جامعة الإسكندرية: رأي الدكتور طه حسين
طه حسين
جريدة الأهرام
١٥ ديسمبر ١٩٤١
يُعنى مجلس الوزراء في هذه الأيام بمسألة إنشاء جامعة في الإسكندرية، ويشغل هذا الموضوع أذهان رجال جامعة فؤاد ووزارة المالية. وقد رأى أحد محرري «الأهرام» استطلاعَ صاحب العزة الأستاذ الدكتور طه حسين بك المراقب العام للثقافة العامة رأيه في هذا الموضوع، فوجه إليه السؤال التالي: ما رأيك في هذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة في سبيل إنشاء كلية مستقلة للحقوق في الإسكندرية؟
فأجاب: رأيي أنها خطوة خطيرة جدًّا؛ لأن مدينة الإسكندرية قد كسبت بها كلية من الكليات، وكل خطوة تؤدي إلى إنشاء معهد من معاهد التعليم مهما يكن نوعه هي مصدر خير، ينبغي أن نغتبط به. ولكن هذه الخطوة ظريفة كل الظَّرف؛ لأنها تسجل علينا لونًا من ألوان التناقض الذي لا ضرر فيه، بل فيه النفع كل النفع؛ لأنه يسلينا من جهة، ويضطرنا آخر الأمر إلى أن نضع لأنفسنا سياسة واضحة الأعلام نقيم عليها تعليمنا الوطني. ولعلك لم تنسَ — كما أني لم أنسَ — أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين شكوا وأطالوا الشكوى من كثرة الذين يتخرجون في كلية الحقوق. ولعلك تذكر كما أذكر أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين فكروا في إقفال جدول المحاماة، وكان لهذا التفكير أثرٌ لم يخلُ من عنف في حياة الجامعيين. بهذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة تدل دلالة واضحة على أن مصر لم تستوفِ حظها من الفقهاء الذين يحملون الليسانس في علوم القانون، ولم تستوفِ حظها من المحامين، ولا من القضاة ورجال النيابة. أو هي دليل على أن مصر قد استوفت حظها من هؤلاء جميعًا، واستوفت أكثر من حظها، ولكن ذلك لا يمنع من إنشاء كلية جديدة للحقوق؛ لأن العلم لا يُقاس بالحاجة إلى المحامين والقضاة ورجال النيابة وكتَّاب الدواوين، وإنما يُقاس بحاجة الشعب إلى المعرفة، وحاجة الشعب إلى المعرفة لا تنقضي؛ لأن الشعب يعيش، وحاجة من عاش لا تنقضي كما قال الشاعر القديم. ما من شك في أن الجامعة والحكومة تصححان الموقف بهذه الخطوة الكريمة، وتدلان على أن مصر قد بلغت رشدها العقلي، وأصبحت لا تعلِّم أبناءها بمقدار الحاجة إلى الموظفين، وإنما تعلمهم بمقدار الحاجة إلى العلم.
هنا يظهر التناقض الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث. فحاجة مصر إلى الحقوق لا تنقضي من غير شك، ولكن حاجتها إلى العلوم والآداب وإلى فنون الهندسة والزراعة والتجارة لا تنقضي أيضًا. فما بال حاجتنا إلى الحقوق تظفر بالرضا والعناية، وما بال حاجتنا إلى العلوم والفنون الأخرى تقوم في سبيلها العقاب والصعاب. هذه هي عقدة العقد المعقدة تعقيدًا كما كان يقال في بعض التمثيل المضحك.
