شكوى
أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣
Tag: رأي عام
-
شكوى | A Complaint
-
عناد | Obstinacy
عناد
زعم المصريون أن المستشار المالي نصح للحكومة المصرية ألا تتعجل إنشاء خزان جبل الأولياء، ثم أكد المصريون هذا الزعم وجعلوه يقينًا، ثم نشرته الصحف! وطلبت وطلبنا معها إلى الحكومة أن تبين للناس وجه الحق فيه. وقد أخذ الإنجليز يزعمون وينشرون كما كان المصريون يزعمون وينشرون أن المستشار المالي لا ينصح بالمضي في هذا المشروع الآن. وكل شيء يدل على أن الإنجليز سيستيقنون بعد ما زعموا كما زعم المصريون ثم استيقنوا. وإذن فمن المحقق — إلى أن تقول الحكومة المصرية غير هذا — أن الرجل الذي تصر الحكومة الإنجليزية على بقائه في منصبه بمصر رقيبًا على تصرفات مصر المالية، لا يريد أن يحتمل تبعة الصمت على هذا التصرف الغريب في هذه الأزمة المنكرة. ومعنى هذا كما قلنا من قبل أن المستشار الإنجليزي لا يتردد في أن يقهر عواطفه الإنجليزية، ويعرض عن المنافع الإنجليزية، ويعلن إلى الحكومة رأيًا مكتوبًا، وهو الأصح بتأجيل المشروع الآن.
كل هذا حق إلى أن تنفيه الحكومة نفيًا صريحًا واضحًا، لا يحيط به من الغموض والإبهام مثل ما أحاط بموقف وزير الأشغال من هذا المشروع. وإذن فقد تمضي الحكومة في إنشاء الخزان دون أن يحتمل الإنجليز في ذلك تبعة ما، بعد أن نصح مثلهم الرقيب على تصرفاتنا المالية بالتريث والأناة نصحًا لا لبس فيه ولا غموض. فإذا كانت هناك تبعة فمصر الرسمية وحدها هي التي تحتمل هذه التبعة، لأن الشعب قد كره المشروع وأعلن كرهه وألح في العدول عنه أو في تأجيله، ولأن الإنجليز — على حبهم للمشروع وكلفهم به وانتظارهم المنافع المختلفة من ورائه — قد نصحوا على لسان المستشار المالي بتأجيله والتريث فيه.
وليس يعنينا كما قلنا من قبل أن تكون نية الإنجليز صادقة أو غير صادقة حين قدموا هذا النصح، ولا أن يكون هذا النصح ملائمًا أو غير ملائم لأمانيهم ودخائل نفوسهم. وإنما الظاهر من أمرهم الرسمي وحده هو الذي يعنينا. وإذا كان الشعب المصري الذي سينفق على هذا المشروع، والذي سيحتمل آثاره الضارة أو سينعم بآثاره النافعة، يكرهه ويلح في العدول عنه، وإذا كان الإنجليز أنفسهم ينصحون بتأجيله واصطناع الأناة في تنفيذه، فمن الحق على كل عاقل أن يسأل: وإذن فما مضي الحكومة في هذا المشروع؟ ولمن تريد الحكومة أن تقيم الخزان وقد كرهه المصريون وأظهر الإنجليز الزهد فيه؟
من الحق على كل عاقل أن يسأل هذا السؤال، ومن الحق على الحكومة أن تجيب على هذا السؤال، وأن تجيب عليه في صراحة ووضوح. ونظن أن الحكومة توافقنا على أن ذلك العصر الذي كانت تُكره فيه الشعوب على ما لا تريد إكراهًا، والذي كان سادتها وقادتها يعلنون فيه أنهم ينفعونها رغم أنوفها، ويحققون لها الخير على كره منها، قد انقضى وعفت آثاره. وأصبحت الشعوب الآن تقدر حقها في أن تريد أو لا تريد، وفي أن تنتفع أو لا تنتفع. وقد عصفت الحياة الحديثة بعصمة السادة والقادة، ونزعتهم عن الخطأ، فأصبحوا رجالًا كغيرهم من الناس، لا تكسوهم المناصب سيادة على الأمم، ولا تمكن لهم في الأرض، ولا تتيح لهم أن يكرهوا الشعوب على ما لا تريد. أصبحوا قومًا تأجرهم الشعوب ليحققوا لها آمالها ومنافعها العامة كما تريد هي، لا كما يريدون هم. فإن اتفقت آراؤهم مع آراء الشعوب فذاك، وإلا وجب عليهم الإذعان لرأي الشعوب والتخلي عن مناصبهم.
انتقلت السيادة من الحكام إلى المحكومين في هذه الأيام، وأصبح المحكومون هم السادة، وأصبح الحاكمون عمالًا يعملون بأمرهم وينفذون قضاءهم. وأنا أعلم أن هذا كلام قد تبتسم له الحكومة في ضرب من الاستهزاء والسخرية، لأنها لا ترضاه ولا تؤمن به، ولكني أعلم أيضًا أن هذا الكلام هو وحده الذي يرضاه الشعب ويؤمن به، ويطمئن إليه، ويراه مرآة صادقة لما يملأ نفسه من الشعور بسيادته وحقه الخالص في الإشراف على الأمور العامة.
