حديث الوادي
قلق…
ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا "الجهاد" قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
طه حسين
الوادي، 30 نوفمبر 1934.
Tag: قلق عام
-
قلق٢ | Anxiety 2
-
موقف٢ | A Stance 2
حديث الوادي
موقف…
وما يزال موقفنا غريباً أشد الغرابة، شاذاً أعظم الشذوذ، نابياً أشنع النبو، عن كل ما ألفته البلاد التي تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً منظماً في القرن العشرين.
لم يجد فيه شيئاً يزيل غرابته، أو يخففها، أو يدنيه من أن يكون معقولاً بعض الشيء، ولعل الذي جد فيه منذ أمس يزيده غرابة وشذوذاً، كما يزيده عسراً وتعقيداً، فأما الإنجليز فنشاطهم لا ينقطع ولا يفتر، ولكنه متصل يشتد من حين إلى حين، فأما يوم الخميس فنائب المندوب السامي يفتش على الشرطة في الثكنات والأقسام، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات السابقين فيقضي معه وقتاً غير قصير، وفيما بين ذلك يزور المطافئ، ويزور قيادة الجيش المحتل، وهذه الحركات كلها تنبئ بأمرين خطيرين: أحدهما أنه يجاهر المصريين بالدخول في أمورهم الخاصة، في غير تحفظ ولا احتياط، والثاني أنه تهيأ لأمر لا يعرفه، ويريد أن يستيقن أنه إن أقدم فستواتيه الظروف، وسيكون قابضاً على ناصية الحال كما يقولون، فإذا كان يوم الجمعة رد له رئيس الوزارة السابق زيارته في الإسكندرية، بين قطارين كما يقول الفرنسيون، فإذا كان يوم السبت، وصلت الأنباء إلى رئاسة مجلس الوزراء بأن نائب المندوب السامي سيزور الرئيس، ثم أجلت الزيارة في غير تحديد، ثم كانت الزيارة مساءً في دار الرئيس، والناس يتحدثون في أثناء هذا كله بأن الرسائل البرقية الرمزية، متصلة بين دار المندوب السامي، وبين وزارة الخارجية البريطانية والسير مايلز لمبسون.
هذا إلى ألوان أخرى من النشاط منها المعروف الذي يتحدث به الناس ومنها المجهول، الذي لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وأما الوزراء فيجتمعون ويفترقون ويقيم بعضهم في القاهرة أياماً فإذا دعي إلى الإسكندرية أبطأ في الاستجابة لهذا الدعاء، حتى يكون الإلحاح.
والوزراء يلتقون أفراداً وجماعات في مكاتبهم وفي دورهم، وناظر الخاصة الملكية، والسكرتير الخاص لجلالة الملك، يلقيان رئيس الوزراء في الصباح والمساء، كما يلقيان غيره من زملائه، وأما النواب فبعضهم يسأل عن تفتيش المندوب السامي على الشرطة، وبعضهم يسأل عن صمت الحكومة وإغراقها فيه، والوزارة لا ترد على هذا ولا على ذاك، فيجتمع فريق من النواب والشيوخ، ويتدابروا ليتشاوروا ويتخذوا قراراً، ولكن مدير الأمن العام يقظان، غير نائم، فهو لا يمنح طرفه الجامعة وكلية الحقوق ودار بعض الطلاب وحدها، وإنما يمنح طرفه أيضاً دار البرلمان، ليرى من يذهب إليها، ومن يخرج منها، ومن يجتمع فيها. ثم يمنح طرفه الصحف، ليرى من يزورها، ومن ينصرف عنها، ثم يتحدث إلى أصحاب الصحف ليطلب إليهم ألا ينشروا ما قد يرسله إليهم النواب من عرائض تنير الخواطر، وفي أثناء ذلك تراقب المحطات في الإسكندرية وفي سيدي جابر، لتعرف الوزارة من يقدم على الثغر، ومن يخرج من الثغر، ثم تشتد المراقبة حول دار رئيس الوفد، وحول الكازينو، وحول الدور التي ينزل فيها أعضاء الوفد المقيمون في الإسكندرية.
