حديث المساء: رحمة
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ ديسمبر ١٩٣٣
لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.
ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.
لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!
وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.
نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.
لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.
فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.
ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟
بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.
رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.
فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.
وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.
وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.
قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.
ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.
أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟
رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.
ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟
Tag: صراع السلطة
-
رحمة | Mercy
-
حرب | War
حديث المساء: حرب
طه حسين
كوكب الشرق
٢٥ نوفمبر ١٩٣٣
لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.
وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.
وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.
كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.
ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.
هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.
وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.
ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.
وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.
ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.
ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!
أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان. -
عامة | The Common People
حديث المساء: عامة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٧ أكتوبر ١٩٣٣
كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام
الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل
مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل
بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور
مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء
يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون
عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء
والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر
لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى
ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة،
وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.
ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ
والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز،
خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ
في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام،
ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم
الناس ويسيطر على الأشياء.
وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا
الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر
النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من
العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن
معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من
طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم
وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!
ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد،
ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر
الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان،
وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛
فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة
لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي
كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف
والنعيم.
ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ
العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من
أن تنصرف إليه.
ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم،
معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة
بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين
سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه،
وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا
الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما
تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي
باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.
وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على
أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة
السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.
ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون
منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة
والاندحار!
تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى
آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا
أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم
لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه
التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية.
وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في
العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا.
والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من
الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر
السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس
الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى
الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن
يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن
رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن
يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة،
ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار
فيه.
وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها،
ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب
التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.
وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين
الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء
الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين.
وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن،
وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها
الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم
الحكم.
ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها
اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء
السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن
نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا
للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من
العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة
إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.
إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز
إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا
موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على
هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن
قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.
فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن
مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟! -
حلول | Solutions
حلول
لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