Tag: عدم المساواة في الثروة

  • إصلاح | Reform

    إصلاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٩ أغسطس ١٩٥٢

    لا أحب أن أتعجل الإصلاح؛ لأن شرَّ الإصلاح ما جاء مرتجلًا، لم يأتِ نتيجة التفكير العميق والروية المتصلة والبحث المستفيض. ولكني أحب أن أعرض لأمور لم ينقطع تفكير المصريين فيها منذ كانت الثورة المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى بوجه عام، ومنذ أمضيت المعاهدة المصرية الإنجليزية الملغاة بوجه خاص. وما أعرف أن شعبًا تكلم عن الفقر والجهل والمرض بمقدار ما تكلم عنها الشعب المصري — عامته ومثقفوه — منذ ثلاثين عامًا، ولكن الكلام لا يطعم جائعًا ولا يكسو عاريًا ولا يعلِّم جاهلًا ولا يبرئ مريضًا. وكان يُقال: إن أمور الإصلاح ميسَّرة لا يعترضها إلَّا أمران: ضيق الميزانية من جهة، ووقف الطغاة والأَثِرِين في سبيله من جهة أخرى. وكان ضيق الميزانية ناشئًا دائمًا عن خطأ مألوف في كثيرٍ من البلاد، وفي مصر خاصة. كان الذين يضعون الميزانية يعنيهم قبل كل شيء أن يتحقق التوازن بين الدخل والخرج أو بين الإيرادات والمصروفات في لغة وزارة المالية، وكان تحقق هذا التوازن شيئًا أقرب إلى الوهم منه إلى أي شيءٍ آخر. جماعة من الكاتبين والحاسبين يقدِّرون الدخل بأرقام، ويقدِّرون الخرج بأرقام، ويحرصون أشد الحرص على ألَّا تزيد أرقام ما يُنفق من المال في المرافق العامة على أرقام المال الذي يُجبى من المرافق العامة. وكانوا يفخرون ويبتهجون إذا زادت الإيرادات على المصروفات، يرون في ذلك براعةً في الاقتصاد وحسن تدبير للأموال العامة. وكنا نرى — وما أكثر ما كان قومٌ يضحكون مما كنَّا نرى — أن توازن الميزانية إنما يكون بتحقيق التعادل بين حاجة الشعب الحقيقية إلى الإصلاح ومقدار ما يُجبى من الموارد العامة. وكنَّا نطالب بأن يزداد الإيراد حتى يُعادل الحاجة إلى الإصلاح، وننكر أن يضيق على الإصلاح حتى لا يتجاوز ما لدى الدولة من مال. وكنَّا إذا قلنا ذلك أو شيئًا قريبًا منه ضحك رجال المالية في وجوهنا، وقالوا في كثيرٍ من الرثاء لنا والعطف علينا: هذا كلام من لا علم له بشئون المال.

