوا أن الحكومة كلها معكم، وإن كنَّا قد وصلنا إلى شيءٍ لم نبلغ به كل حقوقنا؛ فإن الوزراء جميعًا يؤمنون بما أؤمن به، ويقولون ما أقول.

    وإن جلالة الملك يحمي الحق من حيث هو الحق، ويدافع عن الواجب من حيث هو واجب، يريد من المصريين جميعًا أن يخلصوا لواجباتهم، ويحرصوا على حقوقهم، ويعيشوا كرامًا؛ لأنه يحرص على أن يظل ملكًا كريمًا لشعبٍ كريمٍ في وطنٍ كريمٍ؛ فاطمئنوا وانشروا الطمأنينة من حولكم، وإذا أحسستم ما يدعو إلى الخروج فسنخوض المعركة معًا، ولكن لن نحتاج إلى شيءٍ ما دام الفاروق يرعى مصر، ومصطفى النحاس رئيسًا للحكومة.

  • هؤلاء المعلمون … المضربون! | These Teachers … on Strike!

    هؤلاء المعلمون … المضربون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١١ أبريل ١٩٤٧
    تحدث الناس في هذه الأيام بأن المعلمين في المدارس الحرة قد أضربوا عن إلقاء الدروس وأقاموا في مدارسهم لا يريمون ولا يعملون شيئًا، ليظهروا للحكومة وللشعب أن لهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إليهم؛ لأنهم رأوا في أكبر الظن أن الرفق لم يُغْنِ عنهم شيئًا، وأن الإلحاح في المطالبة لم يَقضِ لهم حقًّا!
    وليس المهم أن نبحث عن أن هذه الخطة التي آثرها المعلمون ملائمة أو غير ملائمة لكرامة المعلمين من جهة، ولمصلحة المتعلمين من جهة أخرى. فقد نستطيع أن نفترض أسوأ الفروض، وأن نقدِّر أن المعلمين قد أقدموا على خطة لا تلائم كرامتهم، ولا تحقق مصالح تلاميذهم. ولكننا نعلم أن المعلم الذي يذهب إلى مدرسته فيقيم فيها ليشعر الدولة والشعب بأنه حريص على عمله مستمسك بمنصبه، ثم يمتنع عن الدرس ليشعر الدولة والشعب بأن له حقًّا يريد أن يصل إليه؛ لأن الحياة قاسية عسيرة، ولأنه لا يستطيع أن يبلغ منها لنفسه ولأهله ولأبنائه وبناته حقهم المعقول من هذه الحياة، إلا إذا أُديت إليه هذه الحقوق. هذا المعلم قد ألجأته الضرورة إلى خُطة يكرهها فيما بينه وبين نفسه أشد الكُره، ويعلم أن الناس يكرهونها أشد الكره، وأن الحكومة تمقتها أشد المَقت، وأن القوانين قد تعاقب عليها أشد العقاب. ولكنه يعلم من جهة أخرى أن الله قد أباح للجائعين الذين لا يجدون ما يدفعون به الجوع أن يقارفوا ما حُرِّم عليهم من ألوان الطعام، وهو يعلم كذلك أن الشاعر العربي قد قال:
    إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
    ثم هو يعلم بعد هذا كله أن الفقهاء قد اختصروا هذه القصة الطويلة المعقدة في جملة يسيرة قصيرة سهلة، فقالوا: «إن الضرورات تبيح المحظورات!»
    وهؤلاء المعلمون يقدِّرون فيما بينهم وبين أنفسهم أن عليهم حقوقًا يجب أن تؤدَّى إلى التلاميذ الذين لا ينبغي أن يُسألوا عن تقصير الدولة في ذات المعلمين. ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وهو إذن لا يكلف المعلم الجائع أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي يشعر بالجوع قد استقر فى داره، وأخذ يعذب أهله وبنيه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. بل هو لا يكلف المعلم الذي تشغله الهموم المتصلة، والآلام المُلِحَّة عن العلم والتعليم؛ لأن له أسرة يجب أن تعيش، ولأن له كرامة يجب أن تُحفظ، ولأن له مكانة يجب أن تُرعى، لا يكلفه أن يشق على نفسه بإلقاء الدرس. والدولة وحدها هي المُكلَّفَة أن تمكن المعلمين من أن يعلِّموا، وأن تمكن التلاميذ من أن يتعلموا، وأن تتيح للآباء والأمهات أن يطمئنُّوا إلى أن أبناءهم لن يتعرضوا للجهل بإغلاق المدارس من دونهم، ولن يتعرضوا لضياع الوقت بامتناع المعلمين عن تعليمهم.