لعلك توافقني على أن من أظرف الأشياء وأطرفها أن يطالب الشعب المصري بإنشاء المعاهد التي يُقبل فيها مئات الطلاب الذين ظفروا بالشهادة الثانوية من شعبة العلوم والرياضة، فتنشئ له الجامعة والحكومة كلية الحقوق في الإسكندرية التي تتشدد من غير شك — كما تتشدد شقيقتها الكبرى — في قبول الطلاب، وستأبى من غير شك — كما تأبى شقيقتها الكبرى — قبول الطلاب، إلَّا أن يقدموا إليها الشهادة الثانوية من شعبة الآداب، ومن شعبة الآداب وحدها. ومعنى ذلك أن الطلاب الذين لم يستطيعوا دخول الجامعة في هذا العام، والذين لا يستطيعون دخول الجامعة العام المقبل سيظلون في الشوارع؛ لأن مصر كانت تريد كليات للعلوم والطب والهندسة، فأنشأت لها الجامعة والحكومة، وسينشئ لها البرلمان إن شاء الله كليةً للحقوق. وهذا يذكرني للمرة الواحدة أو الثانية بعد الألف بجملة بدأ بها أحد الكتَّاب الفرنسيين قصة من قصصه، وأنا أذكرها في كل يوم؛ لأن حياتنا المصرية تفرضها عليَّ فرضًا. قال الأب لابنته: تحبين مون شاناه فستتزوجين كورسييه! وقالت الدولة المصرية لمصر: تريدين مني كلية للعلوم وأخرى للطب وأخرى للهندسة، فسأنشئ لك كلية الحقوق!
وأظرف من هذا كله أننا كنا نظن أن الجامعة والدولة إنما تفكران في الإسكندرية محل الأزمة الجامعية التي تتجدد في كل عام، فقد اجتمع مجلس الوزراء وتكشف اجتماعه يوم الإثنين الماضي عن إنشاء كلية الحقوق، لا لشيء إلَّا لأن فرع الحقوق في الإسكندرية قد أتم أعوامه الأربعة، وأصبح قادرًا على أن يقدم تلاميذه لدرجة الليسانس، فأصبح أصلًا فرعًا، وأصبح من الواجب أن يسمَّى كلية، وأن تكون هذه الكلية مستقلة لها مجلسها الخاص، ولكنها ستتبع جامعة القاهرة، وسيكون لها ممثلوها في مجلس الجامعة. ولن يشكو الشاكون من كثرة المحامين ورجال الحقوق فحسب، ولكن مجلس الجامعة نفسه سيشكو بإذن الله من كثرة رجال الحقوق فيه، فسيكون فيه ستة من رجال الحقوق على حين لا يكون للكليات الأخرى فيه إلَّا ثلاثة من الممثلين.
وإذن، فأنت ترى أن الحل الصحيح للمشكلة إنما هو إنشاء الجامعة، ما في ذلك شك، وما من ذلك بد. فالحكومة تقدم اليوم إلى البرلمان قانونًا لإنشاء كلية مستقلة في الإسكندرية، وستضطر في العام المقبل إلى أن تقدم إلى البرلمان قانونًا آخر لإنشاء كلية الآداب في الإسكندرية؛ لأن فرع الآداب في الإسكندرية سيبلغ الرشد، ولولا ظروف خاصة لبلغ الرشد في هذا العام. وسيصبح في مجلس الجامعة منذ العام المقبل ستة من أساتذة الآداب، كما سيصبح فيه ستة من أساتذة الحقوق. وللضرورات حكمها، فهناك أكثر من ألف لم يقبلوا هذا العام في الجامعة، وسيتضاعفون في العام المقبل، وستنشئ لهم الدولة راضية أو كارهة كليات يتعلمون فيها، وستتقدم إلى البرلمان بقانون لإنشاء كلية الطب، وآخر للعلوم، وثالث للهندسة، وهلم جرًّا. ولو كنت عضوًا في البرلمان لرددت إلى الحكومة قانونها الذي تنشئ به كلية الحقوق، ولطلبت إليها أن تختصر الطريق، وأن تقدم قانونًا واحدًا ينشئ جامعة الإسكندرية المستقلة، على أن يكون فرع الحقوق والآداب نواة لها، وعلى أن تنشأ الكليات الأخرى تدريجًا بمقدار حاجة الشعب من جهة، وبمقدار طاقة الدولة من جهة أخرى.