    وكذلك كانت وزارة الصحة تحتاج إلى مقدار من المال؛ لتحقق شطرًا من برنامجها فيُقال لها: حسبك نصف ما تطلبين، ودبِّري أمرك بمقدار ما يُقسم لك من المال لا تتجاوزيه، وإن استطعت ألَّا تبلغيه فافعلي، والخير كل الخير في ألَّا تبلغيه! وكان هذا يُقال لكل وزارة من الوزارات التي تُعالج نحوًا من أنحاء الإصلاح الاجتماعي: وزارة الصحة التي تحارب المرض مقتر عليها، ووزارة الشئون الاجتماعية التي تحارب الفقر مضيق عليها، ووزارة التعليم التي تدافع الجهل من القلوب والعقول محجور عليها؛ لأن الميزانية أصبحت غاية لا وسيلة، ولأن الإصلاح أصبح يُقاس بالإيراد لا بحاجة الشعب إليه. ولم يكن من الميسور أن نطالب بزيادة الإيراد؛ ففي زيادة الإيراد اشتداد على أصحاب الثراء، وأصحاب الثراء أَثِرُون بطبعهم، لا يحبون أن ينفقوا ولا يبغضون شيئًا كما يبغضون الحكومة التي تضطرهم إلى الإنفاق. وأصحاب الثراء هؤلاء يأوون إلى ركنٍ شديدٍ، هو صاحب الثراء الأعظم الذي يملك أعظم حظٍّ ممكن من الثروة، والذي يجمع إلى ثرائه سلطان الدولة، والذي يولِّي الحكومات شئون الحكم ويصرفها عنها؛ يوليها إذا رضيَ عن أعضائها، ويصرفها إذا سخط على أعضائها. فكان من الطبيعي أن تحسب الحكومات لأصحاب الثراء، وركنهم الشديد الذي يأوون إليه ويلوذون به حسابًا أي حساب. حتى كانت بعض الحكومات تتحدث حديث المبتهج المفاخر بأنها لا تريد أن تزيد الضرائب، بل بأنها مصممة على ألَّا تزيد الضرائب. وكانت الظروف القاسية تضطر الحكومات أحيانًا إلى أن تستزيد من إيرادها، فتلجأ إلى الضرائب غير المباشرة، تفرضها على ما يحتاج إليه الناس جميعًا، فيزيد الفقير والبائس فقرًا إلى فقر وبؤسًا إلى بؤس وشقاءً إلى شقاء، ولا ترزأ الغني الموفور من ماله الكثير شيئًا ذا بال!

    وكذلك أصبح الإصلاح عندنا كلامًا، وأصبح الجِدُّ فيه خطرًا على من يحاوله أو يدعو إليه، فضلًا عن أن يلح فيه. ثم تجاوز الأمر هذا الحد، فأصبح الإلحاح في الدعاء إلى الإصلاح عندنا شيوعية أو شيئًا قريبًا من الشيوعية، يضيق به صدر السلطان، وربما فتحت لأصحابه أبواب السجون وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

    ومهما أنسَ فلن أنسى، ولن ينسى الوزراء الذين اشتركوا في وزارة الوفد الأخيرة ليلة ذهبنا نقسم اليمين الدستورية بين يدي الملك السابق. فلما فرغنا من يميننا تمنَّى رئيس الوزراء أن تجري الأمور على ما يصلح الوطن ويحقق آماله، ورد الملك السابق عليه فتمنَّى مثل ما تمنى الرئيس. ولكنه لم يلبث أن انحرف عن حديثه إلى جماعة الوزراء ورئيسهم، واتجه إلى وزير المعارف خاصةً يدعوه باسمه، وينبئه بأنه يعرف ما كان ينشره في الصحف، وينذره بأن اختياره للوزارة لم يكن إلَّا امتحانًا له، فهي فرصة أخيرة تُتاح له لعله يثوب إلى نفسه ويعدل عمَّا كان قد مضى فيه من تلك الكتابة المثيرة. ولم يجب وزير المعارف بشيء، وإنما خرج الوزراء وأنفقوا أيامًا وأسابيع يتندرون بزميلهم يدعونه باسمه كما فعل الملك السابق، ويذكرونه كتابته المثيرة والفرصة التي أُتيحت له ليرجع عنها. وواضح أن وزير المعارف ذاك لم ينتهز الفرصة التي أُتيحت له، ولم يرجع عن شيء عمَّا كان يدعو إليه، وإنما مضى في شئون التعليم على نحو ما كان يرسم قبل أن يكون وزيرًا، لا يقفه في طريقه إلَّا ما يقف الوزراء جميعًا من الميزانية وفهم رجال المالية لتحقيق التوازن بين الدخل والخرج.

