صلح
كانت[1] أنباء تستفيض بها الأحاديث بعد أن كانت سرًّا يهمس بها بعض الناس إلى بعض، ثم أخذت تتردد على الألسنة وتطوف في الأندية حتى استقرت في قلوب الناس، وجعلوا بينها وبين الأزمة التي أثارها الوزراء سببًا.
ولعلك قد فهمت عني ما أريد أن أقول، فلم يكد يثير «رئيس الوزراء» أزمته من «باريس» أو من «فرساي» حتى أخذت الصحف تشير وتلمح إلى خلاف بينه وبين موظف من كبار الموظفين، جعل سلطانه على الحكم محدودًا، يحتاج إلى شيء من الإطلاق والسعة. وأشارت الصحف إلى أن «رئيس الوزراء» قد كره هذا التضييق وأنكره، وأراد أن يزيله ويمحوه إما بالاستقالة التي تريحه من السلطان الواسع والضيق معًا، وإما بالبقاء في الحكم على أن يكون الحكم خالصًا له من دون غيره من الموظفين الذين لا تجعل لهم مناصبهم يدًا في الحكم ولا سبيلًا على الحاكمين.
وعاد «رئيس الوزراء» بعد أن امتلأت الأرض بأنباء الاستقالة وأسبابها الرسمية التي جهر بها الرئيس، وأسبابها الخفية التي نبأت بها الصحف ورواة الأحاديث. فلم يكد يذهب إلى حفلة الشاي التي أقيمت له حتى لاحظ الصحفيون والرواة، والذين يحبون التعليل والتأويل، أن موظفًا من كبار الموظفين قد غاب عن هذا الحفل، وأخذوا جميعًا يقربون الآماد والمسافات بين الأزمة وبين ذلك الغياب. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من زعم أن هذا «الموظف الكبير» لم يغب عن الحفل وحده، وإنما غاب عن «الإسكندرية» كلها، وتركها خالصة للمحتفلين. ومنهم من زعم أنه لم يترك المدينة، وإنما قضى ساعة الحفل عند أحد الوزراء الذي لم يستطع أن يشهد الحفل لأنه كان مريضًا.
وأخذ الناس يذهبون مذاهب في التأويل والتفسير تقوي الصلة بين أزمة «رئيس الوزراء» وغيبة «الموظف الكبير» عن حفلة الشاي أو تضعفها، ولكن مرور الأيام القليلة التي جاءت بعد الحفل لم يدع شكًّا عند الناس في أن هذا «الموظف الكبير» ليس بريئًا كل البراءة من هذا التعقيد الذي اعترض حياة الوزارة القائمة، فزادها عسرًا إلى عسر، وحرجًا إلى حرج.
فقد كان الناس يعلمون أن هذا «الموظف الكبير» يلقى «رئيس الوزراء» فيكثر من لقائه، يزوره في داره، ويزوره في ديوانه، ويتحدث إليه فيطيل الحديث، وربما حضر بعض الجلسات لـ«مجلس الوزراء»، ولكنهم لاحظوا منذ عودة الرئيس أن هذه الزيارة قد انقطعت، أو انقطع الحديث عنها والعلم بها. وأنفق «رئيس الوزراء» جهدًا غير قليل ليقنع الناس بأن المرض وحده هو الذي حمله على الاستقالة، ولكن الناس لم يقتنعوا، وهم معذورون؛ فإن الأصحاء الأقوياء إذا اضطرتهم الظروف إلى الاستقالة واعتزال الحكم تكلفوا المرض وانتحلوه، فكيف بـ«رئيس الوزراء» إذا كان مريضًا حقًّا أو بريئًا حقًّا من المرض، ولكن عهده بالمرض ليس بعيدًا.
لم يقتنع الناس إذن بأن المرض وحده هو الذي أثار هذه الأزمة، ولا سيما وعهد المرض قريب يرجع إلى ثمانية أشهر ماضية، ولم يجد الناس بدًّا من أن يستمعوا لقول الصحافيين ورواة الأحاديث من أن خلافًا بين «رئيس الوزراء» وموظف من كبار الموظفين كان له في هذه الأزمة أثر غير قليل.
وجاءت «الأهرام» فأكدت رأي الناس وثبّتته في نفوسهم تثبيتًا حين روت لهم بلهجة القاطع الجازم أن «رئيس الوزراء» لما هم بالاستقالة كتب إلى مصر يرشح خليفته، ويقسم أمور الدولة شطرين: له أحدهما في البرلمان، ولخليفته أحدهما الآخر في الدواوين. وزادت «الأهرام» على ذلك أن كتاب «رئيس الوزراء» هذا لم يَرْضَ بعض الجهات، فنشأت الأزمة وتعقدت تعقيدًا. وكان المنتظر أن يكذّب «رئيس الوزراء»، أو غير «رئيس الوزراء» من الجهات الرسمية، حديث «الأهرام» هذا تكذيبًا قاطعًا يزيل الشك ويمحو اللبس، ويبين للناس أن «رئيس الوزراء» أعلم بتقاليد الدستور، وأحرص عليها من أن يتورط في مثل هذا الخطأ. ولكن هذا الحديث لم يُكذَّب تكذيبًا صريحًا، بل لم تستطع صحف الوزارة أن تنكره إلا على استحياء شديد، وظلت كلمة «الأهرام» عالية، وكلمة «الصحف الوزارية» خافتة لا يكاد يسمعها أحد، فصدق الناس حديث «الأهرام»، وهم مضطرون إلى أن يصدقوه ما دام الذين يعنيهم أمره لم يكذبوه تكذيبًا صريحًا على كثرة ما يلقون إلى الصحف من فنون التكذيب.
