حديث الوادي
المظلمة الكبرى. . .
هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
طه حسين
الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.
Tag: دستور 1930
-
المظلمة الكبرى | The Great Wrong
-
قلق٢ | Anxiety 2
حديث الوادي
قلق…
ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا "الجهاد" قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
طه حسين
الوادي، 30 نوفمبر 1934. -
رجاء٢ | A Plea 2
حديث الوادي
رجاء . . .
– ٢ –
مولاي،
ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.
وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.
فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.
والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.
والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.
فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.
والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.
نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:
وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.
وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.
آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.
والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.
والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.
طه حسين
الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤. -
رجاء١ | A Plea 1
حديث الوادي
رجاء . . .
– ١ –
أرفعه مع الإكبار والإجلال، ومع الولاء الصادق والإخلاص الصحيح، إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك. ومن حق كل مصري أن يرفع إلى جلالة الملك رجاءه إن احتاج إلى الرجاء، ودعاءه إن احتاج إلى الدعاء، ونصحه الصادق الأمين إن أحس بأن الواجب الوطني يأمره بأن يرفع إلى جلالته النصح الصادق الأمين.
وأظن أني حين أرفع هذا الرجاء إلى المقام الملكي الكريم لا أرفعه عن نفسي وحدها، وإنما أرفعه عن المصريين جميعاً، لأن المصريين جميعاً يضمرون لجلالة الملك مثل ما أضمر له من الحب، ويؤمنون لجلالة الملك بمثل ما أؤمن له به من الإخلاص، وينتظرون من جلالة الملك مثل ما أنتظر منه من الاستماع لنا إذا رجونا، والاستجابة لنا إذا دعونا، والتقدير لآرائنا التي نرفعها إلى جلالته على أجنحة مما يملأ قلوبنا من الإكبار والإجلال، ومن الحب والولاء والإخلاص. وقد كنا نحن المصريين جميعاً نؤثر ألا نتحدث بآلامنا وآمالنا إلى جلالة الملك إلا من طريق التحدث بها إلى الوزراء الذين يقيمهم الدستور صلة بين جلالته وبين الشعب، وكنا نحرص على ذلك أشد الحرص، وجهدنا في ذلك ما وسعنا الجهد، وأردنا دائماً وما زلنا نريد أن يكون جلالة الملك بمعزل عما تثيره آلامنا وآمالنا من الخصومات وألوان النزاع، ولكن الوزارة مستقيلة، فليس يجدي معها الحديث، ولم تؤلف وزارة أخرى إلى الآن نستطيع أن نوجه إليها الحديث، لترفعه إلى صاحب الجلالة. وقد استباح خصوم الكثرة الشعبية لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك وأن يتوجهوا إليه مباشرة، لم يتحرجوا ولم يتحفظوا ولم يحتاطوا. ونحن المصريين جميعاً، قد آمنا، ونريد أن نؤمن دائماً بأن جلالة الملك ينظر إلى أبناء الشعب نظراً سواء فلا يؤثر منهم فريقاً على فريق، ولا يسمع منهم لقوم دون قوم، وإنما يؤثرهم جميعاً بحبه ونصحه ويسوي بينهم جميعاً في عطفه ورعايته، فإذا استباح فريق من المصريين لا يمثلون إلا قلة لا نذكرها لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك، ويتوجهوا بالحديث إلى جلالة الملك جهرة فمن الحق للكثرة، بل من الحق على الكثرة، أن تتحدث إلى جلالة الملك بآلامها وآمالها وأن ترفع إلى جلالة الملك آراءها ومطالبها، وأن تنتظر من جلالة الملك أن يتفضل فيلقى ما ترفعه إليه بما هو أهل له من العناية والتقدير.
والكثرة تشكو إلى جلالة الملك من آثام اقترفها قوم مسئولون، وقوم غير مسئولين، وهي ترجو من جلالة الملك أن ينظر في هذه الشكوى وأن يتفضل فيأمر بتبيين جلية الأمر فيها، وأن يتفضل بعد ذلك فيأمر بأن ترد الأمور إلى نصابها، ويعود العدل إلى مستقره، وينصف المظلوم من الظالم، ويصب على الظالمين الآثمين ما يستحقون من العقاب.