هذا هو موقف مصر الرسمية بالضبط، فأما موقف الشعب فهو كما صورناه أمس، موقف قلق واضطراب، بل موقف إمعان في القلق والاضطراب، ما يزال الناس يتساءلون إذا لقي بعضهم بعضاً عما كان أمس، وعما هو كائن اليوم، وعما سيكون غداً، بل عما كان في الصباح، وعما هو كائن في المساء، وعما سيكون إذا جن الليل – والخيال يذهب إلى أبعد الآماد، والألسنة تنطق بأغرب الأحاديث، وفي أثناء هذا كله يجتمع مجلس الوزراء فجأة، ثم يتفرق الوزراء المجتمعون، ثم يسأل بعض الصحفيين رئيس الوزراء عن هذا الاجتماع، فيجيب أنه اجتماع عادي ليس فيه شيء غير مألوف.
وتنشر بعض الصحف مساء أمس أن الوزارة لا ترى بأساً من إصدار بلاغ تبعث به الطمأنينة في نفوس الناس على صحة جلالة الملك. وإذا كان الصباح لم يصدر البلاغ، وإنما قالت الصحف إنه قد يصدر وأن أولياء الأمر يترددون في أمره، أيصدره مجلس الوزراء أم يصدره الأطباء الذين يعنون بالمليك؟ فإلحاح الناس إذن على الوزارة في إصدار نشرات طبية لم ينته إلى إصدار هذه النشرات بل إلى الوعد بإصدارها.
نظن أننا قد صورنا موقف المصريين الرسميين، وموقف الشعب وموقف الإنجليز أدق تصوير ممكن في هذه الأيام، ونحب أن نعلم بعد ذلك كيف تستقيم هذه المواقف كلها وكيف تتفق مع النظام، الذي تحكم به مصر، وهو النظام الديمقراطي. ومن الذي جعل أمور الشعب المصري الحر المستقل بأموره الخاصة على أقل تقدير وقفاً على الوزارة وعلى دار المندوب السامي وعلى رجل أو رجلين، من كبار الموظفين في القصر الملكي؟ وكيف يفهم أن تصبح حياة أربعة عشر مليوناً من الناس سراً مكتوماً على كل هذه الملايين، على خاصتها وعامتها، على ساستها ومثقفيها، على قادتها وزعمائها، سراً لا يعرفه إلا اثنا عشر رجلاً يستأثرون به، ويدبرون أمره، ويتصرفون فيه دون أن يقولوا لهذه الملايين شيئاً، أو يشركوا قادتها وزعماءها في شيء.
ثم كيف يفهم أن تكون مصر فيما يقال دولة مستقلة ذات سيادة تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً، وأن يكون أشد الأشياء مساساً بحياتها شركة بين الإنجليز وبين اثني عشر رجلاً من المصريين دون أن يكون لهذا الشعب كلمة تسمع أو رأي يلتفت إليه.
هذا كثير وأكثر منه أن يمضي الوزراء فيه، وأكثر منه أن يلح الناس على الوزراء في الخروج من هذا الصمت، فإذا الوزراء لا يزيدون إلا إغراقاً في الصمت، نظن أن الوقت قد آن ليخرج الوزراء من صمتهم وليعرف المصريون إلى أين يدفعون، ونظن أنه لا ينبغي للمصريين أن يريحوا الوزارة من الإلحاح والمطالبة في كل لحظة ومن كل هيئة، حتى تخرج الوزارة من هذا الصمت الثقيل، ومن هذا النوم العميق، أو تقيل إذا كانت عاجزة عن أن تعمل أو عن أن تقول.
طه حسين
(٢) الوادي، ٧ أكتوبر ١٩٣٤. -
موقف | A Stance
حديث الوادي
موقف . . .
موقف من أغرب المواقف، وأشدها إمعاناً في الشذوذ، هذا الموقف الذي دفعت إليه مصر دفعاً في هذه الأيام بفضل الوزارة القائمة، وما تبين من عجزها الواضح عن النهوض بالأعمال الثقال والثبات للخطوب الملمة وحسن اللقاء للطوارئ والمفاجآت.
