Tag: ديناميكيات القوة

  • رسالة لم يكتبها الجاحظ | A Letter al-Jahiz Never Wrote

    رسالة لم يكتبها الجاحظ

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٢ مارس ١٩٤٨

    إلى …

    يسَّرَك الله للخير، ويسَّر الخير لك، وصرفك الله عن الشر، وصرف الشر عنك، ودلَّك الله على الحق، ودل الحق عليك، وساقك الله إلى الصواب، وساق الصواب إليك، وأشاع الله في قلبك الغبطة، وأسبغ على نفسك البهجة، وأنزل على ضميرك السكينة، ونقَّى دخيلتك من الموجدة والضغينة، وجعل ما ظهر من أمرك بشرًا ويمنًا، وما خفي من سرِّك دعة وأمنًا، ووطأ كنفك للصديق المقارب، ومهَّد عفوك للعدو المجانب، ورفع مكانك عن كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وخفض جناحك للَّائذين بك واللاجئين إليك، وثبَّتك على ما ركب في طبعك من إعطاء المحروم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وتعزية الملتاع، والأخذ بيد الضعيف، والتجاوز عن إساءة المسيء، والإعراض عن جهل الجاهلين.

    ***

    بهذا كله أدعو لك حين ألقاك، وحين أنأى عنك، وبهذا كله أدعو لنفسي حين أخلص لها خاليًا إليها، وحين أشغل عنها نافرًا منها. فالله يشهد ما أحببت لنفسي شيئًا إلا أحببت لك مثله، أو خيرًا منه، وما كرهت لنفسي أو من نفسي شيئًا إلا تمنيت أن يعصمك الله منه، وينزهك عنه، ويجنبك التورط فيه. فأنت رفيق الصبا وصديق الشباب، وأنت شقيق نفسي وأليف قلبي، والشريك في النعمة حين تظل، والحليف على النائبة حين تنوب، والمعين على الخطب حين يَدْلَهِمُّ، والظهير على الأيام حين تحدث فيها الأحداث وتتعقد فيها المشكلات. فما نصحت لك قط ولا أشرت عليك ولا رفقت بك، إلا رأيتني لها ناصحًا وعليها مشيرًا وبها رفيقًا.

    وما أعلم أنَّك احتجت قَطُّ إلى نصح الصديق ومشورة الخليل كما تحتاج إليهما الآن حين ارتفعت منزلتك عند أصحاب الشأن، وأُلْقِيَ إليك الخطير من أَزِمَّةِ الحكم، فطمِع فيك الطامعون، وأشفق منك المُشفِقون، وانعقدت بك الآمال، ولاذت بك الأماني، وأصبحت من وفور النعمة وبسطة الجاه بحيث لا تستقبل النهار ولا تستقبل الليل، ولا تعبر ساعة من ساعاتهما أو لحظة من لحظاتهما إلا فكَّر فيك مفكِّر يريد أن يستظل بجناح من نعمتك أو يتقي طائفة من نقمتك؛ فأنت المرجو المَخوف، وأنت المحبب المبغض، وأنت المرموق المرموق، وأنت المغبوط المحسود. وإذا بلغ الإنسان مثل ما بلغت من ارتفاع المنزلة وعلو المكانة وانبساط السلطان وامتداد القوة؛ كان خليقًا أن ينأى بنفسه عن الغرور والتِّيهِ، ويبرئها من الصَّلَفِ والكبرياء، ويحميها من الاندفاع في الثقة، والاعتداد بالحول والطول، والاستغناء بالثراء والبأس، ويذكر أنَّه قد قوي بعد ضعف، وأثرى بعد فقر، واستغنى بعد احتياج، وأنَّ ضمائر الأيام تحفظ للناس من أسرار الغيب ما يُحبُّون وما يكرهون، وتدَّخر لهم من الأحداث ما يعرفون وما ينكرون. فمن أتيحت له القوة قد يُقدر له الضعف، ومن مُكِّنَ له في الأرض قد تنبو به الدار، ومن ابتسمت له الأيام قد يعبس له الدهر، النعمة وديعة في أيدي أصحابها قد يطلبها من استودعهم إياها، والقوة عارية في أيدي الأقوياء، قد تُؤخذ منهم لتُردَّ على الضعفاء، والله عز وجل يقول: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) وقد قال الشاعر القديم:

    فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويوم نُسَاءُ، ويوم نُسَرُّ

    فأحذرك أول ما أحذرك أيها الأخ الصديق والخليل الشفيق: الاعتداد بالنفس، والاغترار بالحول والطول، والانخداع بابتسامات الدهر؛ فإنَّها قد تصدقك اليوم لتكذبك غدًا. فاحذر نفسك أول ما تحذر، وأشفق عليها منها قبل أن تشفق عليها من الناس، واذكر قول الله عزل وجل في قصة يوسف عليه السلام: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )؛ فلا تنفذ لنفسك أمرًا تتلقاه منها حتى تتدبره وتفكر فيه؛ فتطيل التفكير، ومهما يواتيك الحظ فاذكر حالك قبل أن يواتيك، وقدِّر أنَّك قد تعود إلى مثل ما كنت فيه، واذكر رأيك في أصحاب الرأي قبل أن تكون منهم، ونقدك لهم وحكمك عليهم قبل أن ترقى إلى مكانك بينهم. واعلم أنَّ النَّاس يقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم، ويحكمون عليك بمثل ما كنت تحكم عليهم، واذكر في أول ما تذكر أنَّ لك ضميرًا يرضى ويسخط، ويعرف وينكر، ويحمد ويذم، وأنَّ أعباء الحكم قد تشغلك عنه أو تشغله عنك، ما امتدت لك أسباب القوة. ولكن ستفرغ له كما أنَّه سيفرغ لك ذات يوم أو ذات ليل؛ فاحرص على ألَّا تسمع منه إلا خيرًا.

    ***

    وأنت بعد ذلك محتاج إلى نصح الصديق ومعونة الخليل فيما أحدث الحكم بينك وبين الناس من صلات، فأنت تدبر أمورهم وترعى مرافقهم، تسوسهم باللِّين حينًا، وتسوسهم بالشدة أحيانًا. فأنت تُطمِع وتُخيف، وأنت تُشيع الرغب وتُشيع الرهب، وأنت تمد أسباب الرجاء وتُرسل إلى القلوب صواعق اليأس. فالنَّاس بين مبتغٍ إليك الوسيلة، ومتربص بك الدائرة، ومنتهز فيك الفرصة. كلهم يظهر لك المودة، وأكثرهم يُضمر الموجدة عليك، ويطوي قلبه لك على شر ما تُطوى عليه القلوب.

    وأخوف ما أخاف عليك من الناس: سعيهم عندك بالنميمة، ومشيهم إليك بالوقيعة، وابتغاؤهم رضاك بالوشاية؛ فالنَّاس يبتغون إلى الحاكم كل وسيلة، ويتقربون إليه من كل سبيل، يتنافسون فيما عنده، ويغريهم ذلك بأن يكيد بعضهم لبعض، ويمكر بعضهم ببعض، ويتكذب بعضهم على بعض، كلهم يريد أنْ ينالَ منَ الحكومة أكثر ممَّا ينال غيره من النظراء، وهم من أجل ذلك في هَمٍّ مقيم وتحاسُد متصل وتباغُض ملح، يسعون إلى آمالهم بما يستقيم من الطرق وما يعوج، وبما يباح من السيرة وما يحظر، وبما يَحسُن من القول والعمل وما يقبح، يتبادلون المساءة فيما بينهم، ولكنَّهم يختصونك بشرِّ ما يتبادلون من النكر والسوء، ويفسدون قلبك على الناس، فيفسدون قلوب الناس عليك، ويسيئون رأيك فيهم فيسيئون رأيهم فيك. ثم ينتهون آخر الأمر إلى أن يُفسدوا عليك أمرك، ويسيئوا رأيك في نفسك، ويباعدوا بينك وبين ضميرك، وينغصوا عليك راحة الليل، ونشاط النهار.

    ***

    وإذا وجب عليك أن تحذر نفسك، وأن تحذر الناس، فقد يستبين لك أنَّ الحكم نقمة لا نعمة، ومحنة تُبتلى بها النفوس، وتُفتن بها القلوب، وتُمحص بها الضمائر، فهو عناء لا راحة، وهو شقاء لا سعادة، وهو قلق لا هدوء، وهو خوف لا أمن. واذكر — أصلحك الله — أيام كنا نلتقي فنذكر فلانًا وفلانًا من الحكام الذين سبقوك، نعيبهم كثيرًا ونثني عليهم قليلًا، ونرثي لهم دائمًا، ونتمنى للصديق منهم أن يجلي الله عنه الغمرة ويُفرج عنه الكربة، ويحط عنه أعباء الحكم وأوزاره، ويرده إلى الحياة الحرة السمحة التي لا يحمل الإنسان فيها إلا أوزار نفسه، والتي لا يثقل الإنسان نفسه فيها بأوزار الناس، وما أكثر أوزار النَّاس!

