Tag: طه حسين

  • مصطفى عبد الرازق كما عرفته | Mustafa Abd al-Razzaq as I Knew Him

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    من آثار مصطفى عبد الرازق
    طه حسين
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
    وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
    كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
    وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
    وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
    عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
    وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
    والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
    كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
    ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
    كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
    لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
    كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
    وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .

  • البلاغة هى الإيجاز | Eloquence Is Concision

    كلمة الدكتور طه حسين وزير المعارف
    ١٨ ديسمبر ١٩٥٠
    يقال إن البلاغة هي الإيجاز، وتعرفون حضراتكم أني أحرص أشد الحرص على أن أكون بليغاً، فسأحرص أشد الحرص على أن أكون موجزاً. وربما كان خير إيجاز هو الصمت، فليس لوزير المعارف أن يتحدث في هذا الحفل، وإن قضت تقاليد المجمع أن يتحدث الوزير. ذلك أن الوزير إنما هو في هذه الدار ضيف على رئيس المجمع، حتى لو كان عضوا من أعضاء المجمع، فهو ضيف وإن كان في داره. فالكلمة ينبغي أن تكون للرئيس أولا ثم للذين يريدون أن يتحدثوا عن أعمال المجمع وشئونه بعد ذلك. ولا أعرف أن لوزير المعارف في مثل هذا الحفل محلاً من الإعراب! وإنما أعرف أنه أقحم نفسه أو أقحمه المجمع على مكان ليس له. فلأوجز إذن، وليكن حديثي إليكم هو تحية الحكومة لمجمعكم الموقر، ووعدي بأن سأكون إن شاء الله عندما تحبون، لكم أعمال يجب أن تنفذ، وقرارات يجب أن تُمضى، ومشروعات يجب أن تتم، وأنتم في حاجة من أجل هذا كله إلى مساعدة وزير المعارف. فلكم علي الوعد، ما دمت وزيراً للمعارف، أن أنجز أعمالكم وأمضي قراراتكم وأعاون على أن تتم مشروعاتكم. وهذا كل ما يستطيع وزير للمعارف أن يقوله لمجمع مثل مجمعكم الموقر.
    أما التحدث إليكم عن اللغة وشئونها، وعن إصلاحها والمحافظة على سلامتها إلى آخر ما جاء في مرسوم المجمع، فحديث معاد، أربأ بحضراتكم عن سماعه، وأربأ بنفسي عن الخوض فيه. وكل ما أتمناه لكم أن تكون دورتكم هذه خصبة كدورتكم الماضية، وأن تكون أعمالكم في هذه الدورة مباركة كما كانت في الدورة الماضية، وأن يتيح لكم الله من النجح والظفر بتحقيق آمالكم ما تستحقون.
    أما بعد، فقد كنت حريصاً على أن أوجز ولكني أطلت، فأعتذر من إخلافي لهذا الوعد وأترك مكاني لسيادة الرئيس.
    مجلة مجمع اللغة العربية مصر العدد ٨، ١ يناير ١٩٥٥

  • الحرية أولًا | Freedom First

    الحرية أولًا
    «نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
    تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.

    ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.

    على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.

    ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب، ولكن دون ذلك أهوال

    يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.

    فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.

    وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟

    ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.

    حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.

    وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.

    خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.

    وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.

    وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.

    فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.

    إن الفن حرية لا رق.

    فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.

    أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!

    إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.

    فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:

    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب ولكن دون ذلك أهوال

    والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.

    وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.

    ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.

    فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.

    وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.

    وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.

    وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.

    أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟

    ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟

    الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.

    وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.

    فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.

    فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.

    والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
    أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.

    فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟

    وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟

    لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.

    نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.

    وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.

    والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.

    فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…

    إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.

    طه حسين

    الهلال، ١-١-١٩٤٨.

  • خصومات أدبية! | Literary Feuds!

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    "قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…".
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    "أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين".
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: "ظهر كاتب روسيا الأعظم!"؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: "هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!"؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: "أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد"، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