ذلك أدنى إلى المنطق وأقرب إلى المعقول، وأخلق أن يرضي عزة الشعب وأن يحقق آمال مدينة الإسكندرية. ومن حق مدينة الإسكندرية أن تطمع في أن تكون لها جامعتها، وهي أسبق المدن الشرقية إلى إنشاء الجامعات.
ولو كنت عضوًا في البرلمان لطلبت إلى الحكومة إنشاء هذه الجامعة الثانية، أو إلغاء نصف المدارس الثانوية ونصف المدارس الابتدائية لسبب بسيط، وهو أن مصر في أول هذا القرن لم يكن فيها إلَّا ست مدارس ثانوية تشرف عليها الحكومة، وكانت فيها معاهد التعليم العالي التي تألفت منها الجامعة بعد الحرب الكبرى.
وقد أصبح عدد المدارس الثانوية الحكومية الآن سبعًا وثلاثين، وما زالت معاهد التعليم العالي كما كانت لم تتغير إلَّا أسماؤها ونظمها. ومن الخطأ أن يُظن أن نهضتنا الاستقلالية قد أنشأت جامعة فؤاد الأول، وإنما الصواب أن جامعة فؤاد الأول قد أنشأت نهضتنا الاستقلالية. فهذه الجامعة كانت موجودة بالفعل قبل الحرب الكبرى، وكل ما حصل بعد الاستقلال هو أن معاهدها ضُمَّت وأُنشئت لها إدارة واحدة قبل الحرب إلى حدٍّ ما. فقد كانت هناك مراقبة التعليم العالي في وزارة المعارف. وإذن، فالاستقلال والنهضة والثورة الوطنية، كل ذلك لم يستفد منه التعليم العالي إلا اسمًا ونظمًا. فأمَّا الحقائق فليس منها شيء جديد. فما رأيك في بلد يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا بثورته الوطنية ونهضته القومية واستقلاله التام، وهو بعد هذا كله لم يستطع أن ينشئ معهدًا واحدًا من معاهد التعليم العالي. والشيء المهم هو أن المدارس الثانوية قد نيفت على الثلاثين، والجامعة ما زالت واحدة، وهي عاجزة عن تعليم الذين يخرجون من المدارس الثانوية. وقد علمت أن مجلس الوزراء سيفرغ لدرس هذه المشكلة في يوم قريب، فأرجو أن يفكر الوزراء في أن ليس أمامنا إلَّا طريقان لا ثالث لهما: فإما أن تنشأ جامعة ثانية يتعلم فيها الذين تخرِّجهم المدارس الثانوية الحكومية والحرة. [و] الشيء الذي لا أشك فيه؛ أن مجلس الوزراء لن يقدم على إلغاء مدرسة ثانوية واحدة فضلًا عن إلغاء عشرين مدرسة ثانوية.
وإذن، فالخير أن ننتظر ما ينتهي إليه بحث مجلس الوزراء، وأكبر ظني أنه لن يجد من إنشاء الجامعة الثانية بدًّا.
Tag: سياسة التعليم العالي
-
جامعة الإسكندرية رأي الدكتور طه حسين | Alexandria University: The View of Dr. Taha Hussein
-
مسألة القبول في الجامعات | The Matter of University Admissions
مسألة القبول في الجامعات
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ أكتوبر ١٩٤٠
بدأ أمس العام الدراسي في كليات جامعة فؤاد الأول بالقاهرة وفرعها بالإسكندرية، وقد التحق بالجامعة عدد يسير من الناجحين ممَّن حصلوا على مجموع من درجات النجاح يزيد على ٥٥٪، وبقي كثيرون من الراغبين في الالتحاق بالكليات المختلفة، وينقصهم المجموع المطلوب، حائرين لا يعرفون ماذا يصنعون.
