Tag: حكومة ائتلافية

  • قوة …! | Strength …!

    قوة …!

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١١ نوفمبر ١٩٤٥

    لم يعرف الائتلاف الذي يحكم مصر الآن قوة رهيبة مهيبة كهذه القوة الفتية الهائلة التي تجري نشيطة مرحة في جميع المؤتلفين؛ فقلوبهم كلها صافية لا يشوبها كدر، ولا يعرض لها قليل أو كثير من سوء الظن، ونفوسهم كلها متفقة لا تنحرف واحدة منها عن الطريق التي رسمت يوم قام الائتلاف، ولا يعرض لها شيءٌ من الاختلاف في الرأي، أو التنافر في الهوى، أو التباين في المذهب. وكلمتهم كلها سواء ليس فيها عوج، وليس فيها شذوذ، وإنما هو صوتٌ واحدٌ مطرد قوي، لا يرتفع أكثر مما ينبغي، ولا ينخفض أكثر مما ينبغي، صوت موسيقي رائع قد انسجمت أنغامه، وعذبت ألحانه، واستقامت طريقته، ودلَّ كل شيءٍ فيه على أن المؤتلفين قد بلغوا ذروة الائتلاف، وانتهوا به إلى غايته، وأخذوا يجنون ثمرته لذيذة حلوة تملأ النفوس أملًا ورجاءً.

    وأيسر الأدلة على ذلك منظر مدينة القاهرة في أوقات السلم والحرب، فمدينة القاهرة الآن كرة يتقاذفها السلم والحرب، تخلص للسلم يومًا، وتخلص للحرب يومًا، ويصطدم فيها هذان العدوان يومًا آخر. خلصت للحرب يوم عاد رئيس الوفد من الإسكندرية، فكانت حرب أي حرب، ثم كان انتصار أي انتصار. قال قوم: إنه كان انتصارًا لأهل القاهرة الذين طغوا على قوة الائتلاف، فحيَّوا رئيس الوفد كما أرادوا أن يُحيُّوا، وكرَّموا زعيم الشعب كما أرادوا أن يكرموا، ولم تستطع قوة الائتلاف أن تبلغ منهم شيئًا، ولا أن تحوِّلهم عما أرادوا.

    وقال قوم: إنه كان انتصارًا لقوة الائتلاف؛ لأنها أكرهت رئيس الوفد على أن يسعى إلى داره مستأنيًا متمهلًا، وعلى أن يرى الكرَّ والفرَّ، والإقدام والإحجام، وكان رئيس الوفد يحرص على أن يبلغ داره في أسرع وقت ممكن، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يبلغ داره في أبطأ وقت ممكن. وكان رئيس الوفد يريد أن يصل إلى داره صامتًا لم يقل شيئًا، فاضطرته قوة الائتلاف إلى أن يخطب الجماهير في ميدان من الميادين العامة.

    وليس المهم أن يكون المنتصر هو جمهور الشعب أو قوة الائتلاف، وإنما المهم هو أن القاهرة كانت في لهفة للحرب في ذلك اليوم، ثم خلصت لحرب أخرى منكرة في غد ذلك اليوم، دلَّت قوة الائتلاف فيها على أنها متفوقة كل التفوق، ممتازة كل الامتياز، ساحقة ماحقة لا تبقي ولا تذر، وأبلى رئيس الوزراء فيها بلاءً حسنًا رائعًا حقًّا، فأخذ بيده بعض الأسرى، وأسلمهم إلى رجال الشرطة، ثم عاد إلى مكتبه موفورًا يشرف من قرب ومن بُعدٍ على إنهاء الأعمال الحربية التي لم يكن بدٌّ من إنهائها بعد أن انصرف عن الميدان.

    وقد عرف المصريون له ذلك، فأثنوا به عليه، وعرفه له الإنجليز خاصةً، فأثنوا على هذا البطل الذي يجمع بين السياسة والعمل، ويخاطر بنفسه في ميدان القتال. والأصل في القادة أن يديروا الحرب من بعيد، ثم ظلت القاهرة مترددة بين السلم والحرب، فإذا كانت الحرب اصطدمت قوة الائتلاف بخصومها من عناصر الفوضى، فمنعت اجتماع مصر الفتاة، ومنعت تكريم رئيس الغرفة التجارية، وضايقت المصلين حيث يصلي رئيس الوفد، وانتصرت في هذه المواقع كلها انتصارًا مؤزَّرًا. وإذا كانت السلم فهي سلم مسلحة؛ لأن التجارب أظهرت أن السلم العزلاء خطرة كل الخطر، ورئيس وزرائنا مجرب يحسن الانتفاع بالتجارب، فهو لا يحب السلم العزلاء، وإنما يحبها سلمًا مدججة بالسلاح، بادية الأظافر والأنياب، مستعدة لما يشاء مكرم باشا من الانقضاض في أي وقت، أو الانقضاض في أي زمان.