    ولقد تبتسم راضيًا أو ساخطًا حين تعلم أني أكتب إليك هذه الرسالة، وفي نفسي من الحب لك والرفق بك والإشفاق عليك، ما يحملني على أنْ أسأل الله لك العافية، وأتمنى عليه أن يضع عنك إصر الحكم وأغلاله، وأن يردك إليَّ من هذه المحنة سالمًا موفورًا، وقانعًا من الغنيمة بالإياب؛ فخير غنيمة للحاكمين أن يخرجوا من الحكم أنقياء كما كانوا قبل أن يدخلوا فيه، لم يغنموا منه إلا سلامة الإياب!

  • غرام … | Infatuation…

    غرام …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١ أبريل ١٩٣٤

    نعم غرام، كلمة تقرؤها فتنكرها؛ لأنك لم تتعود أن تراها في هذا المكان من الكوكب، ولأنك لم تتعود أنْ نتحدث إليك في الغرام وفنونه، والهيام وفُتُونه، والحب وجنونه، فلهذا الموضوع وأشباهه ظروف أخرى يَحْسُن التحدث عنه فيها، ولكنني مع ذلك سأتحدَّثُ إليك عن الغرام.
    وليس عليَّ بأس من أن تنكر هذا الحديث أو تعرفه؛ فإني لم آخذ على نفسي عهدًا بأنْ لا أتحدث إليك إلا فيما تُريد، ولعلي أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتحدث إليك إلا فيما أُريد أنَا، وأنَا اليوم أُريد أنْ أتَحَدَّث في الغَرَام والنَّاسُ يَظُنُّون بي العُنف، ويتهمونني بالقسوة، ولكني أؤكد لك أني بريء من العُنف والقسوة. فمع أني حريصٌ كل الحرص، مُصِرٌّ كل الإصرار على أن أتحدث إليك في الغرام، فأنَا لا أريد أنْ أَفْرِض عليك هذا الحديث فرضًا، ولا أنْ أَسُوقه إليك دون أنْ أُبين لك لماذا أسوقه إليك؛ فأنا أريد أنْ آخذك بالإقناع لا بالإكراه، وستوافقني بعد أسطر قِصارٍ على أني لم أخطئ حين اخترت الغرام موضوعًا للحديث في هذا اليوم.
    فالغرامُ الذي أريد أن أتحدث فيه ليس غرامًا عاديًّا مألوفًا، وإنما هو غرام مُمْتاز، غرام من الطراز الأول، غرام لا أعرف له إلا مَثلًا واحدًا في جميع أطوار الحياة الإنسانية مُنذ بدأتْ إلى الآن.
    وأَظُنُّك تَرى معي أنَّ غرامًا من هذا الطراز خَليقٌ أنْ يكون موضوعًا للحديث في صحيفة سيارة شديدة العناية بالسياسة، فإذا عرفت بعد هذا أنَّ هذا الغرام الحديث كذلك الغرام القديم لا يبرأ من السياسة، ولا يخلص من آثارها، وإنما هو سياسة كُلُّه، عرفتَ أنِّي لم أزدك على شيء طريف، وأني لستُ — كما يقول خصومي — مُجدِّدًا مُسرفًا في التجديد، وإنَّما أنا مُحافظ غالٍ في المُحافظة، وآيةُ ذلك أنَّ الغرام القديم هو الذي دفعني إلى الحديث عن الغرام الجديد.
    ولعلك سئِمْتَ المُقدمات، ولعلَّكَ اشتَقْتَ إلى هذا الغَرَام، ولعَلَّك تُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ ما هو؟ وما طبيعته؟ ولعلك تستعجلني في أن أصل إلى الموضوع، فقد أصل إليه، وأؤكد لك أني لم أبسط هذه المُقدمة إلا تشويقًا لك؛ لأنَّ الموضوع خليقٌ أنْ تشتاق إليه.
    والآن يجبُ أنْ تفتح أذنيك، وأنْ تُصغي لحديث الغرام؛ فالزَّعيم العظيم هتلر مُغرم بالملكة العظيمة نفرتيتي، وأظنك ترى بعد أن سمعتَ هذين الاسمين أنَّ هذا الغرام خليقٌ لا بعنايتي وحدي، بل بعناية الكُتَّاب جميعًا، ومتى ظفر كُتَّابُ السياسة والأدب والفن بموضوع له خطر هذا الموضوع، بل متى ظفر الكُتَّاب والشعراء بعاشق كالزعيم الألماني العظيم، وبمعشوقة كالمَلِكَة المصرية الخالدة؟