موقف غريب أشد الغرابة، شاذ أعظم الشذوذ لا يحتاج مصري مهما تكن ثقافته ومهما تكن منزلته الاجتماعية إلى أن يدله عليه أحد، أو ينبهه إليه إنسان. فأنت تستطيع أن تتنقل في الأندية، وتلم بمجالسهم في القهوات والدور، وأنت تستطيع أن تستمع إلى عامة الناس، وهم يتحدثون فيما بينهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم اليومية، وأنت تستطيع أن تصعد إلى الترام، والأتوبيس التي تنقل الناس في القاهرة أو إلى القطارات التي تنقل الناس بين القاهرة والضواحي، أو بين القاهرة والأقاليم فسترى شيئاً لم تكن تراه منذ شهر أو شهرين، سترى قلقاً بادياً، واضطراباً واضحاً، وخيالاً أرسلت أعنته، فانطلق لا يلوي على شيء، ولا يقف عند شيء، وإنما هو يتلقف الأنباء، ثم يستغلها إلى أقصى غايات الاستغلال، فيخلق الحوادث، ويبتكر الأخبار، وينشئ الفروض، ويحكي ما كان، ويصور ما هو كائن، وينبئ بما سيكون. وتنطلق الألسنة بما يوحي به هذا الخيال الذي أدركه شيء يشبه الحمى، فهو لا يهدأ، ولا يطمئن، ولا يكف عن الحركة والإنتاج. ولا تكاد الأحاديث تلقى في مكان حتى تطير منه إلى أماكن أخرى، ثم تطير من هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، وهي كلما وقعت في مكان أثارت القلق، وبعثت الاضطراب، وأنشطت الخيال، وأطلقت الألسنة، حتى أصبح المصريون لا يشكون في أن حياتهم العامة معرضة لحدث جديد خطير، وهم يبحثون عن هذا الحدث، وهم يريدون أن يعرفوه، بالتحقيق أو بالتقريب وهم يستدلون عليه بما يقع من الأحداث، وما ينشر من الأنباء، وما يأتي الكبراء والوزراء من الحركات، يقضون في ذلك نهارهم حين يعملون، ويقضون في ذلك ليلهم حين يسمرون، ولعل منهم من يحلم به إذا أدركه النوم، ولكنه على كل حال أول ما يخطر لهم. وأول ما يفكرون فيه، حين يستقبلون النهار ويستقبلون معه صحف الصباح. هذه هي حياة المصريين في هذه الأيام، قلق متصل يزيد من حين إلى حين إشفاق مستمر يشتد من وقت إلى وقت وحديث لا ينقطع في السياسة وأسرار السياسة وما قد تنكشف عنه هذه الأسرار.
وأكبر الظن أن الوزارة ليست أقل اضطراباً ولا قلقاً من الشعب، فلعلها تعلم من أمر السياسة أكثر قليلاً مما يعلم الشعب، والشعب لا يعلم شيئاً أو لا يكاد يعلم شيئاً والوزراء يأتون من الحركات ما لا يمكن أن يفهم منه هدوء البال، واطمئنان القلب وراحة الضمير. فهم يلتقون، وهم يفترقون وهم يتبادلون الزيارات التي لا تخلو من معنى، وهم يتلقون زيارات أخرى ليست أقل معنى من هذه الزيارات التي يتبادلونها فيما بينهم. وهم يتحدثون إلى بعض المتصلين بهم، وهم يسألون أحياناً عن الأخبار، شعب قلق، ووزارة قلقة، فأما الإنجليز فيظهرون نشاطاً غريباً لم يظهروه من قبل، يدخلون فيما لم يتعودوا أن يدخلوا فيه ويقبلون على ما لم يتعودوا أن يقبلوا عليه ويفعلون ما لا ينبغي لهم أن يفعلوا ويكفي أن نلاحظ نشاط نائب المندوب السامي وحده في هذه الأيام القليلة الماضية، فهو يفتش على الشرطة في الإسكندرية وهو يطير إلى القاهرة فيفتش على الثكنات، ثم على بعض الأقسام، ثم على المطافئ، ثم يتغذى مع قائد جيش الاحتلال، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات المصرية السابقين، ثم يزور بعض الإنجليز ثم يطير إلى الإسكندرية، ولا يكاد يستقر أربعاً وعشرين ساعة حتى يرد له ذلك المصري من رؤساء الوزارات السابقين زيارته. يسافر لهذه الزيارة مع الظهر ويعود من هذه الزيارة مع المساء، وتقول الصحف إن هذه الزيارة لها ما بعدها، وقد تتبعها زيارة أخرى والناس يقرأون هذه الأنباء في الصحف، ويسمعونها في الأندية، ويقال لهم إن الوزارة حائرة ويقال لهم إن الوزارة قد تستقيل، وهم يريدون أن يفهموا، ولكن كيف يفهمون؟ وهم يريدون أن يتبينوا ولكن كيف يتبينون؟ وزارة مغرقة في الصمت وقد كان يجب عليها أن تتكلم، مغرقة في السكون وقد كان يجب عليها أن تعمل، مغرقة في الألغاز وقد كان يجب عليها أن تكون واضحة، مصرة على البقاء في الحكم، وقد كان يجب عليها أن تتخلى عنه، بعد أن ظهر لها وظهر للناس أنها لا تصلح له، ولا تقدر عليه، ولا سيما في هذه الظروف التي لم يبق إلى الشك في دقتها وخطرها وحرجها من سبيل.