    لهذا ولمثل هذا أُنشِئَت الدولة. فإن لم تُرْضِ حاجة الناس إلى هذا ومثل هذا، فليس لها في أعناقهم حق، وليس لها عليهم طاعة! هذه أوَّلِيَّات كان يجب أن تستقر في نفوس المصريين جميعًا، وفي نفوس الوزراء وأعوان الوزراء قبل غيرهم من الناس.
    ولن يفلح المصريون، ولن تصلح أمورهم، ولن يصيروا أهلًا للحرية والاستقلال والكرامة، إلا إذا استقرت هذه الأوليات في قلوبهم وعقولهم، وامتزجت بدمائهم، وأصبحت قِوامًا لحياتهم حين يقولون وحين يعملون … وهناك أوَّليات أخرى لم تفطن لها الدولة. وما أقل ما تفطن الدولة له من الأوليات! فالتلميذ الذي يذهب إلى المدرسة الحرة مصري كالتلميذ الذي يذهب إلى مدرسة الدولة، له حقوقه كلها … والمعلم الذي يعلِّم في المدرسة الحرة مصري كالمعلم الذي يعلِّم في مدرسة الدولة، له حقوقه كلها. وبغير هذا تنهدم المساواة التي قررتها طبيعة الأشياء، وجعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فليست الدولة إذن مَدِينَةً لتلاميذها ومعلميها بدَيْن خاص، وإنما هي مدينة للتلاميذ جميعًا وللمعلمين جميعًا وفي المدارس جميعًا بدَيْن واحد، وهو أن يُقَدَّمَ إلى أجيال الشعب تعليمٌ ملائم لحاجة الشعب، لا فرق في ذلك بين معلم ومعلم ولا بين مدرسة ومدرسة ولا بين تلميذ ولا تلميذ.
    والشيء المعروف أن المعلم في مدارس الدولة مظلوم في مصر، وأن الدولة بعيدة كل البُعد عن إنصافه وعن تأدية حقوقه إليه كاملة. فكيف إذا لاحظنا أن بينه وبين المعلم في المدارس الحرة فروقًا لا ينبغي أن توجد بين أبناء الوطن الواحد، ولا ينبغي أن توجد بين أبناء المهنة الواحدة؟ إن أيسر العدل أن يُسوَّى بين الناس فيما تَفرض عليهم ظروف الحياة من الظلم. فأمَّا أن يُظلم بعضهم ظلمًا يسيرًا، وأن يُظلم بعضهم الآخر ظلمًا غليظًا، فهذا هو الشيء الذي لا يمكن أن يُقبل، ولا ينبغي أن تتورط الدولة فيه.
    وقد رأيت منذ زمن بعيد — وما زلت أرى، وسأرى دائمًا — أن أول واجبات الدولة أن تسوِّي بين المعلمين في الحقوق كلها وفي الواجبات كلها، إذا تساوى المعلمون في المؤهلات التي تبيح لهم التعليم. ويجب أن يكون المعلمون جميعًا موظفين في الدولة لهم كادر واحد، ولهم نصيب واحد في عناية الدولة بهم، يتقاضَوْن مرتباتهم بمقياس واحد، وينتظرون ترقياتهم وعلاواتهم بمقياس واحد، ويطمئنُّون إلى معاشهم بمقياس واحد. تنهض الدولة بهذه الأعباء في غير تردُّد ولا تحرُّج؛ لأنها أعباء تفرضها حاجة الشعب إلى التعليم، وحقوق الشعب في التعليم والمساواة التي جعلها الدستور قوامًا لحياة المصريين.
    فأمَّا أن يطمئن بعض المعلمين إلى نظام من الحياة تكفله قوانين الدولة، ويظل الآخرون عُرضة للأحداث والخطوب وعبث الظروف وأهواء أصحاب الهواء؛ فهذا هو الإثم الذي لا ينبغي أن تتورط فيه حكومة تقدِّر ما عليها للشعب من الواجبات.