  • في منزل الدكتور طه حسين | At the Home of Dr. Taha Hussein

    في منزل الدكتور طه حسين
    للدكتور زكي مبارك
    في مطلع الصيف كنت على موعد مع الأستاذ الكبير الدكتور طه بك حسين لأقدم إليه نسخة من كتاب (ليلى المريضة في العراق) ولأقرأ معه صفحات من ذلك الكتاب، ولكني حين وصلت في الموعد المحدد لم أجده في البيت، فسلمت الكتاب لجندي يرابط هناك وانصرفت. ولم يعزّني عن إخلاف الدكتور طه حسين إلا لحظات عذاب قضيتُها في منزل الآنسة أم كلثوم، وبينه وبين منزل الدكتور طه بضع خطوات.
    وفي اليوم التالي سألت عنه بالتليفون لأعرف كيف أخلف الموعد، فاعتذر بلطف وأكّد أنه نسي ذلك الموعد كل النسيان، ودعاني إلى تجديد الموعد، فقلت: إني أتأهب للسفر إلى بغداد للاشتراك في تأبين الملك غازي، وسأحرص على التشرف بمقابلتك حين أعود. وكنت أحب أن آنس بلقائه بعد أن رجعتُ من بغداد، ولكني خشيت أن يكون أخلف الموعد الأول عن عمد؛ لأن أولاد الحلال لا يزالون (يصلحون) ما بيني وبينه من صلات.
    ثم سافر الدكتور طه إلى باريس، وسارت الأخبار بأنه سيعتذر عن الحضور في العام المقبل ليستريح من عناء المشكلات الجامعية وليؤلف كتاباً عن تاريخ الشعر العربي. وكنت في تلك المدة شرعت في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين، وندّ القلم فوقعت منه غمزات تمسّ الدكتور طه حسين بدون موجب؛ وكذلك استوحشت من المضيِّ للتسليم عليه حين عرفت أنه رجع من باريس. ثم عدت فقررت أن أؤدي الواجب في تحية الدكتور طه، راجياً أن يكون في تأدية هذه التحية تبديد للظلمات التي يخلقها من يأكلون العيش بحياكة الأقاويل والأراجيف.
    كان ذلك في مساء اليوم ١٣ من شعبان، والقمر يقدِّم إلى الوجود أفانين من الرفق والحنان، ويذكِّر القلوب الخوامد بماضيها الجميل في مقارعة الصبوة والفتون؛ فنزلت من السيارة عند جسر فؤاد لأمتع القلب والروح بمشاهدة النيل وهو يواجه القمر في أيام الطغيان، ولأستقبل الزمالك بأدب وخشوع؛ فما كان ثراها الغالي إلا نثائر أكباد وقلوب. وأخذت أجتاز الزمالك من حَرَم إلى حَرَم إلى أن بلغت منزل الدكتور طه حسين. وكنت أرجو أن أجده وحده لأني وصلت بعد الساعة ٩، وهو عنده وقت هدوء؛ ولكن يظهر أن قدومه من السفر رفع الحجاب فكان منزله في أنس بجماعة من أهل الفضل هم الأساتذة: شفيق غربال، وعبد الواحد خلاف، ومنصور فهمي، وعلي عبد الرزاق، وسعيد لطفي، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وعبد الوهاب عزام، وإبراهيم مصطفى، وعبد الحميد العبادي.
    سلّمتُ على الدكتور طه تسليم المحب المشتاق، وسألته عن باريس وعن السوربون، فأجاب إجابات موجزة دلتْ على أنه يريد أن يكتم عني أشياء. فهل آذت الحرب بعض أصدقائي هناك؟ لا قدر الله ولا سمح! وبعد لحظة حضر الأستاذ أحمد أمين فنهضت واقفاً لمصافحته، ولكنه زوى وجهه وتجاهل وجودي، ورأيت المقام لا يتسع لمحاسبته على ما صنع، فتكلفتُ الابتسام وأنا مَغِيظ. والخاطر في البال أن حضوري قد يعكر المجلس، وأن من الخير أن أنصرف؛ ثم تذكرت أنني أحق الناس بمودة الدكتور طه حسين وإن حالت بيننا الدسائس حيناً من الزمان، فقد كنت صديقه الحق قبل أن يعرف أصدقاء اليوم؛ كنت صديقه الحميم في ظروف لا يسأل فيها الشقيق عن الشقيق، فكيف أخرج من منزله ليخلو الجوّ لصديق مثل أحمد أمين؟ يجب أن أقضي السهرة كاملة، وعلى من يؤذيه حضوري أن يتفضل بالانصراف!
    وبعد أن دارت السجائر على الزائرين شرع الأستاذ أمين الخولي في الحديث:
    أمين الخولي: يا زكي، ما تترك أبداً أخلاق المنوفية؟
    طه حسين: وما أخلاق المنوفية؟
    أمين الخولي: هي المشاغبة واللجاجة والعناد.
    طه حسين: وزكي مبارك مشاغب؟ قل كلاماً غير هذا يا أمين، فما عرف الناس زكياً إلا مثال اللطف والأدب والذوق. الدكتور زكي حقيقة رجل لطيف؛ ومن آيات لطفه أنه ينظر فيرى الناس قد ضجروا من الهدوء والسكون فيسلط عليهم القذائف القلمية ليتذوقوا نعمة الحركة والجدَل والنضال.
    علي عبد الرزاق: يظهر أنك راض عن الدكتور زكي مبارك.
    طه حسين: وهل أملك غير ذلك؟
    زكي مبارك: تملك كلمة النصح يا سيدي الدكتور، إن رأيت ما يوجب كلمة النصح.
    طه حسين: لا يا عم، يفتح الله!
    زكي مبارك: يظهر يا سيدي الدكتور أنك غضبان.
    طه حسين: لست بغضبان، ولكن يحق لي أن أنزعج من بعض ما أقرأ لك.
    عبد الواحد خلاف: لعل الدكتور يشير إلى مقالاته في مهاجمة الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا أحتج على إثارة هذا الموضوع في هذا المجلس.
    خلاف: الخطب سهل، ونحن نحاول تصفية القلوب.
