Tag: عصبة الأمم

  • ذات الرؤوس | The Heads

    ذات الرؤوس
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه في محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاي. يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد.
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد. فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون، أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية. أو قل إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأساً، أي رأس، كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث: في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسيسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج. مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة، له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتخب في مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاض متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى. فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة. والشعب المصري واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد أغلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضي بتغليق الأبواب. وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون، ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول، أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية، أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية، قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل. شرف مصر بين الأمم فانتخبت في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل.
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أي عجب! هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة. يصيح في غير أوان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً. كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً. يقدم ليحجم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين. لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح.
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة. وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة، فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين. ولست أدري أرضي الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً. فأما الرأس الغائب فلم يرضَ ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً. فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من ‘لا’ و’نعم’ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها؟ وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان؟ ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف.
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك. أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزراً في مجلس الشيوخ. فقد أنكر الرأس النقراشي الأول، وزير الخارجية، كل الإنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تستوحى هذه الأماني؟ من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق. من غير السودانيين؟ فهي لا تستوحى شيئاً، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق. وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة، وهي الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة، لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب. أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟ وقد قال شاعرنا القديم:
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو
    ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً، ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان، وإن لم يرض الدستور. وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها. ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز. مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت. وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجري الريح رخاء.
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد البريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب. وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات. والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً. أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقي باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً. وإذن فصدقي باشا غاضب. والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات، أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد: يريح الناس جميعاً. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها! ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفاً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
    كل شيء ممكن. قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً. وذلك يسير. يقال إن التعديل الوزاري قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!
    طه حسين
    البلاغ، ٧ فبراير ١٩٤٦.

  • فكرة الاستقلال | The Idea of Independence

    فكرة الاستقلال
    لعميد الأدب العربي
    الدكتور طه حسين بك
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر في استحضارها أمام أنفسنا دائماً، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس. وقد تتغير المعاني تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هي لا يصيبها تغيير ولا تبديل، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التي أصورها الآن. وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن، وليس من شك في أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى.
    في ذلك الوقت، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأي أمة من الأمم في تقرير ما يعنيها من الأمور. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين. فبريطانيا العظمى مثلاً، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الإمبراطورية البريطانية، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى؛ قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة.
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود، فكان ذلك تضييقاً لاستقلالها وحداً من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال. كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيهاً يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلاً، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر. وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربي ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان. فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب، وإلى الاتفاق في التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب.
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير. ولكن هذا النزول قد كان اختيارياً -إن صح هذا التعبير- أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلاً. ولكنها اشتركت في الحرب عن إرادة حرة، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضاً، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب، فهي في حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً.
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف، ولكنها لم تسترده كله، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب. وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولاً، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادي ثانياً. فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغني بموارده عن البلاد الأخرى، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة. ثم النزول عن بعض السيادة ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلاً أو كثيراً.
    وواضح جداً أن حياة أوربا، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى، كانت صراعاً متصلاً بين استرجاع الاستقلال كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا. فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك في عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها.
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئاً فشيئاً، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال. وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعاً، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع أنها شاركت في تأسيسها. وليس نشوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملاً موفوراً، والإيثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعايةً للسلم وتحقيقاً للمصالح الإنسانية العليا. وقد تغلبت الأثرة على الإيثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب.
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين.
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف، ولكنهم في حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال. أيسترده كل منتصر كاملاً موفوراً فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب؟!
    هذه هي المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندرة، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفي القرم وفي بوتسدام. والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة: أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده في لندرة، وهو اجتماع الأمم المتحدة. فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال، وإنما هي المنافع تلتقي لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هي مكرهة على الاختلاف. فهل تطلق يد روسيا السوفييتية في شرق أوروبا وجنوبها، وهل تطلق يد بريطانيا العظمى في غرب أوروبا، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أي حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين في الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو في صراحة ما نظن أنها ترضى الأخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقي والكمال. أما الاجتماع الكبير الآخر الذي يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي -كما يقال- لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة، وعلى تأييد الحق والإنصاف. وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهي تلتقي سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس، وإلى المثل العليا، وهي تريد أن تلتقي جهرة في لندرة لتسمع العالم ألواناً من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس.
    وفي هذا شيء من الرقي من غير شك، فليس الخير في حاجة إلى الاستخفاء، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرانسيسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة، وأما الشر فهو الذي يستخفي ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون. وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه، فهو يستخفي الآن في أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم.
    ولا يظن القارئ أني أعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة في سان فرانسيسكو ولندرة لأنه محاولة -قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة- لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب. والاجتماع الخاص في موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ، على أن يكون هذا كله شيئاً يظهر أقله ويستخفي أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين في اجتماع الأمم المتحدة، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه، أيستردها المنتصرون كاملةً موفورةً فيصبح بعضهم لبعض عدواً، أم يمضي المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع؟!
    أما فكرة الاستقلال بالقياس إلى الأمم الضعيفة، أو إلى الأمم المستضعفة، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة. ولست أذكر الأمم المحررة، فإن قصتها مؤذية للنفوس حقاً. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملاً موفوراً، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم، لا كما تريد هي. فإن لم تفعل، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة، يقول ممثلوها ما يشاءون، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلي الدول الكبرى. ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك، حسب موقعها من مناطق النفوذ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً، فإذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه.
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان، ثم نسيته الإنسانية حيناً من الدهر، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوي والضعيف. للقوي حقائق الأشياء، وللضعيف مظاهرها وأشكالها. وقد عرف التاريخ القديم دولاً في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسي كاملة، وكانت حليفة لروما، وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين. فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى، ويظهر أن الإنسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوربا أيضاً، فاليونان مستقلة الآن، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون. فإن لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون. ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا، وإلا فإن مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد. والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء، وأن تنقبض حتى لا تدل على شيء، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت، فإن لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة. إنها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال، وفي حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام، وفي حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات، وهي محتاجة إلى رضا حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك.
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها، وكما تقتضي مصالحها لا مصالح غيرها. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال. ولست أدري ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول للغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم.
    طه حسين
    مسامرات الجيب، ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٤٥.