    وما ينبغي أن يقوم تعليم الشعب على التفرِقة بين المعلمين في عناية الدولة بهم، أو على التفرقة بين التلاميذ في عناية الدولة بمعلميهم ومدارسهم. وإذا نهضت الدولة بهذا العبء وأدَّت هذا الحق؛ فمن الطبيعي أن تبسط يدها على المدارس كلها، وأن تفرض عليها مراقبة واحدة لأنها منحتها عناية واحدة.
    وقد حاولت وزارة المعارف ذات يوم أن تحقق هذا كله، فحالت بينها وبين ذلك موانعُ جاءت من وزارة المالية. وكانت تريد أن تعرض الأمر على البرلمان أثناء عرض الميزانية عليه سنة ١٩٤٥. فليس على الوزارة بأس من أن تستأنف هذا السعي من حيث تركناه، وهي الآن تعرض الميزانية على البرلمان؛ لتسوِّي بين المعلمين في الحقوق لتستطيع أن تسوِّي بينهم في الواجبات، وتستطيع أن تسوي بين التلاميذ فيما نقدِّم إليهم من تعليم، وفي إشرافها على هذا التعليم.
    فأمَّا أن يُقال للمعلمين في المدارس الحرة عليكم أن تفعلوا وأن تفعلوا، وعليكم أن تتركوا وأن تتركوا، وليس لكم أن تطلبوا ولا أن تحتجُّوا، ولا أن تلحوا في الطلب والاحتجاج، فهذا هو الشيءُ الذي أَوَدُّ لو بَرِئت الدولة منه وتنزهت عن الإقدام عليه.

  • إضراب٢ | A Strike (2)

    إضراب
    عاد الأمر إلى الاضطراب والفساد بين شركة تورنيكروفت وعمالها، وأصبح الناس اليوم قد حرموا وسيلة من وسائل الانتقال التي كانوا يعتمدون عليها، ويهيئون أمورهم على أنها متصلة غير منقطعة، وموفورة ليس عليها خوف. ومن حق الناس أن يضيقوا بهذا الإضراب الذي يتكرر فيعطل عليهم مصالحهم، ويفسد عليهم أمورهم، ويعرضهم لضرر قد يكون كثيرا. وهم على كل حال لم يأتوا من الأمر ما يجعلهم أهلا للقاء هذا الضرر، واحتمال هذا الأذى. ومن حق الناس أيضا أن يعرفوا مصدر هذا الإضراب الذي يتكرر، وهم إنما يستطيعون أن يعرفوه من العمال ومن الشركة ومن الحكومة التي يجب أن تسيطر على ما بينهم وبينها من صلات، وتتوسط فيما بينهم وبينها من خلاف.
    فأما العمال فهم لا يبخلون بتفسير موقفهم، وإظهار الناس على أسبابه ومصادره. وهم لا يتمنون إلا أن يؤذن لهم في القول، ولا يحبون إلا أن يسمع لهم الناس، لعل رثاء الناس لهم وعطفهم عليهم، وتأييدهم لما يطلبون، أن يدعو الشركة إلى أن تغير من موقفها الذي يرونه ظالما، مسرفا في الظلم. ولعله أن يخرج الحكومة عن خطة اللين للقوى إلى شيء من الحزم في المطالبة بالإنصاف. ولعله إذا لم ينته إلى هذا أن يبعث في نفوس العمال أنفسهم شيئا من الرضى، وقليلا من العزاء. فليس أحب إلى نفس المكروب المحروب من أن يحس عطف الناس عليه، ورثاءهم له.
    لم يبخل العمال بالقول ولا بالتفسير، فهم يستكثرون ساعات العمل، وهم يستقلون ما يعطون من أجر، وهم يشكون من معاملات أخرى قاسية، فيها فصل لبعضهم، وتعريض لبعضهم الآخر للفصل، وعبث بكثير من حاجاتهم وآمالهم.
    قالوا ذلك وكرروه، وألحوا فيه، وأضربوا منكرين له، محتجين عليه. ثم قيل لهم إن من اليسير إصلاح ما ينكرون إذا عادوا إلى أعمالهم. وكانت الحكومة قد توسطت بينهم وبين الشركة. وكانت وساطة الحكومة هي التي مكنت من أن يبذل للعمال هذا الوعد فصدقوه، واطمأنوا إليه، واستأنفوا عملهم، وانتظروا الوفاء.