    أحمد أمين: أنا أحتمل كل شيء إلا التعرض لنبالتي.
    طه حسين: وهل تعرض زكي مبارك لنبالتك بشيء؟ إن هذا لو صحّ لكان خروجاً على شِرعة العقل!
    أحمد أمين: لقد تعرض لنبالتي بأشياء.
    إبراهيم مصطفى: إن الدكتور زكي لم يتعرض لنبالتك يا حضرة الأستاذ.
    زكي مبارك: أنتم تخوضون في شجون من الأحاديث لا عهد لي بها قبل اليوم، فما كنت أعرف أن الأستاذ أحمد أمين فوق النقد، ولا كنت أظن أن التعرض لتفنيد آرائه يعد هجوماً على قدسيته الذاتية! فهل تعتقد يا أستاذ أني تجنيت عليك؟
    أحمد أمين: ليس لي معك كلام، ولا أقبل الدخول معك في نقاش، وأنت حرٌّ فيما تنشر من زور وبهتان.
    زكي مبارك: زور وبهتان؟ وهل النبالة أن تنطق بهذه الكلمات في هذا المجلس؟
    منصور فهمي: لاحظ يا زكي أنك جرّحت الأستاذ أحمد أمين وأن من حقه أن يعلن غضبه عليك، والنفس الإنسانية معرضة للرضا والغضب، والفرح والترح، والرجاء والقنوط. فالأستاذ أحمد أمين يعبر تعبيراً طبيعياً عن السريرة الإنسانية.
    زكي مبارك: وكيف يكون الحال لو استبحتُ من التعبير ما استباح؟
    أحمد أمين: وهل تورعت عن شيء؟ إن مقالاتك عني هي الشاهد الحيُّ على مبلغ أدبك!
    زكي مبارك: وأنا راض عما قلت فيك، وما قلت إلا الحق والصدق، وأنا أنتظر أن يغضب الله عليك فيجازيك على سوء ما صنعت في تحقير ماضي الأدب العربي.
    طه حسين: إيه الحكاية؟
    أحمد أمين: الحكاية أن زكي مبارك يقول إن طه حسين جاهل، وإن أحمد أمين جهول!
    طه حسين: خبر أسود!
    سعيد لطفي: أنا كنت أظن أن المسألة مزاح في مزاح. وأين نشر الدكتور زكي هذا الكلام المزعج؟!
    أحمد أمين: نشره في مجلة الرسالة وعند الزيات. الرسالة التي خلقتها بقلمي.
    زكي مبارك: والزيات الذي سويته بيديك!
    طه حسين: لقد قرأت المقالة الأولى قبل السفر، وأوصيت الأستاذ عبده عزام بحفظ المجموعة لأقرأها يوم أعود، وسأقرأها في هذه الأيام، فإن رأيت فيها أني جاهل وأن أحمد أمين جهول فستكون وقعتك يا زكي زيْ الزفت!
    أحمد أمين: وما ذنب لطفي باشا حتى يتعرض له زكي مبارك بسوء؟
    إبراهيم مصطفى: لقد قرأت تلك المقالات مرات…
    طه حسين: قرأتها بالقراءات السَّبع؟
    إبراهيم مصطفى: أريد أن أقول إني قرأتها بعناية ولم أجد فيها أية إشارة لسعادة لطفي باشا.
    علي عبد الرزاق: لطفي باشا لا يُغضبه أن يكون في بال الناقدين والباحثين.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا أهجم عليه من وقت إلى وقت.
    سعيد لطفي: هذا أسلوب طريف في البر والوفاء!
    طه حسين: طبعاً طبعاً، فصاحبنا زكي مبارك يتوهم أن الخلود لن يكون إلا من نصيب من يتعرض لهم في مقالاته ومؤلفاته بالقبيح أو الجميل. وأشهد أنه سَلَّ سخائم صدري يوم قال إنه لا يهجم علي إلا وهو يعتقد أن الهجوم معناه (بونجور).
    أحمد أمين: وأنا لا أريد منه بونجور ولا بونسوار!
    زكي مبارك: ولكني لن أتركك بعافية أو تكف شرك عن الأدب العربي.
    أحمد أمين: وما شأنك بالأدب العربي؟ وما هي خدماتك لهذا الأدب الذي تقول إنك تغار عليه كما تغار على عِرضك؟
    زكي مبارك: يكفي أني من تلامذة طه حسين.
    طه حسين: العفو! العفو! إني والله راض بأن تكون من أساتذة طه حسين!
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: تقتلني حين تقول (سيدي الدكتور) وأنت ترى أني جاهل وأن أحمد أمين جهول.
    علي عبد الرزاق: لم أشهد في حياتي أروع من هذا الحوار، وهو يستحق التسجيل.
    إبراهيم مصطفى: بشرط ألا يذكر فيه اسمي.
    علي عبد الرزاق: وما المانع من أن يذكر اسمك في هذا الحوار؟
    إبراهيم مصطفى: لا تعرف ما المانع. إن هذا الحديث يوم يسجَّل لن يسجله غير زكي مبارك الذي ابتدع فن الأسمار والأحاديث.
    علي عبد الرزاق: وهل تخشى أن يتزيد عليك؟
    إبراهيم مصطفى: أنا لا أخاف التزيد ولا أهاب الافتراء لأني أملك تكذيب المفتريات وأستطيع دحض الأباطيل؛ ولو كان زكي مبارك يفتري على الناس لكان أمره أخفُّ وأسهل، ولكنه مع الأسف يبرع في تصوير الصدق.
    منصور فهمي: وما الخطر من تصوير الصدق؟
    إبراهيم مصطفى: الخطر عظيم جداً. وإليك توضيح هذه المعضلة: زكي مبارك يحرص على أن يصورك في أحسن أحوالك، وأحسن أحوال المؤمن حال الصلاة. فهل تعرف كيف يصورك وأنت في صلاتك؟ يصورك وأنت راكع أو ساجد! فهل يرضيك أن تصوّر في حال الركوع أو السجود؟
    توفيق الحكيم: هذه أخيلة باريسية، وهي تشهد بروعة ذكائك يا أستاذ إبراهيم.
    إبراهيم مصطفى: العفو يا أستاذ توفيق، فتلك وثبة من الخيال ساقها هذا الحوار الطريف.