    وتنتشر الشرطة في أنحاء المدينة مستعدة للعمل في كل لحظة، وترابط القوة في المواقع الاستراتيجية الخطيرة الحساسة، مستعدة للانتشار في شكل مروحة مرة، وفي شكل كماشة مرة أخرى، كما كان يقال منذ وقت قصير.

    ومن أهم المواطن الخطرة والمواضع الحساسة تلك الدار التي يقيم فيها رئيس الوفد، فعناصر الفوضى تزورها مصبحة، وتزورها ممسية، حتى توشك هذه الدار أن تعرض أمن الدولة كلها للخطر؛ ولذلك حوصرت أشد حصار، وضيق عليها وعلى أهلها أشد تضييق، وقالت لسان الحال لرئيس الوفد: لو أنك عدت من الإسكندرية كما يعود الناس جميعًا فلم يحتفل بك أحد، ولم يجتمع للقائك شعب، لكفيت هذه المضايقة، ولأعفيت دارك من الحصار، ولأعفى زائروك من هذا العنت. وقال لسان الحال لزوار رئيس الوفد: لو أنكم تركتم رئيس الوفد يذهب ويجيء كما يذهب الناس ويجيئون، فلم تحتفلوا به ولم تجتمعوا له، ولم تحتشدوا لتحيته؛ لأتيحت لكم زيارته في غير مشقة، ولأبيح لكم لقاؤه في غير عناء. فأما وأنتم تحبونه فذوقوا ثمرة الحب، وأما وهو يحبكم فليذق ثمرة الحب أيضًا. وليس للحب قيمة إذا لم ينغصه العواذل والرقباء، فليكن بينكم وبين رئيس الوفد من الحب ما تشاءون، وليكن لنا نحن من القول والمراقبة ما نشاء.

    ثم لا يقف احتياط السلم المسلحة عند هذا كله، فرئيس الوزراء رجلٌ قويٌّ جدًّا، ولكنه — مع الأسف — لا يستطيع أن يقف دورة الفلك، ولا أن يؤخر اختلاف الليل والنهار، وكرُّ الغداة ومرُّ العشي، وإنما الزمن يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ شهر نوفمبر، ثم يمضي في طريقه هادئًا متئدًا رزينًا حتى يبلغ التاسع من شهر نوفمبر، وما هي إلَّا ليال قليلة حتى يبلغ الزمان هذا اليوم الفظيع الشنيع الذي رفعت مصر صوتها فيه مطالبة بالاستقلال.

    وقد تعود المصريون أن يكبروا هذا اليوم ويعظموه ويحتفلوا به، وكان رئيس الوزراء فيما مضى ينظم هذا الاحتفال، وينفق في تنظيمه والاستعداد له الأيام والأسابيع، ولكن الدنيا قد تغيرت، وأصبح رئيس الوزراء زعيم الائتلاف الذي يحكم مصر، والعالم كله ينظر إلى مصر في هذه الأيام الشداد كما قال رئيس الوزراء نفسه منذ حين، وما ينبغي أن ينظر العالم إلى مصر فيراها مُحتفلةً بالجهاد، فقد انقضى وقت الجهاد، أو مُطالبةً بالاستقلال، فالوزارة وحدها هي التي تطالب بالاستقلال متى حان الوقت المناسب.

    الوقت المناسب في رأي رئيس الوزراء، أو في رأي وزير الخارجية البريطانية، أو في رأيهما معًا، لا في رأي الهيئة السياسية، ولا في رأي مجلس الوزراء، فهما يريان أن الوقت المناسب قد حان منذ زمن بعيد، ولعله الآن قد فات. مهما يكن من شيء، فيجب أن ينظر العالم إلى مصر فيراها وادعةً قانعةً راضيةً بما قسم الله لها، مقبلة على البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والطعام والشراب إن وجدت طعامًا وشرابًا، والجوع والظمأ إن لم تجد طعامًا ولا شرابًا.

    يجب أن ينظر العالم إلى مصر، فلا يرى فيها استعدادًا للاحتفال، أو مطالبة باستقلال، فهذا كله خليق أن يسيء رأي العالم في مصر، وأن يحط مكانتها بين الأمم، ومن أجل ذلك تمنع المظاهرات منعًا قاطعًا، وتمنع إقامة السرادقات، ويمنع الانتفاع بمكبرات الصوت.