    ويظهر أن هذا الوفاء لم يكن سريع الخطى، بل لم يكن ميالا إلى الحركة، فيقال إن الشركة لم تغير ما كانت وعدت بتغييره، ويقال إنها حين أرادت بعض التغيير راوغت وداورت وفصلت من العمال والموظفين عددا ليس بالقليل، فعاد الخلاف كما كان أو أشد مما كان، وعاد العمال إلى الإضراب.
    كذلك يقول العمال في تفصيل كثير مؤلم، تقرأه في غير هذا المكان من الكوكب.
    أما الشركة فلا تقول أو لا تكاد تقول شيئا. وأما الحكومة فتؤثر صمتا أقل ما يوصف به أنه لا يلائم مصلحة أحد. لا يلائم مصلحة الناس الذين لا يريدون أن تعطل مصالحهم، ويحبون أن يفهموا فيم تعطيلها. ولا يلائم مصلحة الشركة التي لا ينبغي أن يسوء بها ظن الناس، وأن يفهم الجمهور أنها تستغل العمال، وتسرف في العبث بهم. ولا يلائم مصلحة العمال الذين يحرصون على ألا يتهمهم أحد بالعنت والمبالغة والاستهانة بمصالح الناس. ثم هو لا يلائم مصلحة الحكومة بنوع خاص، فهي التي أذنت لهذه الشركة بالعمل، وهي التي قضت بهذا الإذن على نشاط جماعة من الوطنيين كانوا يعملون في النقل بالسيارات، وهي التي حملت الناس شيئا غير قليل من المشقة حين قضت على هذا النشاط مكان تشجيعه، ومحته مكان تقويته. وهي التي تعاقدت مع الشركة، فمن حقها على نفسها، ومن حق الناس عليها أن تشعر مصر بأن القضاء على النشاط الوطني لم يكن من شأنه أن يؤدي إلى الغلو في إذلال المصريين، واستغلالهم، وإهدار مصالحهم، وتعريض فريق منهم للبطالة، وما يتبعها من الجوع والحرمان. ومن الحق عليها لنفسها وللناس أن لا تتهم بالتقصير في المحافظة على عقد الإلزام، هذا الذي أمضته، والذي يجب عليها أن ترعى حرمته، وأن تأخذ الشركة برعاية حرمته أيضا.
    ليس من الملائم إذن لمصلحة الحكومة أن تؤثر هذا الصمت الذي آثرته، وليس من مصلحتها بنوع خاص أن يسوء ظن الناس بها ورأيهم فيها. وأن تتهم باللين المسرف والتهاون المنكر مع الأجنبي، وبالشدة المغرقة، والتعنت مع المصري. وليس من مصلحتها بحال من الأحوال أن تتساءل طائفة من المصريين، هي طائفة العمال: فيم وجود الحكومة إذا كانت تعجز أو تتكلف العجز عن حماية المصريين من جور الأجنبي وقسوته عليهم في بلادهم، وتعجز أو تتكلف العجز عن أخذ الشركة بتنفيذ عقد الإلزام؟
    فالناس لا ينشئون الحكومات لينظروا إليها ويلهوا بها، ويستمتعوا بجمالها، وبما تحيط نفسها به من مظاهر القوة والجلال. وإنما الحكومة أداة من أدوات العمل في الحياة، قد أنشئت لأغراض فإذا لم تحقق هذه الأغراض أصبحت عبئا ثقيلا، وأصبحت متاعا لغوا لا حاجة إليه.
    وأول ما يجب على الحكومة في مثل هذه الحال كما قلنا منذ أيام إنما هو حماية هؤلاء العمال مرتين: حمايتهم لأنهم عمال لهم حقوق يجب أن يظفروا بها، وعليهم واجبات يجب أن يؤدوها، ولهم آمال يجب أن لا تقطع بينهم وبينها الطريق. وحمايتهم لأنهم مصريون يعملون عند الأجنبي في بلادهم، فيجب أن توفر عليهم عزتهم وتحفظ عليهم كرامتهم، ويعاملوا كما يعامل الرجل العزيز في وطنه العزيز.