    أحمد أمين: أرجو أن تعفوني من هذه المطايبات، فلولا مراعاة المقام لانصرفت.
    طه حسين: أؤكد لك أن الدكتور زكي لم يقصد إيذاءك فيما كتب عنك. ألم تر كيف احتملته سنين وهو يلحُّ في اتهامي بالجهل؟
    زكي مبارك: لم أتهم سيدي الدكتور بالجهل المطلق، معاذ الله، وإنما اتهمته بالجهل بالقياس إلى المسيو برونو والمسيو دي لاكروا، وقد توليا عمادة كلية الآداب في باريس.
    أمين الخولي: كلام طيب يا فتوة المنوفية، فلا مانع عند الدكتور طه من أن يكون في باريس من هو أعلم منه، فقد تخرَّج في مدينة النور وهو يثني على أساتذتها في كل حين، ولكنك اتهمت الأستاذ أحمد أمين بالعاميّة الفكرية، فما هو المخرج من هذا الاتهام الفظيع؟
    زكي مبارك: لم أتهم الأستاذ أحمد أمين بالعامية المطلقة، ولكن بالقياس إلى الشيخ خربوش.
    طه حسين: ومن الشيخ خربوش؟
    زكي مبارك: الشيخ خربوش عالم علامّة لا يقاس إليه الأستاذ أحمد أمين.
    علي عبد الرزاق: ألم أقل لكم إن هذا الحوار يستحق التدوين؟
    عبد الواحد خلاف: هذا الحوار ينفع في تهدئة أعصاب الأستاذ أحمد أمين، وقد بدأ يبتسم، ولكن المهم هو الاستفادة من هذا المجلس في تغيير المذهب الأدبي للدكتور زكي مبارك، فهو أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولا أدري كيف رجع سليماً من العراق…
    توفيق الحكيم: كنت تنتظر أن يلقى حتفه هناك؟
    طه حسين: كان يستريح ويريح، كما قال أحد الكتّاب.
    زكي مبارك:
    لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ … ـت لكم خالداً خلود الجبال
    أحمد أمين: أي جبال وأي خلود؟ أليست لنا أقلام تفل قلمك بأيسر جهد؟
    عبد الواحد خلاف: أرجو أن تسمعوا بقية كلامي. إن زكي مبارك أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولكنه لا يوجِّه نشاطه إلى ما يفيد.
    زكي مبارك: وبماذا تشير أيها السيد؟
    عبد الواحد خلاف: أشير بأن تعود سيرتك يوم كنت تؤلف في النثر الفني والتصوف الإسلامي، فتوجه مجادلاتك ومصاولاتك إلى القدماء.
    طه حسين: الأمل بعيد في توجيه الدكتور زكي مبارك إلى ما يفيد وينفع.
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: فلقتني يا أخي بعبارة (سيدي الدكتور) وقد تحيرت في أمرك، فأنت في المجلس رجل لطيف، ولكنك حين تخلو إلى قلمك تنقلب إلى شيطان مَريد.
    أمين الخولي: دافع عن نفسك يا زكي فإني أخشى أن ينهزم فتوة المنوفية.
    زكي مبارك: لي كلمة يا سيدي الدكتور، ولا تؤاخذني بالحرص على هذه العبارة، فقد حضرت دروسك بضع سنين ولا أستبيح الهجوم عليك.
    طه حسين: ألم أقل لكم إن زكي مبارك رجل…
    زكي مبارك: أشكر لك هذا اللطف يا سيدي الدكتور، ثم أقول إني تلقيت عنك مبادئ الظلم والاعتساف.
    عبد الوهاب عزام: إيوه يا عم زكي، هات ما عندك هات.
    زكي مبارك: تذكرون المناوشة التي قامت بين الدكتور طه والدكتور منصور على صفحات الأهرام في سنة ١٩٢١؟
    منصور فهمي: أية مناوشة؟ ذَكِّرني فقد نسيت.
    زكي مبارك: كنت يا سيدي الدكتور أثنيت على أسلوب المنفلوطي، فهاج أستاذنا الدكتور طه وماج، ودعاك إلى أن تسمي الجمل جَملاً والأرنب أرنباً، أو كما قال، ومعنى ذلك أن المنفلوطي ليس بكاتب ولا أديب.
    طه حسين: ثم؟
    زكي مبارك: ثم جاء الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين الذي أنكر أن يكون المنفلوطي كاتباً أو أديباً فاعترف بأن الأستاذ أحمد أمين كاتب وأديب وسمح بأن يدرس أسلوبه على طلبة السنة الأولى بكلية الآداب.
    طه حسين: ما هذا الحشيش؟
    زكي مبارك: أنا لم أذق الحشيش أبداً، ولكني أؤكد أن أسلوب أحمد أمين يدرس في كلية الآداب.
    طه حسين: هذا مستحيل.
    أحمد أمين: الكلية تدرس أساليب المعاصرين جميعاً.
    زكي مبارك: وأنت كاتب ولك أسلوب؟
    منصور فهمي: احترس يا زكي من الخروج على أدب الخطاب.
    أحمد أمين: ليتكم صدقتموني حين قلت إن زكي مبارك لا ينقد الباحث نقد العالم للعالم وإنما ينقده نقد المصارع للعالم.
    زكي مبارك: وأنت عالم يا أستاذ؟ وهل يكال العلم أيضاً بمكيال؟
    أحمد أمين: العلم كله عندك، ونحن تلاميذ مبتدئون!
    علي عبد الرزاق: هذا الحوار لا يستحق التسجيل!
    عبد الحميد العبادي: هو على كل حال صورة من صور التاريخ!
    توفيق الحكيم: أنا والله شديد الحسرة على ما وصلنا إليه؛ فقد كنت أحب أن تكون بين الأدباء صداقات عظيمة كالذي يعرفه الأدباء العظماء في باريس ولندن وبرلين.
    عبد الوهاب عزام: وكالذي شهدناه بين زكي مبارك وأحمد أمين!
    طه حسين: إن ذهني لا يسيغ القول بأن النقد يفسد ما بين الأصدقاء.
