حديث الوادي
يمين الوزراء
أقسموها أمس بين يدي جلالة الملك صريحة صدرت عن قلوب صريحة، نقية، صدرت عن ضمائر نقية، صادقة حارة صدرت عن نفوس لا تحب إلا الصدق، ولا تريد إلا البر، ولم تتعود إلا النزاهة والإخلاص.
أقسموها واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا غموض. يمين يقسمها كل مصري، مهما يكن مذهبه في السياسة، ومهما يكن رأيه في تصريف الأمور. يمين لا تصور ميلاً إلى الهوى ولا جنوحاً إلى الأحزاب، ولا تأثراً بالشهوة، ولا انحيازاً إلى فريق من المصريين دون فريق، يمين تعلو على الأهواء والمنافع، وعلى النزعات والميول، وعلى الخصومات وأصناف الخلاف، يمين يقسمها مصريون صادقون على أنهم سينهضون بمصالح هذا البلد كما ينبغي أن ينهض الرجل الكريم في غير تحيز ولا تعنت ولا أثرة ولا إيثار ولا محاباة.
يمين تلائم مقام جلالة الملك الذي أُديت بين يديه، وتلائم كرامة الوطن الذي بدأت بها خدمته؛ فجلالة الملك فوق الأحزاب جميعاً، ويجب أن يكون فوق الأهواء جميعاً، والوطن فوق الأحزاب وفوق الأهواء وفوق الأشخاص، لأنه أنقى وأخلد من الأهواء والأحزاب والأشخاص. وقد أقسم الوزراء يمينهم فارتفعوا بها عن هذا كله، ولم يعاهدوا الله إلا على أن يخلصوا للملك ويصدقوا في خدمة الوطن. فهم إذن يقسمون يميناً لا يتعرضون للحنث بها. ومن حنث فيها فهو خائن، وما أبعد ما بين هؤلاء الوزراء وبين الخيانة للملك والوطن. هم يقسمون يمين الجندي الذي يبذل نفسه وجهده وراحته فداءً للملك والوطن، لا يمين السياسي الذي يروغ كما يروغ الثعلب، ويحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويعلن إلى الناس ما يريد وما لا يريد. ولعله يعلن إليهم ما لا يريد أكثر مما يعلن إليهم ما يريد. يقسم وهو يعلم أنه معرض للحنث، ويعد وهو يعلم أنه قد يعجز عن الوفاء. ولعله يعد وهو يعلم حق العلم أنه لن يفي، لأنه لا يريد أن يفي، وإنما هو يمكر ويخادع؛ لأنه يرى السياسة مكراً وخداعاً. نعم أقسموا يمين الجندي لا يمين السياسي، والجندي قادر في مثل هذه المواقف على أن يكون سياسياً إن فهم السياسة على وجهها واستقبلها صادقاً مخلصاً طاهر القلب والضمير، وآمن بأن السياسة ليست كذباً ولا غدراً، وليست مكراً ولا خداعاً، وإنما هي خدمة صادقة للوطن وإيثار صادق لمنافع الوطن، واحتفاظ أبٍ بكرامة الوطن، وجدّ في ذلك كله ما استطاع الإنسان أن يجد، ثم اعتزال العمل إذ أحس العجز عن النهوض بما احتمل من أعباء.
أقسموا يمين الجندي التي يستطيع أن يقسمها معهم كل مصري، بل يجب أن يقسمها معهم كل مصري، فكل مصري مخلص للملك والوطن. ولكن لهذه اليمين الصريحة الواضحة في صيغتها السهلة اليسيرة، خطراً عظيماً يجب أن يعلم الوزراء أن المصريين جميعاً قد فهموه وقدروه؛ فالمصريون جميعاً قد علموا مغتبطين أن وزراءهم لم يقسموا يمين الإخلاص للدستور الذي استحدثه الطغاة لأنهم لا يستطيعون ولا يريدون أن يبقوا على هذا الدستور فضلاً عن أن يخلصوا له ويتقيدوا به. وقد علم المصريون جميعاً أنهم لم يقسموا يمين الإخلاص للقوانين، لأن بين هذه القوانين ما لا يريدون، ولا يستطيعون أمام ضمائرهم ومصالح بلادهم أن يبقوه فضلاً عن أن يخلصوا له. فهم إذن يقسمون اليمين التي يشعرون أمام ضمائرهم وضمائر مواطنيهم أنهم قادرون على الوفاء بها، وهم إذن يشهدون الوطن وأبناءه جميعاً على أنهم كالوطن وكأبنائه جميعاً، لا يؤمنون بنظام الطغاة، ولا بما استحدث من بدع، ولا بما فرض على الناس من قانون، وهم إذن أحرار كالشعب المصري، وهم إذن يسعون في طليعة الشعب لمحو الظلم، وإلغاء الجور ورد العدل إلى نصابه، وإنقاذ الوطن مما ألم به من الكوارث، وما سلط عليه من الخطوب. هم صورة لميل الشعب، وهم صورة لصدق الشعب والوطن. هم لم يقسموا أمس عن أنفسهم فحسب، ولكنهم أقسموا عن أنفسهم وعن مواطنيهم جميعاً. وهم قد ألغوا الدستور الجديد منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص له، وهم قد ألغوا القوانين الجائرة منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص لها، فلم يبق إلا أن يتخذوا إجراءات رسمية ترضي الأشكال والصور، فأما الجوهر فقد حققوه، فأما الضمير فقد أرضوه، تحللوا من طاعة الدستور الجديد فأحلوا الشعب من طاعته. فالدستور إذن ملغى منذ أمس، والمصريون إذن أحرار منذ أمس، والطغيان أذن منته منذ أمس، وهذا كله محقق منذ فرغ الوزراء من تأدية يمينهم أمام الملك.