    ونحن نأسف أشد الأسف لأن سيرة الحكومة فيما بين العمال والشركة من خلاف لا يظهر فيها من الحزم والقوة ما يشعر الناس بأنها تؤدي هذا الواجب على أحسن وجه ممكن للأداء. نفهم إلى حد ما أن يسوء رأي الحكومة والبرلمان في رجال التعليم الأولى، وأن تستكثر عليهم مرتباتهم الضئيلة، وأن يختلف النواب في هذه المرتبات، أترقى إلى جنيهين أم تنزل إلى جنيه ونصف جنيه. نفهم ذلك إلى حد ما، فهو يدل على سوء فهم للتعليم، وعلى سوء تقدير لحق المعلم وواجبه، ولكن ما يبخل به من المال على المعلمين سيبقى في خزائن الدولة، ولكن ما يلم بالمعلمين من ظلم سيصدر عن المصريين وسيصيبهم من مواطنيهم. فأما أن تغلو شركة أجنبية في تخفيض أجور العمال المصريين ولا تشتد الحكومة في منعها من هذا الغلو، فشيء ليس إلى فهمه من سبيل. فالمال الذي ستبخل به الشركة على هؤلاء المصريين لن يرد إلى خزائن مصر، ولن يبقى في أرض مصر، ولكنه سيعبر البحر إلى حيث يستمتع به الأجنبي. والظلم الذي سيقع على العمال من نقص الأجور، وزيادة ساعات العمل، واضطرار فريق منهم إلى البطالة، لن يقع من مصري على مصري، لكنه سيقع من أجنبي على مصري.
    فلتقدر الحكومة هذا كله، ولتفكر الحكومة في أنها مدينة لنفسها ولوطنها وللكرامة والعدل ولمنفعة الجمهور الذي أنشئت لتخدمه وترعى مصالحه بأن تقف موقفا حازما كريما في هذا الخلاف، وأن تضطر الشركة إن كانت ظالمة إلى العدول عن هذا الظلم، وتضطر العمال إن كانوا جائرين إلى العدول عن هذا الجور، ولا تضيع مصالح الجمهور لخلاف من اليسير جدا أن يزال لو نهضت الحكومة بواجبها على الوجه الصحيح.
    كوكب الشرق في ٣ – ٦ – ١٩٣٣

  • إضراب | A Strike

    إضراب
    لم يكد الناس يفرغون بعد من التفكير في أمر الموظفين الذين يشكون وينكرون، ويطالبون الحكومة بأن تنظر في شكاتهم، لا بنظرة عطف ورفق، بل بنظرة عدل وإنصاف، لأنهم لا يريدون إلا العدل والإنصاف، يريدون أن تفتح أبواب الترقيات والعلاوات لهم كما فتحت لكبار الموظفين، أو تغلق هذه الأبواب دون كبار الموظفين في حزم وصدق ونية حسنة كما أغلقت من دونهم.
    فإن من الجور المنكر أن يفرق بين الناس إلى هذا الحد، وأن يؤثر بالترقية والعلاوات من يستطيع أن يستغنى عنها، ويحرم الترقية والعلاوة من هو في حاجة إليهما ليعيش.
    لم يكد الناس يفرغون من أمر هذه الشكاة التي يتقدم بها صغار الموظفين ويلحون فيها حتى ظهرت لهم شكاة أخرى ليست أقل منها تأثيرا في النفوس، ولا إيذاء للقلوب، ولا إثارة لعاطفة العدل والإنصاف، وهي هذه الشكاة التي يتقدم بها عمال ثورنيكروفت منذ زمن طويل. فقد مضت أيام وأسابيع منذ تقدم هؤلاء العمال إلى الشركة بشكاتهم يطلبون إليها أن تغير بعض الشيء من سيرتها معهم لتخفف عنهم أثقال الحياة، وليستطيعوا أن يقبلوا على عملهم محبين له، مخلصين في النهوض به، فأعرضت عنهم الشركة، ومضت في الإعراض، ولجأ العمال إلى الحكومة لعلها أن تتوسط بينهم وبين الشركة، ولعلها أن تأخذ هذه الشركة بما يجب أن يؤخذ به من تنفيذ الشروط التي يشتمل عليها عقد الإلزام، فأعرضت عنهم الحكومة ومضت في الإعراض، وصبر هؤلاء العمال وصابروا، واحتملوا ما احتملوا من ألم ومكروه، حتى تجاوز بهم الصبر حده، فانقطعوا عن العمل، وأعلنوا الإضراب منذ أمس، ثم لم يمض يوم كامل على إعلان الإضراب هذا، حتى نشرت الصحف للشركة إعلانا تطلب فيه إلى العمال أن يعودوا إلى عملهم، وتنذرهم بالفصل إذا تلكأوا في هذه العودة، وتضرب لهم أجلا يومين يفكرون فيهما، ويخيرون بين النزول على حكم الشركة والخضوع للبطالة، وما يتبعها من عاديات الألم والجوع والحرمان.