    قُلتُ لك: إنَّ هذا الغَرَام ليسَ له إلَّا مثلٌ واحِدٌ في حياة الإنسان، وهذا المَثَلُ لا يُوجد إلا في الإلياذة، وهو عشق باييس لهيلانة، على أنَّ الشبه بين هذين الغرامين ليس دقيقًا من كل وجه، فقد كانت هيلانة مِلكة على إسبرتا، كما كانت نفرتيتي ملكة من ملكات مصر، وكان باييس ملك طروادة. أما الزَّعيم هتلر فليس ملكًا، ولا ابن ملك، وليس بينه وبين أسرة مالكة صلة من قريب أو بعيد، إنما هو رجل ديمقراطي، وإنْ كان يُحارب الديمقراطية، ويُؤلب عليها أشد التأليب. هو رجل شعبي، وإن كان يشك في سلطة الشعب، هو على كل حال رجل من أبناء الشعب، رجل مثلك ومِثلي لم ينحدر من هذه العناصر المُمتازة التي كتب الله لها الامتياز، وإنما خرج من هذه الطبقات العادية التي تضطرب في الأرض وتَجِدُّ في كسب الحياة.
    ولكنه على كل حال زعيم ألمانيا وعَظِيمُها، قد اجتمعت كلها من حوله، ومَنَحَتْهُ من القوة والتأييد، ومن الثقة والحُبِّ أو الخَوف ما لم يَظفر به كثير من الملوك، وهو من هذه الناحية خليقٌ أنْ يُشَبَّه بباييس بن بريام، ملك طروادة.
    باييس ذلك الذي عشق هيلانة فخطفها، وأوى بها إلى مدينته العظيمة المُحَصَّنة، فاحتفظ بها هناك أسيرة أجمل الإسار. باييس ذلك الذي أحفظ اليونان جميعًا، وآثارهم جميعًا لحرب مُنكرة اتصلت أعوامًا وأعوامًا، وانتهت بتدمير طروادة، وأنطقت الشعراء بأجمل ما نطق به الشعراء.
    فلولا باييس ما كانت الإلياذة، ولولاه ما كانت الأوديسة، ولولاه ما كانت كل الآداب اليونانية، ولا كل ما نَشَأ عنه مِنَ الأدب القَدِيم والحديث. ونحنُ حين نذكر باييس وحده نَظْلِم ونُسْرِفُ في الظلم، ونُوشك أن نغضب السيدات؛ لأنهن حريصات في هذه الأيام على أنْ لا يستأثر الرَّجُل بشيء من دونهن، فباييس قد أثار هذا كله بفضل الحب والغرام، والعشق والهيام، والهوى الذي كان يملأ قلبه لهيلانة ملكة الحسن والجمال، والقد والاعتدال، كما تقول العامة.
    ومِنَ المؤكد أنَّ الزَّعيم هِتْلر كانَ يَسْتَطيع أن يعشق مَلكتنا القديمة الجميلة، وأنْ يصلى من عشقها نارًا لا تخمد دون أن يؤثر ذلك في رجوع هذه الملكة العظيمة إلى ملكها العظيم، لو أنه ظل كما كان رجلًا مثلك ومثلي لا يستمتع بقوة ولا سلطان، ولكنه ارتقى، وارتقى حتى أصبح أقوى ألفي مرة من باييس. وأين تكون قوة طروادة من قوة ألمانيا الآن؟
    ولذلك استطاع الزَّعيمُ العظيم هتلر أن يقول: إنه مُغْرَمٌ بهذا الملكة العظيمة غرامًا يَمْنَعُه مِنْ أنْ يَأْذَنَ بِرُجوعها إلى مُستقر آبائها، وموطن مُلكها وسلطانها، على حُبِّه للمصريين، وحرصه على إرضاء المصريين، ولكن الإحسان المنظم يقتضي أن يبدأ الإنسان بنفسه فيحسن إليها، وهو يحب، وحبيبته أسيرة عنده، وهو محتفظ بأسيرته، سواء أرَضِي المصريون أم لم يرضوا، سواء أرَضِي الحق أم لم يرض، ومتى كان الحق قادرًا على أن يَثبُتَ للحب والغرام، والعشق والهيام، ويحمل المُحبَّ على أن يفرط فيمن يحب؟
    وإذا كان باييس قد أبى أن يُسلم هيلانة، ونصره الطرواديون جميعًا على هذا الظلم، وتعرَّض الطرواديون جميعًا لتلك الحرب المُنكرة التي مَحقت مدينتهم مَحقًا، وسَحقت سُلطانها سَحقًا، وجعلتها أحاديث، فكيف يقبل الزعيم العظيم أن يسلم الملكة وهو يعلم حق العلم أنَّ الفلك قد دار، وأنَّ الأيامَ قد تَغَيَّرت، وأنَّ مِصْرَ لا تُقاس إلى اليونان القُدماء، ولا تستطيع، بل لا تفكر، بل لا تحلم بأنْ تتهيأ لاستنقاذ المَلكة المصرية العظيمة كما تهيأ اليونان لاستنقاذ المَلكة اليونانية الحسناء فاستنقذوها؟