    ولكن هذه مسألة أخرى، ولها وجوه أخرى من التأويل، فمكبرات الصوت هذه قد تؤذي صوت رئيس الوفد حين يلقي خطبته السياسية إلى الجماهير، والجماهير تحب هذا الصوت فيجب ألَّا تسمعه، ورئيس الوفد يحب التحدُّث إلى الجماهير، فيجب ألَّا ينتهي صوته إليها. أليست قوة الائتلاف تقوم بين الشعب وزعيمه مقام العاذل والرقيب بين العاشقين؟

    والناس يتساءلون عن حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الانتقال، وعن الدستور الذي كفل هذه الحريات، وعن الوعد الذي قطعته الوزارة على نفسها بأنها ستحترم هذا الدستور في نصه وروحه جميعًا، وعن المرسوم الذي صدر بإلغاء الأحكام العرفية، ولكن الشعب المصري ساذج طيب القلب، يصدِّق كل ما يقال له، ويتقبل كل ما يلقى إليه، ولا يجهل إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن الحياة في هذا البلد العزيز، وفي هذا العهد السعيد تقوم على الكلام الذي يُقال في الليل فيمحوه ضوء النهار، ويُقال في النهار فتنسخه ظلمة الليل.

    أليس هذا كله يدل دلالة قاطعة ساطعة على أن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام أشد قوةً، ولا أعظم بأسًا مما هو الآن. فلو كان الائتلاف ضعيفًا لما أظهر هذه القوة المادية الهائلة، على أن له قوة معنوية أشد هولًا، وأعظم خطرًا من قوته المادية، فقد يُقال: إن الحزب السعدي نفسه ليس متفقًا ولا مجتمع الكلمة. وقد يُقال: إن رئيس الحزب الوطني ليس مستريح النفس ولا مطمئن القلب. وقد يُقال: إن رئيس الكتلة ليس هادئ النفس ولا مستقر الفؤاد، وإنه يشتط على الوزارة ويطالب بنوع من الجلاء لا تبقى بعده مطارات ولا طائرات ولا قواعد بحرية للإنجليز، كأن الوزارة مستعدة لقبول جلاء تبقى بعده المطارات والطائرات والقواعد البحرية للإنجليز.

    وقد يُقال: إن أستاذ الجيل في البأس والبطش، وفي تمرين الشعوب على الطاعة وأخذها بالقناعة، وتعليمها الخنوع والخضوع ليس راضيًا ولا منشرح الصدر، يستقيل من الهيئة السياسية، ثم يسترد استقالته على مضض، يقدِّم رجلًا ويؤخر أخرى، وينظر في السماء ثم ينظر في الأرض، ويستخير الله ويستشير الأصدقاء، ثم يقبل الترشيح لرياسة مجلس النواب منافسًا بذلك مرشح الحزب السعدي.

    كل هذا يُقال، ويُقال أكثر منه، وكل هذا يخيل لأصحاب القلوب الطيبة والنفوس الساذجة أن الائتلاف يريد أن ينقض أو يريد أن ينفض، ولكن هذا هو الوهم كل الوهم، والخطأ كل الخطأ، فلم يكن الائتلاف في يومٍ من الأيام أشدَّ قوةً، ولا أعظم بأسًا، ولا أمتن بناءً مما هو الآن. وليس هذا الاختلاف أو ليست هذه المظاهر للاختلاف إلَّا دليلًا على قوته ومتانته وقدرته على البقاء؛ لأنه ائتلاف من نوع جديد، ومن طراز خاص، يزيده اختلاف أعضائه قوةً، فكلما ذهب أعضاؤه مذاهب متباينة متضادة متناقضة، وخُيِّل إلى الناس أنهم لن يلتقوا؛ أُتيح لهم حبل يشد أو يمد، وإذا هم يلتقون ويجتمعون حتى يصبحوا كأصابع اليد الواحدة، وهذا الحبل هو بغض مصطفى النحاس وتنحية الوفد عن الأمور العامة.

    وما دام القوم يتفقون على بُغض مصطفى النحاس، ويأتلفون على تنحية الوفد في الشئون العامة، فأمورهم على خير دائمًا، وليس عليهم من اختلاف الرأي واختلاف الهوى.

    والمهم هو أن يدعم العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منهار، ويبقى العهد الحاضر، وإن كان كل شيء يدل على أنه منقض. ورحم الله تلك الفتاة العربية التي رأت جماعة من الشعراء قد أقبلوا مؤتلفين يلتمسون أباها، فلما سألتهم عمَّا يريدون منه قالوا: نريد أن نقارضه الشعر، فردَّتهم مُستخذين ببيت واحد قالته هي ولم يقله أبوها:

    تجمعتو من كل أوب ووجهة على واحد لا زلتمو قرن واحد

  • السفينة الجانحة | The Listing Ship

    السفينة الجانحة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٢ يوليو ١٩٤٥

    هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.

    وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.

    ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.

    وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.

    ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.

    وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.

    ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.

    أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.

    وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.

    وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.

    ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.

    إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.

    وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.

    ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.

    فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