    ومضى عام وعام، واستقرت مجانيَّة التعليم العام، وأقبل العام الثالث، وجعلت الوزارة تعد خطاب العرش، وطلب وزير المعارف أن تتغير سياسة التعليم الجامعي، فتقرر فيها المجانية على ألَّا تقبل الجامعات من أصحاب الشهادة الثانوية إلَّا القادرين حقًّا على أن ينتفعوا بما يلقى فيها من التعليم. ولكن القصر وقف في سبيل هذه المجانية الجامعية، فحال بينها وبين أن تذكر في خطاب العرش، وحال بينها وبين أن تصبح أمرًا واقعًا. والغريب أن وزير المعارف كان متفقًا على ذلك مع الجامعات الثلاث.

    ثم ولد ولي العهد، واجتمع مجلس الوزراء وأراد أن يظهر ابتهاج الحكومة والشعب بمولد أمير الصعيد، فاقترح بعض الوزراء أن يُعفى الطلاب الجامعيون من المصروفات التي لم يؤدوها، وسأل رئيس الوزراء وزير المعارف وهو يضحك: أراضٍ أنت عن هذا الإعفاء؟ قال الوزير: لا، إنما أرضى بتقرير المجانية الكاملة؛ وليكن ذلك ابتهاجًا بمولد الأمير. ولكن الوزراء تضاحكوا واكتفوا بما اتخذوا من قرار.

    ولم يكن ذلك شأن الإصلاح في التعليم وحده، وإنما كان شأن الإصلاح في كل مرفق من مرافق الحياة. لم يكن بدٌّ من أن يتحقق الإصلاح بقوانين أو مراسيم، ولم يكن سبيلٌ إلى إمضاء القوانين أو المراسيم إلَّا إذا رضيَ عنها القصر، ولم يكن رضا القصر عن بعض الإصلاح يسيرًا ولا سهل المنال، ويجب أن نقول الحق: فقد كان للقصر أعوان في هذا الخوف من الإصلاح الذي يعرض ثراءهم لنقص قليل أو كثير.

    وللقارئ أن يظن بي ما أحب من السذاجة — والعبط — كما يقول الناس، ولكن أذكر سلسلةً من المقالات لعلها بلغت عشرًا أو جاوزت هذا العدد، وكان موضوعها واحدًا، وكان يسيرًا سهلًا، وهو أن إصلاح التعليم الذي عمدت إليه وزارة الوفد الأخيرة إنما كان شيوعية سافرة. كان من الشيوعية أن يكون التعليم بالمجان، وكان من الشيوعية أن تفتح المدارس لعدد من أبناء الشعب لم يكونوا ليدخلوها من قبل، وكان من الواضح جدًّا أن كاتب تلك الفصول لم يكن يؤمن فيما بينه وبين نفسه بما كان يكتب؛ لأن له حظًّا من الثقافة يُتيح له التفريق بين الشيوعية ونشر التعليم. إنما كان يريد أن يخاصم الحكومة القائمة، ويُغري بها أصحاب الثراء، ويُغري بها من كان يرى لنفسه حق التولية والعزل، وحق إجازة القوانين والمراسيم وتعطيلها.

    وأحب أن يعرف القارئ أني لست شيوعيًّا، ولم أكن شيوعيًّا قط، ولن أكون شيوعيًّا آخر الدهر، لا لأني أخاف على نفسي عواقب الشيوعية في مصر، فما أكثر ما تعرضت لما يخاف، فلم يصرفني الخوف عما أردت؛ بل لأني أؤثر الحرية على كل شيء من جهة، ولأن الشيوعية لا تلائم حياتنا المصرية المتدينة بالإسلام أو المسيحية، ولا تلائم الطور الذي وصلنا إليه من الرقي من جهة ثانية، ولأني مؤمن بأن في طبيعتنا وفي ديننا ما يمكننا من تحقيق العدل الاجتماعي دون حاجة إلى شيوعية لينين وستالين. ومع ذلك، فإني أذكر ديمقراطية قديمة عاشت في القرن الخامس قبل المسيح لم تكن شيوعية، ولم تدَّخر وسعًا في تأييد الحرية وملكية الأفراد لما يكسبون في حدود القانون، ولكنها لم تكن تكره أن تشق على أغنيائها في بعض ما لا تقدر عليه مواردها، فكانت تكلف أغنياءها بناء سفن الحرب، وكانت تكلف أغنياءها تلهية الشعب بتمويل التمثيل. ونشأ عن شدتها تلك على الأغنياء أن أصبحت مدينتها أثينا سيدة البحر، وأن تركت هذه المدينة للإنسانية تراثًا رائعًا خالدًا من الأدب التمثيلي.