ليقل بعد ذلك المخاصمون للوزراء ما يقولون، فلن يجدي ما يقولونه شيئاً ولن يعتبر ما يقولونه شيئاً، قد أبى الوزراء أن يقسموا يمين الإخلاص للنظام الغابر. وقُبل منهم لتلك ألا يقسموا، ودفعهم الشعب كله ألا يقسموا، فتم الاتفاق منذ أمس بين الشعب والملك والوزراء، على أن هذا النظام لاغٍ لا يستحق أن يخلص له أحد ولا أن يحفل به أحد، وهذه هي الخطوة الأولى الموفقة إلى الإصلاح من خطوات وزارة التوفيق.
يقول بعض الإنجليز المقيمين في مصر والذين يكتبون فيها إن الوزارة لا تمثل ما كان ينتظر أن تمثله من القوة، فأي قوة يريدون؟ إن كانوا يريدون قوة الشعب فقد أخذت الوزارة منذ أمس تمثل هذه القوة تمثيلاً صادقاً، وأخذت تحس ذلك إحساساً قوياً، وستظل ممثلة لهذه القوة واثقة بهذا التأييد ما مضت في طريقها الذي رسمته أمس حين أبت أن تقسم اليمين بالإخلاص للنظام الغابر وما استحدث من قوانين. وإن كانوا يريدون قوة الذكاء والكفاية فإن هؤلاء الوزراء قد أظهروا إلى الآن ذكاء غير مجحود، وكفاية لا غبار عليها، وما ينبغي لقوم نهضوا بأثقل الأعباء في أدق أمور الفن والإدارة أن يعجزوا عن النهوض بأثقل الأعباء في مسائل السياسة ما دام الإخلاص والصدق والوفاء للملك والوطن والاعتماد على الله والشعب هو برنامجهم.
وإن كانوا يريدون القوة التي تأتيهم من الخارج فإن هذه القوة لم تظهر بعد، وسيرتهم هي التي ستظهر حظهم منها، وها هم لولا مساحة الإنجليز الرسميون وغير الرسميين يتحدثون إلى مكاتب الأهرام في لندن بأن إنجلترا لا تريد أن تعبث باستقلال مصر، ولا أن تدخل في شؤون مصر إلا في حدود التحفظات، والمصريون يعلمون أن نسيم وأصحابه سيعرفون كيف يحوطون استقلال مصر، وكيف يقومون دون استقلالها يحمونه من كل تدخل واعتداء؛ فإذا توفر حسن النية من الإنجليز فالمصريون خير من يلقي النية الصادقة بنية صادقة مثلها. ولن يكون نسيم وأصحابه كما كان الرجل الطيب وأصحابه ضعافاً يتكلفون القوة، وأصحاب سذاجة يتكلفون المكر، وبسطاء يتكلفون المهارة والذكاء.
نعم لن يكون نسيم وأصحابه إلا وزراء مخلصين لوطنهم وملكهم، صادقين في سياستهم مع الإنجليز وغير الإنجليز، مؤثرين للصراحة والاستقامة، منكرين للغموض والالتواء، أقسموا أمس على ذلك وهم خير من يبر إذا أقسم، ولن يكون منهم حنث، ولن يكون منهم استعداد للحنث، لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يحنثوا، ولأنهم يعلمون حق العلم أن شعبهم كريم لا ينبغي أن يخدمه الخائنون.