ونذكر في هذا المقام أن مدير الجامعة وبعض عمداء الكليات والسكرتير العام للجامعة يميلون إلى عدم الخروج عن القرار السابق، في حين أن كثيرين من الأساتذة — ولا سيما في الكليات النظرية — يَرَوْنَ تذليل العقبات القائمة في وجوه الطلاب هذه السنة.
ويتجه الآن أولياء أمور التلاميذ صوب رئيس الجامعة الأعلى؛ رجاء حل هذه المسألة في الأيام القريبة القادمة، خشية أن يطول الزمن على أولادهم وهم خارج الدرس.
وقد اتصل أمس كثيرون من أولياء أمور الطلاب بمندوبنا، وذكروا له أنهم اعتزموا التوجُّه نحو ساحة المليك؛ لرفع الأمر إلى الذات العلية.
كلمة للدكتور طه حسين بك وقد سأل أحد محرري «الأهرام» الأستاذ الدكتور طه حسين بك، أستاذ الأدب العربي بالجامعة، ومراقب الثقافة العامة بوزارة المعارف، رأيه في مشكلة الطلاب الذين رَفضت الجامعة قبولهم هذا العام، فأدلى إليه بالحديث التالي: «كنت دائمًا من أشد الناس ممانعة في تضييق التعليم العالي، مهما تكن الحجج التي يحتج بها أنصار هذا التضييق؛ لأني أعتقد أن مصر ما زالت بعيدة كل البُعد عن الوقت الذي يصح فيه أن توضع مسألة التعليم العالي موضع المناقشة. وكنت وما زلت أعتقد أن الدولة المصرية لم تَقطع بعدُ الطريقَ التي ينبغي أن تقطعها في نشر التعليم الثانوي والعالي، وأن من المضحك حقًّا أن يتناقش الناس في هذا في بلد لا يبلغ المتعلمون فيه عشرين في المائة وله ميزانيته الضخمة وله ثراؤه العريض. وكنت وما زلت أعتقد أن الذين يرغبون في تضييق التعليم، إمَّا أن يكونوا من الذين يأخذون بظواهر الأمور فيتحدثون عن أزمة التعليم في مصر كما يتحدث الناس في أوروبا وأمريكا ليس غير، وإمَّا أن يكونوا من الذين يريدون أن تتكون في مصر طبقة ممتازة بالثقافة، كما تتكون فيها طبقة ممتازة بالمال. فأمَّا الذين ينظرون إلى الأمور نظرة صادقة ديمقراطية خالصة لمصلحة الوطن، فلا ينبغي أن يفكروا في تضييق التعليم قبل أن يتسع التعليم بالفعل. كذلك كنت وما زلت أعتقد، ولكننا في هذه السنة أمام مشكلة جديدة يجب أن نَنظر إليها نظرًا خاصًّا، وأن تُعالج في حزم وسرعة كما تُعالج الطوارئ التي تطرأ في أوقات الحرب. وقد أصبح سفر أبنائنا إلى أوروبا مستحيلًا، وأصبحت إقامتهم فيها عسيرة جدًّا، ولا بدَّ مع ذلك من أن يتعلموا. كما أن الحكومة تُعنى بأن تجد في مصر الأشياء الضرورية التي كُنَّا نستوردها من أوروبا ثم أصبح استيرادها عسيرًا، فقد يجب على الحكومة أن تعلِّم الشبَّان الذين كنا نعلِّمهم في أوروبا ثم أصبح تعليمهم فيها مستحيلًا. وكنت أعتقد أن الجامعة ستؤجل المناقشات الأفلاطونية في رفع مستوى التعليم العالي أو خفضه أو الاحتفاظ به كما هو إلى أن ينتهي وقت الطوارئ. ولكني آسف لأني أرى هذه المناقشات مستمرة في هذا العام كما كانت في الأعوام الماضية، كأنَّ الصلة بيننا وبين أوروبا ما زالت سريعة منظمة. ويُخيَّل إليَّ — بعد أن انقضى على الحرب عام كامل ودخلت في العام الثاني من أعوامها — أنه قد آنَ الوقت لنعرف أن العالم في حرب، وأن للحرب ظروفَها القاسية التي تقتضي نُظُمًا ملائمة لها، والتي حملت الحكومة والبرلمان على إعلان الأحكام العرفية. ولا غرابةَ في أن تتجاهل الجامعة هذا كله، فمن طبيعة العلماء أن يعيشوا في «برجهم العاجي» وأن يشعروا بما حولهم من الأحداث، ولكن إن الغرابة إنما هي في أن الحكومة لا تُنبئ الجامعة بأن في الأرض حربًا، وبأن هناك طلابًا يجب أن يتعلموا، وبأن تركهم يضطربون في الشوارع إن جاز في أوقات السلم لا يجوز في أوقات الحرب. وأظن أن من الحق على وزارة المعارف أن تُدافع عن شهادتها الثانوية، فما ينبغي أن تُغلَق أبواب الجامعة في وجه طالب يحمل هذه الشهادة، مع أن هذه الشهادة نفسها تفتح له أبواب الجامعات الأوروبية كافة. وقد تكون هناك أعذار للجامعة، ولا سيما بالقياس