Tag: دبلوماسية ما بعد الحرب

  • في الوقت الملائم | In Due Time

    في الوقت الملائم

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٣ أغسطس ١٩٤٥

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.

    أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.

    ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.

    واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.

    نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.

    وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.

    كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.

    إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.

    ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.

    في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.

    في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.

    فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.

    إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.

    لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.

    على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.

    أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.

    وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.

    إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.

  • ماذا قال | What Was Said

    ماذا قال

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ أغسطس ١٩٤٥

    نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.

    المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.

    هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.

    المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.

    فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!

    معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.

    ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!

    وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.

    وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!

    أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.

    وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى.

  • الدكتاتورية الدولية | International Dictatorship

    الدكتاتورية الدولية
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٢٩ يونيو ١٩٤٥

    لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.

    وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.

    وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.

    وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.

    ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.

    ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.

    وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.

    وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.

    من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.

    وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.

    يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.

    هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟

    وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟

    وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟

    وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟

    وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟

    هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.

    والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل.

  • كلام وأحلام | Words and Dreams

    كلام وأحلام

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٧ مايو ١٩٤٥

    يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.

    ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.

    وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.

    ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.

    والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.

    والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.

    وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.

    وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.

    وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.

    والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.

    وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.

    ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.

    ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.

    أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.

    كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.

    وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.

    ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.

    ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.

    وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.

    وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.

    وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.

    إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.

    وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.

    وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.

    ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.

    مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات.

  • بين الشرق والغرب (٢) | Between East and West (II)

    بين الشرق والغرب (٢)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٢ أبريل ١٩٤٥

    لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.

    وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.

    ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.

    والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.

    ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.

    وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.

    فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.

    وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.

    وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.

    وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.

    كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟

    ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.

    والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.

    وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.

    وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.

    فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.

  • حادثان | Two Events

    حادثان

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٢ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.

    ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.

    فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.

    ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.

    كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.

    وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.

    فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.

    وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.

    فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.

    ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.

    وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.

    ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.

    وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.

    ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.

  • الغد | Tomorrow

    الغد
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.

    كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟

    وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.

    وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.

    وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.

    وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.

    وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.

    فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.

    فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.

    وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.

    وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.

    أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.

    فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.

    وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.

  • ماذا؟ | What Then?

    ماذا؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ فبراير ١٩٤٥

    يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

    ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

    وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

    أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

    فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

    وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

    ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

    وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

    أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

    وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

    هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

    وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

    وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

    وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

    وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

    هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

    ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.