    إذن فالزَّعيم العظيم مُطْمَئِنٌّ إلى أنه سيحتفظ بعشيقته سواء رضي المصريون أم لم يرضوا، سواء رضي الحق أم لم يرض، ولكن السؤال الذي يستحق التفكير هو رأي الملكة العظيمة نفسها: أتلقى حبًّا بحب، وعشقًا بعشق، وغَرامًا بغرام؟
    فقد كان يُقال: إنَّ هيلانة أحبت باييس، وكانت تُؤثر المُقام معه في طروادة، فهل أحبتْ المَلِكة نفرتيتي زعيم ألمانيا العظيم؟ وهل آثرت أنْ تُقيم معه في ألمانيا العظيمة؟ أم هل تصبو هذه الأسيرة العزيزة إلى وطنها الذي كان عزيزًا في أيامها، فأصبَح ذليلًا في هذه الأيام؟ سؤال لا سبيل إلى أن يظفر بالجواب؛ لأنَّ مَلِكَتنا العَظيمة القديمة العانية البائسة لا تستطيع أن تسمع، ولا تستطيع أن تُجيب، ولا تستطيع أن تُعرب عما تجد، ولعلها لا تستطيع أن تجد شيئًا.
    ومتى أحست التماثيل، ومتى استطاعت التماثيل أنْ تشعر أو تقول؟ مهما يكن من شيء؛ فزعيم ألمانيا عاشق لابنة فرعون، وفي مصر أربعة عشر مليونًا يعشقون ابنة فرعون هذه، ولكنَّ رجلًا واحدًا قادر على أن يُرضي عشقه؛ فأمَّا هذه الملايين، التي تَبْلُغ أربعة عشر أو خمسة عشر، فعَاجِزَة عن أنْ تُرضي عشقها، مضطرة إلى أن تكتفي بهذا الشوق الذي يحرق أفئدتها، ويُؤرق ليلها، ويعلمها أن القوة حق، وأن الضعف حق، وأن اليقظة حق، وأن النوم والغفلة حق أيضًا.
    وأظرفُ ما في الأَمْرِ أنْ تَتَحَدَّث بعض الصحف إلى وزير ألمانيا المُفَوَّض لتعرف منه أحق أنَّ الزَّعيم العظيم قد شغفه حب الملكة العظيمة؛ فيُجيبُ الوزير بأنَّ هذا الأمر موضوع مُفاوضات دبلوماسية فلا ينبغي أن يدور حوله الحديث. مَعذرة يا سيدي الوزير، ليكن هذا الأمر موضوع مفاوضات دبلوماسية، فإنا نتخذه مع ذلك موضوعًا للحديث.
    وماذا تخاف من هذا الحديث وأنت مُطمئن إلى أنَّ أسيرتنا العزيزة لن تخرج من بلادك إلا إذا أذنتم لها في الخروج؟ لقد ثار اليونان لهيلانة فاقتحموا البحر، وأشهروا الحرب، وغيروا وجه الأرض، واستردوا مَلِكتهم، وعادوا بها أعِزَّاء، أفَلَا يُؤذن لنا نحن — المصريين — في أن نُعلن حُزننا وشوقنا إلى هذه الملكة العظيمة التي تحفظ في مَتحف من متاحف برلين وأنوفنا راغمة؟
    هذا كثير، وأكثر منه أن نَقْبَله أو أنْ نمتنع عن الخوض في هذا الحديث.
    أرأيت أيها القارئ العزيز أني لم أكن مَازحًا، ولا مُداعبًا، ولا مُخطئًا حين تحدثت إليك في هذا الغرام؟

  • دروس | Lessons

    حديث المساء: دروس

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٣ يناير ١٩٣٤

    قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.

    ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.

    وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.

    وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.

    وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.

    ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.

    ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.

    فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.

    أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.