وجاءت «المقطم» أمس فأكدت كل هذه الأنباء تأكيدًا لا يسمح بالشك فيها حين تحدثت إلينا عن هذا الاجتماع الضيق الضئيل الذي عقد في منزل «وزير الداخلية» أول أمس، والذي دُعي إليه «رئيس الوزراء» ونائبه السابق، وهذا «الموظف الكبير»، فتساقوا الشاي ممزوجًا بحلو العتاب أو مره، ثم صفت بينهم الأمور، وانصرفوا بعد ذلك وهم يشكرون لمضيفهم سعيه الخير الحميد؛ فقد كان هناك إذن كدر غسله الشاي، وشر أصلحه العتاب، واختلاف محاه أو خففه هذا الاجتماع. وإذن فلم تكذب الصحف، ولم يتجنَّ المتحدثون في الأندية حين زعموا أن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» كان من أسباب الأزمة ومثيراتها، إن لم يكن سببها ومثيرها الوحيد.
وإذن فلم يكن الناس مخطئين أيضًا حين كانوا يعتقدون أن عدول «رئيس الوزراء» عن الاستقالة لا يلغي الأزمة وإنما يؤجلها؛ لأن إلغاء الأزمة إنما يكون بإلغاء أسبابها، ولم تُلغَ هذه الأسباب. لم يكن الناس مخطئين لأن سعي «وزير الداخلية» في هذا الصلح وإجابة «رئيس الوزراء» إليه، وما كان من تساق الشاي والعتاب دليل واضح على أن الذين شربوا الشاي والعتاب أول أمس كانوا هم أيضًا مقتنعين بأن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» سيظل شجىً في حلق الوزارة يجب أن يُنتزع، وشوكة في جنب الوزارة يجب أن تُسلّ، وإلا فلن يستقيم للوزارة أمر، ولن تعتدل أمامها الطريق. ولذلك حاولوا أول أمس أن ينتزعوا هذا الشجى ويستلوا هذه الشوكة.
أفتراهم قد وُفِّقوا إلى ما كانوا يحاولون؟ أم تراهم قد وُفِّقوا إلى شيء دون ما كانوا يحاولون؟ أفتراهم قد نزعوا الشجى نزعًا، ومحوا آثاره محوًا؟ أم تراهم قد قطعوا الشوكة من أصلها حتى آمنوا أذاها وشرها؟ أم تراهم قد اجتهدوا في أن يخففوا من حدته ويلطفوا من شدته ويجعلوه بحيث لا يمنع من مرور الشاي في الحلق ولو ممزوجًا بالعتاب؟ أما الوزاريون فسيقولون إن الجو بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» لم يكن في يوم من الأيام أصفى مما هو الآن. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما كانت يوم همَّ رئيس الوزارة بالاستقالة، ولن تكون الوزارة في يوم من الأيام أقوى منها يوم يرفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
كذلك قال الوزاريون، وكذلك سيقول الوزاريون؛ فلا تسمع لهم إذن حين يزعمون لك أن الشاي أول أمس قد نزع هذا الشجى من حلق الوزارة نزعًا، وصفّى كل شيء من حولها تصفية لا كدر فيها ولا غبار. لا تسمع لهم، واسمع لقول الشاعر القديم فإنه أصدق تصويرًا للموقف وأدق تعبيرًا عن حقيقته؛ وقد أثبتت سياستنا المصرية وسياسة غيرنا من البلاد أن مثل هذا الخلاف لا يُمحى إلا بأن يعتزل أحد المختلفين، وإنما يخفف ويهون ويُستر أمره على الناس لتجري الأمور في صورة مقبولة في ظاهر الحال، كما قال الشاعر القديم:
أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي … أَرَى الحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَقَاحُمَا فَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى … وَتَبْقَى حَزَازَاتُ الصُّدُورِ كَمَا هِيَا
ونحن نتمنى صادقين أن يصفو الجو بين المختلفين، وأن يكون الشاي الذي تساقوه يوم الخميس مطهرًا للقلوب من آثار الحفيظة والموجدة، ولكننا نتمنى مع ذلك أن يكون هذا الصلح معينًا لا على أن تستقيم أمور الوزارة وحدها، فأمور الوزارة عندنا في المنزلة الثانية أو الثالثة، بل على أن تستقيم أمور «مصر»؛ فأمور «مصر» عندنا أجل وأعظم من أمور الوزارة ومن تختلف أو تتفق معه من الموظفين.
نعم، نحن نتمنى صادقين أن يكون هذا الصلح مريحًا لـ«رئيس الوزراء» فيفرغ لأزمة المصريين ليعالجها بكفايته البارعة، فيصد المصارف عن ثروة المصريين، ويكف يد الدولة عن هذه الأرض التي تريد أن تبيعها بعد أيام لأن أهلها عجزوا عن تأدية الضرائب، ويعلن إلى الدول الأجنبية في حزم الواثق المطمئن أن «مصر» لن تؤدي دينها وفوائده إلا ورقًا، ويرد إلى المصريين الاطمئنان على أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم، وعلى أموالهم ومرافقهم. نتمنى هذا كله صادقين، ونذكر المتخاصمين الذين أذن الله لهم بالصلح يوم الخميس بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، وهم يعلمون حق العلم أن الحلال في السياسة المصرية بيّن، والحرام في السياسة المصرية بيّن، وأنهم يعلمون حق العلم أن الصلح والخصام بين الأفراد لا يغيران من سياسة الأمم شيئًا، وإنما الذي يحدث الأزمات ويعقدها وينتهي بها حتى إلى إسقاط الوزارات، هو ما لا يأذن الله به، ولا تأذن به السياسة الصحيحة الصالحة من تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
[1] كوكب الشرق في ١٦-٩-١٩٣٣.
Tag: رئيس وزراء
-
صلح | Reconciliation
-
أحلام | Dreams
أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