وأول ما ترفعه الكثرة إلى جلالة الملك من ذلك أن رجلاً من الناس يقال له صدقي باشا تقدم منذ أعوام يزعم أنه قادر على الإصلاح مستعد لخدمة الوطن والملك، في عدل لا يشبهه عدل، وإنصاف لا يعدله إنصاف ونظام ليس مثله نظام، وكان لمصر في ذلك الوقت دستور قبلته وأحبته واتبعته وانتخبت نوابها وشيوخها الذين يمثلونها أصدق تمثيل، لينفذوه وليعملوا في ظله، وقد أقبل هؤلاء النواب والشيوخ إلى البرلمان، فأقسموا يمين الإخلاص للدستور والملك صادقين، ومضوا في البر بهذه اليمين يخدمون الوطن والملك في نزاهة وبقلوب نقية وضمائر طاهرة وعزائم لا تعرف الضعف، ولا الفتور، وإنهم لكذلك، وإذا بهذا الرجل قد أقبل، يزعم ما يزعم ويقول ما يقول وقد تفضل جلالة الملك بامتحانه وابتلائه فكلفه تأليف الوزارة وحمله أعباء الحكم، فقبل التكليف ولم يكن لقبوله أهلاً، واحتمل الأمانة ولم يكن على حملها قادراً. ثم لم يكد يستقيم له الأمر حتى أهدر حقوق الشعب إهداراً، وألغى دستور الشعب إلغاء، وفض برلمان الشعب فضاً. ثم مضى في ألوان من الظلم لم تقف عند حد، ولم تنته إلى غاية، إلا أنها ملأت قلوب الشعب بغضاً وحقداً وحفيظة، ووصمت حياة مصر من الخزي والعار بما لا يلائم كرامة شعب حر، ولا يلائم عصر جلالة الملك العظيم.
ومع ذلك كله لم تقم عقبات أمام هذا الرجل فيما حاول، ولم تظهر صعوبات لهذا الرجل تثنيه عما أراد، وكان في دستور الشعب نص صريح قاطع بأن تعديل الدستور فيما يمكن تعديله لا يتم ولا يمكن أن يتم إلا إذا أقره المؤتمر الذي يأتلف من مجلسي البرلمان. فلم يحفل هذا الرجل بهذا النص، ولم يقف عنده ولم يلتفت إليه ولم يتورع من إهداره وتجاوز حدوده مع أنه كان قد أقسم اليمين بالوفاء لهذا الدستور والمحافظة عليه، لم يذكر يمينه، أو لم يحرص على البر بها وألغى الدستور إلغاء، واستصدر دستوراً جديداً اتخذه ستاراً لشر أنواع الحكم وأقبح ضروب الظلم وأفظع صنوف السيئات. ثم انتهى إلى الإخفاق، وجاء بعده قوم آخرون لم يكونوا خيراً منه، ولم يكونوا شراً منه، مضوا على أثره يحنثون بالأيمان التي أقسموها للدستور، ويتخذون الدستور ستاراً لأقبح أنواع الحكم لا يخافون شيئاً ولا يستحون من أحد حتى دارت عليهم الدائرة كما دارت على الذين سبقوهم إلى الظلم والجور.
ثم فتح باب هذه الأزمة على مصراعيه وتفضلت يا مولاي فأمرت رئيس ديوانك العالي أن يعرض الوزارة على رجل آخر من المصريين لم يشترك في الظلم ولم يساهم في الجور، ولم يحنث في اليمين، وإنما نصح ما وسعه النصح، فلما رأى أنه غير قادر على العمل اعتزله واستقال، وقد علم الشعب المصري يا مولاي، أن أمرك الكريم بعرض الوزارة عليه لم يكد يبلغه حتى أسرع إلى الاستجابة ولم يتردد في التلبية. ولكنه كان في ذلك ناصحاً مخلصاً لوطنه ومليكه كما كان من قبل، حين عمل وحين اعتزل العمل. وقد رأى أن نصحه للوطن والمليك يفرض عليه أموراً لا يستطيع بدونها أن يلي الحكم، وينجح في حل ما يواجه مصر من المشكلات التي أثارها ظلم الظالمين وعجز العاجزين، فرفع هذه الأمور إلى السدة الملكية الكريمة وانتظر: وبينما كان هذا الرجل ينتظر وكان الشعب ينتظر معه أخذ أنصار هذا النظام الجديد الذي أعلن في غير موافقة للدستور والذي فرض على الشعب فرضاً، والذي لم يرض الشعب عنه في لحظة من اللحظات، أخذ أنصار هذا النظام وفي طليعتهم رئيس النواب، ورئيس الشيوخ القائمين، يذيعون في الشعب عن طريق الصحف والأحاديث أن جلالتكم تحرصون على هذا النظام أشد الحرص، وتأبون إلغاءه أشد الإباء.