الشعب إذن لا يريد هذا الخزان الآن، والإنجليز لا يلحون فيه ولا يصرون عليه، فلمن تقيمه الحكومة؟
ولندع النظريات، فلو قد مالت الحكومة إلى تصور الصلة بينها وبين الشعب على هذا النحو الذي وصفناه، والذي يقوم على سيادة الشعب وحده، لأراحت نفسها من اللوم المتصل، ولأراحتنا نحن من عهدها هذا الطويل السعيد، ولتخلت عن الحكم ومناصبه منذ عهد بعيد.
لندع إذن هذه النظريات، ولنسأل الحكومة عن الفائدة العملية التي تنتظرها هي لنفسها من إقامة هذا الخزان بعد أن ظهر في وضوح وجلاء أن الأمة لا تنتظر الآن منه خيرًا. إنما تقدم الحكومة على الأعمال الخطيرة لأمرين: إما لتحقيق منفعة شعبية عامة، وإما لتحقيق منفعة سياسية خاصة. فما هذه المنفعة السياسية الخاصة التي تريد الحكومة تحقيقها بإقامة هذا الخزان؟
كأن الناس يقولون إن الحكومة تتقرب بهذا الخزان إلى الإنجليز لتستطيع الوزارة أن تبقى في مناصبها، ولكن الإنجليز لا يلحون الآن في هذا الخزان، فهل ترى الحكومة أن من الكرامة أن تسرف في الإلحاح إلى حيث تضع نفسها موضع الذي يريد أن يكره الإنجليز على تحقيق منافعهم، ويأخذهم بقضاء مآربهم السياسية رغم أنوفهم؟ وهل من المصلحة السياسية الخاصة للحكومة عند المصريين وعند الإنجليز أنفسهم أن يقال عنها إنها تحرص على المنافع البريطانية أكثر مما تحرص عليها بريطانيا العظمى نفسها؟
لست أدري أتجد الحكومة أم تهزل؟ فليس في إصرارها على إقامة الخزان رغم المصريين ورغم النصيحة الإنجليزية الرسمية شيء من الجد، وليس هذا الموضوع مما يصلح للهزل، فيا له من هزل هذا الذي يعرض مالية الدولة للاضطراب.
ولوزير الأشغال كلمة لا تخلو من ظرف، ولكنها لا تخلو من عبرة وعظة. قال لبعض الصحافيين الذين تحدث إليهم منذ أيام: «هاتوا لنا مياهًا بمقدار أربعة أمثال ما عندنا الآن، ونحن نعرف كيف نوزعها».
ومن المؤكد أن وزير الأشغال لن يضيق بأضعاف ما عندنا من الماء، وأي شيء أيسر من التوزيع والتبديد؟ والحكومة تقيم في كل يوم أدلة واضحة قاطعة على أن التوزيع نفسه ليس معجزًا ولا شاقًا، وإنما المعجز الشاق هو التوزيع المنتج الذي يفيد. إن الحكومة توزع أموال الدولة حتى تحتاج إلى أن تستدين، وهي قادرة على أن تفرغ ما تستدين حتى تضطر إلى أن تستدين مرة أخرى. ويستطيع وزير المالية بالأصالة، أو وزير المالية بالنيابة، أن يقول: هاتوا لنا أضعاف ما عندنا من المال ونحن نعرف كيف ننفقه. ليس شيء أيسر من الإنفاق، ولكن المسألة هي أن نعرف: أنافع هذا الإنفاق أم ضار؟ أمفيد هو أو غير مفيد؟
تستطيع المياه أن تكثر، فقد يمهد لها الطريق إلى البحر، وقد يمهد لها الطريق إلى الصحراء، وقد تترك لها الحرية فتطغى وتملك كل شيء. ولكن المسألة التي لم يقل فيها وزير الأشغال شيئًا هي قدرته أو عجزه عن توزيع هذه المياه بحيث تبعث في أرض مصر الخصب والثروة.
والظاهر — كما يقال — أن وزير الأشغال كان يؤمن في وقت من الأوقات أن هذا التوزيع المنتج المفيد ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير. ما أجدر وزير الأشغال، وقد جعلت الظروف إليه أمر وزارة المالية في هذه الأيام، أن يفكر في إنفاق المال إذا كان يسيرًا، فقد يكون جمعه من العسر والمشقة أحيانًا ما يضطر الحكومات والأمم إلى الإفلاس. وما أجدره، وقد جعلت إليه الظروف شؤون المالية، ألا يمهد بيده سبيل مصر إلى هذا الشر الذي يشفق منه المستشار المالي الإنجليزي، فينصح الحكومة بالانتظار.
كوكب الشرق ١٣-٣-١٩٣٣