    شفيق غربال: أعتقد أن الدكتور زكي رجل طيب القلب. وقد قرأت مقالاته عن الأستاذ أحمد أمين بارتياح، وجنيت منها كثيراً من الفوائد الأدبية. ولو أنه نزه قلمه عن بعض العبارات التي جرت مجرى السخرية من الأستاذ أحمد أمين لما استطاع أحد أن يوجه إليه أي ملام.
    توفيق الحكيم: ولهذه المقالات مزية أخرى غير الفوائد الأدبية، فقد بغَّضتني في الجو الأدبي عندنا وحببّت إليّ قضاء الصيف في أوروبا، ولم أرجع إلا بعد أن ظننت أنها انتهت؛ ثم كانت حسرتي شديدة حين رأيت أن زكي مبارك لا يزال يبدي ويعيد في شرح جنايات أحمد أمين. ولولا الحرب لرجعت من حيث أتيت، فمن أين يجد زكي مبارك كل هذا الكلام الطويل العريض؟
    شفيق غربال: المسئول عن هذه المتاعب هو الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا المسئول؟
    شفيق غربال: بالتأكيد أنت المسئول؛ لأنك مضيت في بحثك طول الصيف، وهيأت المجال للدكتور زكي مبارك. والذي يقدِّم الوقود للنار لا ينكر عليها الاشتعال.
    طه حسين: هل أفهم من هذا أن الجوّ الأدبي عرف الحياة في هذا الصيف؟
    زكي مبارك: يكفي يا سيدي الدكتور أن تعرف أن الأستاذ أحمد أمين نقل مكتبته إلى الإسكندرية في هذا الصيف ليجد الشواهد تحت يديه وهو يردّ عليّ.
    أحمد أمين: أنا رددت عليك؟ وهل قلتَ كلاماً يُرَدّ عليه؟
    زكي مبارك: الله يعلم كيف شغلت قلبك وعقلك، وكيف قهرتك على مراجعة المؤلفات الأدبية والمصنفات الفقهية. وهل تستطيع يا أستاذ أن تقول إنك تجهل منزلتي الأدبية؟
    أحمد أمين: إن مقالاتك في الهجوم عليّ زهدت القراء في علمك وأدبك.
    شفيق غربال: سمعت غير هذا. سمعت أن مقالات الدكتور زكي مبارك في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين دلتْ على اطلاع فائق وتفكير عميق، وسمعت من يقول إنه لم يعرف قيمة زكي مبارك إلا بفضل هذه المقالات.
    منصور فهمي: وهذا يشرح جانباً من عقلية المجتمع، فالجمهور يعرف زكي مبارك الناقد ولا يعرف زكي مبارك المؤلف؛ لأنه ينقد وهو ثائر ويؤلف وهو هادئ.
    طه حسين: زكي مبارك يصطنع الثورة في كل شيء حتى التأليف، ولكن ثورته في مؤلفاته لا تلفت نظر الجمهور لأنها في الأغلب متصلة بالقدماء، والهجوم على القدماء لا يثير تطلُّع الناس إلا حين يمس العقائد من قرب أو من بعد، كالذي وقع يوم ظهر كتاب الشعر الجاهلي.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا حرص سيدي الدكتور على تغليظ بعض الألفاظ ليوجه الأنظار إلى كتابه النفيس!
    طه حسين: وبعدين لك يا دكتور زكي؟
    زكي مبارك: لا بَعْدين ولا قَبْلين، ولكني أحب أن أعرف كيف تكون الصراحة حلالاً في وقت وحراماً في وقت؟ وكيف يحلُّ لسيدي الدكتور ما يحرُم على سائر الناس؟
    طه حسين: يظهر أنك تحب أن تتمتع بالحرية الكاملة في حياتك العقلية، ويظهر مع الأسف أنك لم تعتبر بما عاناه أحرار الفكر في هذه البلاد، فما تحسدني عليه حلال لك حين تشاء. وإني أرجو أن يبعد اليوم الذي ترجع فيه عن شططك وجموحك، اليوم الذي تيئس فيه من إنصاف الناس كما يئستُ من إنصاف الناس.
    منصور فهمي: ولكن ما الموجب للتعرض لما يمس العقائد؟
    طه حسين: اسأل نفسك يا منصور فلك مع العقائد تاريخ.
    منصور فهمي: كان ذلك في عهد الشباب.
    طه حسين: وكان مني ما كان في عهد الشباب، وإن لم يمضِ عليه غير عشر سنين، والحسرة تلذع قلبي كلما تذكرت أني لا أملك مكايدة الجماهير من جديد. وهل نكايد الجماهير إلا بفضل ما يثور في دمائنا من ثورة وطغيان؟
    عبد الواحد خلاف: ومعنى ذلك أن الدكتور زكي مبارك يكايد جماهير الأدباء لأنه لا يزال في عنفوان الشباب؟
    طه حسين: الذي أعرفه أن زكي مبارك صار من طبقة الكهول، بحكم السن على الأقل، فقد شهدت مشاغبته بدروس الأستاذ علي عبد الرزاق في الأزهر سنة ١٩١٢.
    زكي مبارك: وأنا شهدت مشاغبتك يا سيدي الدكتور بدروس الشيخ محمد المهدي في الجامعة المصرية سنة ١٩١٣.
    أحمد أمين: ومع هذه السن العالية لا يزال زكي مبارك يمعن في الغزل والتشبيب كأنه في سن العشرين.
    شفيق غربال: هذه الدعابة تدل على أن الأستاذ أحمد أمين صفت نفسه وطابت.
    طه حسين: فهل نرجو أن يكف زكي مبارك عن العدوان بعد هذا الصفاء؟
    زكي مبارك: هل تصافينا حقيقة؟
    أحمد أمين: لن نتصافى أبداً بعد الذي كان.
    زكي مبارك: يظهر أنك تستروح بالهجوم عليك، وسأخيِّب ظنك فأسكت عنك بعد ثلاث أو أربع مقالات… مساء الخير يا سيدي الدكتور، والحمد لله الذي أرجعك إلينا بخير وعافية.
    (مصر الجديدة)
    زكي مبارك
    الرسالة ٩ – ١٠ – ١٩٣٩