    والله يعلم ما نحب الإضراب ولا نميل إليه، والله يعلم ما نرغب فيه العمال، ولا ننصح لهم بالإصرار عليه، ولكن هؤلاء العمال ناس مثلنا، من الحق عليهم أن يحتملوا الألم ويصبروا للخطوب، ويجاهدوا في سبيل الحياة، ولكن من حقهم أيضا أن ينظر إليهم على أنهم ناس يشعرون ويحسون ويطمعون في الخير، ويطمحون إلى شيء من حسن الحال. فإذا كان الألم قد كتب على الناس جميعا، فإن الرغبة في تخفيف الألم قد أبيحت للناس جميعا، وإذا كانت الحياة لا تستقيم بغير مشقة ولا عناء، فإنها أيضا لا تستقيم بغير اجتهاد في تخفيف المشقة وتيسير العناء، وإذا كان من الواجب على العمال ألا يضيعوا منفعة الجمهور بالإضراب عن العمل، فإن من الواجب على الشركة ألا تضيع مصلحة الجمهور بتحميل العمال فوق ما يطيقون، وإذا كان من حق الجمهور أن ينتظر من الشركة تمكين هؤلاء العمال من أن يؤدوا مهمتهم ونفوسهم راضية، وقلوبهم مطمئنة، وأبواب الأمل أمامهم مفتوحة، وصحتهم موفورة، وحياتهم غير معرضة للخطر. وإذا كانت الحكومة إنما أنشئت لتقيم العدل بين الناس، وتنتصف للمظلوم من الظالم، وتحمي الضعيف من القوي، وتحقق المنافع العامة، لهذا كله فقد كان من الحق عليها، وما زال من الحق عليها أن تتوسط فيما شجر بين العمال والشركة من خلاف لتقر الأمر في نصابه. ولسنا نشك في أنها لو فعلت ذلك واصطنعت فيه الحزم، لما اضطر العمال إلى الإضراب، ولما لقى الجمهور ما يلقى من المشقة والعسر في الانتقال منذ يومين.
    وهناك أمر يجعل واجب الحكومة في مثل هذا الموقف أجل خطرا، وأحق بالعناية، وهو أن الخصومات التي تقع بين العمال والشركات في مصر ليست كالخصومات التي تقع بين العمال وأصحاب رءوس الأموال في البلاد الأوربية، بل هي أشد منها تعقيدا، فهذه الخصومات في أوربا تقع بين قوم تختلف طبقاتهم، ولكنهم متحدون في الجنس والوطن والمنفعة، فأي الفريقين ظلم صاحبه أو أسرف عليه فظلمه قبيح، ولكن خير العمل وشره، ونفع العمل وخسارته راجعة كلها إلى أمة واحدة.
    أما في مصر فالأمر مختلف. فالشركات التي تستغل العمال أجنبية، والعمال الذين يخضعون لهذا الاستغلال مصريون، فخير العمل وربحه يرجعان إلى الأجنبي أكثر مما يرجعان إلى المصري، ومن هنا كان العامل المصري في حاجة مضاعفة إلى حماية الحكومة له، ورفقها به، وعطفها عليه، ومن هنا كان من الحق على الحكومة أن تنظر إلى مثل هذه الخصومات من وجهة المنفعة الاقتصادية، ومن وجهة الكرامة القومية أيضا.