لهؤلاء الوزراء ثقة الشعب كاملة، وتأييد الشعب كاملاً؛ صاروا بهذه اليمين التي أقسموها أمس والتي يقسمها المصريون معهم في غير تحفظ ولا احتياط.
فامضوا إلى أمام فإن الشعب ينتظر أعمالهم، وإنما يكون الثناء بعد البلاء كما قال الأحنف بن قيس.
طه حسين
الوادي، ١٦ نوفمبر ١٩٣٤.
Tag: مصر عام 1934
-
يمين الوزراء | The Ministers’ Oath
-
غرور٢ | Vanity 2
حديث الوادي
غرور …
زعمت صحيفة فرنسية من صحف الوزارة صدرت صباح اليوم أن الشعب المصري راضٍ مطمئن، لا يشكو من شيء، ولا يضيق بشيء، ولا يتمنى على الله ولا على الناس إلا أن تدوم هذه الحال، التي ينعم فيها بالأمن، والهدوء، وبالرخاء واللين.
وزعمت هذه الصحيفة أيضاً أن الشعب المصري قد زهد في السياسة كل الزهد، ونفر منها أشد النفور، وترك الخوض فيها واللهو بها، والاختصام حولها لأهل القاهرة والإسكندرية ومدينة أو مدينتين من المدن الكبرى. فأهل هذه المدن قوم قد أفسدتهم الصحف، وصرفتهم بالقول عن العمل، وألهتهم بهزل الأمر عن جده، وهؤلاء الناس لا يبلغون عشرة في المئة من سكان مصر، فهم إذن قلة قليلة، وجماعة ضئيلة، قد تقسمتهم الأحزاب، وعبثت بهم الأهواء، ودفعهم الفراغ أو ما يشبه الفراغ إلى ما لا خير فيه.
فأما الشعب الذي يجد ويكد، والذي يعمل ويأمل، والذي من أجله تقوم الحكومات، وله تعمل، وبه تعنى، وعلى مرافقه تسهر، فهو راضٍ كل الرضى، مطمئن أشد الاطمئنان، حريص أعظم الحرص على هذه الحياة السعيدة التي يحياها في ظل هذه الوزارة السعيدة.
وهذه الصحيفة الفرنسية الوزارية لم تقل هذا الكلام عن جهل، وإنما قالته عن علم، فهي قد أوفدت من زار الأقاليم، وأقام فيها فأطال الإقامة وخالط أهلها فأطال مخالطتهم وتحدث إليهم، وسمع منهم، وعرف حقيقة ما يفكرون وما يشعرون وما يأملون، ثم عاد فأنبأ صحيفته بهذه النتيجة المرضية لهذا البحث المتقن الطويل، وهي أن الشعب لا يريد إلا أن تبقى الحال كما هي، لتنحل الأزمة الاقتصادية، فأما السياسة فلا تعنيه قليلاً ولا كثيراً.
وإذن فيجب أن يطمئن الوزراء فالشعب عنهم راضٍ، ولهم محب، وعليهم حريص. ويجب أن يطمئن الذين يسندون الوزراء، فالشعب فيهم راغب، وبهم كلف مشغوف، ويجب بنوع خاص ألا يسمع الإنجليز لما يقوله خصوم الحكومة ومعارضوها من أن أمور الشعب مضطربة ونفوسه قلقة، وحياته أبعد ما تكون عن الرضى والهدوء والاستقرار.
وإذن فالحديث عن تغيير ممكن أو مطلوب، لغو من الحديث ومخاطرة بمصالح الشعب، وجهل لإرادته، واستماع للقلة من سكان القاهرة والإسكندرية وإعراض عن الكثرة من أهل الأقاليم، والله عز وجل يمنح العقل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والله عز وجل يبيح الرشد لقوم ويحظره على قوم آخرين، والله عز وجل يأذن لقوم أن يقولوا فيسمع لهم الناس، ويفهموا عنهم ويطمئنوا إليهم، ويقضي على قوم آخرين أن يقولوا فلا يسمع لهم أحد، ولا يفهم عنهم أحد، ولا يطمئن إليهم إنسان.
وقد كنا نحب أن نعرف من عسى أن يكون هذا الرجل الذكي الحصيف الذي أوفدته تلك الصحيفة الفرنسية إلى الأقاليم فعلم علم أهلها، وجاء بأنبائهم وعرض آمالهم وأمانيهم في هذا المقال الظريف.
بل كنا نحب أن نعلم، أوفدت هذه الصحيفة رجلاً إلى الأقاليم حقاً، أم طلبت إليه أن يزعم أنه قد وفد على الأقاليم، وأن يجلس في مكتبه ويطلق خياله إطلاقاً ساعة أو بعض ساعة، ثم يكتب ما يمليه عليه هذا الخيال.