إلى الكليات التي تحتاج إلى المعامل، ولكن من الحق على الحكومة أن تُعِين الجامعة على تذليل هذه العقبات. وأذكر أن وزير المعارف القائم الآن قد كان له موقف في وزارته السابقة ما أظن أن الجامعة نسيته. فليقِفْ هذا الموقف مرة أخرى، وإن من الظريف حقًّا أن تقبل كلية الحقوق وكلية الآداب حملة الشهادة الثانوية من شعبتي العلوم والرياضة في أثناء السِّلم، فإذا جاءت الحرب وأزماتها رفضت الكليتان هؤلاء الطلاب. إن الأمر لا يحتمل — فيما أعتقد — ريثًا ولا أناةً، كما أنه لا يحتمل فكاهةً ولا دعابةً، فلتأخذه الجامعة والحكومة بالجِدِّ والحزم؛ فإن لآباء التلاميذ من أزمات الحرب المالية والاقتصادية ما يكفي، فلنُرِحْهم من هذه الأزمة التعليمية، فذلك أيسر ما يجب لهم علينا.» -
في الجامعة المصرية | On the Egyptian University
في الجامعة المصرية
طه حسين
جريدة المصري
١٣ مارس ١٩٣٧
الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!
قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.
وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.
وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.
قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:
أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.
فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.
وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!
أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.
لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.
والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.
وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.
وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!
والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!
وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.
فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.
وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!
أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.
والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.
فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.
يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.
ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.
وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!
أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!
الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!
إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.
فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.
وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون! -
عبث | Futility
حديث الوادي
عبث…
تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.
ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.
ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.
كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.
هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.
وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟
ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».
فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.
وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.
نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.
وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟
ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.
ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟
إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.
ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥. -
في وزارة المعارف عند الوزير | At the Ministry of Education: With the Minister
في وزارة المعارف: عند الوزير
طه حسين
جريدة السياسة
٥ نوفمبر ١٩٢٣
لم يكن من المعقول أن أبطئ عن السعي إلى وزير المعارف بعد أن استحدث في وزارته هذه الحركة النافعة التي طالما دعوت إليها وألححت فيها، والتي كنت أدعو إليها وأُلِحُّ فيها دون أن يكون لي في تحقيقها أملٌ عظيم؛ لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف أشد الوزارات جمودًا وأقلها ميلًا إلى التطور؛ ولذلك قلت في أول كلمة كتبتُها عن هذه الوزارة إني لا أرجو من هذه الحملة خيرًا عاجلًا، وإنما أعتمد الاعتماد كله على البرلمان، وأكتب ما أكتب تمهيدًا للبرلمان وإعدادًا للرأي العام قبل أن يتناول البرلمان مَسَائِلَ التعليم. كنت أدعو إذن إلى الإصلاح في وزارة المعارف يائسًا من هذا الإصلاح، وجاءت أعمال الوزارة مؤيدة لهذا اليأس. فقد كان يكفي أن تُدعى الوزارة إلى الخير لتعدل إلى الشر أو لتضع أصابعها في آذانها فلا تسمع. وكان إعراض الوزارة عما تُدعَى إليه من الخير لا يزيدنا إلَّا قوة وإلحاحًا في الدعوة، إلى أن جاء وزير المعارف القائم الآن. فكأن في يده عصًا سحرية مسَّ بها هذه الوزارة، فإذا الأمر فيها قد تغير، وإذا الحال فيها قد استحالت، وإذا اليأس منها قد تحوَّل إلى أمل قوي مبتسم. لم يكَد هذا الوزير يصل إلى وزارته حتى انفكت عنها الأغلال، وفتحت أبوابها ونوافذها على مصاريعها؛ فإذا الهواء فيها طلق، وإذا الناس يستطيعون أن يتنفَّسوا دون أن يخشَوْا الاختناق إذا المكتب الفني قد أُنشئ، وإذا مدرسة اللغات القديمة قد أُجِّلت إلى أن يُستشار الفنيون، وإذا الكفايات المضمومة قد أُنصفت، وإذا لجنة التعليم الأولي قد أُضيفت إليها العناصر النافعة القيمة، وإذا المدارس العليا قد ظفرت باستقلالها العلمي، وإذا المدارس العليا التي لا تتبع وزارة المعارف يُراد أن تضم إلى وزارة المعارف، وإذا الأقسام الليلية في المدارس العليا قد أُنشئت وإذا مدرسة المعلمين الثانوية قد أُنشئت أيضًا. كثيرٌ جدًّا كل هذا الإصلاح يقع في أقل من ثلاثة أشهر، ويقع في غير ضوضاء ولا جلبة، وفي غير إعلان ولا خداع للجمهور. أحسن وزير المعارف إلى وزارته، فلم نبخل عليه بالمدح والثناء، كما أننا لم نبخل على غيره بالنقد واللوم. وكنت أشعر بأني مدين لهذا الرجل بعد أن يعود من الإسكندرية، بأن أسعى إليه فأهنئه وأشكر له إقدامه وحرصه على الخير. وقد سعيت إليه صباح اليوم، ولست أريد أن أصِف لطف مقابلته وحُسن حديثه كما يفعل الصحفيون حين يتحدثون إلى الوزراء وأصحاب المكانات، فلم أذهب إلى وزير المعارف صحفيًّا، وإنما ذهبت إليه كما يذهب إليه أستاذ لزيارة وزير التعليم، ولقيني كما يلقى وزير التعليم أحد الأساتذة.
لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أهنئه أو أشكر له حسن سعيه، فهو يعتقد أنه لم يعمَل بعدُ إلَّا قليلًا، وأنه مهما يعمل فلن يتجاوز الواجب، وإذن فلا حاجة إلى تهنئة ولا حاجة إلى شكر.
ولِمَ ننفق الوقت في التهنئة والشكر، ونحن نستطيع أن نتحدث في غيرهما ممَّا هو أنفع وأجدى؟ نعم لم أكَد أستقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتح لك الحديث، وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني الآن بنوع خاص، وأظنها تعنيك بنوع خاص أيضًا، وهي مسألة الجامعة. فأنت تعلم أن وزارتنا تسعى في أن تضم إليها المدارس العليا التي تتبع وزارة الحقَّانية ووزارة الزراعة، وقد صرَّح المجلس الأعلى في جلسته الأخيرة بأنه إنما يسعى في هذا الضم توطِئةً لإنشاء الجامعة الأميرية التي تحتاج إليها البلاد حاجة شديدة جدًّا، وكلفني أن أعمل لإنشاء هذه الجامعة. وأنا بحكم النظام مضطر إلى تنفيذ قرار المجلس الأعلى. فليست الجامعة الأميرية أملًا ولا خيالًا، وإنما هي فكرة نبدأ في تحقيقها، وأنا أريد أن أشارك رجال الفن في كل ما يمس الفن. وليس إنشاء الجامعة شيئًا قليل الخطر، فلا بدَّ من أن أستعين فيه بالفنيين. وأين أجِد الفنيين القادرين على فَهم هذا الموضوع والمشورة فيه إلَّا في الجامعة المصرية. ففيها أساتذة خبروا الجامعات وعرَفوا نظامها وتعلَّموا فيها وأقبلوا يعلِّمون على نحو ما يعلم أساتذة الجامعات. فليس لي بدٌّ من أن أستشيرهم، وليس لي بدٌّ من أن أستعين بهم.