    هؤلاء العمال يطلبون أن تنقص ساعات العمل، وهذه الشركة تعترف بأنهم يعملون تسع ساعات ونصف ساعة، فقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل: كم ساعة يعمل العمال في إنجلترا، أو في غيرها من بلاد أوربا. وقد يكون من الحق على الحكومة أن تلاحظ أن ليس هناك فرق بين العامل الأوربي والعامل المصري، كلاهما يجب عليه أن يعمل ليعيش، وكلاهما يحق له أن يطمع في تحسين حاله، وترقية شؤونه الاقتصادية والصحية، ولعل الجو الذي يعمل فيه العامل المصري أن يكون أدعى إلى العناية بهذا العامل، والرحمة له وتخفيف الأثقال عليه. وهؤلاء العمال يطلبون أن ترفع أجورهم بعض الشيء، وقد يكون من الحق على الحكومة أن تسأل عن أجور العمال في أوربا، وأن تجد، لا أقول في التسوية بين العامل المصري والعامل الأجنبي فذلك حق ولكنه قد يكون عسيرا، وإنما أقول في التقريب بين العامل المصري والعامل الأجنبي إلى حد ما. وإذا كان العامل الأوربي قد شعر بوجوده، وأسرف أحيانا في هذا الشعور، وطالب بحقوقه ولج أحيانا في هذه المطالبة، فقد يكون من الحق على الشركات، وعلى الحكومة أن تعرف للعامل المصري أنه ما زال إلى اليوم متواضعا، لم يتورط في غلو، ولا في إسراف. وإذا كان شعور العامل الأوربي بوجوده، وإسرافه في هذا الشعور، ومطالبته بحقوقه ولجاجته في هذه المطالبة قد أنشأت مذاهب في الاقتصاد والسياسة نكره أن تنتشر في مصر، ونحب أن يتأخر انتشارها إلى أبعد أجل ممكن، فقد يكون من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن ترفق بالعمال، وتختصهم بشيء من البر بهم، والرثاء لحالهم، وتحول بينهم وبين السخط الذي هو أوضح طريق وأقربها إلى إفساد النظام، والترويج لهذه المذاهب الخطيرة.
    وليست المسألة في حقيقة الأمر خصومة جزئية بين العمال وشركة من الشركات، وإنما هي اختلاف جوهري أساسي في طبيعة العلاقات بين الشركات والعمال. فقد مضى الوقت الذي كانت الشركات تنظر فيه إلى العمال كما تنظر إلى أدوات العمل، وترى أن لها أن تسخر العمال وتستغلهم كما تسخر أدوات العمل وتستغلها. انقضى هذا الوقت وأصبح من الحقائق الواقعة أن العامل شيء، والأداة شيء آخر. وأن العمال شركاء في حقيقة الأمر لأصحاب رءوس الأموال في استغلال أدوات العمل. وإذا كان هذا الفهم للعلاقة بين العمال والشركات لم يظهر في مصر على وجهه إلى الآن، فقد أصبح من الحق على الشركات وعلى الحكومة أن تعترف به، وتؤمن له، ونتخذه أساسا لما يكون بينها وبين العمال من صلات.
    وإن من الغريب حقا أن تؤمن الحكومة أو تظهر الإيمان بأن الديمقراطية هي أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبأن من حق الشعب أن يراقب تصرفات الحكومة في الأعمال العامة، بل أن يقيم الوزارات ويسقطها، ثم لا تؤمن أو لا تظهر الإيمان بأن الإنصاف في الاعتراف بحق العامل قبل أصحاب رءوس الأموال.
    كل هذه أمور نحب أن تفكر فيها الشركات، وأن تقدرها الحكومة وأن تسبق الشركات الحكومة إلى قبولها والعمل بها قبل أن يفوت الوقت، وقبل أن تنتشر الآراء والأفكار الخطرة بين هذه الطبقات التي لا نخاف عليها شيئا كما نخاف عليها السخط والامتعاض.
    وإنا لنرجو ونلح في الرجاء أن تنظر الحكومة إلى هذا كله نظرة جد، وأن تتوسط بين العمال والشركة، بين جميع العمال وجميع الشركات، وساطة تعصم هؤلاء العمال من السخط والشكوى والاضطرار إلى الإضراب.
    كوكب الشرق ٢٠ – ٥ – ١٩٣٣