وقد كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي زار الأقاليم بعض الشيء، أمصري هو أم أجنبي، أشرقي هو أم أوروبي، أيحسن لغة الناس الذين زارهم وتحدث إليهم، أم يجهلها جهلاً تاماً، أم يلم بها إلماماً يسيراً؟ أيحس هو كما يحس المصريون، ويشعر هو كما يشعر المصريون، أم هو لا يحس إلا ما يحسه بعض الأجانب المقيمين في مصر من الحاجة إلى الحياة الناعمة المترفة، مهما تكن مصادرها، ومهما تفسد حولها الظروف؟
كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي أوفدته تلك الصحيفة هذا كله، لنعلم بعد ذلك أنه يكتب عن علم أو عن جهل، وأنه يكتب عن إخلاص أو عن نية فاسدة، وعن قلب مدخول، ولكن الغريب أن تعلم هذه الصحيفة وكاتبها من رضى الشعب المصري واطمئنانه إلى هذا العهد كل ما تعلم، وأن يجهله الوزراء. فالمفروض أن الوزراء أعلم الناس بحقيقة الأمر في مصر، وإلا فهم أبعد الناس عن الصلاح للنهوض بما ينهضون به من الأمر. لأن الذين يجهلون أمور الشعب لا يصلحون للقيام عليها. والحق الذي ليس فيه شك، هو أن الوزراء يعلمون من أمر مصر وأهلها غير ما تعلمه هذه الصحيفة وكاتبها. فهم واثقون بأن الشعب ليس راضياً ولا مطمئناً، وحياتهم السياسية كلها تبرم من هذا الشعب الساخط، وتأهب لأخذه بالقوة والعنف إخفاءً لسخطه.
وهم من أجل ذلك يحظرون على هذا الشعب كل اجتماع، ويأبون على زعمائه أن يتصلوا به أو يسعوا إليه، كما يأبون عليه هو أن يتصل بالزعماء أو يسعى إليهم. فإذا لم تعنهم الظروف على ما يريدون حشدوا ما وسعهم حشده من الشرطة والجند، واستعدوا للحرب والقتال، وأبلوا في ذلك بلاءً أقل ما يوصف به أنه مضحك، يسري الهم عن النفوس.
هذا كله دليل بالطبع على أن الوزراء مطمئنون إلى رضى الشعب عنهم، وحبه لهم، وحرصه على بقائهم في الحكم إلى آخر الزمان! .
والإنجليز يعلمون فيما نظن من أمر هذا الشعب أكثر مما تعلم هذه الصحيفة، وأكثر مما يعلم الوزراء، فإذا كانوا يعلمون أنه راضٍ، فما بالهم يضطربون هذا الاضطراب، وتختلط عليهم أمورهم هذا الاختلاط؟ فمن المحقق أن أحداً لم يضربهم على أيديهم لينقلوا مندوباً ويرسلوا مكانه مندوباً آخر، كما أن أحداً لم يضربهم على أيديهم ليرسلوا كبيراً من وزارة الخارجية ينوب عن مندوبهم الجديد، إذا سافر ليفاوض أو ليستريح.
وبعد فلمن يكتب هذا السخف، وإلى من يساق هذا الهراء؟ وأي عقول يراد بها هذا التغرير؟ أما الشعب المصري، فإنه يعلم من أمره ما يعلم، وهو لا يقرأ هذه الصحيفة وأمثالها ولا يسمع بها.
وأما الوزراء والإنجليز فهم أعلم بحقيقة الحال من أن يغرهم مثل هذا الهذيان. إنما يكتب مثل هذا الكلام لنفر قليلين من الأجانب يقيمون في القاهرة، أو الإسكندرية، ويقع في نفوسهم ما يسمعون من أحاديث التغيير والتبديل، مواقع مختلفة، فهذه الصحيفة وأمثالها، تريد أن تستبقي ودهم للوزارة واطمئنانهم إليها، وثقتهم بأنها باقية في الحكم. ومن يدري لعل هذه الصحيفة إنما تكتب لنفسها، لا لتغر نفسها ولا لتخدعها عن الحق الذي تعرفه حق المعرفة ولكن لتعيش، وما أكثر ما يكلف طلب العيش بعض الناس من المشقات والأعاجيب حتى إلغاء عقولهم، فكسب العيش في هذه الأيام شيء عسير قد يبيح الناس لأنفسهم فيه ما لا يباح في أيام اليسر والرخاء . . .
طه حسين
الوادي، ٩/٢/ ١٩٣٤ .