  • وصاية | Tutelage

    حديث الوادي
    … وصاية…
    نحن مستقلون، ليس على استقلالنا غبار، فقد أُلغيت الحماية منذ أكثر من عشر سنين، وجيش الاحتلال المرابط في بلادنا صورة من الصور، وشكل من الأشكال، لا يخيف أحدًا، ولا يدخل في أمر من أمورنا، وإنما يرابط في مصر، كما يمكن أن يرابط في أي قطر آخر من أقطار الأرض، فالأرض كلها مباحة للإنجليز بإذن الله، لا فرق بين مصر وفرنسا وألمانيا وإنجلترا نفسها.
    أُلغيت الحماية، ولا خطر لجيش الاحتلال، فنحن مستقلون. وأوضح الأدلة على استقلالنا، إن احتاجت الشمس الساطعة إلى دليل، أن لنا مندوبًا قد سافر منذ أيام من مصر، ووصل منذ أيام إلى باريس، وسيدخل بعد أيام في مفاوضات خطيرة مع هذه الدول الكبيرة التي تسمى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا. وكيف تشك في استقلال بلد له وزير يهيئ للمفاوضات في باريس، ومندوب يفاوض بالفعل في باريس! وأي فرق بين هذا البلد الذي له وزير ومندوب في باريس، وأي بلد آخر من البلاد المستقلة، التي تعين السفراء، وترسل المندوبين، وتشترك في المؤتمرات، وتفاوض في المسائل الكبرى، فترضى وتأبى، وتقبل وترفض، وتجادل وتحاور، وتصل المفاوضات إن أرادت، وتقطعها إن أحبت، وتعلقها إن رأت منفعة في التعليق!
    نحن إذن مستقلون، ما إلى الشك في ذلك من سبيل، ومن الحق أننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام مباشرة على يد صدقي باشا، أو على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا بالواسطة على يد السير برسي لورين، ورؤسائه في وزارة الخارجية البريطانية. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه، وإنما هو استعانة بالأصدقاء، والتجاء إلى وساطتهم، التي قد تنفع، وقد تفيد. ومن الحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام، في ظل وزارة الرجل الطيب مباشرة، على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا فيها بالواسطة على يد المندوب السامي الجديد، فيما نشرت الصحف منذ أشهر. فعطف المندوب السامي الجديد على مصر واضح وضوح استقلال مصر. وهو من أجل ذلك لم يرد أن يعود إلى مصر دون أن يلم بباريس، فيشتري منها بعض ما يشتري في باريس، ويلقي فيها كلمة خير عند الساسة الفرنسيين لمصلحة هذا البلد العزيز، الذي أحبه المندوب السامي وكُلف به قبل أن يفارق الصين. ومن الحق أيضًا أن المندوب السامي السير ميلز لمبسون قد تطوع بهذه الوساطة وتفضل بهذا العطف قبل أن تتصل العلاقات بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، بل تفضل المندوب السامي بهذا العطف على مصر في وقت كان مغاضبًا فيه لرئيس الوزراء، لقصة الزيارة المشهورة. وكان خليقًا ألا يحفل بمصر ولا المصريين، ولكنه رجل كريم حليم، لم يحفل بهذه المغاضبة، ويأبه لفتور العلاقات، وسعى لمصلحة مصر على غير علم من مصر، وبغير تفويض من مصر مبالغة منه في إظهار العطف والمودة. ولكن هذا كله لا ينقص من استقلالنا، بل يزيد فيه. فإن الاستقلال لا يمنع الناس من أن يحبونا، ويعطفوا علينا. ومن يدري، لعل المندوب السامي إنما فعل ما فعل تقربًا إلى رئيس وزرائنا، وإيثارًا لاصطناع اليد عنده قبل أن يلتقيا، ويأخذا في أسباب المودة والإخاء. نحن إذن مستقلون. ليس على استقلالنا غبار، وليس المهم أن نجني ثمرات الاستقلال، ونضمن أننا لم ندفع إلا ورقًا، فهذا شيء يسير، لا خطر له ولا حساب. وإنما المهم أن نقول للناس: أنا مستقلون، وأن يصدق الناس ذلك، وأن يصدقوه في ظاهر الأمر على أقل تقدير. وأكبر الظن أن الناس يصدقوننا حين نتحدث إليهم عن استقلالنا، ولولا ذلك لما قبلت فرنسا وإيطاليا أن تفاوضهما مفاوضة الند للند، والنظير للنظير. وأكبر الظن أن مسألة الدين العام هذه لن تُحل في هذه السنة، لا لأن حلها عسير، بل لأننا فاوضنا فيها في لندرة عام الأول، وسنفاوض فيها هذا العام في مدينة باريس، ولا بد من أن نفاوض فيها العام المقبل في مدينة روما؛ لتشهد الدول الكبرى الثلاث التي نفاوضها بأننا مستقلون، وبأن لنا مندوبًا يشهد المؤتمرات. وآية أخرى على أننا مستقلون ليس على استقلالنا غبار، قصة المحاكم المختلطة، فقد كنا نستطيع أن نحل أزمتها بكلمة نقولها. ولكننا أبينا أن نفعل لا عجزًا منا عن حل الأزمة، ولا زهدًا منا فيه، بل حرصًا على أن نقول للناس إننا مستقلون. ذلك أن اتصال وزارة الخارجية بالدول الأجنبية، وصدور المذكرات منها إلى هذه الدول، ودعوة المؤتمرات إلى الانعقاد في مدينة القاهرة للمفاوضة في هذه الأزمة؛ كل هذه أمور لا تستقيم إلا للبلد المستقل الذي يعترف الناس كلهم باستقلاله. ولذلك آثر رئيس وزرائنا الرجل الطيب أن يضرب عصفورين بحجر، فيحلُّ أزمة المحاكم المختلطة، ويكره الدول على أن تفاوضنا فتعترف لنا بالاستقلال للمرة الأولى بعد الألف أو بعد الألفين.
    ومن الحق أننا لم نخطُ خطوة في أمر هذه الأزمة دون أن نستعين بالمستشار القضائي الإنجليزي، ودون أن نسترشد برأي المندوب السامي البريطاني، بل من الحق أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب لم يرد على الاستجواب في مجلس النواب، إلا بعد أن تحدث إلى المندوب السامي في أمر هذه الأزمة، كما قالت الصحف. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه؛ فالمستشار القضائي إنما وُجد ليستشار، والمندوب السامي صديق، ومن الذي يمنع الوزراء المستقلين من أن يستعينوا بالأصدقاء؟ هناك اعتراض يسوقه بعض الذين في قلوبهم مرض على استقلالنا هو هذه الزيارات التي زارها المندوب السامي لحدودنا الشرقية والغربية. فهؤلاء يرتابون في هذه الزيارات، ويشفقون منها على مظاهر الاستقلال، ولكنهم في هذا كله مسرفون، فالمندوب السامي كما قلنا صديق، يقيم في بلد صديق، فمن حقه علينا أن نظهره على ما في بلادنا، مما ترتاح إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، ويأمن له الضمير من كل ما يخيف أو يريب. ولا خوف من حدودنا الشمالية، فالأسطول الإنجليزي الصديق قادر على حمايتنا إن عجزت أساطيلنا نحن عن هذه الحماية. ولا خوف من حدودنا الجنوبية، فالسودان كفيل بحمايتها إن عجزنا نحن عن هذه الحماية. فأما حدود الشرق والغرب، فأمرها مختلف، ولا بد لأصدقائنا المقيمين عندنا من أن يتعهدوها بالزيارة، ليعلموا أن لنا فيها قوًى لا تقهر، وحصونًا لا تقتحم، وليعيشوا بعد ذلك في بلدنا آمنين.
    فأنت ترى أن هذا الاعتراض سخيف، وأن زيارة المندوب السامي لحدودنا لا تمس استقلالنا، ولا تعرضه لخطر. ومن الحق أن الممثلين الآخرين للدول الأجنبية لا يزورون حدودنا الشرقية ولا الغربية، ولكن هذا شأنهم هم، لا شأننا نحن. ومن الذي منعهم من هذه الزيارة؟ وأنت لا تشك في أن صداقة الممثل البريطاني لمصر أقوى ألف مرة ومرة من صداقة غيره من الممثلين السياسيين.
    أما أنا فأتخذ هذه الأشياء كلها دليلًا واضحًا على الاستقلال الذي لا شك فيه. وأما غيري من المتحرجين، فيتخذها دليلًا واضحًا على الوصاية الإنجليزية، التي تقوم مقام الحماية بعد إلغائها. ولست أشك في أن القراء المنصفين سيقضون بالعدل بين خصومي وبيني في هذه القضية، وسيقولون كلمة الحق فيها، فيعلنون: أنا مستقلون، أو أنا خاضعون لوصاية الإنجليز…
    طه حسين
    حديث الوادي، ٩ يونيو ١٩٣٤.

  • يأس | Despair

    يأس…

    لا بأس على المصريين من أن يجوعوا، فقد تعودوا الجوع، وإن كانت أرضهم خصبة، كثيرة الثمرات. ولا بأس على المصريين من أن يظمؤوا، فقد تعودوا الظمأ، وإن كان نيلهم غزيرًا عذب الماء. ولا بأس على المصريين من أن يشقوا، فقد تعودوا الشقاء، وإن كانت بلادهم خليقة أن تجعلهم أسعد الناس.