والصحف تجمع الآن على مطالبة الوزارة بإصدار نشرات منظمة عن صحة جلالة الملك، فلم يبق عند أحد شك في أن صحة جلالته قد انحرفت بعد أن جاءت الأنباء بذلك من أوروبا، وكان ينبغي أن يعرف الناس ذلك في مصر قبل أن يعرفوه في أوروبا.
وبعد أن أجلت الرحلة الملكية وبعد أن أعلن أن حضرة صاحب الجلالة لا يستقبل في عيد الجلوس هذا العام، وبعد أن دعي طبيب من القاهرة ثم دعي طبيب أو أكثر من طبيب من الخارج.
فالناس يعلمون أن صحة جلالة الملك ليست على ما يتمنون من العافية، وهم يريدون أن يعلموا، ومن حقهم أن يعلموا. ومن الواجب على الحكومة أن تعلمهم بحال ملكهم من يوم إلى يوم، بل من صباح إلى مساء.
ولكن الوزارة لا تقول في هذا شيئاً كما أنها لا تقول في غيره من الأمر شيئاً. فقد نحب أن نعلم ماذا يصنع الوزراء، وما بقاؤهم في مناصبهم إذا كانوا يقصرون حتى في أقدس الواجبات فلا يطمئنون الشعب على صحة ملكه ولا ينبئون الشعب بمعنى هذا النشاط الغريب الذي يظهره الإنجليز.
إحدى اثنتين فإما أن يكون الوزراء ناهضين بواجباتهم حقاً، وإذن فقد كان يجب أن ترى آثار هذا النهوض، والوزراء يعلمون حق العلم أنهم ليسوا أوصياء على شعب قاصر، وإنما هم موظفون لشعب رشيد، فليس لهم أن يخفوا عليه شيئاً، وليس لهم أن يستأثروا من دونه بما يمس حياته من قريب. وأما أن يكون الوزراء باقين في مناصبهم ليختلفوا إلى الدواوين، ويستمتعوا بجاه الوزارة وظاهر من سلطانها، فيجب أن يعلموا أن الوزراء لا يختارون لهذا، وإنما يختارون لشيء آخر.
وبعد فإنا نريد أن نعتقد أن الوزراء يرجعون إلى ضمائرهم. ويعلمون حق العلم أن الشعوب قد تتعرض لأوقات من حياتها لا يجوز فيها الهزل، ولا يباح فيها الإهمال، ولا يغفر فيها التقصير، وأن الوزراء يقدرون هذا كله، ويلائمون بينه وبين سيرتهم في هذه الأيام، فإما أن يعملوا ويقولوا ويقنعوا المصريين بأنهم وزراء حقاً، خليقون بملاقاة الطوارئ، والثبات للحوادث والنفاذ من الخطوب، وإما أن يردوا أمر الشعب إلى الشعب، ويدعوا الحكم لينهض به قوم هم أصلح له، وأقدر عليه، ولاسيما في هذه الظروف.
طه حسين
(★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤. -
أزمة٢ | Crisis 2
حديث الوادي
أزمة . . .