    وما أريد أن تشتد مصر على أغنيائها كما كانت تشتد أثينا على أصحاب الثراء فيها، ولكن لا أجد بأسًا في أن تعيد الديمقراطية المصرية الثائرة نظرها في توزيع الضرائب، وأن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء كما يأمر الإسلام، وأن تكلف الأغنياء إقامة المدارس والمستشفيات حين تسمح لهم ثروتهم بإقامة المدارس والمستشفيات، تأخذ من أموالهم صدقات تطهرهم وتزكيهم بها كما يقول اللَّه في كتابه الكريم. وأحبُّ أن يكون هذا كله بالقانون عن رضًا من البرلمان، لا عن تسلط من الحاكمين.

    ولست أدري أين قلت في بعض كتبي منذ أكثر من خمس عشرة سنة أن من تغل عليه ثروته ثلاثين ألفًا من الجنيهات مثلًا سيظل غنيًّا حين ينفق نصف هذا الدخل فيما يطلب إليه من الضرائب؛ لتحقيق ما يحتاج إليه الوطن من الإصلاح.

    إن الثورة الصادقة التي تصدر من أعماق الشعب تلغي الأثرة، وتضع مكانها في قلوب الناس شيئًا آخر هو الإيثار والتضحية في سبيل المنفعة العامة. وما أشكُّ في أن ثورتنا صادقة، وما أشكُّ في أنها صادرة عن أعماق الشعب، وما أشكُّ في أن من حقِّنا أن نرى الأثرة تجري عن مصر مع الطغيان، وأن نرى الإيثار يحتل مكانها في قلوب الأغنياء والموسرين، فينفقون عن سعة في سبيل الإصلاح، ويذكرون أن ما يفعلون من خير سيجدونه عند اللَّه، وأن الشاعر القديم لم يكذب حين قال:

    من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين اللَّه والناس

  • سخاء … | Generosity …

    سخاء …

    طه حسين

    النداء

    ٢ ديسمبر ١٩٤٧

    لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.

    وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.

    وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.

    ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.

    الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.

    هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.

    والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.

    وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.

    ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.

    أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.

    ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.

    استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.

    وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.

    لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.

    لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.

    ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.

    أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.

    إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.

    إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.

    وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.

    نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!

    نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.

    والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!

    فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!

    ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!

    والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.

    صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.

  • لو كنت عضوا في البرلمان | If I Were a Member of Parliament

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    لو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير.
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقي أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحي أبولون، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجني ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقي والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبي منه من الضرائب.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذي يعيشون فيه، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروي صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمئوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادي محمد علي ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهي الأداة.
    إن صدقي باشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج، كلا يا سيدي إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفى، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سياسي أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمِّنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان.
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكني أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية. فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله. وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذي يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذي يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب. وما ترضى به وزير الأشغال الذي يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمي الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء. ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ. فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ. إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدي إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنيائنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بائساً أو ترفق بمحروم.
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام.
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا.
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذي لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضًا يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغني يشكو إلي بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكني فكرت فيما بيني وبين نفسي أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وإني في هذا الوقت الذي كان يتحدث إلي فيه هذا الغني لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغني بائساً لأنه قد نُصِفَ إيرادُه مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأني لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل ١٩٤٤.