    لا بأس على المصريين من الجوع والظمأ والشقاء، فهم قد تعودوا هذا كله وألفوه، وهم قوم عقلاء، يحسنون الصبر، ويتقنون الاحتمال، ويعرفون كيف يلتمسون العذر لسادتهم ومواليهم، إن لم يهيئوا لهم حياة سعيدة ناعمة، أو حياة تكفل لهم شيئًا من راحة وسعة، وقليلًا من نعمة ورخاء.

    وليس الرجل العاقل من يضيق بالخطب إذا نزل، ويجزع للكارثة إذا ألمت، فإن الضيق بالخطوب لا يدفعها، والجزع للكوارث لا يردها، إنما الرجل العاقل من يصبر ويحتمل، وينحني أمام الكوارث والملمات. وله أن ينتظر الموت صامتًا حتى يدركه الموت، وله أن يبعث من صدره المحزون أنات أليمة، يحملها الهواء فيملأ بها الفضاء، أو تحملها أشعة الشمس والقمر والنجوم فتملأ بها أجواء الكون، فمن يدري لعل هذا الأنين، إن عجز عن أن يؤثر في نفوس الناس من سكان الأرض، أن يؤثر في قلوب غير الناس من سكان الكواكب والنجوم.

    ولقد تعود المصريون أن يشقوا، ولقد تعودوا أن يشكوا، ولقد تعود الزمان أن يروي عنهم شكواهم الأليمة المرة، فيحملها أمس إلى اليوم، ويحملها اليوم إلى غد، وتتناقلها الأجيال فيما بينها، ويتعلم منها الأبناء كيف يرثون للآباء، وكيف يشفقون على الأحفاد.

    هذه الصحف تتحدث إلينا صباح اليوم بأن مجلس الوزراء قد اجتمع ثم اجتمع، وطار ثم وقع، وانتهى به الأمر إلى اليأس المريح من أن يجد الحل الحاسم، الذي طالما تمناه وزير المالية، ومني به الناس. فستظل إذن مشكلة الدين العقاري قائمة، لا تنفرج أزمتها، ولا تنجلي غمتها، ولا يكشف ضرها عن المصريين.

    ومع هذا، فما أكثر ما وعد وزير المالية، وأسرف في الوعد، وما أكثر ما تحدث رئيس الوزراء فأطال الحديث، وما أكثر ما تشدق الأنصار والأولياء، وما أكثر ما جلا أولئك وهؤلاء أمام الشعب آمالًا عذابًا، ظهر الآن أنها كانت كذابًا.

    كان وزير المالية يقول إنه سيحدث ما لم يحدث أحد من قبل، وهو لا يرضى أرباع الحلول، ولا أنصافها، وإنما يريد الحلول الكاملة الشاملة، التي ترضي المصريين وتريحهم، وتجدد نشاطهم وابتسامهم للحياة.
    وكان رئيس الوزراء يتعالى، في شيء من التواضع الغريب عن السياسة وأحاديثها، ويفاخر، في شيء من الكبرياء الظريفة، بحرصه على الاقتصاد، ورغبته في حل مشكلاته. وكان يمزج التواضع بالكبرياء، فيعلن أنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، وأنه سيبذل ما يملك، ويفعل ما يستطيع لإصلاح ما ليس من إصلاحه بد.

    وكان رئيس الوزراء يرتفع حتى يبلغ النجم، ثم يلقي من هناك نظرة ملؤها الازدراء والاحتقار على تلك الحلول العوجاء العرجاء التي استكشفها صدقي باشا، أو تكلفها، لمشكلات الدين العقاري، ويعلن في أناة تليق بعظماء الرجال، وفي هدوء يليق بالذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يصدرون إلا عن يقين، يعلن أنه لا يريد الحلول المضطربة التي لا تحل شيئًا، وإنما يريد الحلول الحاسمة، التي لا تدع شكًا ولا لبسًا، ولا خلافًا ولا خوفًا.

    ثم يمضي شهر، يتبعه شهر، ويتبعهما شهر وأشهر، والحلول الحاسمة الحازمة تلتمس. يغوص لها وزير المالية في البحر، ويهبط لها وزير المالية في أعماق الأرض، ويطير لها وزير المالية في أجواء السماء، ورئيس الوزراء ينتظر، والمصريون ينتظرون، والدائنون يلحون، والمدينون يستغيثون، والأيام تمضي، والأسابيع تتعاقب، والشهور يتبع بعضها بعضًا، والهموم تلح على المصريين، والخطوب تأخذهم من كل مكان، وأنينهم يتصل، وشكواهم يردد أصداءها الزمان.

    حتى إذا حان الحين، وآن الأوان، تمخض الجبل فولد فأرًا، وانجلت هذه الجهود الجبارة عن تقرير يقدمه وزير المالية إلى مجلس الوزراء، فلا يكاد المجلس ينظر فيه حتى يختلف في أجزائه، وفي تفصيلاته. ثم يكثر الحوار، ويشتد الخلاف، وتمطر السماء اقتراحات متضاربة متناقضة، وتنبع من الأرض اقتراحات أخرى، ويحمل الهواء اقتراحات جاء بعضها من المريخ، وبعضها من زحل، وتختلط هذه الاقتراحات كلها، ويضطرب الأمر، ويشتد الجدال.

    وفي أثناء ذلك يسافر من يسافر من رجال المال، ويتهيأ من بقي منهم للسفر، ويقبل الصيف، وتتهيأ الوزارة للراحة في الإسكندرية، ويتهيأ أعضاء البرلمان الحاضر للتفرق في أقطار الأرض، يستريحون من التعب، ويبتغون من فضل الله.

    وتظهر الحقيقة منكرة بشعة، مخيفة كريهة المنظر، مرة المذاق، ثقيلة الاحتمال، تظهر في أقبح مظهر، وأسمج منظر، وتبعث هذا الصوت المخيف العنيف:

    لا أمل في الحل الحاسم هذا العام، فانتظروا أيها المصريون، فقد يفتح الله على وزرائكم به في العام المقبل!

    ثم تستقر الأمور على اليأس، وتطمئن القلوب إلى القنوط، ويتهيأ مجلس الوزراء في دعة، وأمن ورضى، ليدرس حلًا من هذه الحلول المؤقتة التي كان يحبها صدقي باشا، على قاعدة من هذه القواعد المضطربة التي كان يؤثرها صدقي باشا.