يتمناها أكثر الناس، لأنها تزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس، لأنها تُغلق في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سبل الحياة. ويتحدث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديث. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أن حدثًا قد حدث، أو نبأ قد أُذيع، حتى يجدوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أن تحقق الأيام ما خيلت الأحلام. وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها. لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يُلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نفوسهم، فهم يتمنون أن تمحو الأيام ما خيلت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكون الشعب. كثرة قلقة لأنها تريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة. ما نرى أن حالة سياسية تستطيع أن تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مصري من الخوف، ولا يطمئن فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه، إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.
تحدث إلى من شئت من الناس، فسيكون أول الحديث في الأزمة السياسية، وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك، بأطراف من موضوعات مختلفة، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأن الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمس الناس ويومهم وغدهم لم تُخلق إلا للأزمة السياسية.
ومع ذلك كله، فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة، فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا. فإذا كان هناك إخفاق يمكن أن يُهنأ به المخفقون، وفشل يمكن أن يُهنأ به الفاشلون، فهو هذا الإخفاق وهذا هو الفشل. فأصحاب هذا العهد السعيد لم يوفقوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء. كانوا يريدون أن يُلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هم ينتهون إلى أن يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق. كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخنوع. ثم كانوا يريدون أن يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يُعنى فيها بالسياسة، وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أن الشعب قد أصبح يُعنى كله بالسياسة، ويؤمن أصدق الإيمان بأنه وحده صاحب الأمر، وبأن غيره إن عُني بالسياسة، فلا ينبغي أن يُعنى بها إلا نائب عنه ومفوض منه ليس غير.
مهما يكن من شيء، فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إن أردت التدقيق. قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يقسمون بالله جهد إيمانهم أنها وهم من الأوهام، وخيال من الخيالات. أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال. فإذا سألت حقائق الأشياء، فالأزمة قائمة منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فُرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا. ففرض هذه السياسة نفسه أزمة لم تخلص منها البلاد بعد. وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تُسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في منصبه رغم الشعب ورغم الأحداث ثلاثة أعوام وبعض العام، ثم هوى في يوم من الأيام، لسبب لا تزال حقيقته مجهولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نفسه غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم، كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة. فالوزارة التي تعد بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا، خليقة أن تُسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تعد بحل مسألة الدين العام دون مفاوضة، ولا خروج عن قاعدة الدفع ورفضًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسمن داء الدين العقاري حسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رئاسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن أنها ستفاوض في أمر المحاكم المختلطة، مفاوضة الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقدم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم منكرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب، ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يصلح منها شيئًا، ولا يرد الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يعصم أجسامهم من العذاب، ولا يُخلي بين نفوسهم وبين الحرية، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة. كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة، خليق أن يثير الأزمة الوزارية الحادة، وأن ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تَبسُم للأزمات، وتَبسُم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومحالفة. ذلك لأن كل هذه الأزمات إنما تُسقط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتُسقط حين لا يريدها الشعب، ولا يطمئن إلى بقائها. فأما إذا فُرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها ولا خطر. وإنما الشيء الذي له القيمة وله الخطر، هو شيء مجهول. لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا. لا تستطيع أن تتنبأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يُسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تُقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور. هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مستمتع بثقة البرلمان. هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل. هو شيء فوق البحث، هو شيء فوق الحديث. هو شيء يجب أن ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة. حين ينتظر، وحين لا ينتظر، حين يُقدَّر، وحين لا يُقدَّر، حين يُرجى، وحين لا يُرجى، حين يُخاف، وحين لا يُخاف. فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمة لا تُغني. وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون، لأن أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادق، لأن الناس ما زالوا يُعذَّبون، ولأن الأحداث والهموم لا زالت تصب على رؤوس المصريين. وإذا انتشر خبر فجال على غير حساب ولا انتظار بأن عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك، فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام. تستطيع إذن أن تصدق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء. لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق، ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق، ولا لتفكير العقل. وإنما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمصادفة، التي لم يوفق الإنسان بعد إلى أن ينظمها بقانون. فانتظر كل شيء، ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.
طه حسين
الوادي، ٢٦ يوليه ١٩٣٤.