وقد تحدثت في هذا الموضوع إلى زميلك الأستاذ الدكتور ضيف، وأنا سعيد بأن أتحدث فيه إليك الآن. ثم لم يدع لي وزير المعارف من الوقت ما يُمكِّنني من أن أشكر له حسن ظنِّه بالجامعة وأساتذتها، بل أسرع فسألني: أتظن أن من العسير أن نتخذ الجامعة المصرية كما هي الآن نواة للجامعة الأميرية؟ فأنت تعلم أن هذه مشكلة تحتاج إلى حل، فنحن مضطرون إلى إنشاء الجامعة الأميرية، وإذا لم نتعاون مع الجامعة المصرية فسيكون تنافس طبقي بين الجامعتين.
وأحسب أن جامعة الحكومة أقدر على المنافسة من الجامعة المصرية، وعزيز علينا أن يتعرض عمل وطني كالجامعة المصرية لخطر هذه المنافسة. فهل تظُنُّ أن هناك ما يمنع من التعاون بين الجامعة والوزارة حتى يصبح قسم الآداب القائم في الجامعة المصرية الآن نواةً للجامعة الأميرية التي نريد إنشاءها؟
– لا أظن أن هناك ما يمنع من هذا. فأعضاء إدارة الجامعة وأساتذتها لا يريدون إلَّا نشر العلم وتأييده، وهم يطلبون المعونة من كل قادرٍ عليها، فإذا تقدمت إليهم وزارة المعارف بهذه المعونة فضمنت لتعليمهم العالي أن يُنشر وينتج، فلن يتقدموا إلى وزارة المعارف إلَّا بالشكر والثناء.
– وعلى أي نحو تظن أن من الممكن هذا التعاون؟
– على نحو سهل، وهو أن تحتفظ الجامعة باستقلالها العلمي كما تحتفظ به المدارس العليا في عهدكم، وأن يكون لها مجلس إدارة تشترك فيها وزارة المعارف، وأن تعترف الوزارة بشهادة الجامعة، أو على أن تصبح شهادة الجامعة شهادة من الوزارة.
قال الوزير: إذا كان الأمر كذلك فأنا أعتقد أن تحقيقه ميسور، وسأمضي في الاستشارة حتى إذا فرغت منها عمدت إلى العمل.
ثم سألت الوزير كيف يتصور الجامعة الأميرية؟ وإنما ألقيت عليه هذا السؤال لأني كنت أعلم أن وزارة المعارف كانت تتصور الجامعة الأميرية تصوُّرًا عقيمًا، فنرى أنها تستطيع أن تتكونها بجمع المدارس العالية من حيث مدارس عالية. فلما أجابني الوزير لم يزِدْني جوابه إلا اطمئنانًا وإعجابًا، فهو يتصور الجامعة كما يتصورها الناس في البلاد الحرة الراقية التي تفهم التعليم حقًّا. يتصوَّرها مؤلَّفة من أقسام أربعة: قسم الآداب، وقسم العلوم، وقسم الطب، وقسم الحقوق. وهو يعتزم أن ينشئ قسمي الآداب والعلوم، ولا يفكر في أن يضم مدرسة المعلمين إلى الجامعة؛ لأن مدرسة المعلمين بطبيعتها كمدرسة الهندسة ومدرسة الزراعة، مدارس خاصة يُقصد بها إلى الحياة العملية أكثر ممَّا يُقصد بها إلى العلم النظري الخالص. ثم انتقلت من موضوع الجامعة إلى موضوع آخر هو موضوع مجلس المعارف الأعلى. لم أكَد أذكر له مجلس المعارف الأعلى حتى قال: أنا أعرف رأيك فيه، وقد أخالفك بعض المخالفة، فأنت تريد أن يكون عدد الأعضاء في هذا المجلس أربعين، ولست أدري لِمَ تستمسك بهذا العدد!