    وإذن فأين نحن، وأين كنا، وإلى أين انتهينا، وإلى أين ندفع؟

    هل يستطيع رئيس الوزراء أن يحدثنا: فيم سقطت وزارة، وقامت وزارة؟ هل يستطيع رئيس الوزراء أن ينبئنا: فيم هوى صدقي باشا، وقام عبد الفتاح يحيى باشا؟

    لم تحل المشكلة السياسية، ولم تحل مشكلة الدين العام، ولم تحل مشكلة الدين العقاري، ولم تتغير خطة الوزارة بإزاء واحدة من هذه المشكلات. ثم نشأت مشكلات أخرى عالجتها الوزارة بنفس الخطط التي كان يعالج بها صدقي باشا ما كان يعرض له من المشكلات: الانتظار، والوعد، ثم الإسراف في الانتظار، والإسراف في الوعد، ثم الاعتماد على النسيان، وفعل الزمان!

    تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن ينظر سادته ومواليه إلى أموره نظرة الجد والنصح؟ تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن يقدم إليه سادته ومواليه عملًا لا قولًا، وطحينًا لا جعجعة؟

    تبارك الله! لن تحل مشكلة من مشكلات هذا الشعب إلا أن يكون هذا الشعب سيد نفسه، يعالج مشكلاته عن علم بها، واحتمال لتبعاتها، لا يعتمد في ذلك على قوم معصومين، ولا يلتمس في ذلك معونة قوم مستعمرين، يريدون به الشر، ويدبرون له الكيد، ويتربصون به الدوائر.

    تبارك الله! متى تنكشف الأيام لهذا الشعب عن حريته، وعزته، واستقلاله؟ فإنه لم يخلق ليكون عبدًا ذليلًا مستغلًا، وإنما خلق ليكون حرًا عزيزًا، مستقلًا، يريد فينفذ ما يريد، ويقول فيتم ما يقول.

    طه حسين

    (حديث الوادي، ٤ يونيه ١٩٣٤)

  • يستغيثون | Crying for Help

    حديث الوادي
    يستغيثون …
    الآن وقت القلوب وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس وكانت صفاةً لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل وكان نائمًا مغرقًا في النوم، والآن أصبح الظلم بغيضًا وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًا وقد كان حلوًا يُستلذ ولا يُقضى الكلف به والميل إليه والتهالك عليه.
    والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صُب عليهم الجور صبًّا، وبُسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام، والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أن في الأرض خيرًا يجب أن يُبتغى، وشرًا يجب أن يُتقى، وأن السلطان يستطيع أن يُغيث إذا استُغيث به، وأن يستجيب إذا دُعيَ، وأن يَحمِيَ اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جرأة. إن صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًا، فهم أهون من أن نريد بهم الشر، والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا، فهم أحقر من أن ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا، فهم أيسر من أن نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم، والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا واستغاثتهم حين استغاثوا، فهم أدنى من أن يُحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أن يحميهم فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أن كانوا قساةً لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا، الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم، فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أن نكتب لهم أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر، إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لم يكونوا يعدلون عند أنفسهم ولا عند الناس ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجوهم من كل زاوية، واستلّوهم من كل جحر، ثم جمعوهم في مكان قد هيأه لهم وقالا لهم كونوا
    رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاءً، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي ولكنا نحن نعرف من أين تأتي، لا تتكلفوا جهدًا فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كل خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عملٍ، حسبكم أن تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أن تسكتوا إذا أسكتناكم، حسبكم أن تتحركوا إذا جذبنا الخيط، وحسبكم أن تسكنوا إذا أرسلنا الخيط، إنما نريد منكم أن تكونوا صورًا متحركةً وتماثيلَ تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عملٍ وقولٍ، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك فإذا أجبتم لكم ما تشتهون، لكم أن تصبحوا سادة الأرض تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون تُعفون من كل تكليفٍ، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليفٍ وإن أبت القوانين أن تمتازوا، وتستثنون وإن أبى الدستور أن تستثنوا، تصبحون في ظاهر الأمر كل شيء، وإن لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين، وكذلك بدأ التمثيل الذي اتصل أعوامًا. عبث كان خليقًا أن يضحك ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أن يُلهي ولكنه أحدث من الجرائم ما حرم اللهو على هذا الشعب، حتى تُردَّ له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة ويُرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب من ألوان الظلم والجور ما يخزي له كل إنسان يجري في عروقه دم، وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا والاستجابة لهم إذا استغاثوا، وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إن عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم، ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أن الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يُؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن فيُصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون والعذاب يُصب ويُصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذةً مجرمةً، ولقد رأى
    رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا فانفطر قلب الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها فلم تستطع النيابة أن تسمع له لأنها كانت مأمورةً ألا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيدٍ وقد عجز عن أن يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة ويستعذبون الطغيان ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة بفضل ما رزقهم الله، وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تُثنى وتغلو في الثناء، وتُحمد وتُغرق في الحمد، وتعلن أن العدل قائمٌ وأن الإنصاف ميسرٌ، وأن النظام مستقرٌ، وأن ظل الأمن مبسوطٌ. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنةً راضيةً، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل فالآن نعم الآن وقد رُفِعَ هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعاتٌ من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أن لا يُغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أن يُغاث المستغيث ويُنصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجرأة ما يبيح لهم أن يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم وأن يحملوه تبعة المظاهرات فما لهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها والآثام التي استعذبوها وما بالُ الذين يخوضون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب واستصفاء أمواله وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه.
    ليحمِهم رئيس الوزراء وإن كانوا لا يتعرضون لخطرٍ. وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا وإن كانت دارهم لا يُخاف عليها الاقتحام.
    ليقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطةً حول دار هؤلاء الناس حمايةً لهم من الوهم وحراسةً لهم من الخيال، ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها لا حمايةَ لها بل حمايةً منها، ولا خوفًا عليها بل بغيًا عليها.

    نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم تُرسَل للحماية وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ فبراير ١٩٣٤.

  • الرد | The Response

    إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
    سيدي الأستاذ
    لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
    لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
    وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
    قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
    كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
    نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
    لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
    وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
    وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
    أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
    هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
    أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
    الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣

  • ولا هذا أيضًا | Nor This Either

    ولا هذا أيضًا
    وكما أجاد[1] «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
    لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
    فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
    وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
    وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
    وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
    وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
    وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
    فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
    [1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.