وقد زعم رئيس النواب والشيوخ يا مولاي للناس أنهما سمعا ذلك من جلالتك حين تشرفا بالمثول بين يديك والشعب المصري يا مولاي لا يصدقهما ولا يعتقد أنهما قد صورا رأي جلالتك تصويراً صحيحاً، وذلك طبيعي، فالشعب المصري لا يستطيع أن يفهم ولا أن يصدق أن يصل صدقي باشا إلى ما وصل إليه من إلغاء دستور آمن به الشعب دون أن يجد في ذلك مشقة أو عناء، وألا يصل نسيم باشا إلى ما يريد من إلغاء دستور لم يؤمن به الشعب، وإنما تقوم أمامه العقبات، وتظهر أمامه المصاعب، وتثار بين يديه المشكلات.
والشعب المصري يا مولاي لا يستطيع أن يفهم أن يكون إلغاء مادة من هذا الدستور مستحيلاً، على حين لم تظهر استحالة ولا شيء يشبه الاستحالة في إلغاء الدستور القديم كله. والشعب المصري يا مولاي يعتقد أن الظروف التي سهلت تغيير الدستور القديم دون الرجوع إلى المؤتمر، تستطيع أن تبيح تغيير الدستور الجديد قبل أن يبلغ عشرة أعوام. والشعب المصري يا مولاي يرفض كل الرفض ما يذيعه دعاة السوء من أن إرادتك السامية تناقض في هذه الظروف إرادة شعبك المخلص الأمين.
والشعب المصري يا مولاي يؤمن كل الإيمان بأن الأمر إذا صور لجلالتك على وجهه، فإن حبك لوطنك وتقديرك لأمتك، وحكمتك التي هي موئل مصر، كل ذلك كفيل بأن يرد إلى كل ذي حق حقه، وبأن يحمل جلالتك على أن تجري مع طبيعتك الكريمة التي تؤثر العدل والحق، ولا تريد لهذا البلد إلا خيراً، ولا ترضى لهذا الشعب إلا أن يكون عزيزاً كريماً. والشعب المصري يا مولاي واثق كل الثقة بأن أمرك الكريم سيصدر في أقرب وقت ممكن فيفتح أبواب الأمل لهذه الملايين التي حال اليأس دونها ودون الاغتباط أعواماً طوالاً ويرد طير السوء إلى أوكارها، ويقطع ألسنة المرجفين، ويعلن إلى العالم الذي يرقب مصر في هذه الأيام أن صاحب عرش النيل وسكان وادي النيل متفقون أشد الاتفاق لا يمكن أن يثور بينهم خلاف، لأن صاحب العرش لا يضمر لشعبه إلا حباً وعطفاً وتقديراً ولأن أبناء النيل لا يضمرون لمليكهم إلا ولاءً وإخلاصاً وإجلالاً.
نعم يا مولاي هؤلاء مئات من أصحاب المنافع يسعون في الأرض مفسدين، ويذيعون في الناس كلمة السوء لا يبتغون إلا المنافع العاجلة، وهؤلاء أربعة عشر مليوناً من المصريين يرفعون إلى جلالتك حبهم وإخلاصهم ورجاءهم في أن تجعل كلمة الشعب هي العليا، وكلمة المستبدين هي السفلى، وفي أن ترد مصر أمام نفسها وأمام الأجانب إلى ما ينبغي لها من الكرامة والعزة وإباء الضيم.
وأنا يا مولاي واثق بأن أمل الشعب المصري فيك لن يخيب.
طه حسين
الوادي، ١١ نوفمبر ١٩٣٤.