قلت: إني لا أستمسك بعدد معين، وإنما أستمسك بنظرية أعتقد أنها صحيحة، وهي أن يكون هذا المجلس ممثَّلًا تمثيلًا صحيحًا لطبقات التعليم على اختلافها من جهة، ولرجال الفن المشتغلين بالتعليم من جهة أخرى. فإذا تحققت هذه النظرية فسواء عليَّ أبلغ عدد المجلس خمسين أم ثلاثين.
قال الوزير: إذن فنحن متفقون، فليس من شك في أن مجلس المعارف الأعلى على صورته الحاضرة قد أدَّى للتعليم خدمات عظيمة جدًّا منذ أُلِّف إلى الآن، ولكن الحياة المصرية قد تغيرت، ولم يبقَ بدٌّ من أن يكون هذا المجلس ملائمًا للحياة الجديدة والحاجات العلمية الجديدة، بحيث يمثل التعليم وفروعه أكثر مما يمثل فروع الحكومة ومصالحها. ولست أتردد في أن أعلن إليك أني سأجتهد في أن يكون مجلس المعارف الأعلى كما نحب جميعًا صورة صحيحة لفروع التعليم على اختلافها.
ثم انتقلت من هذا الموضوع إلى موضوع آخر طالما ألححتُ فيه، وهو إنشاء إدارة في وزارة المعارف للفنون، تجمع إليها المتحف المصري ودار الآثار العربية ومدارس الفنون على اختلافها والأوبرا الملكية، وتشرف على الموسيقى والتمثيل وغيرهما من الفنون الجميلة. فإذا الوزير يرى هذا الرأي ويعمل له، ويرى أن هذا الرأي لا بدَّ من تحقيقه؛ لأن الشعور بالحاجة إليه قوي ظاهر، وهو قد أحس قوة هذا الشعور غير مرة، ولكنه لم يتجاوز التمهيد لهذا الأمر. فقد أوفدت وزارة المعارف أستاذًا يدرس حال الفنون الجميلة في أوروبا، وعاد هذا الأستاذ وسيرفع تقريره إلى الوزير، فإذا قرأ الوزير هذا التقرير واستشار أهل العلم في هذا الموضوع، فسيبدأ في تحقيقه دون بطء.
قلت: وهل تسمح بأن أذيع عنك كل ما تحدثت به إليَّ؟ أجاب الوزير: وكيف لا أسمح به وقد تحدثت به إليك؟ وأنا أعتقد أن قد انقضى في وزارة المعارف عصر التكتُّم والتحفُّظ، فإن أعمالنا كلهم تهم الجمهور وتعنيه. وما دام البرلمان لم ينعقد بعدُ فنحن مكلَّفون أن نُظهِر الجمهورَ على ما نعمل وعلى ما نريد أن نعمل، لنشعر بإرشاده ومراقبته. والصحف هي الواسطة الوحيدة بيننا وبين الجمهور، فلك إذن أن تذيع هذا الحديث، وأن تتناوله بما شئت من نقد. وللناس جميعًا أن يتناولونا بما يشاءون من النقد، وأن يقدموا إلينا ما يشاءون من النصيحة والاقتراح، فسنقدِّر هذا كله حق قدره.
أعترف بأني لم أحسن شكر الوزير على هذا التصريح الأخير؛ لأني اعتقدت — وما زلت أعتقد — أن نشر هذا التصريح هو أحسن شكر لقائله.